27/08/2005
لا يستقيم للعرب وعي ديموقراطي ما لم يُعمد إلى تفكير «الإستثناء الإسرائيلي»
صالح بشير الحياة - 21/08/05
قد يخطئ علمانيو العرب وديموقراطيوهم وتحديثيوهم، سواء أُطلقت عليهم تلك الصفات عن وجه حق، أو على سبيل التجاوز السخيّ أو زعَمها بعضهم لنفسه إدعاءً، إذ يعتبرون، على ما درجوا، أن ما يعيق دعواتهم ويقف في وجهها عقبةً كأداء إنما هي حصرا بُنى مجتمعاتهم وتكلس سلطاتها وتعسفها والتيارات الدينية، تقليدية كانت، تستنكف عن أي تغيير، أم ثورية نكوصية (على ما بين النعتين من تنافر ظاهري)، تعبر عنها وتنهض بها المجموعات النضالية والجهادية.
القول بذلك لا يجانب الصواب طبعا، ولا ينكره أحد، وقد يأخذ به أو ببعضه حتى من لم يكن ديموقراطيا أو علمانيا أو تحديثيا. لكن المأخذ عليه، وعلى الاقتصار عليه، أنه تعميمي لا تخصيصي، وأنه مقلد لا مجدد، يكتفي بتكرار وباستحضار إرث التنوير الأوروبي ومقولاته الكلاسيكية، في صيغة لها إيديولوجية رثّة في الغالب، ودون الإحاطة بخلفياتها الفلسفية والتاريخية، ودون القدرة على ذلك، من قبل نُخبٍ لدينا تستعجل التنظير والتصدي لإنتاج الفكر والظفر بلقب المفكر (وهذا أمر هيّن في بلدان العُرب)، دون أن تستوفي عدّة وشروط الاضطلاع بمثل تلك المهمّة.
ونتاج ذلك، أو بعض نتاجه، أقله في هذا المجال وبصرف النظر عن التيارات والمشارب الأخرى (وهي ليست أفضل حالا)، وضع الفكر والثقافة السياسيين في ربوعنا، وذهولهما المقيم عن خصوصيات كثيرة، يطول الخوض فيها ولا تتسع لها هذه العجالة، بحيث لا يمكننا إلا الاكفتاء بإحداها، ممثلة في الظاهرة الإسرائيلية، وفي مفعولها أو دورها الداحض والناقض للديموقراطية في بلداننا كما يفهمها دعاتُها المحليون، إذ تستوي الدولة العبرية وتجربتها تحديا، نظريا وفكريا، قصّرت نخب المنطقة، تلك التحديثية منها ناشدة التقدم على وجه التخصيص، في إدراكه والتصدي له.
نحن، بطبيعة الحال، لا نرمي من هذا الكلام إلى استعادة وتسويغ تلك الحجة البائسة التي كثيرا ما لاكها ويلوكها المستبدون العرب، من أهل السلطة أو من أهل الإيديولوجيا، من أن قيام الدولة العبرية ووجودها، هو الذي حال دون استتباب الديموقراطية في بلداننا وأجهضه. وهو أمر، إن سلمنا جدلا بصحته، لا يرى المرء كيف ينطبق على كيانات تقع في الأطراف، نائية عن ساحة المعركة. هذا ناهيك عن أن إسرائيل ذاتها هي من يقدم الدحض الأبلغ لهذه الحجة، وهي التي أفلحت في الحفاظ على ديموقراطية نظامها، رغم الحروب والعداء الذي حاصرها، وشكل تهديدا لوجودها، أو هكذا خُيّل لها في بعض الأطوار، دون أن يفكر جنرالاتها في الانقضاض على السلطة بذريعة إنقاذ الوطن.
كما أننا لن نسعى حتى إلى محاكمة الأنموذج الإسرائيلي باسم القيم الديموقراطية التي يدعيها ويخلّ بها إذ يرتضي اضطهاد الغير، على اعتبار أن ذلك، إضافة إلى ممارسات الغرب عموما، إبان الفترة الاستعمارية وبعدها، كان له بالغ الأثر في تشويه الفكرة الديموقراطية في بلدان المنطقة ولدى أبنائها. وربما أظهر تلك الفكرة على أنها ليست أكثر من بناء إيديولوجي مثل سواه، يخفي خلف برّاق شعاراته واقعا من الإجحاف.
بل أن ما نعنيه يتجاوز ذلك ويتعداه إلى القول بأن الظاهرة الإسرائيلية تمثل تحديا مبرما ناقضا للأقانيم التي يحسبها ديموقراطيونا وتحديثيونا وعلمانيونا الشرط الضروري لكل نصاب ديموقراطي، بحيث ينتفي مثل ذلك النصاب بانتفائها. والحال أن الدولة العبرية ديموقراطية، وإن لمواطنيها من اليهود على نحو حصري أو يكاد، بالضد من ذلك الشرط الضروري المُفترض.
فهي تأسست، ككيان وليس فقط كنظام حكم، على إرادة إيديولوجية، تتوخى، مثلها في ذلك مثل كل إرادة إيديولوجية، النبذ والإقصاء (حتى حيال اليهود غير الصهاينة) وتطويع التاريخ بالعنف، وقسر الشروط التاريخية لبلوغ هدف محدد سلفا وما كان يمكن لتلك الشروط التاريخية، بمفردها ووفق ديناميكيتها الخاصة، أن تفضي إليه، ما قد يجعل الصهيونية، فكريا، في عداد الإيديولوجيات التوتاليتارية التي شهدتها أوروبا النصف الأول من القرن العشرين. لكنها أفضت، من حيث نظام الحكم، ووفق التحديدات التي سبقت الإشارة إليها، إلى نتيجة مناقضة.
كما أن للظاهرة الإسرائيلية ملمحا آخر، يُفترض أنه ينافي الأسس التي تقوم عليها الكيانات الديموقراطية والحديثة، هو تأسسها على خرافة تاريخية، وإعادة أحيائها بالضد من كل بديهية موضوعية، هي العودة إلى أرض كان يقيم فيها اليهود منذ آلاف السنين، وانتحال ذلك على أنه مصدر شرعية تاريخية من ناحية، ومن ناحية أخرى قيام الكيان على الانتماء الديني لا على الانتماء المدني، وتأسيس المواطنة عليه، بجعل الانتماء المدني، الذي تُفترض فيه النسبية والرابطة القانونية، مشروطا بالانتماء الديني، المطلق والمتسامي على كل قانون بشري، ليس فقط في علاقة الدولة بمواطنيها، بل أيضا في علاقاتها بمحيطها، ما دامت الخرائط الوحيدة التي تعترف بها إسرائيل، هي تلك الواردة في الكتاب المقدس.
وهكذا، تستوي الظاهرة الإسرائيلية تسفيها ماثلا متفعِّلا في التاريخ، لكل ما يسوقه ديموقراطيونا عادةًَ شروطا لا بد من تحقيقها من أجل التحرر والتقدم وبلوغ الديموقراطية. ولعل ذلك ما يفسر تلك المفارقة التي مفادها أن الظاهرة الإسرائيلية ربما كانت أفعل في إلهام الحركات الإسلامية من سواها، تلك التي رأت فيها نموذجا على ما يمكن أن تحققه أمة مؤمنين (في المقام الأول، وأمة مواطنين عرضا). كما أن اعتبار فلسطين أرض وقف إسلامي لا يجوز التفاوض عليها قد لا يكون أكثر من صدى لما يذهب إليه الصهاينة من أن الأرض تلك وعد إلهي لليهود. وإذا صح هذا الافتراض، فقد يكون من أوجه جدلية النزاع العربي-الإسرائيلي التي لا يجري التنبه لها عادة.
كل ذلك للقول إن فكرا ديموقراطيا كسولا، كذلك المعمول به لدى نخبنا، لن يبلغ مراميه، إن هو لم يواجه ذلك الاستثناء الإسرائيلي، إدراكا وتجاوزا، على ما حاولنا تبيانه في هذه العجالة، التي تطرح (بعض) أسئلة أكثر مما تجزم بأجوبة.
