22/07/2005

مجزرتان ينبغي استخلاص الدروس من إحداهما!

صالح بشير

 

المستقبل - الاحد 17 تموز 2005 - العدد 1980 - نوافذ - صفحة 10

 

بلغ من فظاعة تفجيرات لندن، إن توقفنا عند ردود الفعل عليها، أن جبّت، في مضمارها الإجرامي، الكثير مما سبقها، وربما ما أعقبها وما سيعقبها في مستقبل الأيام، إن صحّ وجاز مثل ذلك الجبّ المستقبلي!
فقد تفوق الإرهابيون على أنفسهم بعيد عمليات لندن (مبرهنين على أن التفوق ذاك في متناولهم وفي مستطاعهم دوما واضطرادا)، حتى في العراق الذي شهد من ارتكاباتهم أشنعها وأقصاها، حتى خيّل إلينا أنهم استنفدوا الفظاعة واستوفوها، وما عادوا قادرين إلا على تكرارها تكرارا رتيبا مضجرا، أقله في نظر من تبلد لديه كل إحساس، فاقترفوا في بغداد، يوم الأربعاء الماضي، ما عُرف بـ"مجزرة الأطفال"، إذ انفجرت سيارة مفخخة، يقودها انتحاري، بين جمع من الصبيان، تتراوح أعمارهم بين العشرة والخمسة عشر عاما، كانوا يتحلقون حول جنود أميركان، يلاعبونهم ويوزعون عليهم ما تيسر من اللعب والحلويات.
ثلاثون طفلا عراقيا قضوا وتشظت أجسادهم الغضة إربا مقابل النيل من جندي أميركي واحد!. تلك هي حسابات الربح والخسارة كما يراها "العقل" الإرهابي، إن كان للإرهاب عقل. أو أن الأطفال أولئك أقدموا على "التطبيع" مع قوات الاحتلال، واستحقوا القصاص تقتيلا وعبرة لمن يعتبر. لو كان بالإمكان مجادلة الإرهابيين والنفاذ إلى عقولهم بالحجة، لقيل لهم أن تسليط العقوبة (إن سلمنا بأحقية الإرهابين في تسليطها) يفترض، حسب الشرع الذي يزعمون الأخذ به حرفيا، الرشد والعقل، وأنه لا حرج ولا وزر على مجنون أو طفل (ذلك الذي تسميه العاميّة العراقية، لحكمة فيها عميقة، ("جاهلا")، غير أن مثل تلك المحاججة لن تجدي نفعا، وهي على أية حال ليست موضوعنا هنا.
ما يهمنا أن تفجيرات لندن جبّت، على نحو مسبق، مجزرة أطفال بغداد، مع أنه لا تراتب ولا مفاضلة بين الضحايا، ولو سلمنا جدلا بوجود مثل ذلك التراتب ومثل تلك المفاضلة، لرجحت كفتهما إلى صالح الأطفال العراقيين. ولكن ذلك لم يحدث، مجزرة الأطفال مرت خبرا عابرا بين أخبار العنف المستشري في العراق، تفصيلا لا يستوقف إلا لحظة إعلانه ونشره على الملأ، أما تفجيرات لندن، فاستمرت، أياما بعد اقترافها، تستأثر بالاستنكار والإدانة والجدل والتحليل وشتى ردود الفعل.
والتفاوت ذاك ربما عاد إلى ما هو أنكى من مجرد العمل بـ"مبدأ" الكيل بمكيالين، وهو كما هو معلوم موضوع شكوى ونحيب عربيين مريرين مقيمين. بل إن التفاوت ذاك ربما أفصح عن تواطؤ، استقر في غفلة من الجميع ومن كل حس نقدي، مع الإرهابيين في النظر إلى ذلك الضرب من العنف، وخطير بالغ الخطورة مع ذلك أو بسبب ذلك، مفاده أن الجرائم ما عادت تُقوّم من حيث فداحتها كجرائم ضد الإنسانية، بل أساسا وربما حصرا، من حيث دلالاتها الأمنية والسياسية والاستراتيجية وما إلى ذلك. ومن زاوية النظر هذه، تكون مجزرة أطفال بغداد مجرد تفصيل في وضع عراقي يتسم باستشراء العنف، لا تعبر عن جديد ولا تفصح عما لا نعلمه أصلا، واستحقت تاليا ذلك التناول العابر الذي كان من