14/05/2005

ايطاليا أو الحليف الذي لا يزن شيئاً

المستقبل - الاحد 8 أيار 2005 - العدد 1911 - نوافذ - صفحة 12

صالح بشير

"سوري" (آسفة) قالت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليسا رايس لنظيرها الإيطالي جيانفرانكو فيني. قالتها بطريقة حازمة جازمة كأنها تنهر مخاطبها، وكما يمكن للألفاظ الإنكليزية، بمقاطعها القصيرة والحادة، أن توحي في أحيان كثيرة، أو ذلك ما فهمه النظير الإيطالي عندما بادر إلى التذكير بما لا يستحق تذكيرا ولا يتطلبه، من أن العلاقات بين البلدين أمتن وأرسخ من أن ينال منها حادث عابر، أو ما شابه هذا الكلام وكان من قبيله.
ذلك أن وزيرة الخارجية الأميركية لم تقل "سوري" اعتذاراً عن مقتل ضابط المخابرات الإيطالي كاليباري قبل أشهر، على أيدي مفرزة من القوات الأميركية، على الطريق إلى مطار بغداد، عندما كان يرافق الصحفية جوليانا سغرينا، بعد تخليصها من مجموعة إرهابية أو إجرامية كانت اختطفتها وارتهنتها، بل في معرض رفضها القاطع للرواية الإيطالية لما حدث في ذلك اليوم، والتزامها، القاطع أيضا، بالرواية الأميركية، وهذه تبرئ الجنود الأميركان أولئك، وتعتبر فعلة القتل ناجمة عن سوء فهم وقصور في التنسيق يتحمل الجانب الإيطالي وزرهما والمسؤولية عنهما وانتهى النقاش!.
وهكذا، ضنّت الحكومة الأميركية على "الحليف" الإيطالي باعتراف بالمسؤولية، وإن جزئيا، ما كان يمكنه إلا أن يكون رمزيا وما كان له أن يفسد للودّ قضية على أية حال، وكان رئيس مجلس الوزراء سيلفيو برلسكوني في أمسّ الحاجة إليه، وهو الفخور بالعلاقة الخاصة التي تربطه بـ"صديقه" جورج بوش، ويردد بأن قراره إرسال قوات إلى العراق كان قراراً صائباً، مكّن إيطاليا من منزلة على الصعيد الدولي كانت تعوزها، ويواجه اعتراض فئات واسعة من الرأي العام بسبب "المشاركة" في حرب العراق، حيث شهدت إيطاليا بعض أضخم التظاهرات ضد تلك الحرب، في حين ما انفكت الأصوات ترتفع مطالبة، بإلحاح متزايد يستقوي بهزيمة اليمين الحاكم في الانتخابات الأخيرة على مستوى الأقاليم، بسحب القوات الإيطالية، تلك المرابطة في الناصرية، والتي لا تكاد تشارك في قتال، وتقتصر وظيفتها على "الشهادة" للسياسة الأميركية.
لكن الولايات المتحدة لا تعبأ بكل تلك الاعتبارات المحلّية، وبشواغل حاكم بلد حليف يدور في فلكها ولا يسعه إلا أن يكون حليفاً وإلا أن يدور في فلكها. فإيطاليا، في نظر الولايات المتحدة، ليست فرنسا ولا ألمانيا، سواء حكمها برلسكوني أو سواه. فالمسألة ليست مسألة يمين أو يسار (فرنسا يحكمها اليمين وألمانيا يحكمها اليسار)، بل تتوقف على القوة الذاتية وعلى استشعارها وعلى النظرة إلى الذات وعلى هاجس السيادة، تلك التي تستند في فرنسا إلى نفَسٍ "ديغولي" لا تحتكره فئة سياسية دون سواها، وتلك التي تعمل ألمانيا على استعادتها بعد أن أنجزت وحدتها وخرجت من الحرب الباردة في صف المنتصرين ورممت نفوذها في أوروبا الوسطى والشرقية. أما إيطاليا فليس لها وزن سياسي يوازي ثقلها السكاني والاقتصادي وموقعها الاستراتيجي. كان ذلك شأنها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية على الأقل، وسيظل كذلك على الأرجح إلى أمد غير معلوم. ما قد يجعلها موضوعا شيقا للدراسة والبحث حول "كيف تخفق في أن تكون قوة مع امتلاكك لمقوماتها؟"... وهو، كما نرى، سؤال يعنينا إلى أبعد الحدود.
