30/04/2005
... عن الحرب والحوار بين الولايات المتحدة و«الإسلاميين المعتدلين»
صالح بشير الحياة 2005/04/24
قد يكون قرار الولايات المتحدة محاورة الحركات الإسلامية، أحد تطبيقات التعهد الذي أطلقه جورج بوش الابن، على لسان وزيرته للخارجية كوندوليسا رايس لدى تنصيبها، من أن الولاية الثانية هذه ستكون ديبلوماسية، بقدر ما كانت الأولى حربية وانفرادية. فواشنطن، بعد أن برهنت للعالم، من خلال حربها في العراق بالخصوص، أنها ليست بحاجة إليه ولا إلى مصادقته على ما تفعل، باسمه أحيانا، باتت ميالة إلى التشاور وإلى التفاوض، مع دول ذلك العالم وتياراته المناهضة، وإن كان سلوك الإدارة الأميركية خلال فترة بوش الأولى قد حدد لذلك المسلك التفاوضي والتشاوري «سقفاً» ومدى أقصى، مُدللا على سهولة نبذه والتنكر له.
قد يكون... لكن في الأمر ذاك أيضا ما يشبه الإقرار من قبل الولايات المتحدة (والغرب عموما، إن كان مثل هذا التعميم لا يزال سارياً)، بإخفاقيْن: أولهما فشل التغيير من الخارج، أو عسره الشديد إن لم يكن تعذره. وذلك ما مثلت الحرب العراقية مثاله الأقصى، إذ يصعُب تصور أن يتطلب كل تغييرٍ تدخلاً عسكريا بحجم وبكلفة ذلك الذي شهدته بلاد الرافدين، أو حتى بحجم وبكلفة أدنى. كما أن الحرب تلك برهنت، من ناحية أخرى، على حدود ما يمكن أن تبلغه مثل تلك الاستراتيجية من نتائج. فإذا كانت الولايات المتحدة لم تفلح حتى الآن في إرساء النظام الديموقراطي المنشود (هذا طبعا إن سلمنا بالذرائع المُعلنة) في بلد تحتله وتسيطر عليه على نحو مباشر منذ سنتين، فكيف يمكنها انتقاد تعثر تلك العملية وتباطؤها حيث ينعدم السعي الجدي نحو الديموقراطية، بل حيث ينعدم الديموقراطيون.
أما الفشل الثاني، وهو لصيق بالأول ملازم له، فيتعلق بالرهان على الديموقراطيين ومن إليهم من العلمانيين المحليين، أولئك الذين دلت التجربة على أن حظوتهم لدى رأيهم العام وبني جلدتهم إنما تتضاءل طردا مع تزايدها لدى العالم الخارجي ووسائل إعلامه ومجتمعه المدني ومُنظمي ندواته التي لا تُحصى حول «نشر الديموقراطية في العالم العربي والإسلامي» أو «الديموقراطية والإسلام» وما إلى ذلك من مثل تلك الموضوعات التي أضحت، لفرط تكرارها، تقليدية بل مبتذلة. وهكذا ربما كان سعد الدين إبراهيم، على سبيل المثال لا الحصر، بطلا من أبطال الحرية والديموقراطية في نظر ذلك العالم الخارجي، لكنه حتما ليس كذلك لدى جموع المصريين وليس فقط سلطات بلاده التي حاكمته وسجنته. ليس في القول بذلك حكم نصدره ضد الرجل، ومن كانوا من طينته من النخب العربية، أو لصالحه ولصالحهم، بل هو مجرد توصيف لواقع الحال، يكاد يكون، في بعض أوجهه، من باب النقد الذاتي.
