21/05/2005

فلسطين ـ إسرائيل: بعض أسئلة اللحظة الراهنة

صالح بشير الحياة 2005/05/15

أرييل شارون أجل الانسحاب من غزة إلى الخامس عشر من آب (أغسطس)، بعد أن كان مقررا قبل ذلك الموعد بأسبوعين. إتخذ قراره على نحو أحادي، كما هي حال كل مبادراته «التسووية»، لا يحفل بشأنها بأي اعتبار سوى روزنامته الخاصة (نكاد نقول «الشخصية») وتوازنات الميكروكوزم السياسي الإسرائيلي أو مزاج هذا القطاع أو ذاك من رأيه العام. فعل ذلك، على حد تعليله، احتراماً لمشاعر المستوطنين، حتى لا يصادف إجلاؤهم ذكرى هدم المعبد في بعض الأزمنة السحيقة، سائرا في ذلك على سنّة إسرائيلية أكيدة راسخة، مفادها اعتبار آلام ومآسي اليهود حتى ما عاد منها إلى غابر التاريخ، والاستهتار بآلام ومآسي الفلسطينيين وهي مباشرة راهنة ملحّة إلى أبعد حدود الإلحاح.

لكن الرجل لا يلام على ذلك، إذ لا أحد يطالبه بإنسانية، ولأن الإنسانية لا ثقل لها بمعايير ميزان القوة، إلا لمن استطاع الاستفادة منها دعائياً. وفي هذا الصدد، هناك دوما من هو أكثر مهارة وكفاءة، وهو قطعا ليس نحن.

أما في ما عدا ذلك، فيتصرف شارون كمن يفتقر إلى «الشريك» من الجانب الفلسطيني، ينسّق معه وإن في إنفاذ ما ارتآه وما قرره أحاديّا. فرئيس الحكومة العبرية انتقل من طور الجهر والشكوى من انعدام «الشريك» إلى طور التجاهل التام لذلك «الشريك». و«الإستراتيجية» الأولى كانت الأجدى، في تقديره، في التوصل إلى تقويض ياسر عرفات، نظرا لما كان يمثله على رأس الوطنية الفلسطينية، في نظر شعبه وفي نظر العالم، في حين أن الثانية تكفي وتفي بالحاجة في التعاطي مع محمود عباس، ناهيك عن أن الأخير انتُخب لانتقاده، أو بالرغم من انتقاده، لعسكرة الانتفاضة، وكان اختياره ديموقراطيا وما انفكّ يعلن صراحة تبنيه منحى التفاوض. لذلك يكون من الأفضل نزع صفة «الشريك» عنه عمليا وبالممارسة، دون الدخول في جدل حول أهليته لتلك الصفة.

كل ذلك، وانفراد شارون بالموضوع الفلسطيني يفعل به ما يشاء، حراً طليق اليدين، معلوم ليس لنا إلا نواجهه بالإدانة وبتكرارها، وذلك أضعف الإيمان لمن كان عديم الحول والحيلة كحالنا.

يبقى ما يلفت على الصعيد الإسرائيلي في سياسة شارون هذه، وعلى صعيد آلية اشتغال النظام الديموقراطي في الدولة العبرية في هذا الطور الشاروني، والنظام ذاك قائم لا سبيل إلى إنكاره على اتسامه بحصريّة إثنية-دينية سافرة بديهية. وفي هذا الصدد، لا يسع المرء المراقب إلا أن يقف أمام واقعة فارقة: أن شارون يبدو كمن ينفذ برنامجا فرديا، شخصيا، لا كما هي الحال في الديمقراطيات عادة، برنامج أغلبية بعينها، يزول ويُطوى بزوالها، أو برنامجا إجماعيا، التأمت حوله حكومة إئتلاف وطني، كما يحدث إبان الحروب وما ماثلها من الحالات والأوضاع الاستثنائية. كما أن رئيس الحكومة العبرية لم يتلق من البرلمان سلطات خاصة، لمواجهة ظرف خاص، كما حدث مثلا مع جورج بوش الابن عند بدء الحرب العراقية.