في ما عدا ذلك، لا تفيدنا حادثة مقتل ضابط المخابرات الإيطالي وسلوك الولايات المتحدة في صددها بما لا نعلمه أصلاً، من أن واشنطن تضع نفسها فوق كل محاسبة وفوق كل قانون، على ما تبدى مراراً وفي أكثر من مجال، سواء من خلال امتناعها عن تمكين المحكمة الدولية من النظر في ما قد تقترفه قواتها من انتهاكات أو جرائم حرب أو في حق الإنسانية، أثناء مهامها العسكرية في الخارج، حرصا على توفير "التغطية" لتلك القوات مهما فعلت، أو من خلال تحللها من القوانين والأعراف الدولية في ملاحقة أعدائها، على ما دلت فضيحة معتقل "غوانتانامو". غير أن الحادثة المذكورة تكشف مع ذلك عن نظرة الولايات المتحدة إلى حلفائها.
صحيح أنه كان معلوماً أن الحلفاء أولئك مراتب، وأن إيطاليا أو بولنده أو سواهما من البلدان التي جندتها الولايات المتحدة إلى جانبها في مغامرتها العراقية، لا يمكنها أن تبلغ، في نظر واشنطن، مصافا ومنزلة كذينك اللذين تحظى بهما إسرائيل أو بريطانيا، ولكن ما لم يكن متوقعاً هو أن يكون الحلفاء أولئك عديمي الحقوق إلى هذه الدرجة، وأن أحدهم قد لا يزن شيئاً في ميزان المفاضلة بينه وبين التغطية على أفعال مفرزة صغيرة من الجنود الأميركيين، ولا يمكنه أن يطمح إلى مراعاة أو إلى معاملة خاصة، قد يتوهم أن موقعه كحليف يجعله جديراً بها أو يجعلها حقا من حقوقه.
لعل ذلك بعض ما تعنيه نظرية "الحلفاء الاختياريين"، كما صاغتها الولايات المتحدة وطبقتها خلال الحرب العراقية. فالتحالفات تلك، إذ تنعقد حول الولايات المتحدة موضعيّاً، وفق ما تتطلبه هذه المهمة العسكرية أو تلك، لا تستند إلى ثبات، ولا تقوم على تعهدات مُلزمة، تحفظ حقوق ومصالح أطرافها الأضعف، بل لا يتحكم فيها سوى ميزان القوة، بمعناه السافر والخام، إذ يتكون أولئك الحلفاء "الاختياريون" من أكثر الدول استجابة للضغوط الأميركية (وإن اتخذت تلك الضغوط هيئة الرشوة والترغيب) بشأن قضية محددة أو مهمة معيّنة، وذلك ما قد يجعل القوة العظمى الوحيدة في العالم غير ملزمة حيالها بشيء أو غير ملزمة حيالها إلا بالقليل.
ذلك أنه ليس للولايات المتحدة من حلفاء، عدا إسرائيل وبريطانيا، فتلك الفكرة غريبة تماما عن الإمبراطورية الكونية، لأنها تقوم على الإقرار، قبل القوة العسكرية وفي أساسها، بمساواة، وإن شكلية، بين الدول ككيانات حقوقية أو "كشخصيات اعتبارية"، أي على التسليم بمنطق القانون الدولي، كما أرساه العصر الحديث، وهو المنطق الذي تسعى الولايات المتحدة إلى نسفه وإلى تجاوزه، إن من خلال انتهاكه والاستهتار به كما حصل في الحرب العراقية، وإن من خلال مناصبة الأمم المتحدة، وسواها من هيئات ومنظمات الاجتماع الدولي، عداء مستحكماً قوامه جهد دؤوب على تهميشها وإبطال دورها، في انتظار الإجهاز عليها.
وضابط المخابرات الإيطالي الذي قتله الجنود الأميركان على طريق مطار بغداد، والذي لم تحمه صفته كـ"حليف" حيّاً، كما لم تحمِ ذكراه ميتا، لم يكن غير ضحية نافلة من بلد نافل، في تلك المعركة الإمبراطورية الكونية الأبعاد.

