« 2005-07 | HomePage | 2005-09 »

27/08/2005

لا يستقيم للعرب وعي ديموقراطي ما لم يُعمد إلى تفكير «الإستثناء الإسرائيلي»

صالح بشير     الحياة     - 21/08/05

 

قد يخطئ علمانيو العرب وديموقراطيوهم وتحديثيوهم، سواء أُطلقت عليهم تلك الصفات عن وجه حق، أو على سبيل التجاوز السخيّ أو زعَمها بعضهم لنفسه إدعاءً، إذ يعتبرون، على ما درجوا، أن ما يعيق دعواتهم ويقف في وجهها عقبةً كأداء إنما هي حصرا بُنى مجتمعاتهم وتكلس سلطاتها وتعسفها والتيارات الدينية، تقليدية كانت، تستنكف عن أي تغيير، أم ثورية نكوصية (على ما بين النعتين من تنافر ظاهري)، تعبر عنها وتنهض بها المجموعات النضالية والجهادية.

القول بذلك لا يجانب الصواب طبعا، ولا ينكره أحد، وقد يأخذ به أو ببعضه حتى من لم يكن ديموقراطيا أو علمانيا أو تحديثيا. لكن المأخذ عليه، وعلى الاقتصار عليه، أنه تعميمي لا تخصيصي، وأنه مقلد لا مجدد، يكتفي بتكرار وباستحضار إرث التنوير الأوروبي ومقولاته الكلاسيكية، في صيغة لها إيديولوجية رثّة في الغالب، ودون الإحاطة بخلفياتها الفلسفية والتاريخية، ودون القدرة على ذلك، من قبل نُخبٍ لدينا تستعجل التنظير والتصدي لإنتاج الفكر والظفر بلقب المفكر (وهذا أمر هيّن في بلدان العُرب)، دون أن تستوفي عدّة وشروط الاضطلاع بمثل تلك المهمّة.

ونتاج ذلك، أو بعض نتاجه، أقله في هذا المجال وبصرف النظر عن التيارات والمشارب الأخرى (وهي ليست أفضل حالا)، وضع الفكر والثقافة السياسيين في ربوعنا، وذهولهما المقيم عن خصوصيات كثيرة، يطول الخوض فيها ولا تتسع لها هذه العجالة، بحيث لا يمكننا إلا الاكفتاء بإحداها، ممثلة في الظاهرة الإسرائيلية، وفي مفعولها أو دورها الداحض والناقض للديموقراطية في بلداننا كما يفهمها دعاتُها المحليون، إذ تستوي الدولة العبرية وتجربتها تحديا، نظريا وفكريا، قصّرت نخب المنطقة، تلك التحديثية منها ناشدة التقدم على وجه التخصيص، في إدراكه والتصدي له.

نحن، بطبيعة الحال، لا نرمي من هذا الكلام إلى استعادة وتسويغ تلك الحجة البائسة التي كثيرا ما لاكها ويلوكها المستبدون العرب، من أهل السلطة أو من أهل الإيديولوجيا، من أن قيام الدولة العبرية ووجودها، هو الذي حال دون استتباب الديموقراطية في بلداننا وأجهضه. وهو أمر، إن سلمنا جدلا بصحته، لا يرى المرء كيف ينطبق على كيانات تقع في الأطراف، نائية عن ساحة المعركة. هذا ناهيك عن أن إسرائيل ذاتها هي من يقدم الدحض الأبلغ لهذه الحجة، وهي التي أفلحت في الحفاظ على ديموقراطية نظامها، رغم الحروب والعداء الذي حاصرها، وشكل تهديدا لوجودها، أو هكذا خُيّل لها في بعض الأطوار، دون أن يفكر جنرالاتها في الانقضاض على السلطة بذريعة إنقاذ الوطن.

كما أننا لن نسعى حتى إلى محاكمة الأنموذج الإسرائيلي باسم القيم الديموقراطية التي يدعيها ويخلّ بها إذ يرتضي اضطهاد الغير، على اعتبار أن ذلك، إضافة إلى ممارسات الغرب عموما، إبان الفترة الاستعمارية وبعدها، كان له بالغ الأثر في تشويه الفكرة الديموقراطية في بلدان المنطقة ولدى أبنائها. وربما أظهر تلك الفكرة على أنها ليست أكثر من بناء إيديولوجي مثل سواه، يخفي خلف برّاق شعاراته واقعا من الإجحاف.

بل أن ما نعنيه يتجاوز ذلك ويتعداه إلى القول بأن الظاهرة الإسرائيلية تمثل تحديا مبرما ناقضا للأقانيم التي يحسبها ديموقراطيونا وتحديثيونا وعلمانيونا الشرط الضروري لكل نصاب ديموقراطي، بحيث ينتفي مثل ذلك النصاب بانتفائها. والحال أن الدولة العبرية ديموقراطية، وإن لمواطنيها من اليهود على نحو حصري أو يكاد، بالضد من ذلك الشرط الضروري المُفترض.