أرييل شارون تولى مهامه حتى الآن بشكل عاديّ، لكنه بدا، كما سبقت الإشارة، كمن ينفذ برنامجا شخصيا، جوهره باختصار استبعاد التسوية مع الفلسطينيين، استبعاداً مبدئياً، أي سواء كانت التسوية «عادلة» أو مجحفة، يؤلّف له الأغلبيات البرلمانية تأليفا، حسب الأطوار والمراحل والملابسات إذ هو بدأ، بعد أن خلف العمالي إيهود باراك، بحكومة إئتلافية، ثم اكتفى بأغلبية يمينية، ثم انتقل إلى أغلبيته الراهنة، والتي تعتمد على أصوات العماليين، منذ أن قرر الانسحاب من غزة وتفكيك مستوطناتها وبعضا من مستوطنات الضفة الغربية.

كيف يمكن تفسير ذلك؟ هل أن شارون لا هم له سوى البقاء في السلطة يمالئ الأغلبيات المتعاقبة ويركب موجتها؟ إذا كان الأمر كذلك، فما معنى انتخابه بل ما معنى العملية الانتخابية أصلا؟ أم أن الرجل يفبرك الأغلبيات كما يعنّ له ويحلو، متى ما أراد ذلك، وفي هذه الحالة أيضا وتكرارا ما معنى انتخابه، بل ما معنى العملية الانتخابية أصلا؟

لكن شاورن، من وجه آخر، ليس ديكتاتورا ينفرد بالقرار. ليس في سلوكه العام ما يوحي بذلك وإن كان ميالا إلى ما عُرف عنه من اندفاع بلدوزيري، فهو بالغ الاحترام للمؤسسات التمثيلية القائمة في دولته، لم يفرض قوانين طوارئ، بذريعة الأخطار الخارجية وحراجة المرحلة، ولم ينل من حرية التعبير والتجمع، كما أن الرجل جزء أو كان جزءا من مؤسسة عسكرية-أمنية، لا تترك له حرية التصرف والارتجال في الشؤون الحيوية والمتعلقة بوجود دولة إسرائيل. ما هو إذاً تفسير هذه الظاهرة الغريبة بالمقاييس الديموقراطية الاعتيادية؟

أغلب الظن أننا أمام واقع سياسي من مستويين، أحدهما هو ذلك الظاهري والعلني، ممثلا في الحياة السياسية المفتوحة، كما تعبر عنها النقاشات والسجالات والخلافات الجارية على الملأ، في الأحزاب والبرلمان وسواه من المؤسسات التمثيلية، وفي الصحافة وما إلى ذلك من وسائط الخوض العلني في الشأن العام، وثانيهما هو المتمثل في المراتب الأمنية-العسكرية، بالمعنى الاستراتيجي للكلمة، وهذه خفيّة بطبيعتها، ميالة إلى التكتم، وهي التي في يدها القرار الأخير في ما يتعلق بقضايا الحرب والسلام، وهي التي تمتلك التصورات الحقيقية للتسوية من عدمها، وهي التي تنتدب هذا أو ذاك لتولي رئاسة الحكومة، «تقترحه» على الأحزاب السياسية، تأتلف حوله أو تنفضّ، تقبل به أو ترفضه، تحجب عنه الأغلبية ثم تعود لتمحضه إياها، دون مسبقات أو اعتبارات من طبيعة إيديولوجية، ودون أن تخرج في كل ذلك عن لعبة مرسومة لها سلفاً. وربما رأت أوساط السلطة الحقيقية تلك في أرييل شارون الرجل المناسب في هذا الطور من تاريخ الدولة العبرية.