07/05/2005

لبنان بعد الإنسحاب السوري

صالح بشير الحياة 2005/05/1

لم يكد أحد من الأشقاء يشاطر اللبنانيين، أو كثرتهــم، فرحــهم بانسحاب القوات السورية، جيشا واستخــبارات. إذ أن انعتاق بلــد عربـي من بلد عربي آخر لا يــزال يُعــتبـر نكسة للعروبة، ومـن ينـال استقلاله مــن «شقــيقــه» تحـــوم حوله الريبة والشبهات، إن لم يكن صريح الاتهامات. وفي هذا الصدد، يعيش اللبنانيون اليوم ما سبق للكويتيين أن كابدوه، على نحو أشد وطأة وأكثر دراماتيكية، في بدايات العقد الأخير من القرن العشرين.

قد تكون هـــذه المقارنـــة مجــحفة، وهــي فـــعلا كــذلك في بعـــض أوجـــهٍ منـــها أساسية. فحال لبنان غير حال الكويت، والمحتل العـــــراقي غــــير «المحتل» الســوري، وذريعـــة هذا غــــير ذريعـــــة ذاك. بل أن صدام حسين، وهو من هو فجاجة وفظاظة، كان في غنى عن الذرائع، من ذلك الصنف الذي يتصنع الإيثار ويلبس لبوس الغيرية. «قـــرأ» مــيزان القوة على طريقته، أي خطأً وبتهور، فقرر غزو جارته الجنوبية الصغيرة. أما التدخل السوري في لبنان، فلم تعوزه الشرعية، بل انه جنّد شرعيات كثيرة أولاها، وهي وجيهة، أو لنقل مفهومة، على أنانيتها، هي تلك التي مفادها أنه لا يمكن لدولة أن تتسامح مع فوضى مستديمة تستشري عند حدودها وتهددها. يصح ذلك من حيث المبدأ والعموم، ويصح بشكل خاص في وضع كذلك الشرق أوسطي، هش مضطرب سريع الالتهاب. كما استند التدخل ذاك إلى رغبة فئة من اللبنانيين (ثم تنقلت تلك الرغبة تباعا بين فئات البلد وطوائفه فمدّته ببعض أسباب الاستمرار) وإلى «تغطية» عربية، وإلى مباركة دولية، ضمنية أو معلنة، بل إلى رضا من إسرائيل، تلك التي فضلت وقوع لبنان تحت سيطرة دولة معادية لكنها مسؤولة عن بقائه مرتعا لمنظمات لا يضبطها ضابط. والاعتبارات تلك، أو معظمها، مُحترمة لا تشين، ومكتفية بذاتها دونما حاجة إلى الاستنجاد بالدور القومي وإلى استحضار (على منوال استحضار الأرواح) «الرسالة القومية». لكنها الذهنية العربية، تأبى القناعة بالوقائع، مهما كانت وجاهتها، ولا ترتضي إلا بما هو صادر عن ملكوت الإيديولوجيا ولدنها المتعالي.

غير أن الأمر لا يتوقف عند ذلك، بل يتعداه إلى ما هو أعمـــــق، إلى اعتقــــاد مــكيــــن بلا شرعية الكيانات الصغرى، بأن هذه الأخيرة تحتاج دوماً إلى «وصي قومي»، لأنها إن تُركت لشأنها تخون لا محالة وتمرق، وهي التي يمثل وجودها، في ذاته، شواذا وخُلْفا وفضيحة قيــاساً إلى أصل، وإن كان الأصـــــل ذاك نـــــظريا أو متوهّماً. وهكذا، يكــتب أحدهم أن انسحاب القوات السورية لا يعني «انسحاب العروبة» من لبنان (!)، لكن نفيه ذاك يوحي بأنه يرى العكس، أو يتوجسّه جديا. أي أنه نـــفي من قبيل أفعال الـــــرقية أو دفع الـــفأل الســـيء. هـــــناك توق إمبراطوري جارف، لاعقلاني، أعمى، يبلـــــغ من عمــاه أن يتوسم النهوض بذلك الحلم الإمبراطوري في من لا طاقة له عليه ومن ليس له مؤهّلا، حتى وإن كان صدام حسين.

