16/04/2005

في معاني اختيار (الكردي) جلال الطالباني رئيساً

صالح بشير الحياة 2005/04/10

جاء في الأنباء أن الديكتاتور العراقي السابق، صدام حسين، وعددا من أعوانه، «أُجبروا» على مشاهدة شريط فيديو يعرض وقائع اختيار جلال الطالباني رئيسا للدولة العراقية من قبل أعضاء المجلس الوطني الجديد المنتخب في أواخر كانون الثاني (يناير) الماضي.

ما دلالة ذلك «الإجبار» وما مراميه؟ ثأرية أم بيداغوجية؟ إن كانت ثأرية، فالثأر ذاك صغير، إذ ليس أهين من الثأر من صدام حسين في وضعه الحالي، سجينا ذليلا لدى أعدائه المحليين والخارجيين. أما إن كانت بيداغوجية، فإن إعادة تربية صدام حسين مضيعة للوقت، فات أوانها. فالرجل شب واكتهل على «قيم» بعينها، ولا يُعتقد أنه قابل للتغيير كما أن حياته السياسية باتت وراءه.

وهكذا، إن كان لانتخاب الزعيم الكردي جلال الطالباني رئيسا للعراق من فضيلة بيداغوجية فهي لا تعني ديكتاتورا «ميتاً» مثل صدام حسين ولا حتى سواه من المستبدين «الأحياء» على امتداد المنطقة العربية ربما، فهؤلاء بينهم وبين مستجدّ من تلك الطبيعة ستار «ثقافي» مطبق سميك. وهم إن أفلحوا في مقاربته فمن باب الفَرَقِ والرعب من أن يمثل الأمر سابقة تستقوي بها أقلياتهم المقموعة، عرقية كانت أم دينية.

لذلك، فإن كان للواقعة تلك من مفعول بيداغوجي، فلديموقراطيي المنطقة (إن وُجدوا) ولشعوبها، وفي هذا الصدد، يمثل انتخاب كردي رئيسا في بلد أساسي (وإن همّشته وعطلته مغامرات ديكتاتوره السابق ثم الاحتلال الأجنبي) مثل العراق، تحولا من طبيعة استثنائية، بل من طبيعة «ثورية». للمرء تحفظاته المعلومة عن احتلال العراق وعن عدم قانونية الحرب التي أفضت إليه، وعن الإخفاق في إحلال الأمن والاستقرار حتى اللحظة، وعن مجمل السياسات الأميركية في ذلك البلد. لكن يبقى أن اختيار الزعيم الكردي رئيسا لبلاد الرافدين، من قبل هيئة منتخبة انتخابا حراً، بالرغم مما شاب ذلك الاقتراع من استدراكات لعل أبرزها منحاه الطائفي الواضح والتقصير في إشراك السنّة (والذي يقابله ويعززه تقصير من طرف هؤلاء)، يشكل كسرا لمحرم، وخطوة أكيدة في اتجاه تحرري، قد تتجاوز العراق وقد تتخطاه.

صحيح أن الأمر هذا ليس جديدا غير مسبوق في منطقة المشرق. رئيس لبنان ماروني منذ أن استوى ذلك البلد كيانا مستقلا، في حين وصل إلى سدة السلطة العليا رؤساء من أقليات أخرى في بلدان مشرقية أخرى. لكن الحالات تلك، على تواترها، تبقى في نطاق الإستثناء. فلبنان حالة خاصة، نتاج تسوية دولية بقدر ما هي محلية، ناهيك عن أن سيادته ظلت دوما، أقله عمليّا، محل طعن أو غير ناجزة الكمال. أما في البلدان الأخرى، فجاء أبناء الأقليات إلى السلطة بانقلاب عسكري، وإن تسمّى باسم «الثورة»، أي أنه تأسس على فعل غير شرعي في أصله، واجترح أمرا واقعا، إن تم القبول به فبصفته تلك.

أما انتخاب الطالباني فهو، وهنا المفارقة، على فرادته قد يشكل المرجع الديموقراطي. إذ هو ليس ناجما لا عن مساومة دولية ولا عن أمر واقع، أو هكذا يبدو للوهلة الأولى وإلى أن يأتي ما يخالف ذلك، بل هو قد يكون نتاج وفاق داخلي، وإن لم يكن التوصل إليه بالأمر الهين، بل سبقته نزاعات ومماحكات لم تترفع عن الصغائر دوماً. إلا أنه بهذا المعنى قد يوسع معنى الوطنية والمواطنة، وقد يؤسس مساواة أصلية وحقيقية، ما فوق قانونية إن جازت العبارة، إذ تكف عن اعتبار مسألة السيادة، والنهوض بها أداءً وتمثيلا، حكرا على فئة من الشعب دون أخرى.