يعود ذلك إلى عوامل ثقافية معلومة، من طبيعة بُنيوية، هي التي حالت دون نفاذ أفكار الحداثة والحرية إلى مجتمعاتنا، وليس هذا مجال الخوض فيها. لكنه يعود كذلك إلى قصور أميركي يكاد، لفرط الإقامة عليه، يكون متعمدا، هو المتمثل في البحث بين تلك النخب التحديثية عن أتباع لا عن حلفاء. بعض تلك النخب، طامعاً أو متطوعاً مقتنعاً، لعب تلك اللعبة، واضطلع بمهمة الترويج للسياسة الأميركية، يبارك كل خطواتها، وذلك ما قد يفهمه المرء من عراقيين كابدوا تحت نظامهم السابق معاناة أخفقت بقية العرب في إدراك هولها. لكنه لا يُفهم من سواهم لأنه، لمن يُفترض فيه الحرص على الأفكار التي يدعو إليها ويرفع رايتها، ينسف كل مصداقية، بل هو فعل انتحار. ذلك أنه لا يمكن للمرء أن يكون ديموقراطيا في منطقتنا، إلا بانتقاد سياسة الولايات المتحدة حيال هذه الأخيرة، ليس بدافع تكتيكي، أي سعياً إلى تملق الجموع وكراهيتها للولايات المتحدة التي تكاد تبلغ مبلغ الغريزة أو الطبيعة الثانية، بل على أساس مبدئي، ولأن السياسة تلك تستحق الانتقاد والاعتراض، باسم المبادئ الديموقراطية إياها وقبل سواها، سواء في ذلك حربها الجائرة، بمقاييس القانون الدولي، في العراق، أو موقفها غير المتوازن، وفق أخفّ التوصيفات، من حل القضية الفلسطينية.
بعض تلك «النخب» أخفق في فهم هذا الأمر على بداهته الظاهرة، أو بلغت به السذاجة أن تصور أن الولايات المتحدة قد تُسقط نظاما من أجل «تمكين المرأة»!... ثم تهديه السلطة فوق ذلك.
والآن تريد الولايات المتحدة محاورة الحركات الإسلامية. أمر جيد، لأن الحوار يكون مع المختلف والمُباين، لا مع من يردد في حضرة محاوره ما يتصور أن هذا الأخير يريد سماعه منه، وفق ما هو معمول به من قبل بعض من انتدبوا أنفسهم «وسيطاً» بين مجتمعاتهم والسلطة الكونية. وهو إلى ذلك يمثل إقرارا بمبدأ الواقع. والواقع ذلك قد لا يروق لكنه كذلك، أي أن من مكوناته الحاسمة في الكثير من الحالات والبلدان، حركات إسلامية مؤثرة فاعلة. كما أنه يمثل بداية تمييز، طالما تمناه ودعا إليه البعض، بين حركات يمكن النفاذ إليها بواسطة السياسة، وأخرى، إرهابية كُنهاً وطبيعةً، لا تترك من مجال غير المواجهة الأمنية أو العسكرية.
بطبيعة الحال، عرض الحوار هذا لا يعني المصالحة، وهو لن يفضي بالحركات الإسلامية إلى تغيير نظرتها إلى الولايات المتحدة، ولا بهذه الأخيرة إلى التحالف مع الحركات الإسلامية، وإن لم يكن ذلك بالأمر المستبعد، عيْنيّاً وموضعياً، كما يدل التنوع الشيعي مثلاً: بين التلاقي حول عدد من الأهداف الأساسية مع الولايات المتحدة في العراق، وبين مناصبتها أشد العداء في لبنان.
بل ان عرض الحوار ذاك قد يكون علامة على استدامة العداء. وربما بدا القول بذلك من باب المفارقة، لكنْ وحده العداء «الوجيز»، إن صح هذا التوصيف، قد يخاض بالوسائل العسكرية وحدها وقد يُحسم سريعاً. أما ذلك المرشح للاستمرار، والذي يُنتظر منه أن يستوي أساساً لنصاب مستديم، وإن إلى أمد، وهو الدور الذي يبدو أن واشنطن انتدبت الإسلاميين له كما انتدبوها هم له، فهو لا يكتفي بالقطيعة المطلقة بين أطرافه والضالعين فيه. بل إنه، بانتظار حسم مؤجل تعريفاً، يترواح بين المواجهات الموضعية وبين سياسات الاحتواء، وبين حد أدنى من التواصل، لأن الأنصبة العدائية الطويلة المدى تتطلب حداً أدنى من تنظيم ومن وضع بعض آليات التحكم.
ثم أن العداء، خصوصاً إذا كان مكيناً، يفترض دوما ضربا من ضروب «التواطؤ» بين الأعداء، كما دلت التجربة إبان الحرب الباردة، مع اعتبار كل الفوارق، وهي هائلة طبعاً.