نصيبها، في حين أن تفجيرات لندن، ثرية بالدلالات أو بالتساؤلات، حول قدرة تنظيم "القاعدة"، أو بعض فروعه، على توجيه الضربات في عقر دار الغرب، وحول مدى حضور جماعات العنف بين أوساط الجاليات المسلمة في أوروبا الغربية، وحول قدرة تلك الجاليات على الاندماج في مجتمعاتها الجديدة والأخذ بنمط حياتها وقوانينها وقيمها، وحول الأثر المحتمل لتلك التفجيرات على انخراط الحكومة البريطانية في الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة في بلاد الرافدين. وفي الحالتين، وسواء تعلق الأمر بتفجيرات لندن أو بمجزرة الأطفال في بغداد، لم يكد يُعبأ بضحايا تلك الجرائم في ذاتهم، بل نُظر إليهم كـ"مفردات" في خطاب دام، تُسبغ عليها، أو لا تُسبغ، دلالات.
وفي ذلك ما قد يفيد بأن منطق الإرهابيين، الذي يتوسل جثث الأبرياء، لغاية ينشدها أو لأمر يريد التعبير عنه، ربما أصاب بعدواه سواه، وخصوصا من يزعمون بأنهم نقيضه الناجز، ويحاربونه على الأساس ذاك.
ثم إن جرائم الارهاب تلك، وخصوصا تفاوت ردود الفعل عليها استفظاعا أكثر وأقل، ربما كانت مؤشرا على استحكام النظرة الجوهرانية، المواكبة والملازمة لصحوة الهويات منذ نهاية الحرب الباردة، في التعاطي مع الذات ومع الآخر. وحسب هذه النظرة الجوهرانية، يكون الإرهاب في العراق جزءا أو وجها من طبيعة الأشياء، لا يبلغ مبلغ الاستثناء حتى وإن تمثل في جريمة بفظاعة مجرزة أطفال بغداد، ولكنه يصبح كذلك، أي بلغ مبلغ الاستثناء الذي يجافي سوية سليمة، إذا ما تعلق الأمر بتفجيرات لندن. والفارق بين الأمرين لا يعني طبيعة تلك الجرائم وهوية ضحاياها أو من تستهدفهم وتنال منهم، بقدر ما يعني مكان اقترافها، والمكان ذاك ليس جغرافيّا بقدر ما هو حضاري وثقافي وقيمي.
لذلك، سرعان ما يُصار إلى الاستجارة بنظرية "صدام الحضارات") وهذه، مثلها في ذلك مثل كل النظريات والأفكار الخاطئة، عصية عنيدة)، ما إن تجدّ جريمة إرهابية في بلاد الغرب كتلك التي شهدتها. فإذا كل فعلة كتلك طور أو فصل في صراع وجود، في نزاع نفيٍ متبادل بين "نحن" جامعة و"هم" مانعة. توني بلير نفسه، مع أنه سارع إلى تبرئة غالبية مسلمي بريطانيا وسوادهم الأعظم، بادر إلى إدراج مرتكبي تلك الجريمة في ثقافة تناقض جوهريا "قيمنا ونمط حياتنا" ، تماما كما فعل الرئيس جورج بوش, وحتى الكاردينال سودانو، وزير خارجية الفاتيكان، قبل أن يصوبه البابا بينيديكتوس السادس عشر.
وبذلك، يصار إلى إسباغ صفة التمثيل على مجموعات إرهابية شاذة، تُحسب هي المعبرة عن جوهر ثقافة بعينها أو عقيدة دينية، حتى وإن انحصرت في حفنة من الشبان من بعض ضواحي إحدى المدن البريطانية، في حين لا يكاد يُعبأ باستنكار الأغلبية المسلمة، أفرادا كانت أم مؤسسات، إلا من باب تجنيده في الحرب ضد الإرهاب. أما الإسلام في ذاته، فقد افتُعل له جوهر فريد، عُدّ إرهابيو القاعدة تعبيره الأجلى وربما الحصري. وهذا أيضا من أوجه الخضوع إلى منطق الإرهابيين والتسليم به.
وإذا كان الإرهاب قد تمكن من فرض منطقه على أعدائه على نحو ما أسلفنا، ففي ذلك ما قد يدل على ان الحرب ضده قد مُنيت بالفشل.