لقائل أن يقول، معتقدا الحطّ من شأن ما حدث، إن منصب الرئاسة في العراق الحالي، وحتى بقطع النظر عن وجود الاحتلال من عدمه، شأن «فخري» رمزي في بالدرجة الأولى. لكن ذلك هو تحديدا مكمن أهمية انتخاب الطالباني، إذ أن السيادة عادة ما تكون، في الديموقراطيات، شأنا رمزيا في المقام الأول، والرموز بالغة الفعل في حياة الناس، خصوصا في ما يتعلق بالسلطة وبالحكم، بل أن من سمات الديموقراطيات، بما قد يفوق تقسيم السلطات وفصلها كما درجت على القول الأدبيات المدرسية المبتذلة في هذا المضمار، أنها تفصل بين السلطة الرمزية والسلطة الفعلية أو التنفيذية، فتجعل ممثل الأولى أو المؤتمن عليها (ملكا دستوريا كان أم رئيسا في نظام برلماني) غير القائم بأعباء الحكم اليومي (أي رئيس الحكومة). وتلك قاعدة لا يشذ عنها بين الأنظمة الديموقراطية، غير الاستثناء الفرنسي، الديغولي المنبع، حيث ينافس رئيس الجمهورية رئيسَ الحكومة، أو «الوزير الأول» حسب مصطلحهم، في صلاحياته التنفيذية. لذلك، فإن رمزية موقع رئيس الدولة، كممثل للسيادة أو كمؤتمن عليها، إنما تزيده نبلا وأهمية وفعلا... طبعا إن كان المنشود إرساء الديموقراطية.

ثم أن الحقل الرمزي هو الذي غالبا ما يكون الأكثر استعصاءً ونبذا وإقصاءا وانغلاقا، وهو الذي تستأثر به وتحتكره في العادة الأكثريات، سواء كانت تلك الأكثريات عددية أو ثقافية أو تستند إلى «أغلبية» إيديولوجية، أي مُتوهمة، لكنها تمكنت من فرضها. نرى ذلك حتى في بعض أرسخ الديموقراطيات وأصلبها، حيث يمكن أن يتولى رئاسة الحكومة، مع ما في المنصب ذاك من سلطة واتساع نفوذ، سياسي منتمٍ إلى أقلية، يهودي أو بروتستانتي في بلد ذي أغلبية كاثوليكية مثلا، لكن لا يمكن أن يصعد إلى سدة رئاسة الدولة، على «فخرية» ذلك المنصب واقتصاره في معظم الحالات وفي عاديّ الأيام على وظائف من طبيعة بروتوكولية، إلا من كان صادرا عن الأغلبية السكانية الأساسية، ثقافيا أو عرقيا. ذلك أنه يمكن التساهل مع السلطة، مهما بلغت نفوذا وسطوة عملييْن، ولكن ليس مع السيادة وأبعادها الرمزية. والمفارقة أن بعض أبرز الاستثناءات وأكثرها دلالة في هذا الصدد، لم تصدر عن الغرب وديموقراطياته التي تعتبر «مرجعية»، بل عن ديموقراطية من «العالم الثالث»، هي تلك الهندية، التي لم تتردد في إيلاء منصب رئاسة الدولة إلى مسلمٍ أو إلى شخصية من فئة «المنبوذين».

كل ذلك للتدليل على أهمية المستجد الذي عاشه العراق بانتخاب زعيم كردي رئيسا للدولة، وإن ضمن تلك الحدود المعلومة. لكن الأهمية تلك تبقى نظرية، لن تكتسب كامل زخمها ووظيفتها التغييرية الحقيقية، إلا بشرط إستعادة العراق لاستقلاله كاملا ناجزا. فالقطيعة الفعلية لن تُدرك إلا إن كان رأس الدولة العراقية، من أي فئة إثنية أو دينية كان، ممثلا لسيادة فعلية ومنعتقة، ونتاج وفاق وطني طوعي وتلقائي، وذلك على نحو لا غبار عليه وغير قابل للطعن.