21:59 Permalink | Comments (0) | Email this
23/04/2005
واشنطن وتل ابيب والمرجعية الذاتية المكتفية
صالح بشير(كاتب تونسي) الحياة 2005/04/17
ربما أنجز أرييل شارون بعض أبرز مناوراته السياسية بزيارته الأخيرة إلى الولايات المتحدة: استقوى على جورج بوش بالمستوطنين واستقوى على المستوطنين بجورج بوش. شق عصا الطاعة على رئيس الدولة العظمى الوحيدة في العالم والحليف - التوأم، ورفض استجابة دعوته إلى تجميد الاستيطان، فبدا في أنظار مواطنيه، بمن فيهم أهل التطرف منهم، حريصا على مصالح الدولة العبرية، لا يتورع في سبيل ذلك عن معاندة الإمبراطور في عقر داره. كما أنه بدا في نظر الإدارة الأميركية الحصن الحصين في وجه متطرفيه «الداخليين» (هل المستوطنون داخليون؟) وسواهم، مُقرا العزم على المضي في ما أزمعه من انسحاب أحادي الجانب من قطاع غزة.
وشارون ما كان، في الحالتين، يخاطر بشيء ذي بال. فلا جورج بوش كان سيجبره على ما لا يرتضيه، بالنظر إلى ما بين الدولتين من وشائج معلومة، مكينة راسخة، خصوصا في عهد هذه الإدارة الإيديولوجية، ولا اعتراض المستوطنين، مهما بلغت بهم الهستيريا والفولكلورية، بالأمر الجدّي والذي يُعتدّ به فعلا أمام دولة كتلك الإسرائيلية تُفترض لديها القدرة على إلزام مواطنيها بقراراتها. لكن أرييل شارون يضخم ويهوّل، إذ هل يمكن لـ«تنازلات» كتلك التي سيقدم عليها أن تكون مؤلمة ودراماتيكية، وأن تُقنع بمدى إيلامها ودراماتيكيتها إن لم تضع الدولة على شفير الحرب الأهلية، على ما تخوّف شارون مؤخرا، علما بأنه في حال نشوب «نزاع أهلي» بين اليهود، يبادر به المستوطنون، فسيكون وقوده الفلسطينيون لا محالة، من خلال تكثيف الاعتداءات عليهم، ويُستبعد أن يسيل دم يهودي بيدي يهودي آخر، وربما «بشّرتنا» محاولة اقتحام المسجد الأقصى قبل أيام بنوعية «الحرب الأهلية» التي قد يُضرمها المستوطنون، اعتراضا على ما تزمعه دولتهم من انسحاب هو أقرب إلى إعادة الانتشار.
غير أن لاعتراضِ المستوطنين وظيفة ومزيّة أخرى تتمثل في إظهار شارون، الحامل التقيليدي لصفة «الصقر»، بمظهر المعتدل وتبييضه كتبييض المال الوسخ. إذ أن إسرائيل، كما هو معلوم، مرجعيتها ذاتية، لا موضوعية، في شأن التطرف أو الاعتدال. فهذان لا يُقاسان بمقاييس من قبيل الموقف من التسوية ومدى الاستعداد لأقربها إلى العدالة أو مدى احترام التشريعات والقوانين الدولية والتقيد بها مثلا، بل أن المعتدل الإسرائيلي يكتسب صفته تلك، فقط وحصرا، قياسا إلى متطرف محلّي. والملمح ذاك ثابت لا طارئ لدى إسرائيل، يكون نافرا أو أقل نفورا لدى هذا الطرف أو ذاك من أطرافها لا أكثر. فالدولة وامتدادها الترابي لم يُبررا ولا يُبرران بمعايير وضعية كتلك التي تواضعت عليها البشرية الحديثة واصطلحت وباتت سارية تحكم العلاقات بين كياناتها، حربا أم سلما، بل يسوّغها وعد إلهي، غيبي، وحصريّ فوق ذلك. وهو ما يلغي كل أساس موضوعي، أي ما يمكنه أن يكون مشتركا، للتسوية. لذلك بدت إسرائيل دوما، في عهدها الشاروني هذا كما في العهود العمّالية السابقة، حتى أثناء طفرة اتفاقات أوسلو وما أعقبها، كمن يتفاوض مع نفسه بالأساس، يهدد بإلغاء صفة «الشريك» عن الطرف المقابل، بل يلغيها...