قصة أيمن أبو صبح الذي أصبح من محتلّي بلده

صالح بشير

 

المستقبل - الاحد 10 تموز 2005 - العدد 1973 - نوافذ - صفحة 10

 

قصة أيمن أبو صبح، الشاب الفلسطيني الذي أضحى أمنون يتسحاق ـ شاتحر، لم توردها وسائل إعلامنا الرصينة، لاعتقادها ربما أن إيراد خبر عن حاكم عربي عقد ندوة تبحث في "فضاءات (بمعنى الخواء الصفصف؟) الإبداع والحرية" في "نصوصه" (قصصه ورواياته المنشورة) أو ما شابه ذلك من ظواهر إسفافنا الوفيرة، عين الرصانة، أو ربما كان حافزَ ذلك الإحجام التستر على فعلة معيبة، على ما هو ديدن عقليتنا التي درجت على اعتبار الوقائع، متى أحرجت وأخجلت، عاراً مآله الإغفال والكتمان.
يعسر على عقلية كتلك إدراك ما تتعذّر ترجمته الى شعار رنّان والتعبير عنه بواسطته، أي النفاذ، في حالتنا هذه، الى التراجيديا الكامنة وراء "الخيانة" التي اقترفها الشاب أيمن أبو صبح، إذ اعتنق اليهودية وتحوّل إسرائيلياً وطلب الانضمام الى جيش الدولة العبرية، بل والخدمة، في صفوفه، في الأراضي الفلسطينية تحديداً! على ما قال ذلك الشاب الذي بات يُدعى "أمنون"، فاختار اسماً قريب الجرس من اسمه "الأصلي"، أو ذلك الذي كان بعض هويته الموروثة... اسماً يستعيد كامل أحرف اسمه الأصلي وربما معناه، إمعاناً في جبّه لأن أبلغ الإلغاء وأقصاه وأكثره إحكاماً وإبراماً إنما هو إلغاء الأصل بالشبيه لا بالمغاير. ذلك أن أيمن ـ أمنون لم يتنكر لهويته الأصلية، أو تلك المُعطاة بفعل الولادة والتنشئة، بل انقلب عليها أو قلبها الى ضدها الناجز. والفارق بين الأمرين هائل وإن بدا دقيقاً. فأيمن الذي أضحى أمنون، هو ليس فقط المسلم الذي اعتنق اليهودية، بل هو تحديداً وتخصيصاً الفلسطيني الذي بات إسرائيلياً، وضحية الاحتلال الذي يطمح، بانخراطه في الجيش الإسرائيلي، في أن يصبح جزءاً فاعلاً في عداد الاحتلال وفي آلته وفي قوته. وبما أن الاحتلال هو جوهر العلاقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فإن أيمن ـ أمنون اختار أن يقلب موقعه في تلك العلاقة من النقيض الى النقيض، رأساً على عقب. تماهي الضحية بالجلاد، نزوعاً الى التشبّه أو اجتراء على الخيانة، ليس بالأمر الجديد، بل هو قديم قدم الجنس البشري، ضارب في سحيق علاقات الغلبة والسيطرة والإكراه. ولكن أيمن ـ أمنون ذهب في ذلك الشأو الأبعد، إذ اتخذ العدو (السابق) ذاتاً وهوية. شأنه في ذلك ليس شأن سائر "العملاء والخونة" المعتادين، من عرب يعملون في صفوف الجيش الإسرائيلي أو من وشاة جندتهم، ضد ذويهم وبني جلدتهم، الموساد وسواها من أجهزة الاستخبارات، إذ لا يعدو أولئك أن يكونوا من بعض أوجه الخضوع الى الاحتلال ومن بعض منطق ذلك الخضوع، في أكثر تجلياته شيناً وازراءً، في حين أن أيمن ـ أمنون بات محتلا!