(كاتب تونسي)

البابا الذي انحنى لكل أرض

المستقبل - الاحد 10 نيسان 2005 - العدد 1886 - نوافذ - صفحة 10

صالح بشير

نال البابا يوحنا بولس الثاني ما لم يسبق سوى للقلة المُصطفاة أن نالته: تحوّل إلى أيقونة وكان لا يزال حيا يسعى، وإن كان سعيه ذاك بات في السنوات الأخيرة من عمره المديد وئيدا شاقا، جراء العجز والوهن والشيخوخة وتكالب الأمراض... صحيح أن مثل ذلك كان في متناول مستبد من طينة ستالين، كان قد بلغ تلك المرتبة في حياته، ولكن على ذلك النحو الذي تحسن "الأحزاب الحديدية" اصطناعه، بتزوير السِّير الشخصية والتلاعب بالصور و"روتشتها" وما إلى ذلك من وسائل تدليسٍ كثيرة، حتى إذا ما قضى "أب الشعوب"، دُنِّست أيقونته وتقوّضت، بل أضحت أيقونة مضادة.
أيقونة البابا الراحل لا يتهددها ذلك المآل، مع أن تراث الكنيسة الكاثوليكية في ذلك الصدد ثري إلى درجة الإشباع. الموت لن يجبّها، بل أنه أكدها ورسّخها، بل إن يوحنا بولس الثاني استكمل رسم قسماتها وثبّت تلك القسمات في أثناء احتضاره، والجموع "تُساهره" في ساحة القديس بطرس في الفاتيكان، شاخصة الأنظار نحو نافذتين مضاءتين في الطابق الأخير حيث كان مقر الراحل، والعيون دامعة والأصوات تتوجه خفيضةً إلى السماء بالدعاء وبالصلاة.
لماذا لم يستقل يوحنا بولس الثاني عندما اشتد به المرض وأنهكه وأقعده؟ عندما لُمِّح إليه بذلك الاحتمال، صدّه مستنكراً "وهل ترجّل المسيح عن صليبه؟". البابوية ليست منصباً حتى يُستقال منه، بل هي رسالة يجب أن تُؤدّى. قد يكون القول بذلك ضربا من "مبدأ"، يرسم أفقا لا يُدرك، لا يقوى عليه البشر، والبابوات من سويّة البشر ومن طينتهم وإن استعاروا من السيد المسيح قبَسا من قداسة أو حصّنتهم "العصمة"، ولكن يوحنا بولس الثاني أدرك ذلك الشأو، وقد يكون أدركه لحظة وفاته، وقد يكون انفرد بذلك بين البابوات الذين تعاقبوا على رأس الكنيسة الكاثوليكية.
قد يكون المسيحي الأكمل أو الأقرب إلى الكمال، هو ذلك الذي يكون الأقرب إلى التشبه بحياة السيد المسيح. وهل المسيحية غير سيرة يسوع الناصري، وهل أناجيلها الأربعة غير روايات، متعددة ومتواشجة، لوقائع تلك السيرة؟ المسيحية ـ وذلك ما قد يكون المسيحيون أكفأ منّا في الخوض فيه ـ سيرة قبل أن تكون تعاليم، أو هي سيرة تلابس تعاليم فلا تنفكّ عنها ولا تنفصم. السيرة تلك ليست "سنّة" تكمّل وحياً، بل هي والوحي سواء. لذلك، فإن المسيحي الأنجح هو ليس فقط ذلك المتقيّد بتلك التعاليم، بل القادر أيضاً على تمثل تلك السيرة، وعلى استعادتها وعلى محاكاتها في حياته البشريّة... قدر مستطاع البشر.