فهي تأسست، ككيان وليس فقط كنظام حكم، على إرادة إيديولوجية، تتوخى، مثلها في ذلك مثل كل إرادة إيديولوجية، النبذ والإقصاء (حتى حيال اليهود غير الصهاينة) وتطويع التاريخ بالعنف، وقسر الشروط التاريخية لبلوغ هدف محدد سلفا وما كان يمكن لتلك الشروط التاريخية، بمفردها ووفق ديناميكيتها الخاصة، أن تفضي إليه، ما قد يجعل الصهيونية، فكريا، في عداد الإيديولوجيات التوتاليتارية التي شهدتها أوروبا النصف الأول من القرن العشرين. لكنها أفضت، من حيث نظام الحكم، ووفق التحديدات التي سبقت الإشارة إليها، إلى نتيجة مناقضة.

كما أن للظاهرة الإسرائيلية ملمحا آخر، يُفترض أنه ينافي الأسس التي تقوم عليها الكيانات الديموقراطية والحديثة، هو تأسسها على خرافة تاريخية، وإعادة أحيائها بالضد من كل بديهية موضوعية، هي العودة إلى أرض كان يقيم فيها اليهود منذ آلاف السنين، وانتحال ذلك على أنه مصدر شرعية تاريخية من ناحية، ومن ناحية أخرى قيام الكيان على الانتماء الديني لا على الانتماء المدني، وتأسيس المواطنة عليه، بجعل الانتماء المدني، الذي تُفترض فيه النسبية والرابطة القانونية، مشروطا بالانتماء الديني، المطلق والمتسامي على كل قانون بشري، ليس فقط في علاقة الدولة بمواطنيها، بل أيضا في علاقاتها بمحيطها، ما دامت الخرائط الوحيدة التي تعترف بها إسرائيل، هي تلك الواردة في الكتاب المقدس.

وهكذا، تستوي الظاهرة الإسرائيلية تسفيها ماثلا متفعِّلا في التاريخ، لكل ما يسوقه ديموقراطيونا عادةًَ شروطا لا بد من تحقيقها من أجل التحرر والتقدم وبلوغ الديموقراطية. ولعل ذلك ما يفسر تلك المفارقة التي مفادها أن الظاهرة الإسرائيلية ربما كانت أفعل في إلهام الحركات الإسلامية من سواها، تلك التي رأت فيها نموذجا على ما يمكن أن تحققه أمة مؤمنين (في المقام الأول، وأمة مواطنين عرضا). كما أن اعتبار فلسطين أرض وقف إسلامي لا يجوز التفاوض عليها قد لا يكون أكثر من صدى لما يذهب إليه الصهاينة من أن الأرض تلك وعد إلهي لليهود. وإذا صح هذا الافتراض، فقد يكون من أوجه جدلية النزاع العربي-الإسرائيلي التي لا يجري التنبه لها عادة.

كل ذلك للقول إن فكرا ديموقراطيا كسولا، كذلك المعمول به لدى نخبنا، لن يبلغ مراميه، إن هو لم يواجه ذلك الاستثناء الإسرائيلي، إدراكا وتجاوزا، على ما حاولنا تبيانه في هذه العجالة، التي تطرح (بعض) أسئلة أكثر مما تجزم بأجوبة.

13:05 Permalink | Comments (0) | Email this

أين هم الفلسطينيون في كلام العالم عن غزّة؟

المستقبل - الاحد 21 آب 2005 - العدد 2015 - نوافذ - صفحة 9

 

صالح بشير

 

