02/07/2005

السياسة الهاذية تتحول قتلاً هاذياً

المستقبل - الاحد 26 حزيران 2005 - العدد 1959 - نوافذ - صفحة 10


صالح بشير

عنف أعمى ذلك الذي أودى بحياة جورج حاوي، وقبل ذلك بحياة سمير قصير؟ مُطلِق تلك الصفة قد لا يعنيها حرفيا، قد لا يقصد بالضرورة أن العنف ذاك يخبط خبط عشواء، يصيب ضحاياه كما اتفق ودون تمييز، في ما يشبه لعبة اليانصيب الدموية، بل أن العبارة تلك قد لا تنشد إلا الإفصاح عن مطلق الإدانة وعن أقصى درجات الاستفظاع، غير آبهة بالدقّة. فالدقّة ترف في مثل تلك الحالات، خصوصا إذا كان المرء ميالا إلى التماهي مع الضحية، يشاطرها حيزا من ذلك الفضاء العام الذي كانت تتحرك فيه وتنشط وتعيش، وربما كانت تربطه بها صداقة أو معرفة شخصية مباشرة أو غير مباشرة، ويرى في الجريمة التي نالت منها تهديدا قد ينال منه، استنادا إلى أوجه شبه ما، حقيقية أو متوهمة، تخلق وشيجةً من تماثلٍ بينه وبين الضحية. فإذا المرء ذاك يُسقِط هلعه على العنف، فيصفه بالعمى. وهو على أية حال هلع مفهوم.
والحال أنه ليس هناك من عنف أعمى، في ما عدا الكوارث الطبيعية وانفلات العناصر من عقالها، أي خروجها عن سوية عادية تُنسب إليها، أو في ما عدا ما ينجم عن سورات الغضب أو الجنون. كل عنف، غير ذاك، مُبصِرٌ حديد النظر، أقله من الناحية التقنيّة، خصوصا إذا ما كان على شاكلة الجرائم التي استهدفت جورج حاوي وسمير قصير، وقبلهما الرئيس رفيق الحريري، مع أن استشهاد رئيس الحكومة اللبنانية السابق يندرج ضمن سياق مختلف. فالجرائم تلك كانت عنفا باردا، مُبرمجا مُعدّا، مُعقلنا، إنفاذا إن لم يكن غايةً، يبلغ أحيانا مبلغا من الدقة تضاهي دقة الجرّاحين، يصيب هدفه ويوفر سواه، مثل سائق الفقيد جورج حاوي الذي نجا، إلا من جراح وُصفت بأنها طفيفة أو غير خطرة، مع أنه كان يحاذي المغدور في سيارته.
لذلك، فإن أفظع ما في هذا العنف ليس عماه المفترض، ما دام انتقائيا شديد الانتقائية وعلى بيّنة من أمره، ولكن بكمه. فالعنف ذاك أبكم لأنه لا يفصح عن شيء يُفهم أو يُدرك أو يُخمّن حتى على سبيل الترجيح أو التقدير. فهو عنف "يتدنى" إلى ما دون السياسة، فما عاد يستوي بعدا من أبعادها (وإن مرذولا مُدانا)، إذ لا يحتويه أي من احتمالات توسّله في صددها: فهو لا يبدو شاخصا نحو تحوير ميزان قوة أو الانقلاب عليه، على ما هي الوظيفة "الاعتيادية" للعنف، ولا يبدو وسيلة قصوى، أداتها الموت، لإبلاغ "رسالة" بعينها، تنشد وضوحا قد لا تفي به الكلمات، على ما هي الوظيفة "الاعتيادية" للعنف السياسي أيضا. أما بالنسبة إلى ميزان القوة، فقد حُسِم أمره وحمّ قضاؤه، أو تغيّرت أطرافه ومكوّناته ورهاناته منذ الانسحاب السوري من لبنان. وأما عن "الرسالة" المفترضة لتلك الجرائم، إن سلّمنا بوجودها، فهي لم تصل إلى أحد، أو هي وصلت مشوّشة بالغة التشويش، فلم يتبيّن اللبنانيون وقواهم السياسية ونخبهم مغزى لاغتيال صحافي، يبقى في نهاية المطاف، وبصرف النظر عن إشعاعه الشخصي، غير مستند إلى قوة فاعلة في التركيبة اللبنانية (باستثناء الصحيفة التي كان يكتب فيها ربما) ولا للغدر بسياسي شبه متقاعد، سكرتير عام سابق لحزب تضاءل تأثيره وآل إلى تهميش متزايد في بلد ما عاد يقيم قناعا إيديولوجيا بين الطوائف وتعبيراتها، فطابق بين هذه وتلك على نحو ناجز سافر.
بل إن العنف ذاك "يتدنى" حتى إلى ما دون العنف الأنثروبولوجي أو الإثنولوجي، إن صح الوصفان. فالعنف من ذينك القبيلين، ثأريا كان أو مهما كان منحاه أو مؤداه وحتى إن انضوى في باب الطقوس لا يتعداها، ليس بالعشوائي ولا بالملغز، بل هو مندرج ضمن منطق ما وخاضع إلى قوانين ما، يمتلك ناصيتها الضالعون فيه، مزاولين أو ضحايا، وتبيّنها الدارسون ووقفوا عليها.
أما العنف ذاك، فعصيّ مُبهم. يذهب الناس في تأويله مذاهب شتى ولا يفلحون في فهمه. حتى تعليله بالثأر لا يبدو مقنعا. ضحاياه لم يجنوا ثمار الوضع المستجد في أعقاب الانسحاب السوري، نفوذا وسلطانا، حتى يُثأر منهم، إلا إذا اعتبرنا أن المؤسسات (إذا ما صحّ بأن وراء الاغتياليْن مؤسسات) قد نكصت بـ "الثأر" السياسي إلى سوية الثأر الشخصي، فنزعت عنه كل دلالة أو "جدوى"سياسييْن.
ولكن العنف ذاك سياسي في المقام الأول وربما الوحيد، إن لم يكن من حيث بواعثه (وهذه يتعذر استكناهها والنفاذ إليها) فمن حيث ضحاياه، السابقيْن والمحتملين، إذ ينتقيهم على ما يبدو من بين وجوه الشأن العام وإن لم يتصدروه. غير أنه إذا ما كان العنف السياسي خطابا، أقله حين ينزع إلى توجيه رسائل بعينها وإلى إبلاغها، فإن الخطاب ذاك بات، في صيغته اللبنانية الراهنة لغوا، لا تربط بين دالّه ومدلوله (إن كان له من مدلول) رابطة من معنى ولا يجمع بينهما محتوى يفيد شيئا.
وتكرارا، وإذا كان العنف السياسي في بعض أوجهه خطابا، فإن انحداره إلى سوية اللّغو، على شالكة ما نشهد، إنما يمثل إحدى تجليات تردي الخطاب السياسي، والقول العام عموما، في بلداننا، واستحالته إلى هذيان لا يردعه رادع ولا ينظمه ناظم من منطق أو عقل أو من قيم أو من حس سليم، ولا ينشد مطابقة بينه وبين شيء ماثل وواقعي، إن كمرجع وإن كغاية، واختلاطه لغوا واضطرابه صراخا وجلبةً.
وهل كان لذلك القول الهاذي إلى أن ينتهي، آجلا أو عاجلا، قتلاً هاذياً؟