ولا شك في أن يوحنا بولس الثاني، وهو الذي كان صوفيّاً في إيمانه قد لا يستبعد فكرة الحلول، متعلقا بالسيدة العذراء تعلق من يعتبر نفسه أخاً غير شقيق (إذ دون الأخوّة الناجزة جلال الربّ) للسيد المسيح عبر رحمٍ من محبة، قد نجح في أخريات أيامه في بلوغ ذلك التشبه وفي إدراك تلك المحاكاة، إذ جعل من جسده المعذب وسيلته الوحيدة والقصوى للحضور وللتعبير. فقد القدرة على الحركة وغاض صوته أو استحال حشرجةً، وما عاد قادراً إلا على إتيان بعض أفعال رمزية، يساعد طفلا على إطلاق حمامةٍ حرون من شرفته أو يهمّ بالنطق فيخرسه الوهن فينطلق صوت المسجل بديلاً عنه. لم يبق له من فعل سوى الشهادة، وهذه يخطّها على جسده المتعب الواهن وبواسطة جسده المتعب الواهن. لم تبق له من طاقة غير تلك الروحية وهذه استغرقتها مكابدة العذاب واقتصرت عليها اقتصاراً يكاد يكون حصرياً. وبذلك ولهذا السبب، تعذرت الاستقالة، إذ "هل ترجل المسيح عن صليبه؟".
والمعاناة تلك كان يمكنها أن تكون شخصية، سعيا فردياً نحو الخلاص عبر العذاب، ولكن البابا الراحل جعلها همّ المسيحييين الكاثوليك، بل هم البشرية قاطبة، وهذه شاطرته احتضاره، حتى استشعر الكثيرون، على اختلاف العقائد والأديان، معه سكرات الموت كأنهم "يعيشونها"... إلى ماذا يعود ذلك؟ إلى موقع الرجل على رأس الكنيسة الكاثوليكية؟ ولكن ذلك لا يعني، نظريا، أحدا غير أتباع تلك الكنيسة، وإن تجاوزوا البليون نسمة. هل يعود ذلك إلى أن الرجل بدا، طوال سنوات "حبريته"، كمن يقدّس الأرض بأسرها، حيث كان، وهو الذي كان كثير الترحال، كلما أقبل على بلد يقبّل أديمه، وكان يسمّي أسفاره وتنقلاته "حجًّا"، سواء زار الهند الهندوسية أو كوبا الشيوعية، أو موطنه الأصلي، بولنده المسرفة في كاثوليكيتها، أو أي مكان آخر من هذا العالم الرحب جغرافياً وعقائدياً، وسواء دخل كنيساً يهودياً في روما أو زار المسجد الأموي في دمشق أو وقف متهجدا أمام حائط المبكى في القدس؟ أم هل يعود ذلك، استطرادا، إلى أن البابا بدا كمن اهتدى إلى خلاصة أو جوهر الروحانية الجامعة بين بني البشر، على تباين دياناتهم ونحلهم وعلى ما بين تلك الديانات والنحل من نزاعات، موروثة أو طارئة، كامنة أو مفتوحة، وعرف كيف يخاطبها، ساعياً إلى الحوار، ليس فقط مع ديانات المحتد السماوي الواحد، شأن اليهودية والإسلام، بل وسع دائرة الحوار لتشمل البوذيين وسواهم، ناهيك عن الأفارقة الذين اعتنقوا المسيحية، وخالطت المسيحية معتقداتهم الوثنية ولابستها دون أن تجبّها، فإذا البابا الراحل يبتسم متسامحا، أثناء حج له إلى أحد بلدان القارة السوداء، لنساء كن يرقصن أمامه عاريات الصدور.
أم هل يعود ذلك إلى أن البابا الراحل قد أفلح، من خلال آلامه المتمادية والتي رفعها رايةً، في مخاطبة معذبي الأرض، ضحايا الفاقة والجوع والاستغلال والأوبئة والإهمال، تلك الكثرة التي يعيش أفرادها بأقل من دولارين في اليوم الواحد، أولئك الذين ما عاد يوجد من يخاطبهم. أفِلت الإيديولوجيات التي تنطق بتوقهم وبتطلعاتهم وتعمل على خلاصهم أو تدّعي ذلك، فباتت مأساتهم لا يتولاها إلا العمل الخيري، لا مشكلة استئثار بالثروات وسوء إدارة لها وتوزيع ونتاج انخرام بنيوي وإجحاف أصلي، وأضحوا نهبا لتكنوقراط العولمة يتحكمون في مصائرهم.
لا شك أن البابا كان كل ذلك وأكثر من ذلك... وهل لسيرة كتلك التي عاشها يوحنا بولس الثاني أن يحتويها تفسير واحد أو أن تستنفدها تفسيرات منتهية ناجزة؟