هكذا، ووفق المنطق هذا، يجري التركيز في ما خصّ لبنان، على التدخلات والضغوط الخارجية، من الــــولايات المتــحدة وفرنسا والاتحاد الأوروبي والأمــــم المــتحدة. فإذا المطـــالبون بـــالاســتقــــلال، جــــموعاً غــصّت بها الفضاءات العــــامة مــــــنذ جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري أو أحزاباً وفئات تكوينية في نصاب ذلك البلد، أداة في يد الأجنبي و«مؤامراته الدنيئة»، في حين أن من استجاب لتلك الضغوط والتدخلات، وأدبر بتلك السرعة القياسية، وتقيد بكل الشروط التي أملتها الإرادة الدولية أو إرادة القوّة المنفردة بالسطوة على الصعيد الكوني، براء من كل تخاذل. أما كون مطلب الاستقلال اللبناني رغبة داخلية، قوية لا يرقى الشك إلى قوتها، استقوت برافد خارجي، في حين أن القوة المنسحبة لم تفعل سوى الامتثال لذلك التدخل الخارجي حصرا وبالضد من رغبتها، فذلك تفصيل لا يستحق التوقف عنده.

هناك ضرب من «الصواب السياسي» الساري في مناطقنا، يبدو حياله ذلك المعمول بـــه، أو الذي كـان معمولا به في الولايات المتحدة فولكلوريّاً ساذجا، هو ذلك الذي يفترض حصانة «الكيانات الكبرى» من كل نقـــد في علاقتـها بـ«الكيانات الصغرى». قد يعود ذلك، في بعض منه، إلى اعتقاد مفاده أن هذه الأخيرة، ناهيك عن انعـدام شرعيتها أصلا وبسببه، أقل مناعة. وهو اعتقاد يظل مكينا راسخا، حتى وإن دحضته ألف واقعة وواقعة، من سرعة الامتثال انسحابا من لبنان، على نحو ما سبقت الإشارة، إلى ما أبداه نظام صدام حسين من «مناعة» في درء الأخطار عن العراق، على ما تشهد حال بلاد الرافدين منذ سنتين.

وبما أن الكيان الصغير مشبوه دوما، فإن أحدا لا يأخذ على محمل الجد، على سبيل المثال، ما يردده عدد من الساسة اللبنانيين من أن بلدهم «سيكون آخر بلد عربي يوقّع اتفاقية سلام مع إسرائيل». لا أحد يمحض هذا الكلام احتمال الصحة، ويُرتاب في أنه إنما يقال من باب الطمأنة، أو دفع التهمة أو المكابرة الفارغة. هذا مع العلم أن دول الطوق إما موقّع لمثل ذلك الاتفاق أو توّاق إلى توقيعه، في حين أن الكثيرين ممن بعدت بهم المسافة عن «ساحة الوغى القومي» متلهّف إلى «التطبيع» مع شارون (إذ ليس التطبيع في حد ذاته هو المشكلة كرافد من روافد التوصل إلى حل مقبول للقضية الفلسطينية).

لكن ماذا لو كان ذلك الاحتمال، احتمال أن يكون لبنان آخر من يوقع مع إسرائيل، جدّيا؟ ليس لعامل القوة والقدرة على «الصمود في وجه الضغوط»، ففي انعدام هذه وتلك يتساوى لبنان مع سائر دول المنطقة وكياناتها «الكبرى» و«الصغرى»، بل لأنه ليس من بلد في تلك المنطقة يمكن للتسوية، خصوصا كتلك المتاحة في هذا العهد الشاروني، أن تؤثر في توازناته التكوينية وفي تركيبته الداخلية أكثر من لبنان، ما لم تُحلّ مشــــكلة اللاجــــــئين، أي ما لم تُحسم مسألة التوطين. لذلك، قد لا يسمح لبنان لنفسه بما أقدم عليه الأردن، بالرغم من أغلبيته السكانية الفلسطينية، بل وبما قد يرتضيه المفاوض الفلسطيني، إن رأى التخلي عن حق العودة أو أُجبر على ذلك.

إنها «ممانعة» أو احتمال «ممانعة» موضوعية... لذلك يذهل عنها أو يستهجنها من لا يعتدّون ولا يحفلون إلا بـ«الممانعة» الإيديولوجية، وما يحف بها من «ثوابت» وما إليها... وما يترتب عليها من نتائج معلومة.