ليس هذا التأويل بالطبع مجرّد تنويع على «بروتوكولات حكماء صهيون»، أو جنوحا إلى التفسيرات التآمرية، لكنه إن صحّ لا يعدو أن يكون ناجما عن الوضع الخاص للدولة العبرية، ولسلطاتها الحقيقية، تلك التي قد ترى أنه لا يمكن ترك صلاحية القرار في أمور حيوية وجودية، بين أيدي ناخب عادي، انشغالاته يومية في المقام الأول، أو بين يدي ساسة محترفين، هاجسهم الطموح الشخصي أو الفئوي، تبيّن أن أكثرهم قابل للارتشاء بمنصب وزاري أو ما شابه.

وإذا ما صحّ هذا التأويل، مرّة أخرى، فربما كان حريّا بنا الكفّ عن الإسراف في الاهتمام بما يحفل به ذلك الحيّز المفتوح للحياة السياسية الإسرائيلية، والمبالغة في تقدير تبعات التداول على السلطة بين اليمين واليسار. وعلى العكس من ذلك، بات يتوجب العمل على النفاذ إلى تفكير ما أسميناه بـ«السلطة الحقيقية».

(كاتب تونسي)

بوش وبوتين: محاورة من مخلفات الحرب الباردة

صالح بشير

المستقبل - الاحد 15 أيار 2005 - العدد 1918 - نوافذ - صفحة 12

لو كان جورج بوش الابن، وصحبه من المحافظين الجدد والقدامى على رأس الولايات المتحدة إبان الحرب العالمية الثانية لما كانت نهاية هذه الأخيرة في تاريخها المعلوم، ذلك الذي احتُفل بحلول ذكراه الستين قبل أيام. فقد قال الرئيس الأميركي، أثناء جولة له بهذه المناسبة في بلاد البلطيق، كلاما ينتقد فيه بشدة اتفاقية يالطا وينقضها، إذ اعتبرها خطأ من الناحية الاستراتيجية والتاريخية، وربما خطيئة من الناحية الأخلاقية. فقد تم تحويل البلدان الأوروبية الصغيرة إلى مادة للمقايضة بين القوى الكبرى، وذلك ما قد يتسم ببعض صحة، إذ في اقتسام القارة الأوروبية بين المنتصرين، ذلك الذي حدد مصائر واجترح كيانات وشطب أخرى، على منديل ورقي في أحد المطاعم، يقال بأن وينستون تشرشل اختط عليه خرائط ونسبا مئوية، سينيكيةٌ تبلغ مبلغ الفضيحة.
لكن الاستهتار ذاك، والذي ربما كان من قبيل الدعابة السوداء على الطريقة الإنكليزية، كان يعكس ميزان القوة. فالجيش السوفياتي كان يحتل ألمانيا وكامل وسط أوروبا وشرقيّها، وكان ذلك مُعطى قائما ماثلا لا سبيل إلى تغييره إلا باستئناف الحرب ضد ستالين بعد اندحار هتلر، واستبدال عدوّ بعدو، وهو ما لم يكن للقوى الغربية قبلٌ به، وقد خرجت منهكة من نزاع كلف ستين مليون قتيل، ناهيك عن الجرحى والمعوقين وأنواع الدمار المادي الأخرى، وذلك ما يُفترض في الرئيس بوش أن يعلمه، أو يُفترض، إن لم يعلمه، أن تلقنه إياه وزيرته للخارجية كونداليسا رايس، وهي المختصة في الاتحاد السوفياتي السابق، تاريخه وإمبراطوريته التليدة، تخصصا أكاديميا.