08/04/2005

"الأقطار و"الأوطان": العيش بين استحالتين؟

المستقبل - الاحد 3 نيسان 2005 - العدد 1879 - نوافذ - صفحة 9

صالح بشير


لم يبق من العروبة السياسية، أقله تلك الرسمية، غير القليل أو نزرها اليسير، إن اتخذنا القمة الأخيرة للجامعة العربية مقياساً ومعياراً. علماً بأن الجامعة المذكورة انفردت حتى الآن بـ"النجاح" قياساً إلى كل المؤسسات الوحدوية الأخرى، وإن اقتصر ذلك النجاح على الديمومة وعلى الاستمرار دون الجدوى والفاعلية. ولعل هذا ما يفسر ذاك ويشترطه، أي أن الجامعة العربية ربما تمكنت من أن تستمر ومن أن تعمر، لقلة إنجازاتها أو لانعدامها، وتلك من السمات الفارقة للعروبة السياسية، حيث تتأسس الشرعية أو تُدّعى على الوعد لا على الفعل، وذلك على ما تُنبئ حال أنظمة عربية كثيرة، قامت، خصوصا تلك الإيديولوجية منها، على وعود قطعها "البيان رقم 1" ولم تتحقق يوماً.
بهذا المعنى تمثل الجامعة روح العروبة السياسية ومثالها. حيّزاً للكسل التاريخي بامتياز. رافقت تطورات المنطقة دون أن تفعل فيها، إلا نادراً أو لماماً، من حركات التحرّر الوطني إبان الحقبة الاستعمارية إلى حروب العرب ضد إسرائيل، إلى حروب العرب ضد العرب، إلى كل ما ألمّ بالشرق الأوسط وعلى حدوده، حتى احتلال العراق.
لكن الطلاق، وهو تاريخي ومقيم، بين واقع العرب وجامعتهم ربما لم يسبق له أن بلغ شأواً كذلك الذي بلغه هذه المرة الأخيرة في الجزائر، تلك التي شهدت قمة منبتّة عن راهن مجريات الأمور بتّاً كاملاً، فلم تبدُ معنيّة لا بالأوضاع العراقية ولا بتلك الفلسطينية ولا بتلك اللبنانية ـ السورية أو تلك السودانية وسواها الكثير. بدا الأمر كما لو أن المؤتمرين يقعون في بعدٍ آخر، من غير هذا العالم. يتحدثون عن إصلاحات نظرية، غير قابلة للإنفاذ غالباً، أو يستمعون إلى مداخلات العقيد القذافي الذي اكتشف نفسه فيلسوفاً، بالمعنى الشامل للعبارة، بعد أن كانت مواهبه تقتصر على التنظير السياسي وعلى كتابة القصة والرواية... وذلك لعمري طموح من لدن القائد الليبي مشروع، فمن يتعاطون الإبداع في دنيا العرب أو يحوزون لقب "المفكر" ليسوا أفضل منه في سوادهم الأعظم والمدلهمّ.
ولكن أمراً كذاك، إذا ما تمادى وثبت واستمر وتأبّد، كما هي حال ذلك القصور المقيم الذي يسم الجامعة العربية، يكفّ عن أن يكون شواذا يُقاس على مقياس عادي ويُدان باسمه (ما المقياس ذاك في مثل هذا المضمار؟!)، ليستقيم قاعدة ووظيفة أكيدة يجب أن تُفهما وأن يصار إلى تأويلهما بصفتيهما تينك.
إذ لعلة ما، يخجل العرب بأوطانهم، وقد يبخسون شأنها فيسمّونها "أقطاراً"، وهذه لا شرعية لها في نظرهم أو في نظر الكثيرين منهم، يجب نكرانها بالعودة إلى قومية جامعة، تمثل جامعة الدول العربية إحدى صيغها وتجلياتها. حتى إذا ما نطق "قوم" من "الأقوام" باسم وطنية ما، أو رأوا الالتفاف حول وطنية ما، شأن اللبنانيين أو كثرة منهم منذ جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، بدا ذلك للبعض، الذي قد يكون كثيرا، حاملا لوصمة الخيانة.