(كاتب تونسي)

30/04/2005

البابا بينيديكتوس الساعي لجلب الحداثة الى كنف المسيحية

المستقبل - الاحد 24 نيسان 2005 - العدد 1900 - نوافذ - صفحة 10

صالح بشير

تعلّم الناس المعاصرون من حبرية البابا يوحنا بولس الثاني أمرا أساسيا: أن انتخاب رأس الكنيسة الكاثوليكية، مثله في ذلك مثل كل حدث ديني في زمننا هذا ربما، ليس بالأمر الذي يستهان به، والذي ركنته المجتمعات المُعلمنة الحديثة في خانة الفولكلور السياحي، فلا يكاد يعني سوى الجموع التي تحتشد في ساحة القديس بطرس، تنتظر الدخان الأسود أو الأبيض ينبعث من سطح كنيسة "السكستين"، مأخوذةً بالإصرار على تلك الوسيلة الإعلامية 7-7-البدائية7-7- في عصر الاتصالات الرّقمية، أو هو لا يهم إلا ما تبقى من جيوبٍ ما قبل حداثيّة، رواسب مبثوثة هنا أو هناك وآيلة إلى الزوال لا محالة.
البابا الراحل، من خلال حبريته المديدة (الثالثة طولا في تاريخ الكنيسة)، كان قد دحض تلك الفكرة، وبيّن أنها ليست أكثر من إفراط في الثقة بالنفس من قِبل حداثةٍ توهّمت أنها اجترحت الإنسان ما بعد الديني، أقله وفق المقاييس التقليدية للتدين. إذ برهن يوحنا بولس الثاني، كما برهن سواه في فضاءات ثقافية أخرى، على أن التدين ذاك لا يزال راهنا، فاعلا في التاريخ كما يشهد دوره في دكّ الإمبراطورية الشيوعية، وكما تشهد قدرته على مخاطبة الشباب. كان قد "نجح" في إدراج الكاثوليكية في الشأن العام المعاصر، أو ذلك ما نُسب إليه، مع أن الأمر أكثر التباسا وتعقيدا على الأرجح، إذ أن كاريزما البابا الراحل وشخصيته الأخاذة ما كان يمكنهما أن تكونا نافذتيْن على نحو ما كانتا عليه لولا مصادفتهما تحولات كانت تعتمل في الأعماق، ولا تنحصر في العالم الغربي دون سواه.
لذلك تابع العالم وقائع انتخاب البابا الجديد باهتمام يكاد يضاهي ذلك الذي تحظى به الانتخابات الأميركية. فذلك الاقتراع السري والملغز، الجاري وفق طقوس عتيقة تكاد تلابس الأزل، ضربا من ممارسة "ديمقراطية" تقتصر على صفوة الصفوة من الكرادلة، بعيدا عن أعين جموع المؤمنين، إنما يعكس ميزان قوة روحي، يُترجَم فورا إلى ميزان قوة مادي، وسرعان ما يتجاوز مفعوله حدود دولة الفاتيكان الضئيلة، ليمتدّ إلى العالم وليؤثر في نصابه.
وفي هذا الصدد، يمثل انتخاب الكاردينال الألماني يوسف راتزينغر، تحت اسم بينيديكتوس السادس عشر، خلفا ليوحنا بولس الثاني، امتدادا أكيدا للوجهة التي افتتحها هذا الأخير، والتي اتضح بأنها أضحت غالبة داخل الكنيسة، لا ترتبط فقط بشخص البابا الراحل. من الأدلة على ذلك، سرعة العملية الانتخابية وسرعة حسمها، التي تعني أن الاتفاق على البابا الجديد لم يكن عسير المنال، والتي كذّبت تاليا ما كانت تداولته وسائل الإعلام عن وجود تيارات متباينة متناحرة (وإن على نحو غير حادّ وغير مفتوح بطبيعة الحال). وهذا الانطباع الذي عززته تصريحات الكاردينال الإيطالي مارتيني، الذي كان أحد المرشحين، والذي طالب علنا بكنيسة مفتوحة على العالم وغير مركزية، وكما أقوال الكاردينال راتزينغر، الذي أدلى، قبيل الاقتراع، بمداخلة كانت عبارة عن مرافعة عنيفة ضد "النسبية الثقافية"، تلك التي تساوي بين المعتقدات والحقائق، ما كان منها من وضع الإنسان أو ما كان منها وحيا إلهيا، يُقبل عليها الفرد انتقائيا، لا معيار له في ذلك سوى ذاته ورغباته.