13:05 Permalink | Comments (0) | Email this
أين هم الفلسطينيون في كلام العالم عن غزّة؟
المستقبل - الاحد 21 آب 2005 - العدد 2015 - نوافذ - صفحة 9
صالح بشير
الصحيفة الغربية الكبرى التي بين يديّ خصصت جزءا من صفحتها الأولى وثلاث صفحات داخلية للانسحاب الإسرائيلي من غزة، فلم تترك بعدا من أبعاد ذلك الحدث إلا فصّلته. كيف عاشه المستوطنون، إذعانا أو تمردا. كيف جرت أطواره وكيف تعاطت معه سلطات الدولة العبرية أمنيا وسياسيا، ناهيك عن كل ما حف به وجدانيا وعاطفيا... إضافة إلى ما لا بد منه ولا مندوحة: مقال لكاتب ممن يتبوأون منزلة "ضمير الصهيونية" (هو هذه المرة ديفيد غروسمان) وممن درجوا على مواكبة كل ما تقترفه دولتهم بطقسِ ندم وألم "إنسانوييْن" فيهما من التباكي على "الديمقراطية"، واضطرارها في بعض الحالات إلى "خيانة" قيمها، أكثر مما فيهما من الحفول بالضحايا. تظاهرة نرجسية من قبيلِ جاري العادة، ومما لا تخلو منه مثل تلك المناسبات أبدا. أما الفلسطينيون فلم تفرد لهم الصحيفة سطرا واحدا.
وذلك مع العلم بأن الصحيفة المذكورة، لو كانت التقسيمات العائدة إلى القرن العشرين، بين يسار ويمين، لا تزال سارية، لعُدّت من المناصرين للفلسطينيين ولقضيتهم. وهنا تقع دلالة ذلك الإغفال وهنا تكمن أهميته، إذ هو يشي بحقيقة ضمنية، دخلت على الأرجح في عداد البدائه فبات التسليم بها تحصيل حاصل، مفادها أن سحب المستوطنين من غزة شأن إسرائيلي ـ إسرائيلي "لا يعني" الفلسطينيين. ذلك ما قد لا يُمارَى فيه، ولكن أن لا يظهر الفلسطينيون حتى كديكور لذلك الحدث، مع أنه جرى بين ظهرانيهم وستكون له تبعات على مجرى حياتهم، أفرادا وجماعة وطنية (وإن كانت قيد التشكل)، وكلّل توقا لديهم مقيما إن لم يكلل نضالا خاضوه، ففي هذا دفع بذلك المنطق إلى أقصاه النافي لهم.
ذلك لا يعني أن الصحيفة المذكورة، وأوساطاً خارجية أخرى كثيرة شاطرتها مقاربتها تلك بهذا المقدار أو ذاك، قد اشتطت في تأويل الصفة "الأحادية الجانب" لقرار الانسحاب الإسرائيلي إلى درجة تغييب الطرف الفلسطيني، كما لا يعني ضرورة أنها متواطئة في ذلك مع أرييل شارون، صاحب أمنية التغييب تلك، تواطؤا نشِطا ومُتعّمدا. بل إن الأمر قد يكون أنكى من ذلك وأفدح.
إذ هناك ما يشبه الإقرار، بدأ يتسلل إلى الأذهان شيئا فشيئا ويستقر فيها رؤيةً، وإن لم تفصح بعد عن فحواها ولم تجهر به مُبلوراً، مفادها أن الفلسطينيين مشكلة بالنسبة إلى إسرائيل، في حين أن هذه الأخيرة ليست مشكلة بالنسبة إليهم، أو أن صفتها تلك قد أُغمطت وطُمِست. وهذا "نجاح" يُسجّل للدولة العبرية، ساعدتها على بلوغه عوامل وظروف بعينها، من نهاية الحرب الباردة، التي أخذت على ما يبدو، في نهايتها مفهوم "حركات التحرر" ذاته، وانفراد الولايات المتحدة بالسطوة على العالم، معطوفا على تماهيها الإيديولوجي الناجز الكامل مع إسرائيل، والوهن العربي واستشراء الإرهاب، خصوصا منذ عدوان الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، ونشوب الحملة الكونية لمكافحته، تلك التي استُغلت لرمي كل مقاومة بوصمة الإرهاب، ودحض كل مطلب تحرري، مهما كان محقا، ونكران شرعيته فوجوده.