الصحيفة الغربية الكبرى التي بين يديّ خصصت جزءا من صفحتها الأولى وثلاث صفحات داخلية للانسحاب الإسرائيلي من غزة، فلم تترك بعدا من أبعاد ذلك الحدث إلا فصّلته. كيف عاشه المستوطنون، إذعانا أو تمردا. كيف جرت أطواره وكيف تعاطت معه سلطات الدولة العبرية أمنيا وسياسيا، ناهيك عن كل ما حف به وجدانيا وعاطفيا... إضافة إلى ما لا بد منه ولا مندوحة: مقال لكاتب ممن يتبوأون منزلة "ضمير الصهيونية" (هو هذه المرة ديفيد غروسمان) وممن درجوا على مواكبة كل ما تقترفه دولتهم بطقسِ ندم وألم "إنسانوييْن" فيهما من التباكي على "الديمقراطية"، واضطرارها في بعض الحالات إلى "خيانة" قيمها، أكثر مما فيهما من الحفول بالضحايا. تظاهرة نرجسية من قبيلِ جاري العادة، ومما لا تخلو منه مثل تلك المناسبات أبدا. أما الفلسطينيون فلم تفرد لهم الصحيفة سطرا واحدا.
وذلك مع العلم بأن الصحيفة المذكورة، لو كانت التقسيمات العائدة إلى القرن العشرين، بين يسار ويمين، لا تزال سارية، لعُدّت من المناصرين للفلسطينيين ولقضيتهم. وهنا تقع دلالة ذلك الإغفال وهنا تكمن أهميته، إذ هو يشي بحقيقة ضمنية، دخلت على الأرجح في عداد البدائه فبات التسليم بها تحصيل حاصل، مفادها أن سحب المستوطنين من غزة شأن إسرائيلي ـ إسرائيلي "لا يعني" الفلسطينيين. ذلك ما قد لا يُمارَى فيه، ولكن أن لا يظهر الفلسطينيون حتى كديكور لذلك الحدث، مع أنه جرى بين ظهرانيهم وستكون له تبعات على مجرى حياتهم، أفرادا وجماعة وطنية (وإن كانت قيد التشكل)، وكلّل توقا لديهم مقيما إن لم يكلل نضالا خاضوه، ففي هذا دفع بذلك المنطق إلى أقصاه النافي لهم.
ذلك لا يعني أن الصحيفة المذكورة، وأوساطاً خارجية أخرى كثيرة شاطرتها مقاربتها تلك بهذا المقدار أو ذاك، قد اشتطت في تأويل الصفة "الأحادية الجانب" لقرار الانسحاب الإسرائيلي إلى درجة تغييب الطرف الفلسطيني، كما لا يعني ضرورة أنها متواطئة في ذلك مع أرييل شارون، صاحب أمنية التغييب تلك، تواطؤا نشِطا ومُتعّمدا. بل إن الأمر قد يكون أنكى من ذلك وأفدح.
إذ هناك ما يشبه الإقرار، بدأ يتسلل إلى الأذهان شيئا فشيئا ويستقر فيها رؤيةً، وإن لم تفصح بعد عن فحواها ولم تجهر به مُبلوراً، مفادها أن الفلسطينيين مشكلة بالنسبة إلى إسرائيل، في حين أن هذه الأخيرة ليست مشكلة بالنسبة إليهم، أو أن صفتها تلك قد أُغمطت وطُمِست. وهذا "نجاح" يُسجّل للدولة العبرية، ساعدتها على بلوغه عوامل وظروف بعينها، من نهاية الحرب الباردة، التي أخذت على ما يبدو، في نهايتها مفهوم "حركات التحرر" ذاته، وانفراد الولايات المتحدة بالسطوة على العالم، معطوفا على تماهيها الإيديولوجي الناجز الكامل مع إسرائيل، والوهن العربي واستشراء الإرهاب، خصوصا منذ عدوان الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، ونشوب الحملة الكونية لمكافحته، تلك التي استُغلت لرمي كل مقاومة بوصمة الإرهاب، ودحض كل مطلب تحرري، مهما كان محقا، ونكران شرعيته فوجوده.
لا حاجة إلى العودة للخوض في ما هو معلوم، من أن أرييل شارون قد أفلح في نزع صفة "الشريك" عن الوطنية الفلسطينية، بما فيها، بل وفي المقام الأول، السلطة الوطنية، تلك الناجمة عن اتفاقات أوسلو، أي عن توافق مع الدولة العبرية، فـ"خاض" انسحابه من غزة وحيدا، مصرّا على أحاديته، ضانّا على الطرف المقابل حتى بمجرد التنسيق في أوجهه التقنية والإجرائية، كما اعترف صائب عريقات، الموصوف من قبل وسائل الإعلام بأنه "كبير المفاوضين الفلسطينيين"، والذي لم يقيّض له، في شأن الانسحاب من قطاع غزة، أن يضطلع بمهامه التفاوضية تلك. بل أن الأمر أبعد من ذلك، إذ أن الدولة العبرية، إذ توخت هذه الاستراتيجية، لم تتوقف عند حجب الاعتراف عن مؤسسات الوطنية الفلسطينية وتعبيراتها بل إنها ترمي إلى ما هو أبعد شأوا ومدى: نزع كل صفة سياسية عن المشكلة الفلسطينية برمتها، وتحويلها إلى مشلكة من طبيعة مغايرة تماما، قد تكون تقنية أو ما شابه، ومن هنا ذلك التعنت في إنكار كل تمثيل فلسطيني، بحجة الإرهاب، لمن كان مقاوِماً، وبحجة عدم الحزم في مواجهة الإرهاب إياه، لمن اعتمد طريق التفاوض وأعلن ثباته عليه.
وقد ذهبت حكومة شارون، بل الدولة العبرية (إذ أن الأمر استراتيجية دولة وليس مجرد سياسة تتبعها أغلبية زائلة)، بعيدا في تحقيق ذلك التحول، منتقلة، وقد مكنتها فرصة تاريخية من أن تكون طليقة اليد، بالقضية الفلسطينية من مسألة احتلال إلى مجرد إشكال ديمغرافي. الأولى سياسية بطبيعة الحال، كنها وحلاًّ، وهي تفترض "شريكا"، يتعين التعاطي معه مهما بلغ الانخرام في ميزان القوة. وعلى أساس الإقرار بذلك، دخلت إسرائيل في مسار التسوية منذ البدء بالمفاوضات التي أثمرت اتفاقات أوسلو وحتى فشل محادثات كامب ديفيد بين سلطة ياسر عرفات وحكومة إيهود باراك. أما الثاني، أي الإشكال الديمغرافي، فهو يتردى بالوجود الفلسطيني، في نظر إسرائيل، من مرتبة الحضور السياسي إلى ضرب من مُعطى كمّي، من قبيلٍ خامٍ وأوّلي، مادة سكّانية في حالتها "الطبيعية"، تنفرد الدولة العبرية بمعالجتها معالجة "تقنية" أو تكاد، شأن استصلاح المستنقعات أو مقاومة التصحر أو ما إلى ذلك.
لذلك، ما عاد التمييز قائما بين كيان إسرائيلي، ضمن حدود يعترف بها العالم، وبين أراض محتلة، يجري التفاوض أو النزاع على تحريرها، الكامل أو الجزئي، لتكون مجال الدولة الفلسطينية، بل بين مناطق ذات كثافة سكانية تريد إسرائيل التخلص منها، بالانسحاب منها شأن قطاع غزة، أو بتحويلها إلى معازل وفق ما هو مزمع للضفة الغربية، على أن تبقى دون السيادة، خاضعة لإدارة ذاتية محلية في حدود السلطة البلدية أو ما يزيد عليها قليلا، وبين أخرى تُضمّ إلى الدولة العبرية، وتصبح جزءا منها لا يتجزأ، على ما تعهد شارون مؤخرا، في تصريحات يجب أن تؤخذ على محل الجد.
وأنكى ما في هذا المنطق أنه بصدد الاستتباب، يُحظى بالقبول، فلا يتبيّن العالم فيه وجه الفضيحة...