ولعل الملمح ذاك هو وشيجة التماثل الأقوى والأوثق بين إسرائيل والولايات المتحدة. فهذه الأخيرة أيضا مرجعيتها ذاتية في ما تفعل أو لا تفعل. وتلك سمة فيها لم يستحدثها جورج بوش وإن استفحلت في عهده وبلغت الأقصى. فالاعتبارات الأميركية كانت دوما راجحة على كل قانون أو عرف دوليين، والكونغرس الأميركي لم ينتظر حلول الإدارة الحالية كي يسن قوانين يزعم سريان مفعولها على العالم، بعضه أو بأسره، أو كي يصدّ تشريعات أو بروتوكولات أقرتها الإرادة الدولية من خلال الأمم المتحدة، شأن برتوكول كيوتو حول البيئة مثلا، ذلك الذي رفضه الكونغرس إياه منذ عهد بيل كلنتون. لذلك، لم يفعل جورج بوش لدى إقدامه على غزو العراق أو ما كان من قبيل ذلك من مبادرات انفرادية أحادية اقترفها، وقد يقترف سواها في السنوات المقبلة، غير دفع ذلك المنطق، أي منطق الاحتكام إلى تلك المرجعية الذاتية حصرا أو في المقام الأول، إلى أقصاه وإلى أبعد نتائجه.
قد تكون تلك هي الأخوّة الحقيقية الرابطة بين إسرائيل والولايات المتحدة، أو على الأقل بعض أمتن عناصرها وتجلياتها، وهي التي تجعل رئيس حكومة الدولة العبرية، عندما يحلّ ضيفا على الرئيس الأميركي في واشنطن، أو صديقا حميما في مزرعته في تكساس، يُخاطب مضيفه بكلام يفهمه وبمفردات يفقهها وبمنطق يستوعبه، وذلك ما قد يعجز عنه زائر آخر، يتحدث استناداً إلى القوانين والقرارات الدولية أو إلى متطلبات العدالة والإنصاف أو إلى ما إلى ذلك من مثل تلك المبادئ الوضعية والموضوعية، والتي يفترض أن تكون، بصفتيها هاتين، موضع إجماع ومنطلقا لتبني مفردات مشتركة بين مختلف أطراف هذا العالم.
لكل ذلك، عاد شارون وقد ازادادت التسوية ابتعادا وتعذرا، هذا إن افترضنا أنها كانت يوما قريبة في عهده، في حين استفحل اضطراب الألفاظ والكلمات وتشويشها وطمس حقيقة أشيائها ومسمياتها. وهكذا يجري التمييز، أو ادعاء التمييز، بين مستوطنات «شرعية»، يمكن المحتلّ الاحتفاظ بها بل توسيعها ما عنّ له ذلك، وأخرى «عشوائية»، دون أن يجادل في الأمر ذاك أحد. كما لو أن إقامة المستوطنات واستقدام المستوطنين على أرض محتلة، ويقرّ العالم بصفتها تلك، يمكنه أن يكون شرعيا، في حين أن التمييز الأصح هو بين «مستوطنات رسمية» وأخرى أُقيمت بمبادرة أو بتنطعٍ، من قبيل إيديولوجي أو أصولي، خاصّيْن، مع أن الفارق بين النوعين منعدم من حيث «الشرعية». أما بالنسبة إلى الأولى، فإسرائيل مدعوة إلى تفكيكها وإزالتها وأما بالنسبة إلى الثانية، فهي مطالبة بضبط مرتكبيها، تماما كما لا تتورع هي عن مطالبة السلطة الفلسطينية بمواجهة «الحركات الإرهابية» وتعتبر إنجازها تلك المهمة شرط القبول بها «شريكاً» في عملية السلام.
لقد استشرى الضعف والوهن، وبلغ مبلغ التسمم الذاتي، حتى باتت بعض الترهات، كالتمييز الآنف الذكر، ملسمات، في نظر الضحايا قبل سواهم. والحال أن هناك شيئا أساسيا في كل نزاع لا يجب أن ينال منه ميزان القوة مهما انخرم واختل، وذلك الشيء هو حقيقته ومكوناته الأصلية، وتلك يجب أن تظل آخر ما يُصرُّ عليه...