لكن الرئيس بوش إيديولوجي، وهو كإيديولوجي إرادوي، وهو كإرادوي يزدري الوقائع القائمة لا يعبأ بها وبإملاءاتها، سواء عادت تلك الوقائع إلى التاريخ أو استوت مكوّنات للحاضر. فهي عنده، كما لدى كل إيديولوجي، تُترجَم إلى تجريدات "أخلاقية": خير مقابل شر، فضيلة مقابل رذيلة، صواب مقابل مروق، أو ما كان من قبيل ذلك من مثل تلك الثنائيات، التي لا تحسمها إلا سريرة الضالعين فيها وطبيعة نواياهم، وهذه الأخيرة أو إخفاقاتها، هي التي تفسر في نظره تخاذل قائدين من طراز تشرشل وروزفلت أمام الدكتاتور الشيوعي... فكان أن قال ما قاله حول يالطا، وذلك عشية انتقاله إلى موسكو لحضور الذكرى الستين لاندحار النازية، فاستبق زيارته بإهانة مضيفيه، أو بما اعتبره هؤلاء إهانة، على ما تبدّى من غضبٍ عبّر عنه فلاديمير بوتين. فما لم يفهمه بوش، بفعل مسبقاته تلك وما تقيمه من حجُبٍ أمام ناظريه، أن روسيا يمكنها أن تقلع عن الشيوعية وأن تكف عن أن تكون سوفياتية، إلا أنها لا يسعها أن ترتد بالنقد على الدور الذي كان لها في الحرب العالمية الثانية، ولا على ما نجم عنه من مكاسب إمبراطورية. ليس فقط لأن الدور ذاك من الأمجاد التي لا يُتخلّى عنها، وليس فقط لأن المكاسب تلك تبدو للروس مستحقة، بل لأن الحرب تلك كانت بالنسبة إلى روسيا أكثر من حرب إيديولوجية، بل كانت "الحرب الوطنية الكبرى"، كما كان يسميها السوفيات قبل سواهم، خاضها "الجيش الأحمر الشعبي"، الذي كان في تلك المواجهة، كما لم يكن ربما طيلة سبعين سنة من الحكم الشيوعي، شعبيا أكثر منه أحمر، واستُنهضت خلالها القومية الروسية، بصفتها تلك وبمكوناتها الأصلية والأساسية، على ما يدل الدور الذي اضطلعت به الكنيسة الأرثوذكسية، أو مُكِّنت من الاضطلاع به بتشجيع من سلطة كانت آنذاك تتخذ من الإلحاد عقيدة رسمية.
ولكن هناك ما هو أخطر وأهم، أقله في نظر القادة الروس وهم من الشيوعيين السابقين، وهو أن الرئيس بوش، إذ قارن بين يالطا وميونيخ، وإذ ماثل وساوى بين تخاذل تشرشل وروزفلت أمام ستالين بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وتخاذل قادة الديمقراطيات الغربية، وفي مقدمتهم رئيس حكومة بريطانيا ساعتئذ تشمبرلين، أمام هتلر قبل الحرب إياها، إنما قال كلاما يهدد بإلغاء كل تمايز أخلاقي بين الشيوعية والنازية أو قد يفضي إلى ذلك الإلغاء. لقد أُخذ على الأنظمة الشيوعية استبدادها، واضطهادها لفئات إثنية أو اجتماعية بلغ مبلغ السلوك الإبادي في أحيان كثيرة، ورُميت بمعاداة السامية، لكن الرغبة في إحلال النازية منزلة الشر المطلق