13:01 Permalink | Comments (0) | Email this

20/08/2005

كيف أن الديموقراطيات غير محصّنة تجاه الأوضاع الاستثنائية

صالح بشير

 

المستقبل - الاحد 14 آب 2005 - العدد 2008 - نوافذ - صفحة 12

 

لعل بعض أطرف ما قرأنا من ردود فعل على إجراءات التشدد التي اتخذتها حكومة توني بلير في شأن مكافحة الإرهاب ما ورد على لسان مسلمين، أو بالأحرى إسلاميين، بريطانيين أو مقيمين في بريطانيا، سارعوا إلى التنديد بتلك الإجراءات (وهذا قد يكون في ذاته مبررا مفهوما) وذهبوا أبعد من ذلك محذرين سائر مواطنيهم، من رعايا صاحبة الجلالة، من "دكتاتورية" نسبوا إلى رئيس حكومة لندن نية السعي في إرسائها، كما نسبوا إلى أفراد جاليتهم دور الطليعة والريادة في دحر ذلك المسعى.
ربما لم يولِ الإنكليز مثل هذا الكلام غير شيء من بعض فضولهم الساخر، وربما فكر بعضهم أن الشطط من سمات المسلمين وإن كانوا من... أهل الاعتدال، شأن أصحاب هذا الكلام ممن أعلنوا براءتهم من مفجّري لندن واستنكروا صادقين أفعالهم، ولكنهم من وجهٍ آخر يهتاجون متوجسين ما لا يقل عن "مؤامرة" لفرض الدكتاتورية، ويتنطعون ناسبين إلى جاليتهم، التي يحوم حول انخراطها في النسيج الديمقراطي ألف سؤال، مهمةً خلاصية في صدّ تلك المؤامرة!
صحيح أن الديمقراطية هشة طبيعةً، ليس أشق من إرسائها وليس أيسر من إتلافها أو هكذا يُفترض، وصحيح أنها مسار عسير طويل (على عكس ما يعتقد حديثو العهد باعتناقها في ربوعنا هذه الأيام) وأن انتقالها من شمال القارة الأوروبية (من بريطانيا تحديدا) إلى جنوبها على الضفاف المتوسطية قد استغرق قرونا، حيث لم ترتق بلدان مثل إسبانيا والبرتغال إلى مصاف الديمقراطيات إلا في أواسط سبعينات القرن الماضي، غير أن الإقرار بكل ذلك وبسواه مما لم يتسنّ ذكره شيء، والقول بأن بريطانيا باتت تتهدّدها الدكتاتورية شيء آخر، قد لا يجدي نفعا غير عزل أصحابه عن معترضين بريطانيين وغربيين كثر على إجراءت بلير الأخيرة، من منظمات حقوقية وتيارات سياسية وكتاب ومعلقين.
غير أن الكلام ذاك يشير، وإن على نحو غير حاذق، إلى إشكال حقيقي، وهو المتمثل في فشل الديمقراطية المزمن في التعاطي مع الحالات والأوضاع الاستثنائية. وهو فشل لا يتعلق بطبيعة الحال بالكفاءة الإجرائية ولا بالأداء السياسي، ولكنه يخص الجانب القِيمي، أي ذلك الذي تزعمه الديمقراطية أساس فرادتها وتفوقها قياسا إلى سائر أنظمة الحكم الأخرى، ومن هنا خطورته وفداحته.
إذ لم يسبق لنظام ديمقراطي أن واجه حالة استثناء أو ما يحسبه كذلك، والموجة الإرهابية التي ألمت ببريطانيا في الآونة الأخيرة هي حتما في عداد حالات الاستثناء، دون التنكر طوعا أو اضطرارا إلى فرادته القيمية، أي دون الإقدام على نسف ما يمثل، أقله نظريا، أسسه المبدئية أو ما يعتبره أسسا له مبدئية، من تعليق للقوانين أو بعضها، أو استبدالها بأخرى يغلب عليها القسر أو منافية للدستور، ومن تراجع عن الحريات، الفردية أو الجماعية، أو عن بعضها، وتساهل مع الضمانات التي تكفلها أو إلغائها جملة وتفصيلا في أحيان كثيرة. كأنما الأنظمة الديمقراطية لم تفلح في الاهتداء إلى وسائلها الخاصة والملائمة لروحها، في مواجهة حالات الاستثناء، أو ما تعتبره حالات استثناء، فلا تجد بدا من استعارة الوسائل التي تعتمدها وتتوخاها أنظمة الاستبداد، وإن بمقدارٍ وعلى نحو محدود، كمّا أو أمداً.
والأمثلة على ذلك كثيرة. فعندما اعتقدت الولايات المتحدة، زعيمة "العالم الحرّ" إبان الحرب الباردة، أن الشيوعية تتربّص بها في عقر دارها، أطلقت العنان للسيناتور ماكارثي، الذي أرسى نصابا من الرعب، استهدف المثقفين والفنانين في المقام الأول، وقام على الوشاية وعلى محاكمة النوايا والمعتقدات، وعلى تحطيم الأشخاص بتخوينهم ومحاربتهم في رزقهم وفي حياتهم الخاصة. فاستعارت الماكارثية في كل ذلك بعضا من سمات ومن فعال عدوها على الجانب الآخر من "الستار الحديدي". صحيح أن الديمقراطية استدركت في ما بعد ذلك الجموح الاستبدادي فأوقفته وأسفت له وارتدّت عليه بالنقد، لكن ذلك لا ينفي أنها قد أقدمت عليه، على نحو واع كانت فصوله تجري علنا، عندما رأت أو توهمت أنها في مواجهة تهديد من قبيل وجودي.
كما قد تستدرك الولايات المتحدة في مستقبل الأعوام، بالاعتذار وبالنقد الذاتي، انتهاكات من قبيل معتقل غوانتانامو وسجن أبو غريب وسن القوانين المقيدة لحريات مواطنيها والتي تحوّل الوشاية إلى واجب وطني، أو تلك التي تبيح اعتقال مواطنين أو التنصت عليهم أو معاملتهم معاملة المشبوهين فقط لأنهم من ذوي سحنة تميزهم أو من أتباع ديانة بعينها، لكن ذلك لا يلغي أن تلك الدولة الديمقراطية بادرت، بعد الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، بوعي ودون أن يكون ذلك ناتجا عن انقلاب، إلى مواجهة حالة استثناء بوسائل كثيرا ما عابتها على أعدائها من المستبدّين الذين آلت على نفسها تلقينهم أصول الديمقراطية أو إسقاطهم.
ولو دعت الحاجة إلى إيراد المزيد من الأمثلة لأشرنا إلى فرنسا وما اقترفه سياسيوها وعسكرها إبان حرب التحرير الجزائرية في حق من كانوا يُعتبرون "مواطنين في الجزائر الفرنسية"، وليس فقط مقاتلي جبهة التحرير الوطني، فسيموا العذاب واستهدفتهم ممارسات من قبيل إبادي واستقبلتهم معسكرات الاعتقال الجماعي والمحتشدات، وسوى ذلك من الجرائم التي وثّقها الفرنسيون قبل سواهم، واستدركتها الديمقراطيةُ، هي بدورها، بالنقد الذاتي بعد فوات الأوان ومع أنها لم تحل دون حصولها!
صحيح أن الديمقراطيات تمتلك وسائل تصحيح خللها، وأنه لا يُخشى، بالتالي، على بريطانيا من مصير دكتاتوري معتم، أقله ليس الآن وليس جراء إجراءات توني بلير في مكافحة الإرهاب، ولكن ما هو صحيح أيضا أن أنظمة الحكم تلك تنطوي على عاهة فيها بنيوية، على الصعيد الأخلاقي إن لم يكن على صعيد المؤسسات: أن الديمقراطيات لدى التعاطي مع حالات الاستثناء والمواجهات القصوى، حقيقية كانت أم مدعاة، تتشبه بنقيضها الاستبدادي أو تقترب منه، وإن قليلا أو موقتا.
مزية الديمقراطية، في هذا الصدد، أنها لا تدعي كمالا كذلك الذي تزعمه لنفسها أنظمة الاستبداد، ولكن عاهتها، أنها في لحظات ترديها تلك، إنما توفر المسوغات لنقضيها، ذلك الذي لا يتخلف عن تبرير استبداده بحالة استثناء مزمنة يزعم أنه يواجهها، وقد يختلقها إن دعته الحاجة.