25/06/2005

حدود «الديموقراطية» الإيرانية

صالح بشير الحياة - 19/06/05//

بين الانتخابات الإيرانية وبين عمليات سبر الرأي (الاستقصاء) شبه أساسي: أن النتائج، في الحالتين، غير ملزمة. فلا تعدو الانتخابات الإيرانية أن تكون، بالتالي، مجرد سبر للرأي بـ«الحجم الطبيعي»، إن صحت العبارة، يشارك فيه مجمل الشعب أو كل متمتع بحق الاقتراع، وليس فقط عيّنة إحصائية وفق مجرى العادة.

فالاثنان يتشاركان في أنهما وسيلة لاستمزاج الرأي العام ولاستجلاء مواقفه من مختلف أوجه الشأن العام، على نحو جزئي أو شامل، لدواعٍ عملية قِطاعية أو سياسية عامة، وليسا أداة لاستخلاص إرادة شعبية ولإنفاذها. والاقتراعان الرئاسيان السابقان، وفوز الرئيس محمد خاتمي فيهما، بسبعة وسبعين في المئة من الأصوات في 1997 ثم بثمانية وسبعين في المئة في 2001، عبرا عن تلك الحقيقة بأجلى صورة.

فالفوزان ذانك، وقد كانا ساحقين بالمقاييس الإيرانية، وهذه لا تسفّ إسفاف الانتخابات العربية التي لا تقنع بما دون التسعة وتسعين في المئة، لم يمكّنا الرئيس المنتهية ولايته من تطبيق البرنامج الإصلاحي الذي انتُخب بمقتضاه، حتى أصاب اليأسُ ناخبيه. والمفارقة تلك معلومة أسبابها، فالسلطة في الجمهورية الإسلامية لا «تحتويها» المراتب التمثيلية أو المنتخبة، من مجلس شورى (برلمان) أو رئاسة جمهورية (في نظام يُفترض أنه رئاسي، حسب الاصطلاح الغربي)، بل يتولاها مجلس صيانة الدستور الذي قد يبطل قانونا صوتت عليه أغلبية متينة صريحة، ومرشد الجمهورية الإسلامية «خليفة» الإمام الخميني على رأس الدولة، بمقتضى نظرية «ولاية الفقيه».

ولعل ذلك ما يفسر الديموقراطية النسبية التي تتمتع بها الانتخابات الإيرانية، قياسا إلى نظيراتها العربية. فالانتخابات تلك تشهد حملات حقيقية، وتتسم بتعددية أصيلة، كما دلت تلك التي جرت يوم الجمعة الماضي, لأنها مأمونة العواقب بالنسبة إلى الإكليروس الحاكم، فلا ينجم عنها تغيير لموازين القوة الداخلية. وهي لذلك تمثل صيغة لمداورة الديموقراطية، تمكّن من الإقبال على هذه الأخيرة، وقد أضحت أقنوما كونيا يأخذ به حتى أعداؤه، مع استبعاد تبعاتها، ولكن بطريقة أرقى، أو لنقل أقل سذاجة أو فجاجة، من تلك التي اهتدى إليها المستبدون العرب، ممن ينظمون انتخابات غير تعددية، أو بتعددية مسخ، إن لم يكتفوا بالاستفتاء، كما لا يسمحون إلا بمرشحين لا يخوضون حملتهم بل يتبارون في الإشادة بحكمة «الرئيس القائد» الذي يُفترض فيهم منافسته، وتنتهي بتلك النتائج المعلومة. ربما عاد ذلك إلى الفارق بين نخبنا ونخبهم وبين شعوبنا وشعبهم، وتوزع هذه وتلك بين الخوف والانتهازية، علما بأن بعض حكامنا بلغ به التهافت والسخف بحيث أن الضحك منه والهزء به، لو أجمع عليهما الناس، قد يتكفلان بمفردهما بإسقاطه!