لا حاجة إلى العودة للخوض في ما هو معلوم، من أن أرييل شارون قد أفلح في نزع صفة "الشريك" عن الوطنية الفلسطينية، بما فيها، بل وفي المقام الأول، السلطة الوطنية، تلك الناجمة عن اتفاقات أوسلو، أي عن توافق مع الدولة العبرية، فـ"خاض" انسحابه من غزة وحيدا، مصرّا على أحاديته، ضانّا على الطرف المقابل حتى بمجرد التنسيق في أوجهه التقنية والإجرائية، كما اعترف صائب عريقات، الموصوف من قبل وسائل الإعلام بأنه "كبير المفاوضين الفلسطينيين"، والذي لم يقيّض له، في شأن الانسحاب من قطاع غزة، أن يضطلع بمهامه التفاوضية تلك. بل أن الأمر أبعد من ذلك، إذ أن الدولة العبرية، إذ توخت هذه الاستراتيجية، لم تتوقف عند حجب الاعتراف عن مؤسسات الوطنية الفلسطينية وتعبيراتها بل إنها ترمي إلى ما هو أبعد شأوا ومدى: نزع كل صفة سياسية عن المشكلة الفلسطينية برمتها، وتحويلها إلى مشلكة من طبيعة مغايرة تماما، قد تكون تقنية أو ما شابه، ومن هنا ذلك التعنت في إنكار كل تمثيل فلسطيني، بحجة الإرهاب، لمن كان مقاوِماً، وبحجة عدم الحزم في مواجهة الإرهاب إياه، لمن اعتمد طريق التفاوض وأعلن ثباته عليه.
وقد ذهبت حكومة شارون، بل الدولة العبرية (إذ أن الأمر استراتيجية دولة وليس مجرد سياسة تتبعها أغلبية زائلة)، بعيدا في تحقيق ذلك التحول، منتقلة، وقد مكنتها فرصة تاريخية من أن تكون طليقة اليد، بالقضية الفلسطينية من مسألة احتلال إلى مجرد إشكال ديمغرافي. الأولى سياسية بطبيعة الحال، كنها وحلاًّ، وهي تفترض "شريكا"، يتعين التعاطي معه مهما بلغ الانخرام في ميزان القوة. وعلى أساس الإقرار بذلك، دخلت إسرائيل في مسار التسوية منذ البدء بالمفاوضات التي أثمرت اتفاقات أوسلو وحتى فشل محادثات كامب ديفيد بين سلطة ياسر عرفات وحكومة إيهود باراك. أما الثاني، أي الإشكال الديمغرافي، فهو يتردى بالوجود الفلسطيني، في نظر إسرائيل، من مرتبة الحضور السياسي إلى ضرب من مُعطى كمّي، من قبيلٍ خامٍ وأوّلي، مادة سكّانية في حالتها "الطبيعية"، تنفرد الدولة العبرية بمعالجتها معالجة "تقنية" أو تكاد، شأن استصلاح المستنقعات أو مقاومة التصحر أو ما إلى ذلك.
لذلك، ما عاد التمييز قائما بين كيان إسرائيلي، ضمن حدود يعترف بها العالم، وبين أراض محتلة، يجري التفاوض أو النزاع على تحريرها، الكامل أو الجزئي، لتكون مجال الدولة الفلسطينية، بل بين مناطق ذات كثافة سكانية تريد إسرائيل التخلص منها، بالانسحاب منها شأن قطاع غزة، أو بتحويلها إلى معازل وفق ما هو مزمع للضفة الغربية، على أن تبقى دون السيادة، خاضعة لإدارة ذاتية محلية في حدود السلطة البلدية أو ما يزيد عليها قليلا، وبين أخرى تُضمّ إلى الدولة العبرية، وتصبح جزءا منها لا يتجزأ، على ما تعهد شارون مؤخرا، في تصريحات يجب أن تؤخذ على محل الجد.
وأنكى ما في هذا المنطق أنه بصدد الاستتباب، يُحظى بالقبول، فلا يتبيّن العالم فيه وجه الفضيحة...