10:27 Permalink | Comments (0) | Email this

المأزق الفلسطيني مع الانسحاب الإسرائيلي من غزة وبعده

صالح بشير     الحياة     - 14/08/05

 

إسرائيل فرغت من ترتيب مسار انسحابها من قطاع غزة, ولا يُتوقع منها أن تتراجع عن انسحابها ذاك أو أن تؤجله حتى إن وفّر لها بعض الفلسطينيين، من خلال عملية مقاومة، ذريعة ذلك، على ما يتخوف ويردد أركان السلطة الوطنية الفلسطينية.

قد تخرج القوات الإسرائيلية من القطاع وهي تقاتل وتبطش وتدمر، إن دعتها حاجتها إلى ذلك، ولكنها ستخرج. لأن الدولة العبرية لم تتخذ قرار الانسحاب على مضض أو نزولا عند إكراهات ميزان قوةٍ استجدّ أو استجابة لضغوط دولية (ناهيك عن تلك العربية) لا قبل لها بمعاندتها، حتى تتلكأ وتسوّف وتثقل الخطوَ، بل أن انسحابها لبنة تأسيسية وحاسمة في استراتيجية انفردت بوضعها وتنفرد بتنفيذها، لاستكمال بناء الدولة، وتعيين مجالها الحيوي، تضم إليها ما ترى ضرورة ضمّه وقد تفاوض على ما تبقى وقد لا تتشجم حتى عناء التفاوض، على ما تدل سابقة مغادرتها لغزة، تلك التي لم تتداول في شأنها مع أحد غير نفسها (باستثناء الإدارة الأميركية ربما)، والتي قد تستوي نموذجا لما ستفعله في المستقبل إن قيض لها أن تتخلى عن بعض جيوبٍ في الضفة الغربية.

