13/08/2005
علامَ يختلف الفلسطينيون؟
صالح بشير الحياة - 24/07/05//
هل يورث الانسحاب الإسرائيلي من غزة اقتتالاً أهلياً فلسطينياً؟ يكاد طرح هذا السؤال، بهذه الصيغة وفي هذا التوقيت، أي بعد ما شهدته الآونة الأخيرة من اشتباكات شبه يومية، بين مقاتلي حركة حماس وقوات السلطة الوطنية، يبدو نافلاً، أو هو يعمد، على سبيل الرّقية، إلى إنكار أمر واقع.
فالاقتتال ذاك حصل وحُمّ قضاؤه، وتواجه الفلسطينيون في ما بينهم فأوقعوا قتلى وجرحى، ويُخشى أن تستمر مواجهاتهم وأن تستفحل، وأن يتمادى شأنهم على منوال ما بات معلوما مألوفا هذه الأيام رغم قِصر العهد: سلسلة هدنات متتالية، ما إن يتم إقرار إحداها، حتى يُصار إلى انتهاكها.
وبذلك، يكون أرييل شارون قد حقق ما يشبه المعجزة. وهذه لا تتمثل في تخطي الفلسطينيين لما اعتُبر حتى الآن «خطّاً أحمر»، التزموه حتى الآن وتقيدوا به، يحظر احترابهم، فذلك ضرب من مثالية قد لا يتسع لها التاريخ الفعلي لحركات التحرر، بل في أن رئيس حكومة الدولة العبرية تمكن من جعل الخلاف على فكرة التسوية، أو اللاتسوية بالأحرى وعلى الأصحّ، وحول ما إذا كان الانسحاب من غزة نهاية مطافها أم منطلقها، شأناً فلسطينياً لا يعنيه أو لا يكاد يعنيه، هذا عدا إحرازه، فقط لمجرد بروز عتاة المستوطنين على يمينه، صفة الاعتدال والوسطية، على ما بات يقول حتى بعض إسرائيليين كانوا، وربما لا زالوا في اعتقادهم، من دعاة الحل السلمي، وعلى ما ردد وروّج من ورائهم، على سبيل المثال لا الحصر، الأميركي توماس فريدمان (وهذا يبدو، في رأيي المتواضع، محللاً سطحياً لست أدري سر افتتان الصحافة العربية به وبكتاباته).
أما عن الاحتراب الأهلي، فهو قد يكون من «طبيعة الأشياء»، بمعنى من المعاني، أو شراً لا بد منه أو يصعب اتقاؤه، لم تكد تخلو منه حركة تحرر. حتى الثورة الجزائرية، تلك التي تتبوأ مرتبة النموذج والمثال في المجال العربي والإسلامي، لم تكن إجماعاً وطنياً صلداً أصمّ إلا وفق رواية لتاريخها مُؤمثلة أو مؤسطرة، أما تاريخها الواقعي فغير ذلك، إذ كانت حربا تحررية بقدر ما كانت حرباً أهلية ضروساً، تواجهت خلالها، في الوطن كما في المهاجر الفرنسية، جبهة التحرير الوطني مع «الحركة الوطنية الجزائرية»، حزب مصالي الحاج، الذي يُعد الأب التاريخي، أو أحد الآباء التاريخيين، للوطنية الجزائرية، هذا عدا عن الصراعات الدامية دخل جبهة التحرير ذاتها. وقس على ذلك حركات تحرر كثيرة.