ومثل ذلك التحول قد لا تفي به، تفسيراً وتعليلاً، السيرة الذاتية لذلك الشاب، كما روى أطوارها لإحدى الصحف الإسرائيلية. فهو تحدث عن إعجابه بطريقة الحياة الإسرائيلية، منذ أن كان طفلاً يصاحب والده الى العمل داخل الدولة العبرية. كما أنه تحدث عن اعتقال وتعذيب قال أنه تعرّض لهما على أيدي بعض أجهزة الأمن الفلسطينية، لشبهة العمالة أو تعدياً وتجاوزاً، وعن أسرة إسرائيلية تبنته "روحياً" إن لم يكن قانونياً، وساعدته على اعتناق اليهودية. ليس في هذه السيرة، على ما قد يكون قد تخللها من معاناة أو من إجحاف، ما من شأنه أن يفسر انقلاباً جذرياً كذلك الذي أقدم عليه أيمن ـ أمنون. التفاوت أو عدم التناسب صارخان إذن بين مقدمات ذلك التحول (كما توحي بها سيرة الفتى) وبين ما يتسم به من خطورة ومن استثنائية، وذلك ما لا سبيل الى تذليله إلا بالكف عن البحث عن دلالة ذلك التحول على لسان صاحبه الذي أتاه أو كابده، واعتبار الفتى ذاك وتجربته القصوى تلك أداةً "توسلها" النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني للتعبير عن مدى إعضاله.
فالقصة تلك ربما عبرت، عن طريق الكناية، أو على طريقة "برهان الخُلف" كما يقول أهل المنطق، عن أن لا حل لذلك النزاع إلا باندثار أحد طرفيه أو بفناء أحدهما في الثاني، وذلك، في الحالتين، عين الاستحالة. أيمن ـ أمنون فعل ذلك على طريقته، وأوغل في ذلك المنطق حتى مآلاته القصيّة، حتى بلغ مرتبة تقع في ما وراء الخيانة، حتى آل الى الانقلاب على الذات، على نحو مبرم جذري، كأنما الفتى سلّم بأن الاحتلال، وهو جوهر العلاقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين كما سبقت الإشارة، قدر لا فكاك منه، وأن كل المتاح إنما هو تغيير موقعك في تلك العلاقة. وذلك أمر ليس أكثر دلالة على تعذّره وامتناعه من "نجاح" أيمن ـ أمنون في تحقيقه وبلوغه فردياً...
ولعل ذلك هو ما يفسر، في العمق، عسر التوصل الى تسوية لذلك النزاع. وهو عسر ربما مثلت سياسات شارون وتعنته وتطرفه وعدوانيته، نتاجه لا علته. إذ أن فكرة التسوية، في شأن النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني، وبخلاف كل نزاع سواه ربما، تقوم على مبدأ تقاسم ما لا يمكن تقاسمه، أي ليس فقط الأرض أو الحياة (كما في العلاقة الزوجية مثلاً، مع أني أرتاب شديد الارتياب في هذا الزعم على الرغم من ترديده منذ آلاف السنين)، بل تقاسم الوجود، وهو ما لا يمكنه أن يتحقق. تقاسم الأرض، في صورة التوافق عليه، قد يفضي الى تسوية "واقعية" أو "براغماتية"، ولكنه لن يفضي أبداً الى تسوية حقيقية، الى تعايش عادي، وذلك ما يعلمه الإسرائيليون علماً يقينياً، يجعلهم لا ينظرون الى علاقتهم بالفلسطينيين إلا من زاوية ميزان القوة، في أكثر تجلياته سفوراً وفظاظة، ومن تلك الزاوية حصراً.
ذلك أن العلاقة بين الطرفين لبّها الاحتلال، وهذا جوهري في المشروع الصهيوني وليس عارضاً كما هي الحال بالنسبة الى الإمبراطوريات الاستعمارية السابقة، وهو لذلك سيظل ماثلاً لدى الفلسطينيين، في نظرتهم الى ذاتهم الوطنية، حتى وإن تمكنوا من إقامة دولتهم المستقلة على بعض أرضهم، كما أنه سيظل ماثلاً لدى الاسرائيليين لعلمهم بأنه أساس وجودهم في المنطقة.
لذلك، لن تكون "التسوية"، إن تحققت، أكثر هدنة قد تقصر أو تطول. فمنطق ذلك النزاع وطبيعته لا يتيح غير ذلك...