استُكملت إذاً ترتيبات الانسحابِ عسكريا وإجرائيا ولوجيستيا وتمويلا (أميركيّا) ولم يبق إلا اجتراح النصاب السياسي الداخلي الذي يأخذ به علما ويحتويه ويعكس تبعاته وها أن ذلك قد تحقق: فقد استقال بنيامين نتيانياهو من منصبه وزيرا للمالية في حكومة أرييل شارون، ووضع نصب عينيه التصدي لقيادة حزب ليكود، يستثمر على رأسها غضب الغاضبين من الانسحاب وتحفظ المتحفظين وتوجس المتوجسين. وهو ما يبدو أنه سيكون يسيرا في متناوله على ما بشّرته نتائج استطلاع للرأي أجري قبل أيام، علما بأن المآل ذاك قد لا يصيب بالضرورة من شارون مقتلاً على ما يذهب إلى القول، كرجل واحد، جمهور المعلقين، طالما أن رئيس الحكومة العبرية انفصل عمليا عن ليكود أو عن تياره الغالب منذ أن أعلن خطة الانسحاب من غزة وتأكد مضيّه فيها، وتدبّر أغلبية برلمانية من آفاق سياسية أخرى، عمّالية أساسا، وقد يُلفق تيارا وسطيا يتولى زعامته، ويكتسب مصداقية «وسطيته» تلك من اصطفاف نتيانياهو على يمينه، يؤطر المعترضين على الانسحاب من غزة ويدرجهم ضمن حزب قائم ومسؤول، ولا يتركهم نهبا لرعونة وتهوّر بعض قادة المستوطنين.

أما الفلسطينيون ففي مأزق، يتعذر عليهم حتى الفرح والاحتفاء بجلاء الاحتلال عن بعض أرضهم على النحو الذي يليق به. فهم يعلمون، حتى من كابر منهم وقال بأن الخروج الإسرائيلي اندحار أثمرته صواريخ القسّام والعمليات الانتحارية، أن الدولة العبرية إنما انسحبت لأمر يخصها وأنها قد تكون أقدمت بذلك على آخر الانسحابات. وأقصى ما يمكنهم أن يطمحوا إليه، في حمأة هذا الانسحاب، الحفاظ على وحدتهم الوطنية بل إعادة اجتراحها، طالما أنها ما عادت، منذ وفاة ياسر عرفات، تلتئم حول «قيادة تاريخية» لا خلاف عليها أو لا خلاف إلا دونها. صحيح أن محمود عباس يجهد في فرض السلطة الوطنية مرجعية وحيدة، تستأثر بالنطق باسم الفلسطينيين وتوحد سلاحهم، لكن مسعاه ذاك شاق، لأنه يتعذر عليه أن يتأسس على نصر صير إلى نيله، وإن بالتفاوض، يمنحه مشروعية. وقد كانت إسرائيل حريصة كل الحرص على حرمان السلطة من «نصر» كذاك يسوّغ نهجها التفاوضي والسلمي، ويستوي أملا يشخص نحوه الفلسطينيون.

بل أن إسرائيل ضنّت على الفلسطينيين حتى بصفة المهزوم، لأن المهزوم يكون، من موقع ضعفه، طرفا في تفاوض، وإن مجحف، وفي عهود واتفاقات وإن جائرة، على ما كانت الحال أيام اتفاقات أوسلو وما أعقبها، وباتت الدولة العبرية، منذ فشل المفاوضات مع حكومة إيهود باراك، ومنذ وصول أرييل شارون إلى رئاسة حكومتها، تجهد في إحالة الفلسطينيين إلى عدمٍ سياسي. ويبدو أنها قد نالت في ذلك قدرا من النجاح كبيرا، مستفيدة من وهن عربي لا حدود له ولا قرار ومن هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) وما نجم عنها، ومن تواطؤ هذه الإدارة الأميركية الذي بزّ كل تواطؤ سابق، لأنه ينبني على تماهٍ إيديولوجي ناجز مكتمل لا يكاد يترك بين الحليفين فجوة.

هي إذاً عودة الصهيونية على بدئها، عندما كانت تتحدث عن «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض»، وعندما كانت تعتبر فلسطين خلاءً، بالمعنى السياسي لا بالمعنى الفيزيائي أو السكاني البحت بطبيعة الحال، ليس لها إلا أن تشغله، أو أن تستكمل تلك العملية، خصوصا وأنه قد سنحت لها فرصة تاريخية لم تتكرر منذ أربعينات القرن الماضي.