لقائل أن يقول ما الفارق، من حيث النتيجة، بين تشويه الديموقراطية على الطريقة العربية وبين تزويرها على المنوال الإيراني؟ نظرياً وآنياً، لا فارق. لكن ما لا شك فيه أن الأنموذج الإيراني، إذ يمارس قدرا ملحوظا من الديموقراطية مكتفيا، عمليا، بالتنكر لنتائج العملية الاقتراعية، قد يتضمن من حيث لا تدري أو لا تريد الأوساط المحافظة المتسلطة على زمام الأمور في ذلك البلد خميرة الانتقال إلى الديموقراطية، أو قد يكون واعدا في هذا الصدد بأكثر مما هي عليه الحال في البلدان العربية. فأصالة المنافسة الانتخابية، حتى وإن لم تبلغ مآلها الطبيعي، أي التداول الفعلي للسلطة، إضافة إلى حيوية النخب الإيرانية وتنوعها وعنفوان سجالاتها العامة، التي تخوضها لا سيما في صحفها التي تبلغ المئة أو تزيد، هي من الأمارات على وجود ديموقراطية محبطة، وهي لذلك ربما كانت قابلة للاستكمال، لا على غياب الديموقراطية أصلا، أي تلك التي لا تكاد تلوح بعض تباشيرها، بضغط خارجي في الغالب، حتى يصار إلى إجهاضه فورا. ذلك أن المجتمع الإيراني يمكن وصمه بكل شيء إلا بالركود، إذ يُلاحظ تفاوت لافت باد للعيان وعادة ما تكون الانتخابات فرصة امتيازية للتعبير عنه، بين حركية المجتمع وبين جمود السلطة، وهو تفاوت قد لا يسرف المرء في المجازفة إن توقع بأنه لا يمكنه أن يُحسم، في موفى أجل ما، إلا لصالح الأولى.

ذلك على الأقل ما توحي به تجربة «الثورات الديموقراطية» التي شهدتها أوروبا الوسطى والشرقية وأفضت إلى انهيار أنظمتها الشيوعية أو أعقبت اضمحلال ما كان يُسمّى بـ«المنظومة الاشتراكية»، فقد تحققت تلك الثورات عندما بلغ التفاوت بين حركية المجتمعات وجمود الأنظمة الحاكمة، درجة باتت معها هذه الأخيرة، بالرغم من توتاليتاريتها المعلومة، غير قادرة على احتواء تلك الحركية أو كبتها والتحكم فيها، فتهاوت بيسر مذهل.

غير أن ذلك لا يعني أن نظام الملالي في إيران سيأتي عليه «انفجار داخلي» كذلك الذي أودى بالأنظمة الشيوعية. بل الأرجح أن يشهد تغييرا على نحو تدريجي إصلاحي. والاحتمال ذاك بوادره ماثلة، ليس فقط في ما يعتمل داخل المجتمع الإيراني من غليان فكري وسياسي واجتماعي وجيلي (نسبة إلى الأجيال)، بل هي تندرج في تركيبة النظام ذاتها. فالنظام ذاك، إذ يتضمن مراتب ومؤسسات مُنتخبة، وإن حُرمت من صلاحيات السلطة أو لم يُتح لها إلا القليل النافل منها، ربما اكتسب إمكانات تطويره من داخله، أي من خلال نضال يكون رهانه وهدفه تحويل تلك المراتب والمؤسسات إلى أداة فعلية لمزاولة الإرادة الشعبية ولإنفاذها، خصوصاً أن نظام الجمهورية الإسلامية يتسم بسمة قد تكون فريدة قياسا إلى النماذج الاستبدادية المعهودة، تلك المتمثلة في أنه أقرب إلى أن يكون ضربا من «ديموقراطية مقلوبة»، إن جازت العبارة: ففي حين أن المؤسسات التمثيلية في الديموقراطيات العادية هي الممسكة بزمام السلطة الفعلية، في حين تكتفي المؤسسات غير المتخبة بتولي وظيفة الإشراف أو بالاضطلاع بسلطة رمزية، نرى عكس ذلك تماما هو المعمول به في إيران، حيث يقف النظام على رأسه، بهذا المعنى، وربما أمكن لدمقرطته أن تتحقق من خلال جعله يقف على رجليه.

هل يكون القول بذلك إسرافا في التفاؤل؟ قد يكون، لكن يبقى أن إيران من البلدان القليلة في المنطقة حيث يواكب الضغطَ الكوني باتجاه الديموقراطية توقاً داخلياً جارفاً تحمله، كذلك، قوى فاعلة.