13:01 Permalink | Comments (0) | Email this
20/08/2005
كيف أن الديموقراطيات غير محصّنة تجاه الأوضاع الاستثنائية
صالح بشير
المستقبل - الاحد 14 آب 2005 - العدد 2008 - نوافذ - صفحة 12
لعل بعض أطرف ما قرأنا من ردود فعل على إجراءات التشدد التي اتخذتها حكومة توني بلير في شأن مكافحة الإرهاب ما ورد على لسان مسلمين، أو بالأحرى إسلاميين، بريطانيين أو مقيمين في بريطانيا، سارعوا إلى التنديد بتلك الإجراءات (وهذا قد يكون في ذاته مبررا مفهوما) وذهبوا أبعد من ذلك محذرين سائر مواطنيهم، من رعايا صاحبة الجلالة، من "دكتاتورية" نسبوا إلى رئيس حكومة لندن نية السعي في إرسائها، كما نسبوا إلى أفراد جاليتهم دور الطليعة والريادة في دحر ذلك المسعى.
ربما لم يولِ الإنكليز مثل هذا الكلام غير شيء من بعض فضولهم الساخر، وربما فكر بعضهم أن الشطط من سمات المسلمين وإن كانوا من... أهل الاعتدال، شأن أصحاب هذا الكلام ممن أعلنوا براءتهم من مفجّري لندن واستنكروا صادقين أفعالهم، ولكنهم من وجهٍ آخر يهتاجون متوجسين ما لا يقل عن "مؤامرة" لفرض الدكتاتورية، ويتنطعون ناسبين إلى جاليتهم، التي يحوم حول انخراطها في النسيج الديمقراطي ألف سؤال، مهمةً خلاصية في صدّ تلك المؤامرة!
صحيح أن الديمقراطية هشة طبيعةً، ليس أشق من إرسائها وليس أيسر من إتلافها أو هكذا يُفترض، وصحيح أنها مسار عسير طويل (على عكس ما يعتقد حديثو العهد باعتناقها في ربوعنا هذه الأيام) وأن انتقالها من شمال القارة الأوروبية (من بريطانيا تحديدا) إلى جنوبها على الضفاف المتوسطية قد استغرق قرونا، حيث لم ترتق بلدان مثل إسبانيا والبرتغال إلى مصاف الديمقراطيات إلا في أواسط سبعينات القرن الماضي، غير أن الإقرار بكل ذلك وبسواه مما لم يتسنّ ذكره شيء، والقول بأن بريطانيا باتت تتهدّدها الدكتاتورية شيء آخر، قد لا يجدي نفعا غير عزل أصحابه عن معترضين بريطانيين وغربيين كثر على إجراءت بلير الأخيرة، من منظمات حقوقية وتيارات سياسية وكتاب ومعلقين.
غير أن الكلام ذاك يشير، وإن على نحو غير حاذق، إلى إشكال حقيقي، وهو المتمثل في فشل الديمقراطية المزمن في التعاطي مع الحالات والأوضاع الاستثنائية. وهو فشل لا يتعلق بطبيعة الحال بالكفاءة الإجرائية ولا بالأداء السياسي، ولكنه يخص الجانب القِيمي، أي ذلك الذي تزعمه الديمقراطية أساس فرادتها وتفوقها قياسا إلى سائر أنظمة الحكم الأخرى، ومن هنا خطورته وفداحته.
إذ لم يسبق لنظام ديمقراطي أن واجه حالة استثناء أو ما يحسبه كذلك، والموجة الإرهابية التي ألمت ببريطانيا في الآونة الأخيرة هي حتما في عداد حالات الاستثناء، دون التنكر طوعا أو اضطرارا إلى فرادته القيمية، أي دون الإقدام على نسف ما يمثل، أقله نظريا، أسسه المبدئية أو ما يعتبره أسسا له مبدئية، من تعليق للقوانين أو بعضها، أو استبدالها بأخرى يغلب عليها القسر أو منافية للدستور، ومن تراجع عن الحريات، الفردية أو الجماعية، أو عن بعضها، وتساهل مع الضمانات التي تكفلها أو إلغائها جملة وتفصيلا في أحيان كثيرة. كأنما الأنظمة الديمقراطية لم تفلح في الاهتداء إلى وسائلها الخاصة والملائمة لروحها، في مواجهة حالات الاستثناء، أو ما تعتبره حالات استثناء، فلا تجد بدا من استعارة الوسائل التي تعتمدها وتتوخاها أنظمة الاستبداد، وإن بمقدارٍ وعلى نحو محدود، كمّا أو أمداً.