مثل ذلك الاقتتال كان في الغالب ينشب أو يستعر عندما تجد حركات التحرر نفسها أمام خيارات لا بد من ترجيح أحدها وحسمه من خلال استحداث ميزان للقوة داخلي جديد، كأن تكون هناك تسوية في الأفق يقبل بها البعض ويرفضها البعض الآخر أو يعتبرها دون المطلوب. وبديهي أن الوضع هذا لا ينطبق على الوطنية الفلسطينية في طورها الراهن. إسرائيل ستنسحب من غزة في كل الأحول، لأسباب ترتئيها ولعوامل تخصها (كنا نتمنى لو أن الانتفاضة الثانية هي التي دفعتها إلى ذلك دفعا كما يقول البعض!)، وهي لا تُدرج انسحابها ذاك ضمن منظور تسووي، وذلك ما يفسر إصرارها على استبعاد كل تنسيق مع الجانب الفلسطيني عدا ما كان أمنياً أو إجرائياً، بل هي تدرج انسحابها ضمن مشروعها الخاص لـ «الحل النهائي»، وهو مشروع لا يأخذ البتة المطالب الفلسطينية في الاعتبار، ويتمثل أحادياً في اقتطاع ما تريد اقتطاعه من أرض، لاستكمال الكيان الإسرائيلي، مجالاً حيوياً آمناً.
علامَ يختلف الفلسطينيون إذاً؟ محمود عباس، من جهته، لا يراهن إلا على افتراض مفاده أن ظهوره بمظهر المسيطر على زمام الأمور في غزة، ومساهمته في تسهيل الانسحاب الإسرائيلي من القطاع، من شأنه أن يؤهله لمنزلة «الشريك»، وهو افتراض لا يستند إلى أساس، بالنظر إلى ما هو معلوم من شأن ميزان القوة، ومن تواطؤ واشنطن مع تل أبيب ومن عجز الأوروبيين والعرب. أما حماس، وعدا عن رغبتها في إظهار الانسحاب الإسرائيلي اندحارا أثمرته المقاومة لا رحيلاً طوعياً، فتخشى وتتخوف على مصيرها. فإذا كانت التهدئة لم تحمها من بطش الدولة العبرية، تلاحقها وتغتال كوادرها، فكيف سيكون الأمر بعد انسحاب القوات الإسرائيلية، تلك التي ستبقى طليقة اليد في القطاع، تعود إليه متى أرادت، متخففة من هاجس حماية المستوطنات؟ هذا ناهيك عن اشتباه حماس في وجود نية باستبعادها وإزالة وجودها السياسي، رأت في تأجيل الانتخابات ما ينذر بها، كما عبّر عن تلك الرغبة شارون وكذلك فعلت الإدارة الأميركية.
لكل ذلك، ليس أمام المرء إلا «تعليق الحكم». فالسلطة الوطنية قد تكون محقة في سعيها إلى أن تضطلع بدورها ممثلاً وحيداً للكيان الفلسطيني، تنفرد بالنطق باسمه، وبوضع استراتيجيات التفاوض والحرب والسلام، شأنها في ذلك شأن كل سلطة. لكن هواجس حماس قد تكون مفهومة أيضا، إن هي لم تطمئن إلى سلطة تعلم أنها من الهشاشة، ومن الافتقار إلى السيادة بحيث لا تستطيع حمايتها (وحماية التعددية الفلسطينية عموماً) بوصفها مكوناً من مكونات النسيج الوطني الفلسطيني، بصرف النظر عن كل رأي في إيديولوجيتها وفي أفعالها.
من عوامل هذا الإشكال، عدا عن كل ما سبقت الإشارة إليه، وضعية الوطنية الفلسطينية، ممثلة في حركة فتح على نحو خاص، التي أصبحت سلطة، يُطلب منها ما يُطلب من الدول وتُحاسب كما تُحاسب الدول، قبل أن تنال الدولة وما يلازمها من سيادة، ما يمثل التباسا يستفيد منه شارون إلى أبعد الحدود، ويؤثر في فعالية السلطة في تعاطيها مع مختلف القوى الفلسطينية.
وبديهي أن الاقتتال الأهلي يمثل عرضاً من أعراض ذلك الإشكال والمأزق الفلسطيني عموماً، ولا يستوي بحال من الأحوال حلا كما يتوهم المتقاتلون.
17:42 Permalink | Comments (0) | Email this
الإرهاب ممسكاً بزمام المبادرة وناطقاً باسمنا
المستقبل - الاحد 24 تموز 2005 - العدد 1987 - نوافذ - صفحة 10
| ||||||
صالح بشير
نحن مقبلون على عدم!