والفريد والذي لا يُضاهى، إضافة إلى الدور الحاسم الذي كان للاتحاد السوفياتي في دحرها، قد أديا دوما، أو أقله حتى الآن، إلى التمييز بين التجربتين التوليتاريتين، على صعيد الفداحة الأخلاقية، إن لم يكن على أصعدة أخرى. لم يقل بغير ذلك إلا نفر من المثقفين، على رأسهم المؤرخ الألماني إرنست نولته، الذي صرف جهدا كبيرا في استخلاص عناصر التماثل الجوهري بين التوتاليتاريتين، واعتُبرت أعماله في إبانها ضربا من إعادة الاعتبار إلى النازية أو سعيا إلى إدراجها في العاديّة وإنكار استثنائيتها. كما فعل ذلك سواه من أمثال أولئك المثقفين (من بينهم رئيس جمهورية تشيخيا السابق فاتسلاف هافيل) الذين نشروا مؤخرا رسالة احتجاج على تنظيم احتفالات الذكرى الستين لنهاية الحرب العالمية في موسكو، في ضيافة نظام كذلك الروسي، لا يدين بالديمقراطية ولا يزال سادرا في الاستبداد. لا جديد إذن في مثل هذا الكلام، سوى أن وروده على لسان الرئيس بوش، قد يعني مراجعة تاريخية رسمية، قد تكون لها تبعاتها الملموسة، خصوصا وأن الحرب الباردة لم تعلن نهايتها حتى الآن على نحو رسمي. وذلك ما قد يفسر استياء بوتين وحنقه من تصريحات بوش، تلك التي رد عليها مذكرا "نحن الذين هزمنا هتلر".
خصوصا وأن في كلام الرئيس الأميركي ما قد يفيد بأنه لا يعتبر الحرب الباردة منتهية. صحيح أن الحرب تلك وضعت أوزارها كمواجهة إيديولوجية، وكنصاب استراتيجي كان قائما هو ذلك الذي كان يُعرف بـ "الاستقطاب الثنائي"، ولكن تصفية الإمبراطورية الروسية لم تُستكمل. ومن هنا تكتسب تصريحات الرئيس الأميركي حول يالطا، وقد أدلى بها في أحد بلدان البلطيق، كان جزءا من الاتحاد السوفياتي ولم يكن فقط واقعا تحت نفوذه، دلالة أخرى راهنة لا تتعلق فقط بالتاريخ، وذلك على أية حال ما يبدو أن بوتين قد فهمه. فانتقاد بوش لقادة يالطا الذين ساوموا الاستبداد على حساب "حرية الشعوب الصغيرة"، إنما هو تعبير عن الامتناع عن توخي ذلك السلوك حيال جمهوريات مثل جورجيا وأبخازيا وما إليهما، ومتابعة ما تم تحقيقه في أوكرانيا ونسجا على منواله، بتشجيع وبتمويل أميركيين.
ولكن المشكلة أن سياسة كتلك، بقطع النظر عن نبل مقاصدها الديمقراطية المفترضة، تخاطر بإثارة التوتر مع بلد ما عاد العملاق الثاني، ولكنه لا يزال ثاني أكبر قوة نووية في العالم، وفي منطقة بالغة الحساسية ذات امتدادات استراتيجية متعددة... ولعل ذلك ما يفسر تحفظ أوروبا على تلك السياسة، خصوصا ألمانيا وفرنسا، اللتان لا تقلان بالتأكيد حرصا على نشر الديمقراطية، ولكنهما ربما كانتا أكثر تقديرا للعواقب.