10:13 Permalink | Comments (0) | Email this
دولة المغرب ساعية إلى تنظيف ذاكرتها
المستقبل - الاحد 17 نيسان 2005 - العدد 1893 - نوافذ - صفحة 11
صالح بشير
في موعد ما، لم يُصر إلى تحديده، بين الآن وحتى موفى هذه السنة، ستُقدِم الدولة المغربية على "تنظيم" (ذلك هو المصطلح كما ورد في الأنباء) حداد وطني على ضحاياها! وستفعل ذلك دون انتظار صدور التقرير النهائي لـ"هيئة الإنصاف والمصالحة"، التي بُعثت بمبادرة من الملك محمد السادس قبل سنة، ثم مُدِّد لها، بطلبٍ منها، ثمانية أشهر أخرى، لأنها لم تفرغ مما شرعت فيه ولم تستنفده، وأنّى لها أن تحيط خلال عام واحد بجورٍ وبطشٍ وانتهاك لحقوق البشر استغرق اقترافها، على نحو منهجي في بعض الحالات والأطوار، عقودا: منذ غداة استقلال البلاد في سنة 1956 إلى سنة 1999 وبدء عهد العاهل الجديد؟
لكن التحقيب هذا، خصوصا سنة النهاية، احتُفظ به على سبيل التواضع أو الاصطلاح، وهو بالتالي لا يفترض قطيعةً ولا يفتعل صرْما بين سابقٍ ولاحقٍ، ولا يزعم نسبة الفظائع إلى عهد الملك الراحل وتبرئة خلفه ونجله منها. أو أن الأمر ليس كذلك بالضرورة، مع أن بعض المنظمات الحقوقية المغربية، وقد بات ينعم بقدرٍ من حرية التعبير يُحسد عليه في بقية أرجاء المنطقة، يرتاب في ذلك ويجهر بارتيابه، على ما فعلت "الجمعية المغربية لحقوق الإنسان"، التي أخذت على "هيئة الإنصاف والمصالحة" حصرها أعمالها في تلك الحقبة الزمنية، والتي قال رئيسها "نشهد سلسلة جديدة من الانتهاكات الخطيرة منذ العمليات الانتحارية في الدار البيضاء في السادس عشر من أيار 2003.. اختطاف للمئات من الإسلاميين وحالات تعذيب ومحاكمات شكلية". ولم تتوقف الجمعية المذكورة عند إبداء الاستنكار والانتقاد بل عمدت إلى تنظيم جلسات استماع موازية لتلك التي تنظمها "هيئة الإنصاف والمصالحة".
كل ذلك من حيوية النقاش الدائر في المغرب حاليا، حول الشأن العام، علنياً وحرًّا. أما القول بأن سلطات المملكة، وأعلى مراتبها ممثلة في العرش، إنما أرادت فضح اقترافات الماضي لتتستر على انتهاكات الحاضر، فقد يكون من قبيل المبالغة أو ناجما عن سوء فهم، مع العلم أنه لا سبيل إلى تبرئة الحاضر ذاك، أقله لأن أجهزة الأمن التي درجت، طيلة عقود، على "ثقافة" قمع وتجاوزٍ بعينها، لا يمكنها الانفكاك عن رواسبها بسهولة، وهي لا تزال، في الصدد ذاك وفي أحسن حالاتها، في طور إعادة التربية والتأهيل.
بل ربما أمكن قول العكس، والذهاب إلى أن أبرز ما يلفت في جهد المحاسبة هذا وما يصنع فرادته على الصعيد العربي، إنما هو نبذه لفكرة القطيعة وتركيزه على الاستمرارية. وراء ذلك أسباب قد تكون موضوعية، أولها أن العاهل الحالي لا يريد صرم رابطة الأبوّة مع سلفه الراحل الحسن الثاني، مع أن التاريخ يوفر شواهد كثيرة على أن تأسيس السلطان لا يتورع عن قتل الأب، رمزيا أو فعليا، إن دعت الحاجة إلى ذلك. ثم إن ما جدّ خلال السنوات الأخيرة من حكم الحسن الثاني جعل من حصيلة ذلك الحكم ملتبسة، لا تنحصر في القمع وفي انتهاك الحقوق الإنسانية، رغم أن السمة تلك هي التي كانت غالبة عليه، إن بالمقياس الزمني وإن بمقياس الفداحة. فالعاهل الراحل هو الذي افتتح أبواب الديمقراطية والتداول على السلطة وإن لم يشرعها تماما، وهو الذي بادر إلى الإقرار بانتهاكات حقوق الإنسان، بعد طول إنكار، فأصدر عفوه عن سجناء الرأي وأغلق معتقل تازمامرت الرهيب (ذلك الذي باتت صفة "الرهيب" هذه جزءا من اسمه لا يُذكر إلا بها)، مقبرة الأحياء. هل عاد ذلك إلى الضغوط الخارجية أم إلى وعي العاهل الراحل بأن المغرب تغير وتنوّع وتعددت نخبه، أوساطا ومشارب، وما عادت تنحصر في تلك المرتبطة بمؤسسة "المخزن" التقليدية، وأن البلد ما عاد يمكنه أن يُساس كما سيس من قبل؟ قد يكون. وذلك، على أية حال، جدل قد لا يُجدي، وقد يبقى مفتوحا لا يُحسم إلى ما لا نهاية. المهم، وقائعيّاً، إن إرهاصات ذلك التحول، بل بوادره ولبناته الأولى، حصلت في عهد الملك الراحل فسهّلت على خلفه الارتداد على انتهاكات تلك الحقبة، محاسباً مُسائلاً، دون أن يبدو كالمنقلب على سلفه ووالده.