بل يمكن القول أن وضعها الآن أفضل مما كان عليه في أية لحظة من لحظات تاريخ المشروع الصهيوني. فهي في ما سبق ووجهت بالمقاومة وانتصبت في وجهها جيوش، كان أداؤها مزريا، منيت بالهزيمة ولم تفلح في دفع شر صهيوني، لكنها كانت موجودة، أما اليوم، فإن إسرائيل طليقة اليد تماما، تفعل ما تشاء، تخطط وتنفذ، تنسحب من حيث تريد وتقتطع وتضمّ ما تريد، تصيغ كيانها المنشود حسب هواها وحسب أولوياتها حصرا، ولا تجد أمامها إلا مقاومة الفلسطينيين، وهذه قادرة على إنجاز البطولات ولكنها ليست قادرة، في الأوضاع الراهنة للمنطقة، على إنجاز ما هو أكثر من ذلك. مقاومتهم، بقوة الأشياء وإكراهاتها، فعل شهادة وتذكير وصرخة في مواجهة الفناء السياسي، أكثر منها فعل شاخص نحو استراتيجية قيد التحقيق.

فالمنطقة موات، جثة يعمل فيها المبضع الإسرائيلي كما يشاء، قادتها عاجزون حتى عن عقد قمّة لم يجبرهم أحد على الدعوة إليها. منطقة بلغ من مواتها أن لم تبق لها من «مقاومة» ومن لغة تخاطب بها العالم وهاضمي حقوقها غير الإرهاب...

وعاشت «نخب» العرب وعاش «مفكروهم»!

10:22 Permalink | Comments (0) | Email this

13/08/2005

في ما خص هجاء الفيديرالية السائد

صالح بشير     الحياة     - 07/08/05//

يمعن بعضنا، بمناسبة (كتلك المتمثلة في مناقشة مسودة الدستور العراقي الجديد) أو بغير مناسبة، في هجاء الفيديرالية وكأنها الموت الزؤام يتهدد كيانات المنطقة ويحيق بها تقسيماً وتمزيقاً. فالفيديرالية رديف التفتت والتذرر في أذهان الكثرة منا، لأن الكثرة تلك لا تفكر ولا تسائل مسلماتها أو ما تعتبره مسلمات، بل تصنّمها، قيَماً أو قيماً مضادة، تنطلق منها في محاكمة كل ما يعرض.

وهكذا، ولسبب ما، وربما ولعاً بأنموذج الدولـــــة المركزية ذات الطبيعة الإيديولوجية - العسكرية، على رغم ما راكمه ذلك الأنمـــــــوذج مـــــن ذريــــع الإخفاق في ربوعنا حتى على صعيــــد تماســــك الأوطان، تمثل الفكرة الفيديرالية واحدة من أشنع المنفرات، تستدرج رد فعل لا عقلاني، وتجلب على من يفكر فيها، حتى كافتراض واحتمال، تهم التخوين والعمالة. وذلك مع أنها لــــم يسبق لها أن خضعت، أقله في ربوعنا، إلى تجربة دحضتها وأثبتت بطلانها، وعلماً بأن الكيانات الفيديرالية، وهي تمثل، بمختلف صيغها، الأغلبية في البلدان الديموقراطية (بحيث لا تكاد تشذ عنها، في أوروبا الغربية، سوى فرنسا) هي الأكثر تماسكاً، أو أنها على أية حال أصلب عوداً من تلك الكيانات المركزية التي لا تكاد تحتفظ بوحدتها سوى بالقسر وبالإرغام، فلا تفلح، في أحيان كثيرة، إلا في تأجيل تفككها لا في استبعاده.

لذلك، وبعيداً عن كل مسبقات إيديولوجية وعملاً بالمبدأ القائل أن لا فضل لأنموذج (ديموقراطي، ما دامت الديموقراطية هي الهدف المنشود أو المدّعى وما دام لا حديث هذه الأيام إلا عن الديموقراطية) على آخر إلا من حيث الجدوى، ربما توجب التساؤل جدياً حول الاحتمال الفيديرالي، كأفق مستقبلي لكيانات سمتُها التعدد، الطائفي والعرقي، خصوصاً في المشرق العربي، متأزمة تاريخياً في تعددها ذاك الذي زاده استعار الهويات واشتداد وطأتها حدّة.

وأول ما يمكن الإشارة إليه في هذا الصدد، وانطلاقاً من الواقع الماثل لتلك المجتمعات لا مما يرجوه لها «التحديثيون» من واقع افتراضي، أن مبـــدأ «إنسان واحد، صوت واحـــد»، ذلك الــذي يُعتـــبر أقنوم الديموقراطية بإطلاق، لا يمكن الاقتصار عليه أساساً للتداول على السلطة في كيانات تقوم على تعدد الإثنيات والديانات، ويمثل الانتماء إلى هذه الأخيرة جابّاً سابقاً لكل انتماء سواه، وحيث فعل الانتخاب نوازعه طائفية في المقام الأول. إذ من شأن اقتراع كذاك، والحال هذه، أن يفضي على نحو آلي ومتمادٍ إلى أغلبيات ثابتة وإلى أقليات ثابتة، مستبدلاً استبداد الأقلية، غير الديموقراطي، كما كانت الحال في العراق مثلاً في عهد صدام حسين، باستبداد الأكثرية «الديموقراطي» (ما دام ناجماً عن صناديق الاقتراع)، فيحول دون التداول على السلطة ويجعل كل فئة في موقع لها لا تبرحه، ما استمر ميزان القوة الديموغرافي على ما هو عليه. ذلك أن المبدأ الآنف الذكر، لا يمكنه أن يكون فاعلاً في تحقيق الديموقراطية، إلا في بلدان التجانس السكاني أو حيث الانتماء الوطنـــي يسبق الانتماء الفئوي، وحيث يمكن للأغلبيــــات أن تكون ظرفية، تلتئم وتنفرط حول برنامج سياسي بعينه، وحول مصالح محددة ومعقلنة، متأرجحة بين يمين وسطي ويسار وسطي، ومشرعة، بالتالي، على احتمال التداول على السلطة.