16/07/2005

مصاعب أميركا في العراق قد لا تفضي الى هزيمتها

صالح بشير     الحياة     - 10/07/05//

 

الاخفاق الأميركي في العراق جليّ باد للعيان، لا ينكره إلا مكابر، من طينة الرئيس جورج بوش، المقيم على إشادة بالذات ما عادت تقنع أحدا، تُوهِم بنجاحات لا تُرى بالعين المجردة أو هي من قبيل التأكيدات التي تُلقَى على عواهنها ولا تفيد شيئاً. من هذا القبيل القول إن العالم بات أكثر أماناً منذ إسقاط صدام حسين، علما بأن النجاح ذاك يعود إلى أكثر من سنتين ولم يُنجز بعده شيء يُذكر.

لكن الاخفاق ذاك يبقى نسبيا، أقله حتى اللحظة. إذ بين الفشل في إحكام السيطرة على العراق وبين الهزيمة، أو دنوّ ساعتها واقتراب أوانها، بون شاسع وفارق فلكي. ففي مواجهات كتلك الدائرة في بلاد الرافدين، تتسم بتفاوت في القوة وفي الإمكانات، لا يتحقق النصر على القوات المحتلة في مواجهات تقليدية على ساحات الوغى (ربما كانت معركة ديان بيان فو التي انتصر فيها الفيتناميون على الفرنسيين في أوسط الخمسينات من الاستثناءات في هذا الصدد)، بل من خلال جعل الاحتلال عبئا باهظ الكلفة على المحتلّ، أمنياً وعسكرياً وبشرياً وسياسياً ومالياً، على ما هو معلوم إلى درجة الابتذال، يشهد به تاريخ حركات التحرر قاطبة.

والحال أن النزاع الدائر في العراق لا يبدو أنه بلغ هذه المرحلة أو أنه سيبلغها قريبا، إن هو استمر وفق منطقه ووتيرته الراهنين. فإذا كانت المقاومة، سواء لابسها الإرهاب أو لم يلابس، قد أفلحت في الحؤول دون استتباب الأمور للأميركيين وفضحت فشلهم في ذلك وأبرزته، إلا أنها حتى الآن لم تتمكن من تكبيدهم باهظا ثمن إخفاقهم ذاك، بالمعنى الذي سبقت الإشارة إليه.

يعود ذلك إلى سبب أساسي مفاده أن الولايات المتحدة إذ تمكنت من «عرقنة» المشكلة استطاعت أن تدرأ عن نفسها كلفتها، وجعلت وزر هذه الأخيرة يقع في المقام الأول على العراقيين، مؤسسات ومرافق ومواطنين. وهو ما أفضى إلى وضع مفارق قد يكونٍ على بعضٍ من فرادة في مثل هذه الحالات، حيث يُخفق الاحتلال في إحكام سيطرته لكنه لا يكون هو الذي يبذل ثمن ذلك الإخفاق.