لكن الأهم في تلك المقاربة القائمة على الحرص على الاستمرارية، أنها بصدد التأسيس لفكرة الدولة، بمعناها الحقيقي أي الذي لا ينحصر في كونها "سلطة"، وهنا عنصر جدتها الأساسي قياسا إلى مألوفٍ عربي مقيم. فما يجري في المغرب حاليا، من خلال عمل "هيئة الإنصاف والمصالحة" وأشياء أخرى كثيرة، إنما هو استبدال "النظام" بالدولة. فما يسميه العرب عادة "دولة"، هو في الحقيقة "النظام"، وهذا يرتبط بشخص، وببطانته، أو بفئة، حتى إذا ما زال ذلك الشخص أو تلك الفئة، انهار نظامه أو نظامها وجُبّ، وأمكن البدء من جديد أو اصطناع ذلك. كل المسؤوليات ترتبط بالنظام المذكور لا تتعداه ولا تعيش بعده.
المقاربة التي استحدثها الملك محمد السادس، تُناقض ذلك تماما، إذ تعتبر أن الانتهاكات التي ارتُكبت في عهد الملك السابق لم ترحل برحيله، ولا يمكن التبرؤ منها. هناك بطبيعة الحال جرائم يقع وزرها على من ارتكبها، أمرا أو تنفيذا، ولكن تلك مسألة أخرى قد ينظر فيها القضاء في يوم من الأيام، وذلك حق وراءه في المغرب طالبٌ بل طالبون. ولكن هناك أيضا انتهاكات تتحمل الدولة، بصفتها تلك، مسؤوليتها، ولا يمكن لرمزها الحالي أن يتنصل منها، وأن يكتفي بنسبتها إلى من سبقه، وإلا انتفت استمرارية الدولة، ككيان متعالٍ ومسترسل، وبات التداول على رأسها مجرد تعاقب أنظمةٍ. صحيح أن المغاربة يتمتعون بحس الدولة ربما أكثر من سواهم من العديد من شعوب المنطقة، ولكن الحس ذاك كان ناشئا عن التعلق بالعرش والالتفاف حوله، أي عن ضرب من مماهاتها به، في حين أن ما تشهده المملكة حاليا، يبدو نوعا من اجتراح الدولة بمفهومها الحديث أو الأقرب إلى الحداثة.
وتلك هي الوظيفة الذي يبدو أن "هيئة الإنصاف والمصالحة" تضطلع بها. فهي ليست لجنة تحقيق، بالمعنى القضائي، بل هي أشبه بالطقس وبالرقية الجماعية. مهمتها الوقوف على حجم ما ارتُكب، وإعلانه على الملأ، من خلال تلك الشهادات الدراماتيكية، والمُمشهدة تلفزيونيّاً، على لسان الضحايا، إقرارا بمسؤولية الدولة على ما حصل، وهو إقرار ستسكمله التعويضات التي ستُدفع والحداد الوطني الذي "سيُنظم" قبل نهاية السنة.
ولا شك في أن إدراج تلك المسؤولية ضمن استمرارية الدولة، ربما مثل ضمانة للمستقبل، ونوعا من التأسيس لثقافة حقوق الانسان، وهو ما لا يمكن أن تفي وأن تنهض به نسبة الانتهاكات إلى نظام ولّى، وغسل اليدين منها بأيسر الطرق، وافتعال براءة منها لا تحصّن من تكرارها.
10:11 Permalink | Comments (0) | Email this