14/05/2005

محنة العراق والتفكير في البدائل

صالح بشير الحياة 2005/05/8

أربعة أشهر لتشكيل حكومة ناقصة... هذا ليس نجاحا، بل هو إخفاق. قد لا يكون ذريعا، طالما أن انتخابات قد نُظمت وأن شكلا من أشكال التداول على السلطة قد حصل، لكنه، في المحصلة الأخيرة، إخفاق.

وهكذا، إذا كان ما حصل منذ الاقتراع العراقي الأخير تمرينا على الديموقراطية، فقد أدى الغرض منه. خيضت الحملات الانتخابية وقارعت الحجةُ الحجة، وانعقدت تحالفات وانفضت أخرى، وحيكت مناورات كما يجري في كل حياة سياسية مفتوحة. ثم كان يوم الانتخاب وأقبل العراقيون، أو من أراد منهم أو من استطاع، على صناديق الاقتراع يدلون بأصواتهم، رغم العنف والإرهاب. صحيح أن الدافع كان طائفيا في أحيان كثيرة وغالبة، وأن العملية الانتخابية، خصوصا من الجانب الشيعي، تولى زمامها القادة الدينيون، لكن ما الضير في أن تعبر النوازع الطائفية عن نفسها، ما دامت بُعدا ماثلا ومُعطى قائما، على نحو سلمي. فالمجتمعات ترشح بما فيها، ومن ينكر عليها ذلك، ويشترط عليها ديموقراطية علمانية ناجزة العلمانية، إنما يتوخى نظرة إيديوليوجية، ليست بريئة تمام البراءة من التوتاليتاريّة، إذ تزعم قسر تلك المجتمعات على ما ليس فيها، أو محاكمة مجتمعات قائمة باسم مجتمعات «مثالية» مفترضة.

المشكلة إذاً ليست في طائفية الانتخابات العراقية الأخيرة بل، كما قيل مرارا وتكرار، في أنها غيّبت طائفة أو غابت عنها طائفة، هي تلك السنّية، فكان ذلك سبب إخفاقها وسبب إخفاق ما آلت إليه، من مجلس وطني، له صفة تأسيسية ما دام مدعوّا لصياغة دستور البلاد، ومن حكومة جديدة ناقصيْن، ولا يمكنهما تدارك نقصهما إلا على نحو تلفيقي، بعبارة أخرى غير ديموقراطي، باستمالة شخصيات سنية قد لا يقر لها جمهورها المفترض بالتمثيلية، أو لم تتلقّ منه تفويضا صريحا من خلال الفعل الاقتراعي.

ربما عاد ذلك إلى خطأ السنّة العراقيين، أولئك الذين لاذوا بالانكفاء وأسرفوا، ولم يفلحوا في تبرئة النفس من الإرهاب، ذلك الذي اقترف بعضهم البعض منه واقتُرف بعضه الكثير باسمهم، من قبل منظمات «جهادية»، منظورها ومداها «كونيّان»، قلية الاكتراث بالعراق وبسنته. لكن ذلك لا يلغي أن مهمة البحث عن محاور سنّي تقع أيضا، وربما في المقام الأول، على من انتدب نفسه لاجتراح نصاب عراقي جديد، ومن يتوجب عليه طمأنة طائفة استأثرت بالحكم طويلا، وباتت تخشى التهميش والثأر، خصوصا أن وجود مثل ذلك المحاور ما عاد يبدو متعذرا، على ما توحي تصريحات أدلت بها شخصيات سنية في الآونة الأخيرة، جهرت بانتقادها للأعمال الإرهابية، معبرة عن استعدادها للمشاركة في الحياة السياسية، على قاعدة الاعتراف بالواقع الناشئ عن الاحتلال (وليس بالاحتلال ذاته)، وما آل إليه من تحولات جذرية على صعيد التوازنات القائمة بين طوائف العراق وإثنياته وفئاته المتعددة.

لكن النصاب الناشئ عن الانتخابات الأخيرة، ومؤسساته، من مجلس وطني ومن حكومة جديدة (موقتة هي بدورها) ومن مجلس لرئاسة الدولة (انتقالي هو أيضا)، لا توفر، في حالتها الراهنة وبالنظر إلى ما سبقت الإشارة إليه، الإطار الأمثل لاستيعاب السنّة داخل العملية السياسية. حتى أن الحل الأفضل، ربما تمثل في إجراء انتخابات جديدة، أو في تغيير وظيفة وغاية تلك المقررة في السنة المقبلة، بحيث تتدارك ما أعوز الأولى، أي تتدارك غياب السنّة، على أن تُصرف الفترة المتبقية قبل حلول ذلك الموعد، لا في صياغة دستور لا يحظى حُكما بإجماع العراقيين، بل في تهيئة الظروف السياسية والأمنية (قدر المستطاع في ما يخص هذه الأخيرة) لانتخابات يشارك فيها الجميع وتعيد تشكيل المجلس الوطني الحالي حتى يكون أكثر تمثيلية.