صحيح أن للبابا الجديد سمعة تشددٍ ومحافظة، تبلغ في نظر البعض مبلغ التزمت، تعود إلى المنصب الذي تولاه كـ "حارس للعقيدة" كما لُقّب، على رأس الهيئة التي ورثت محاكم التفتيش. وصحيح أنه كان، في موقعه ذاك، بالغ اليقظة حيال كل عدوى حداثية يتوجس أنها قد تصيب المعتقدات والقيم الكاثوليكية التقليدية، وأنه هو الذي كان رأس الحربة في مواجهة "لاهوت التحرير" في أميركا اللاتينية، إلى ما يتلو ذلك من مواقف كثيرةٍ له معلومة، ولكنه لم يكن في كل ذلك يتزعم تيارا مستقلا قائم الذات، بل أنه كان يعمل تحت إشراف البابا الراحل وبتوجيه منه وبمباركة من لدنه. فيوحنا بولس الثاني هو الذي استقدم الكاردينال الألماني كي يتولى تلك الوظيفة، وهو الذي أثناه عن الاستقالة كل ما ساورته الرغبة في ذلك للانصراف إلى البحث والتدريس، وكانت تربطه به علاقة وثيقة، حتى قيل بأن راتزينغر هو الذي اضطلع بالقيادة الفعلية للكنيسة خلال السنوات الأخيرة من حياة البابا الراحل.
لذلك فإن محافظة البابا الجديد، على تلك الأصعدة الأخلاقية والقيمية، هي من محافظة سلفه وستكون استئنافا لها. وفي أول كلام علني قاله بينيدكتوس السادس عشر، بدا كمن يستعيد "برنامج" سلفه بحذافيره ودون أن يغير منه شيئا، بما في ذلك ما يتعلق بالحوار مع الديانات الأخرى، وهو ما كان يُخشى أن يؤدي انتخاب الكاردينال الألماني، الموصوف بـ "الأصولية"، على رأس الكنيسة الكاثوليكية إلى قطعه وإلى إجهاضه. ذلك أن البابا الجديد، مثله في ذلك مثل سابقه، قد لا يرى أن مشكلة الكاثوليكية في طورها الراهن هي مع الديانات المغايرة ومع الاتجاهات الروحية الأخرى، خصوصا السماوية منها. وقد سبق له، مثلا، أن اعتبر أن "الإسلام يمثل تحديا إيجابيا" للكاثوليكية، وهو ما أوضحه، في موضع آخر، في معرض تفسيره لـ"الصحوة الإسلامية"، مشيرا إلى أنها "تتغذى من الوعي بأن الإسلام قادر على توفير قاعدة روحية صالحة لحياة الشعوب، وهي القاعدة التي يبدو أن أوروبا القديمة قد أضاعتها"... الرأي هذا رأي رجل لاهوت كاثوليكي، "أصولي" إن شئنا، قد يكون أكثر انشغالا بعقيدته منه بفهم واستكناه "الصحوة الإسلامية"، لكنه يبدو في كلامه هذا كمن يغبط لا كمن ينتقد ويناصب العداء، ضرورة وفورا.
أما ما هو أكثر إلحاحا في نظر هذا البابا الجديد كما في نظر سلفه، أما ما يمثل لهما ما يمكننا تسميته بـ"التحدي السلبي"، فهي الحداثة وقيمها: فرديتها النافية للمجموعة، متعويتها المغرقة في الآنيّة، علومها التي لا تسترشد بقيمة سامية، تنكرها لكل حقيقة متعالية، نبذها التساؤل حول المآلات الكبرى والقصوى للحياة البشرية، وتفاصيل كل ذلك "الشنيعة" في حياة الناس، من زواج المثليين إلى المطالبة بسيامة النساء إلى ما إلى ذلك الكثير.
هل يسعى البابا الجديد إلى ملاءمة الدين مع الحداثة؟ الأرجح أن طموحه، مثل طموح سلفه، أكبر من ذلك، ويتمثل في جعل الدين هو المتحكم في دفة الحداثة، يوجهها ويستوعبها، ويسبغ عليها المعنى الذي أخفقت في إسباغه على نفسها... بل أن البابا الجديد يتوسم في الدين قدرة لا حدود لها على ذلك. فهذا "الأصولي" متفائل، مع ما قد ينطوي عليه الجمع بين الصفتين من مفارقة!