ليس أدل على ذلك ولا أفصح من هذا الارهاب واستشرائه، وانفراده بالمبادرة يرسم صورتنا ويستحوذ على قضايانا، تلك التي درجنا على وصفها بـ"المصيرية"، وعلى مطالبنا، تلك التي نعدّها عادلة لا يرقى الشك الى عدالتها.
صحيح أن منطقتنا لم تخترع الارهاب، سبقها الى ذلك الكثيرون، حتى في زمننا الحديث هذا ودون العودة الى سحيق العصور. بما في ذلك الارهاب ذو الصبغة الكونية، مدى وتبعات. جريمة اغتيال سياسي كانت ذريعة الحرب العالمية الأولى، في حين نشر الفوضويون الدمار، اغتيالاً أعمى ونسفاً لا يميّز، في جميع أنحاء المعمورة، من أوروبا الى الولايات المتحدة، بين أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، فقتلوا رؤساء فرنسيين وفجروا مرافق ومنشآت، وحوربوا حرباً لا هوادة فيها، شابها بعض ظلم أو لظختها أحياناً شبهة الاجحاف، كما كان من قصة المهاجرين الايطاليين ساكو وفينتستي، وهي معلومة مشهورة. هذا ناهيك عن إرهاب سبعينات القرن الماضي، من "ألوية حمراء" و"جيش أحمر ياباني" و"عصابة بادر ـ ماينهوف" وسواها. وهكذا، لم يضف إرهابيو القاعدة، ومن ينسجون على منوالهم، الى صنيع أسلافهم جديداً غير ذلك الذي تتيحه أيامنا هذه من يسر التنقل والتواصل ومن إمكانات تكنولوجية.
ولكن لم يسبق لارهاب أن تحوّل الى رديف لأمة وعنواناً لقضية شأن هذا الاسلاموي أو الزاعم إسلاماً. كل ارهاب سبقه بقي هامشياً، يتطفل على حركات التحرر وعلى التوجهات الثورية ولا يفلح، في الغالب، في النفاذ الى متنها، فظل شواذاً في مسارها ونتوءاً مرضياً. الثوار الفييتناميون تجنبوا الارهاب ونبذوه بالرغم من أن القوات الأميركية لم تتردد في توخي وسائل الابادة وإن لم تقصدها. أما جبهة التحرير الجزائرية، فقد انجرّت إليه، طيلة سنة ونصف السنة تقريباً، إبان ما عرف بـ"معركة الجزائر العاصمة"، لكنها ما لبثت أن تخلت عنه (مع أنه استهدف المستوطنين ولم ينتقل الى الأراضي الفرنسية ولم ينل من مدنييها)، واعتبرته خطأ ما كان يجب أن يحصل، دفعت ثمنه باهظاً عسكرياً وسياسياً.
صحيح أن ارهابنا الراهن هامشي، من الناحية العددية، هو بدوره، أقله لأن "نخبة الموت" لا يمكنها إلا أن تكون ضيقة حكماً ولزاماً، وصحيح أنه وإن نال حظوة لدى الجموع والرأي العام، أو ما يقوم مقام هذا الأخير في بلداننا، إبان عدوان الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001، إلا أنه يشهد حالياً ما يشبه النفور منه، أو التحفظ حياله على الأقل، على ما دلت موجة التنديد الوسع في العالم الاسلامي، حيال تفجيرات لندن، وإن صدقنا ما كشف عنه استقصاء للرأي، أجري في بلدان اسلامية عدة ونشرت نتائجه مؤخراً.