هل انبنى ذلك على استراتيجية إرادية وواعية من قبل واشنطن، توقعت طول المواجهة واستمرارها (اثني عشر عاماً على ما صرح دونالد رامسفيلد مؤخراً)، فرأت أن تخوضها حرباً استنزافية بالواسطة، ساعية إلى تجنب ما يُعتبر عقب أخيل كل قوة محتلة؟ قد يشك المرء في وجود مثل هذه الاستراتيجية بالنظر إلى ما اتسم به سلوك القوة العظمى الوحيدة من ارتجال وتجريبية في تعاطيها مع الوضع العراقي، لكن مجريات الأمور في بلاد الرافدين تميل إلى ترجيحها خُطةً مُتوخاة. إذ سرعان ما استبدلت الولايات المتحدة طاقم الساسة المنفيين الذين اصطحبتهم معها لدى دخولها العراق وشكلت منهم في بداية أمرها مجلس الحكم الانتقالي، بحكومة موقتة (برئاسة أياد علاوي)، تضم قوى تتمتع بحضور داخلي، ثم بحكومة ابراهيم الجعفري الحالية، الناجمة عن انتخابات، كانت، أقله على الصعيد التقني، على قدر من شفافية ومن نزاهة بالنسبة إلى من خاض غمارها، وحظيت بمشاركة ضخمة من جمهور الناخبين، وإن على أسس طائفية، مذهبية أو عرقية، حتى أن من قاطعوها من أوساط الطائفة السنية طعنوا في شرعيتها لا في طريقة إجرائها.

نتيجة كل ذلك، إضافة إلى تشكيل قوات عراقية، أمنية وعسكرية، أوكلت إليها مهام إحلال الاستقرار ومجابهة العنف، مقاوماً كان أم إرهابياً، أن المواجهة باتت عراقية - عراقية على نحو يكاد يكون حصرياً، على ما يشهد عدد وهوية ضحايا العنف الذي استشرى وتفاقم في الآونة الأخيرة، وأثخن في أبناء البلد وفي مؤسساته أكثر مما نال من القوات المحتلة. أما كون «عرقنة» المشكلة، على نحو ما هو جار الآن، قد تفضي إلى الاحتراب الأهلي، فذلك ما قد تكون الولايات المتحدة تعتبره مخاطرة محسوبة، مستندة إلى أن عديد قواتها في بلاد الرافدين من شأنه أن يردع تحوله إلى نزاع مفتوح، فيبقى في حدود ما هو عليه الآن، تبادلاً لعلميات الاغتيال وللتفجيرات هنا وهناك.

حتى التلويح بالتفاوض مع بعض حركات التمرد، يمكنه أن يكون حمّال أوجه. فهو قد يكون عرضا جديا، وازعه الوعي بأنه لا سبيل إلى حلّ يكتفي بالوسائل العسكرية، كما قد يكون وسيلة لإحلال الخلاف والتنافر بين المجموعات المسلحة الناشطة في العراق، محلية كانت أو وافدة، والتي لا يمكنها إلا أن تتواجه بين قابل بذلك العرض، لاعتبارات وطنية أو فئوية، وبين رافض له، إما لأنه بات يرى النصر في المتناول، أو لأنه يخوض صراعا كوني المدى، قليل الاكتراث بالعراق في ذاته وككيان، على ما هي حال أبي مصعب الرزقاوي، كما يتبدى من أفعاله وأقواله الأخيرة: من تشكيله لقوة مهمتها محاربة الشيعة، إلى رفضه التمييز بين «مقاومة شريفة» وأخرى «غير شريفة»، حسب تعبيره، إلى الحرب التي شنها على الممثليات الدبلوماسية في بغداد، وكان اختطاف السفير المصري ثم أحد أبرز وقائعها واستهداف دولته الموصومة بـ «موالاة الصليبيين واليهود» وحسبان ذلك من أكثر المهام «الجهادية» إلحاحاً.

مؤدى كل ذلك أنه من الإسراف في التفاؤل الاعتقاد بأن مصاعب الولايات المتحدة في العراق قد تبشر بهزيمتها الوشيكة، فمثل ذلك لا يزال مستبعدا. العنف المسلح عرقل السيطرة الأميركية على العراق، لا ريب في ذلك، وقد يكون أجبرها على طلب التفاوض فنال من . لكن الأمر قد يتوقف حاليا عند هذا الحد لا يتعداه... في انتظار أن تكتسب المقاومة هوية سياسية جليّة صريحة المعالم، وأن تتنصل فعليا من المجموعات التي تزاول الإرهاب المحض، وفي انتظار أن تحوّل وجهة أعمالها العسكرية، إن رأت الاستمرار فيها، بأن تجعل كلفتها أشد وطأة على قوات الاحتلال منها على العراقيين.