والأمثلة على ذلك كثيرة. فعندما اعتقدت الولايات المتحدة، زعيمة "العالم الحرّ" إبان الحرب الباردة، أن الشيوعية تتربّص بها في عقر دارها، أطلقت العنان للسيناتور ماكارثي، الذي أرسى نصابا من الرعب، استهدف المثقفين والفنانين في المقام الأول، وقام على الوشاية وعلى محاكمة النوايا والمعتقدات، وعلى تحطيم الأشخاص بتخوينهم ومحاربتهم في رزقهم وفي حياتهم الخاصة. فاستعارت الماكارثية في كل ذلك بعضا من سمات ومن فعال عدوها على الجانب الآخر من "الستار الحديدي". صحيح أن الديمقراطية استدركت في ما بعد ذلك الجموح الاستبدادي فأوقفته وأسفت له وارتدّت عليه بالنقد، لكن ذلك لا ينفي أنها قد أقدمت عليه، على نحو واع كانت فصوله تجري علنا، عندما رأت أو توهمت أنها في مواجهة تهديد من قبيل وجودي.
كما قد تستدرك الولايات المتحدة في مستقبل الأعوام، بالاعتذار وبالنقد الذاتي، انتهاكات من قبيل معتقل غوانتانامو وسجن أبو غريب وسن القوانين المقيدة لحريات مواطنيها والتي تحوّل الوشاية إلى واجب وطني، أو تلك التي تبيح اعتقال مواطنين أو التنصت عليهم أو معاملتهم معاملة المشبوهين فقط لأنهم من ذوي سحنة تميزهم أو من أتباع ديانة بعينها، لكن ذلك لا يلغي أن تلك الدولة الديمقراطية بادرت، بعد الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، بوعي ودون أن يكون ذلك ناتجا عن انقلاب، إلى مواجهة حالة استثناء بوسائل كثيرا ما عابتها على أعدائها من المستبدّين الذين آلت على نفسها تلقينهم أصول الديمقراطية أو إسقاطهم.
ولو دعت الحاجة إلى إيراد المزيد من الأمثلة لأشرنا إلى فرنسا وما اقترفه سياسيوها وعسكرها إبان حرب التحرير الجزائرية في حق من كانوا يُعتبرون "مواطنين في الجزائر الفرنسية"، وليس فقط مقاتلي جبهة التحرير الوطني، فسيموا العذاب واستهدفتهم ممارسات من قبيل إبادي واستقبلتهم معسكرات الاعتقال الجماعي والمحتشدات، وسوى ذلك من الجرائم التي وثّقها الفرنسيون قبل سواهم، واستدركتها الديمقراطيةُ، هي بدورها، بالنقد الذاتي بعد فوات الأوان ومع أنها لم تحل دون حصولها!
صحيح أن الديمقراطيات تمتلك وسائل تصحيح خللها، وأنه لا يُخشى، بالتالي، على بريطانيا من مصير دكتاتوري معتم، أقله ليس الآن وليس جراء إجراءات توني بلير في مكافحة الإرهاب، ولكن ما هو صحيح أيضا أن أنظمة الحكم تلك تنطوي على عاهة فيها بنيوية، على الصعيد الأخلاقي إن لم يكن على صعيد المؤسسات: أن الديمقراطيات لدى التعاطي مع حالات الاستثناء والمواجهات القصوى، حقيقية كانت أم مدعاة، تتشبه بنقيضها الاستبدادي أو تقترب منه، وإن قليلا أو موقتا.
مزية الديمقراطية، في هذا الصدد، أنها لا تدعي كمالا كذلك الذي تزعمه لنفسها أنظمة الاستبداد، ولكن عاهتها، أنها في لحظات ترديها تلك، إنما توفر المسوغات لنقضيها، ذلك الذي لا يتخلف عن تبرير استبداده بحالة استثناء مزمنة يزعم أنه يواجهها، وقد يختلقها إن دعته الحاجة.
10:27 Permalink | Comments (0) | Email this