ولكن الارهاب ذاك يختلف عن كل ارهاب، سبقه أو يعاصره، في أنه استحوذ على زمام المبادرة، ناطقاً باسم قضايا أو مطالب، ذائداً عنها أو زاعماً الذود عنها. وهو يكاد يكون الفاعل السياسي الوحيد على صعيد المنطقة، شرقاً أوسط أو "شراً أوسط أكبر"، يمتد من موريتانيا الى باكستان، كما يقول جورج بوش. تلك هي الحقيقة الموضوعية، كرهنا أم أحببنا. فالارهاب لم يكتف بـ"باختطاف الاسلام"، حسب تعبير شائع، ولم يقنع بالاستيلاء على وظيفته الاعتراضية، رافعة للهوية في زمن استعار الهويات، بل انه احتل فضاءنا العام، والصورة التي يرانا بها العالم. خذ مثلاً مواجهة قوات الاحتلال في بلاد الرافدين. هل توجد مقاومة عراقية، أجندتها وطنية، أو حتى طائفية، ولا تندرج في صراع الى "يوم الدين" ضد "الصليبيين واليهود"؟ بالتأكيد، أو أن الأمر ذاك مرجح بقوة، ولكن فقط على سبيل التخمين أو الاستقراء، بل ربما من باب الأمنيات نحسبها وقائع. إذ أننا لا نكاد نلحظ لمثل تلك المقاومة أثراً، فهي بكماء سياسياً، لا تخاطب مواطنيها ولا العالم، ولا أحد يعلم لها هوية أو استراتيجية. وحتى عندما بادرت مجموعتان من مجموعاتها الى تعيين ناطق رسمي بلسانها، لم يظهر الناطق العتيد ذاك إلا كي يعلن عن تعيينه، ثم اختفى. أما الزرقاوي فهو من يحتل الواجهة ويستأثر بها. يفخخ ويقتل على امتداد العراق، ويعلن ويتبنى. يصدر البيانات والرسائل ويساجل من يخالفونه الرأي. حاضراً طاغي الحضور... والأمر ليس مجرد خدعة اعلامية، ناجمة عن رغبة الولايات المتحدة في إظهار أنها لا تواجه في العراق سوى إرهابيين، ولكنه واقع الحال: المقاومة هي الهامش في العراق، والارهاب هو المتن، وتلك من خاصيات العرب، أقله في زمنهم هذا، ومن ميزاتهم الفارقة، دون سواهم. وتلك الاستقالة وذلك الخمول أوسع مجالاً من ذلك وأبعد مدى، بحيث لا يمثل العراق غير وجههما الأقصى والفاضح، في حين أنهما سمة فارقة تتوزع على العرب بالعدل والقسطاس: أنظمة حكم فشلت فشلاً ذريعاً شاملاً ولا تعد بما هو أفضل. معارضات عاجزة لا تمتلك برامج ولا استراتيجيات (غير التعويل على ضغط الخارج) ولاصدى بين "مواطنيها"، لا تتستر على عجزها إلا بما تتعرض له من قمع وتضييق من قبل أنظمة غبية، بحيث تتوجس الانتخابات "الشفافة والنزيهة"، التي ستكون فاضحتها لا محالة، بقدر ما تتباكى على فقدانها. و"نخب" ثقافية هي الأسوأ، ضحالة وإسفافاً أخلاقياً على صعيد الكون بأسره.
لذلك، فإن الفاعل الوحيد في فضائنا العام إنما هو الارهاب والارهابيون، أو ذلك كل ما يراه العالم منا، وبذلك، استحوذ القتلة على تمثيلنا عنوة وغصباً عنا. صحيح أن لتعسف الغرب، ولأخذه بنظرة جوهرانية حيالنا، ترى ما يرتكبه الارهابيون صادراً عن صلب ثقافة وديانة، يمثل العنف لبهما وتناصبان الانسان وحقوقه عداء الغرب ذاك لم ير، أو ما عاد يرى، مبادراً بيننا إلا أهل الارهاب وأوساطه. ولكن المبادرة تلك عدمية، وهي بذلك متواطئة، من حيث تدري أو لا تدري، مع الموات العام التي تزعم دفعه والوقوف في وجهه، أو هي بعض أجلى تعبيراته. لذلك، نحن مقبلون على عدم، نسير نحوه حثيثاً.