محاكمة مايكل جاكسون

المستقبل - الاحد 19 حزيران 2005 - العدد 1952 - نوافذ - صفحة 11




صالح بشير

زعم الصحافيون أن مايكل جاكسون خرج من المحكمة التي برأته مبتسما، ولكننا، نحن جمهور التلفزيون، لم نر ذلك. رأينا "ملك موسيقى البوب"، كما لقبه محبّوه وواضعو استراتيجيات تسويقه، يغادر كالإنسان الآلي، يحرك يده بتحية رتيبة كرقاص الساعة، ولم نلحظ على ملامحه أثرا لعاطفة أو لمشاعر. لا شك في أنه كان سعيدا بإعلان براءته، ولكن التعبير خانه، أو هو الذي خان التعبير، مرّة واحدة وأخيرة، منذ أن فعل ما فعل بوجهه.
إذ أنّى للمرء أن يبتسم بوجه غير وجهه؟ ومايكل جاكسون رجل بلا وجه، أو أنه يمتلك وجها اصطنعه اصطناعا، فأضاع وجهه الأصلي وافتقده دون أن يكتسب سواه. قد يكون ندم على فعلته تلك، لكن الندم ذاك، مثله في ذلك مثل الأسف أو الأسى أو الفرح أو سواها، لن يرتسم يوما مرارةً على القسمات ولن يُضفي على الملامح مسحةً. ولعل ذلك أشنع ما فعله الرجل بنفسه، إذ أضحى أسير وجه مصطنع، يستوي دونه والعالمين ستارا منيعا، ويجعل ما قد يعتمل في أعماقه دفين تلك الأعماق لا يبرحها، يقبره ويئده وأداً. مأساته أنكى من مأساة دوريان غراي بطل رواية أوسكار وايلد الشهيرة، وليس فقط لأن هذه الأخيرة مُتخيّلة وتلك الأولى حقيقية. فدوريان غراي، وإن احتفظ بشباب وبنضارة أبديين، كانت له صورة تكابد الزمن وتصاريف الوجود مكابدة، يرتسم عليها ما لا يرتسم على وجه صاحبها، وجها بديلا "يدوّن" سيرته ويشهد عليها، مرآة تنعكس على صفحتها حياته وتقلباتها وتخط عليها تجاربُه آثارَها. أما مايكل جاكسون، فيعبر الحياة كتمثال من شمع، وحيد في "شمعيته" لا ينتمي إلى فصيلة بعينها، أحرق كل آصرة تربطه بالحياة الحقيقية. كف عن أن يكون أسود دون أن يصبح أبيض. أو هو اكتسب بياضا كبياض الموادّ لا كبياض البشر، إذ يقول من قاربوه أن لوجهه لون الجبس.
يُقَرّ لمايكل جاكسون بأنه امتلك ناصية صورته، يجترحها ويفتعلها وفق هواه ونزواته وإرادته، كما لم يسبق لكائن أن فعل، إلا في الأساطير ربما، فأوغل في ذلك حتى خرج من السويّة البشرية، أو بات على تخومها القصوى وعلى حواشيها البعيدة، حلقةً بينها وبين عالم الآلة. فمغني البوب الأميركي قد يمثل وعدا، أو بالأحرى وعيدا بالإنسان "البيوني"، النصف آلي والنصف البشري، كما تفننت في وصفه روايات وأفلام ما يُعرف بـ"الخيال العلمي"، فما عاد ينتمي إلى عالم الأحياء إلا إن طبقنا عليه نظرية ريتشارد داوكينس. والمفكر هذا، وهو دارويني قد يكون متطرفا في داروينيته، يرى، في كتاب له بعنوان "الساعاتي الأعمي" أو "صانع الساعات الأعمى" (The blind watchmaker)، أن ما يميّز أشياء الفيزياء عن أشياء البيولوجيا أن الأولى بسيطة التركيب لا تبدو شاخصة نحو غاية، في حين أن الثانية بالغة التعقيد ويبدو أنها قد وُجدت لهدف أو لوظيفة، فلا يتورع، اعتمادا على تقسيمه هذا، عن إدراج الآلات، من طائرات وسيارات وكمبيوترات وما إليها، مع أنها من معدن ومن بلاستيك، في عداد البيولوجيا، لأنها معقدة التركيب أو هي نتاج العقل البشري، هو وبدوره بالغ التركيب، كما أن لوجودها غاية ووظيفة.