ذلك الانفصام بين العروبة السياسية وواقع الحال التاريخي للعرب إنما يعكس ذلك الانفصام بين أوطانهم ووعيهم لها. فهم يعيشون واقعا وطنيا، يحملون جنسيات وطنية، وقد يتعصبون لأوطانهم إلى درجة العنصرية حيال اشقاء لهم من أوطان أخرى، لأوهى الأسباب أحياناً، بسبب مباراة رياضية أو مسابقة غنائية، ولكنهم يرون الوطنية تلك وجوداً سياسياً ناقصاً، لا يكتمل إلا في العروبة أو بها. أوطانهم لا وزن لها، بصفتها تلك، حتى إن خاضوا أشرس النضالات من أجل تحريرها من المستعمر كأوطان، بواسطة حركات وُصفت بـ"الوطنية"، ولا يضير العروبة السياسية أن تكون مفرغة من كل محتوى، تفتقر إلى أية فاعلية تاريخية، كما يتبدى من قمم الجامعة العربية ومن مؤتمراتها العقيمة.
إلى ماذا يعود ذلك؟ إلى حنين أو إلى توق إمبراطوريين؟ إلى شعور الناس، "نُخباً" وجمهوراً، بأن لا وجود لهم يعتدّون به إلا في كنفٍ إمبراطوري، وبأن الأوطان، لأنها دون ذلك، ليست غير أمر واقع، غاشم مقيت، قد يرتضونه على مضض، بل وقد يتعلقون به على مضض، ولكنه يظل مثلوم الشرعية في نظرهم، يفضلون عليه ذلك الفضاء الإمبراطوري المُتوهّم والذي يعتقدون أن العروبة السياسية توفره أو تعد به، حتى في صيغة رثة لتلك المتمثلة في الجامعة العربية.
قد يكون... إذ أن القول بأن المطالب الوطنية تولتها في أحيان كثيرة حركات وتوجهات قومية، وأن في ذلك ما قد يفسر ذلك العزوف عن الأوطان، ليس صحيحاً دوماً. بعض تلك الحركات، كما هي الحال في بلدان شمال إفريقيا ضد الاستعمار الفرنسي مثلا، كان وطنيا، بمعنى "قطرياً"، صريحاً في "قطريته"، وهو إن تطلع إلى خارج الكيان، فمن بات التضامن لا الاندماج، أو من باب إحراج العدو المشترك والاستقواء عليه استناداً إلى استراتيجيات بقيت بالكامل وطنية. ومع ذلك، فإن كانت الكيانات المغاربية تبدو أرسخ وأشد عودا من نظيراتها في المشرق، إلا أن الكيانات تلك لا تبدو مكتفية بذاتها على نحو ناجز كامل، بل تكابد هي بدورها شرعية منقوصة.
ذلك لا يعني أن الكيانات الوطنية، أو "القطرية" كما يسميها القوميون، هشة، بل هي صلبة بالغة الصلابة، وإن لبس بعضها لبوس العروبة الإيديولوجية، تبدي قدرة فائقة على الثبات، كما دل تاريخ العقود الماضية، وما انفكت تزداد رسوخاً، استعصت على كل محاولات التوحيد، تلك التي بدت جدية، كتلك التي حاولها الزعيم المصري جمال عبد الناصر، أو تلك التي نحت منحى كاريكاتوريا، كتلك التي أقبل عليها العقيد معمر القذافي على نحو متعجل محموم حيال أطراف في المشرق والمغرب، قبل أن يصيبه اليأس فيتسبدل "الوطن العربي" بإفريقيا. غير أن الكيانات تلك، على رسوخها، ومع أنها الأفق الذي لا أفق سواه لعيش مواطنيها، أقله حتى الآن وعلى ما يشي المستقبل المنظور، تبقى مما لا يُقبل به قبولاً تاماً.
وتلك هي المعضلة العربية: ذلك التوزع بين أوطان، هي كل الموجود والمتاح، ولكنها تُنكَر، وبين توق إمبراطوري متعذر التحقيق، ولا ينفك يزداد تعذراً. تأزم مقيم إلى درجة الحؤول دون العيش، إلى درجة الإقامة بين استحالتين، استحالة ارتضاء الأوطان واستحالة تجاوزها نحو الحلم الإمبراطوري المنشود... خصوصاً وأن نُخب هذه الأمة في هذا الزمان، ليست من صناع الإمبراطوريات، إن اعتبرنا أن العصر يتسع لهذه الأخيرة.
لا حل إذن إلا بارتضاء الأوطان، كما هي وعلى علاتها، وتلك هي الطريق التي يشير إليها اللبنانيون... أما العروبة، فلا خوف عليها، إذ أن علاقة اللبناني أو التونسي أو سواهما بالفلسطيني وقضيته لن تكون يوما حيادية!