17:39 Permalink | Comments (0) | Email this
22/07/2005
مجزرة لندن وما قد يلي: هنا وهناك وهنالك
صالح بشير الحياة - 17/07/05//
حتى بعض أصحاب اليقين الراسخ بأن «الأمة» تواجهها، في العراق وفي فلسطين وفي الشيشان وسواها، «حرب صليبية»، تستهدفها جوهراً دينياً وكياناً وجودياً، لا وازع لها في مصالح ونُصب لاسترايتجية يراد لها أن تقوم، وما إلى ذلك من اعتبارت أرضية أو دنيوية، استنكروا تفجيرات لندن، معتبرين أن الحرب تلك لا يجب أن تُخاض في المدن الغربية ولا أن تنال غدراً من مرافقها العامة، مودية بالأبرياء من ساكنيها ومواطنيها، بل ينبغي ان تخاض في ساحات الوغى حيث «الصليبيون» قوة احتلال.
قد لا يكون «التحليل» هذا صائباً، مرتكزات ومقدمات وحيثيات واستخلاصات، لكن أهم ما فيه أنه يتبرأ من الإرهاب ويدحضه، ليندرج في تيار واسع داخل العالم العربي والإسلامي، أو هكذا يبدو، جاهر بالاستنكار حيال تفجيرات العاصمة البريطانية، ولم يتوسل لها المسوغات، الشرعية أو السياسية، ولا أبدى حيالها تفهماً ولا التمس لها ظروف التخفيف. ذلك على الأقل على صعيد المواقف المعلنة، التي يتوجب الإكتفاء بها وإلا آل بنا الأمر إلى محاكمة النيات. وهذا على صعيد «النخب»، أو ما يقوم مقامها في بلداننا، أما على الصعيد الشعبي، فإن تفجيرات لندن لم تقابل بالحفاوة والحماس اللذين كانا من نصيب نظيرتها في الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، أو حتى نظيرتها في مدريد قبل عام ونيّف، وهو ما قد لا يعود فقط إلى ما اتسمت به جرائم أيلول من مشهدية فائقة، ولا إلى ما يُزعم لجرائم العاصمة الإسبانية من مكاسب سياسية أثمرتها، وتمثلت في هزيمة رئيس الحكومة اليمينية خوسيه ماريا أثنار وفوز الاشتراكي خوسيه رودريغيز ثاباتيرو الذي بادر إلى سحب قوات بلاده من العراق.
هكذا، وإذا لم يكن المرء مخطئاً أو مسرفاً في التفاؤل، هناك إذاً ما يشبه الانفضاض من حول الإرهاب ودعاته ومقترفيه، أو أكثر تجليات ذلك الإرهاب غلوّاً وإجراماً، إما بدافع مبدئي وقيمي (في القليل النادر والحق يُقال) وإما توجساً من تبعاته، خصوصاً على الجاليات المقيمة في بلاد الغرب، وإما لأن عقمه، بل مفعوله المضاد، ما انفكا يتبديان على نحو أوضح وأجلى، منذ «غزوة نيويورك المباركة»، وما أعقبها من احتلال لأفغانستان والعراق، ومن استفراد آرييل شارون بالفلسطينيين يعمل فيهم بطشاً وقهراً، بعد أن نجح (بمساعدةٍ غير إرادية من بعضهم) في إدراج حربه ضدهم في «الحملة الكونية ضد الإرهاب».