ذلك أنه إذا كان الرهان السياسي للانتخابات الأخيرة، في نظر الولايات المتحدة، وهذه لسبب ما شديدة الولع بالمواعيد الانتخابية، أو في نظر الشيعة الذين كانوا متلهفين لمطابقة أغلبيتهم العددية مع أغلبية سياسية ينشدونها، قد تمثل تحديدا في إجراء الاقتراع ذاك في موعده، فإنه قد كُسب، ويبقى الآن تحدي الرهان الأكبر: إحلال الاستقرار في العراق والبلوغ به إلى نصاب قابل للحياة، وتلك مهمة قد تتطلب التساهل مع بعض المواعيد المقررة سلفا أو مراجعة الوظائف والأهداف المرجوّة منها. وإلا تحولت تلك المواعيد وتلك الوظائف والأهداف إلى أصنام تُعبَد لذاتها، غاية لا وسيلة لغاية.

ثم لماذا لا يُطرح الاحتمال الفيدرالي جديّا؟ إذ لسبب ما، ربما تمثل في الولع بأنموذج الدولة المركزية، وفق أكثر صيغه فاشيّة في أحيان كثيرة، مع أن الأنموذج ذاك لم يجن في غالب الحالات غير الفشل أو التوتر الداخلي المستديم، تبدي «نخب» هذه المنطقة نفورا شديدا حيال الفيدرالية، وتعتبرها نذير «تقسيمٍ» وفاتحة تشرذم، مع أنها قد تكون أجدى في جمع شتات ما أخفقت الدول المركزية، خصوصا في صيغها العربية الرثة، في جمع شتاته، ومن شأنها أن توفر وحدة تحتوي التنوّع، دون أن تلغيه وأن تقمعه وأن تحوّله إلى فعل غلبة أو استبداد. تكتفي بالإجماع على ما هو أساسي وحيوي، شأن الثروة النفطية والسياسة الخارجية والدفاع وما إلى ذلك من المجالات السيادية، وتتخفف مما تبقى وتوكل أمره للمعنيين به مباشرة على الصعيد المحلي.

ما المانع من تبنّي هذا الأنموذج، غير ذلك الحاجز النفسي والإيديولوجي وغير ذلك الاشتباه بالتنوع، خصوصا أن التجربة دلت على نجاعته، إذ هو معمول به في بلدان كثيرة، وفق صيغ متعددة، من الولايات المتحدة إلى ألمانيا إلى إسبانيا إلى جمهورية روسيا (وإن لم تستو هذه الأخيرة مثالا للديموقراطية) وسواها؟.

وفي ما يخصّ العراق، ربما مثلت التجربة الكردية في الشمال، مثلا يُحتذى، ويصار إلى تعميمه على المناطق الأخرى المتجانسة طائفيا و/أو إثنيا، مع ابتداع نظم خاصة بالفئات التي لا ترتبط بحيّز ترابي بعينه أو تلك التي تمثل أقليات عددية ضئيلة. مزية هذه الصيغة أنها، إذ تمكن مختلف الفئات من تولي شؤونها على الصعيد المحلي، ومن إحراز تمثيلية على صعيد المراتب الفيدرالية توازي ثقلها وتعكسه، قد تخفف من وطأة سطوة الأغلبيات العددية الكبرى، وما قد تثيره من ريبة أو من مشاعر غبن ومن توتر بين طوائف وإثنيّات لم يعوّدها تاريخها البعيد والقريب على الاطمئنان الى بعضها البعض.

على أية حال، ومهما يكن من أمر، فإن ما تم توخيه وما يجري توخيه حتى الآن في العراق لن يُخرج بلاد الرافدين من محنتها، أو أن ذلك مستبعد على نحو يجب أن يدفع باتجاه ارتياد بدائل جريئة.

(كاتب تونسي)