هذه النظرية القابلة لجدل كثير، إذ تبدو قائمة على استقراءات أقرب إلى السفسطائية، ربما وجدت في مايكل جاكسون، ككائن مادته الأولى طبيعية ولكن هيئته "النهائية" مُنتج من منتجات التكنولوجيا (الطب وجراحة التجميل)، "الدليل" الأول والوحيد، أقله حتى اللحظة، على صحتها.
ولكن ما هي الوضعية القانونية لكائن كهذا، متلبس بين الإنسان والآلة، بين الطبيعة والاصطناع، وأي السمتين هي الغالبة عليه؟ وهل كان للالتباس ذاك من فعل في توجيه محاكمته وفي نيله البراءة؟ فهو كإنسان عاقل، تُفترض فيه المسؤولية على أفعاله، أو يُفترض فيه "التكليف" كما كان يقول القدامى، أما جانب الاصطناع والآلية فيه فربما جعله في حل من كل مسؤولية. لم يُثر الإشكال هذا على نحو صريح، ولكنه قد يكون خامر، وإن على نحو ضمني أو غير واع، هيئة المحلفين التي نظرت في قضية مايكل جاكسون. إذ لا شك في أن محاكمة إنسان أشبه بتمثال من شمع ليست بالأمر الهيّن. فـ"الشيء" ذاك قد يثير مشاعر، إيجابية أو سلبية، من تعاطف أو من اشمئزاز، ولكنها بالتأكيد ليست من قبيل المشاعر التي يستثيرها البشر، ويمكن ترجمتها، تبعا إلى ذلك، إلى حكم قانوني. ولا ريب أن تبيّن الإنسان خلف القناع الاصطناعي لذلك المتهم الماثل أمامهم، أو النفاذ إلى إنسانيته القابعة دفينةً وراء شيئيته، كانا يتطلبان من أعضاء هيئة المحلفين، وهم في الغالب من الناس العاديين، متقاعد أو ربة بيت أو ما إلى ذلك، قدرة على التجريد هي بالتأكيد غير يسيرة في المتناول.
هل ارتكب مايكل جاكسون ما اتهم به؟ هل تحرش جنسيا بالأطفال وهل ناول أحدهم مشروبات كحولية وعلّم آخر كيفية الاستمناء؟ أم هل أنه كان في ذلك ضحية تهم باطلة تستهدف ابتزازه؟ تعلقه بالأطفال واصطحابه لهم إلى فراشه، إضافة إلى قضية سابقة انتهت بصفقة دفع بموجبها عشرين مليون دولار حسب الشائعات (الشائعات تتعلق طبعا بالمبلغ لا بالقضية)، ربما أوحت بأن براءته ليست ناجزة ناصعة. كما أن جشع الأمهات اللواتي ألقين بأبنائهن في أحضانه أملا بابتزازه ليس بالأمر المستبعد. لكن الحكم ببراءة مايكل جاكسون قد لا يكون عائدا فقط إلى ترجيح الاحتمال الثاني وتغليبه على ذلك الأول، ولا حتى إلى براعة محاميه في التأثير في المحلفين، وفق تلك السنة الأميركية المعلومة، والتي مفادها أن القضاء لعبة نفوذ مالي أولا وأخيرا، يحسمها في نهاية المطاف المال وحده. بل إن حكم البراءة ذاك ربما كان ناجما أيضا عن تلك الحيادية الجنسية التي يفترضها البشر في الأشياء، ومايكل جاكسون بات شيئا، أو باتت تغلب عليه الشيئية، وإن نطق وتحرك وغنّى ورقص.
فمغني البوب الأميركي مسخٌ، تواطأت الحداثة وإمكاناتها التكنولوجية مع عنصرية المجتمع الأميركي على خلقه. رجل أراد أن يكون أبيض فلم يفلح إلا في أن يكون شيئاً... وهل تُحاكم الأشياء؟