كأنما الإرهاب بدأ مسار عزلة داخل العالم العربي، فما عاد مستنكروه والمنددون به ينحصرون في فئات المتعقلين أو العلمانيين والتحديثيين الذين كثيراً ما يشار إليهم في بلداننا ببنان الشبهة أو التكفير. ذلك ما تشهد به «الساحة العراقية»، بحيث تسعى المجموعات الإرهابية، كتلك التي يتزعمها أبو مصعب الزرقاوي، إلى انتحال شرعيتها، وجوداً وأفعالاً، من مقاومة الاحتلال، والتي سجلت خلال الآونة الأخيرة بعض تطورات لافتة وذات دلالة، من إقدام بعض الحركات القتالية المناهضة للاحتلال إلى تعيين ناطق بلسانها، تكتسب من خلاله وجهاً سياسياً، يميزها عن الإرهاب إذ لا يحصر نشاطها في أعمال التفجير وما إليها. كما أن الخطوة تلك مثلت استجابة لما عبرت عنه الولايات المتحدة، عبر دونالد رامسفيلد، وزيرها للدفاع وأحد أعتى صقور إدارتها، من استعداد للتفاوض مع الفئات العراقية التي تواجهها بالسلاح أو مع بعضها. بل إننا نرى رجلاً مثل أبي محمد المقدسي، يُعدّ من منظري «السلفية الجهادية» وشيخ الزرقاوي، يوجه رسالة إلى تلميذه السابق، ينهاه فيها عن استهداف المدنيين وعن تكفير الشيعة والمبادرة إلى قتالهم، وما إلى ذلك من مظاهر تطرفه وغلوّه الهاذيين.
أمر آخر ربما كان له بعض الأثر في ما نفترضه من طوق عزلة بدأ يُضرب حول الإرهاب والإرهابيين، هو ما أبدته واشنطن، ودول أوروبا الغربية، من رغبة في محاورة الحركات الإسلامية وفي تمييز معتدلها عن متطرفها. وهو ما جعل أوساطاً واسعة من تلك الحركات، كان بعضها في ما مضى يتواطأ مع المتطرفين بالصمت أو بالتعاطف الضمني أو لا يجرؤ على انتقادهم، ترى، وقد بات الاعتراف بها دانياً في المتناول، أنه آن أوان التبرؤ من الإرهاب والنأي عنه. وهو أمر، إذا ما تأكد، قد يستوي ثورة في الذهنية، وخروجاً عن مألوف درجت عليه منطقتنا طويلاً، يمكّن المتطرفين من إملاء أجندتهم على الجميع، يُسكتون كل اعتراض بدعوى تصديهم للمقاومة، وهذه تنحصر في أعمالها دون أن تعبأ بعواقب تلك الأعمال.
وإذا ما صح الافتراض الآنف الذكر، فإنه مما يستوجب ملاحظته والوقوف عليه أولاً، ثم تشجيعه والعمل على ترسيخه، سواء بيننا أو في الغرب، وعدم التصرف وكأن شيئاً لم يحصل، وكأن تغييراً أو بوادر تغيير لم تتحقق، لأن دون ذلك مغبة إسباغ تمثيلية على الإرهابيين لا يستحقونها وليسوا أهلاً لها، على ما انزلق توني بلير وأخطأ عندما بادر، في تصريح بُعيد تفجيرات لندن، إلى القول بأن مقترفيها فعلوا ما فعلوه باسم الإسلام، قبل أن يستدرك، في ما يشبه الاعتذار، بعد أيام من ذلك، وقد شهد استفحال الاعتداءات العنصرية في بلاده ضد الجالية المسلمة ودور عبادتها.
هكذا، وللمرة الأولى منذ الحادي عشر من أيلول، ربما أمكن الحؤول دون تمكين الإرهاب، الإسلامي أو مدّعي الإسلام، من أن يكون وقود حرب حضارات شاملة جارفة لا تبقي ولا تذر. هذا بطبيعة الحال إن توافرت النية، فلم يمتنع عن ذلك بلد بعينه، جعل من «الحرب على الإرهاب» ذريعة هيمنته على العالم، وما لم يكن رفضنا للإرهاب قِطاعياً انتقائياً، ننبذه في لندن لاعتبارات معينة، خوفاً على مستقبل الإسلام والمسلمين في بريطانيا مثلاً، ونسكت عنه في مدن أخرى، وما لم تستمر «نخب» معينة بيننا، مقيمة أو مهاجرة، في النفخ في بعبع التطرف ونسبته إلى مجتمعاتها، وسيلة لنيل الحظوة لدى مركز الإمبراطورية في ما وراء المحيط.
08:07 Permalink | Comments (0) | Email this