أما الأمر الثاني الذي تتعين ملاحظته، أن أهل منطقة الشرق الأوسط إنما يعيشون تاريخهم داخل طوائفهم (العرقية والدينية) أكثر مما يعيشونه داخل أوطانهم. هناك تفاوت لافت بين جمود بنية الكيانات، وإقامتها على تشرذم طائفي لا تفلح في تجاوزه نحو انصهار جامع قوامه الانضواء الفردي، وذلك حتى حيث تزعم أقلية مسيطرة أنها أفلحت في فرض الوحدة الوطنية، بالقوة وبالإيديولوجيا، وبين حركية الطوائف واستئثارها، داخلها، بديناميكية التغيير. فـ «الصراع الطبقي»، إنما جرى ويجري، أساساً وفي المقام الأول، داخل الطوائف لا على مدى الوطن. ففي كنفها انقلبت شرائح اجتماعية جديدة، من البورجوازية الصغيرة مثلاً، على أخرى تقليدية وحلت محلها تقود طوائفها وتنطق باسمها، وفي كنفها أيضاً برزت «أسر حاكمة» جديدة أزاحت أخرى هرمت وتلاشى نفوذها، لدواع يتحكم في بعضها العامل الخارجي، شأن تنقل الولاء، داخل سنّة لبنان على سبيل المثال، من الخلافة العثمانية إلى مصر الناصرية إلى المملكة العربية السعودية قطباً مؤثراً جديداً. ولكل ذلك ربما أمكن القول أن الطائفة، عرقية كانت أم دينية، هي الوحدة السياسية الفاعلة، وأن ما يعتمل فيها وما تشهده من تحولات هو الذي ينعكس على الكيان الوطني أو يغلب عليه، لا العكس.

وللسببين ذينك، ومع أخذ العلم بهما واقعتيــــــن موضوعيتين يكون التغاضي عنهــــــما من قبيل التعامي الإيديولوجي والتنطع الإرادوي الذي لا يجدي نفعاً، ربما أمكن القول أن الأنموذج الفيديرالي هو الأنجع، أو الأقرب إلى النجاعة، في مثل مجتمعات التعدد الطائفي تلك. إذ هو قد يساعد على تذليل معضلة الأغلبيات الآلية، المانعة للتداول على السلطة، ناهيك عن تذليله لمشكلة استبداد أقلية من الأقليات، فيُحِل في رأس السلطة تقاسماً، أساسه الوفاق على مكوّنات العيش معاً، شأن قضايا السيادة والموارد والعلاقات الخارجية والانتماء إلى الأمة العربية أو عدمه، وما إلى ذلك من الجوامع الاستراتيجية.

كما أن الأنموذج الفيديرالي ذاك من شأنه أن يوفر إطاراً من مؤسسات ومن نظم للتعبير، على نحو ديموقراطي أو لنقل سلمي، عن الحياة السياسية داخل كل مجموعة أو فئة، بحيث يكون النصاب الديموقراطي المنشود على صعيد الكيان، خلاصة تلك الممارسات الديموقراطية المحلية، أقله حيث ما كان ذلك ممكناً، وتكليلاً لها.

لا شك في أن التطبيق أكثر عسراً ومشقة من هذا «التصور النظري»، لكن «التصور» ذاك لا ينشد إلا التأشير نحو أفق، قد يكون أقل قتامة من سواه.

17:52 Permalink | Comments (0) | Email this

الكفاحات المسلحة تتنصّل من سلاحها

المستقبل - الاحد 7 آب 2005 - العدد 2001 - نوافذ - صفحة 10

 

 

صالح بشير

 

أما وقد قرر الجيش الجمهوري الإيرلندي نبذ الكفاح المسلح، ذاك الذي كان في الغالب، وربما بقوّة الأشياء وبإكراهٍ منها، يكاد ينحصر في الإرهاب، وأعلن الجيش قراره ذاك وأشهد عليه الملأ العالمي، فلم يبق للإرهاب من أنصار في أوروبا الغربية غير حركة "إيتا" الباسكية الإسبانية، تتوخاه "طريقا ملكية" لنيل ما تحسبه تحررا. وإذا ما حذت هذه الأخيرة حذو النظير الإيرلندي، في مستقبل قد يكون قريبا وغير مستبعد، فقد يُستكمل بذلك الافتراقُ بين غربٍ يتحلل من الإرهاب وبين شرق يُقبل عليه، بين أوروبا "سياسية مدنية" وبين عالم إسلامي عنيف، ويُضاف عنصر يعزز عناصر التمايز بين "جوهر" مزعوم وآخر مُدّعى لا يتداخلان ولا يتشابهان.
قد لا يكون وراء القرار ذاك قصد وتعمد من هذا القبيل، ولكنه منطق الأمور والذهنيات في هذه الحقبة يدفع دفعا في ذلك الاتجاه ويُعلي من شأن مثل تلك الفوارق ويمحضها وظيفة السمات الفارقة، وقد يفتعلها افتعالا إن أعوزته ماثلةً مُعطاة. لذلك قد يتخذ قرار الجيش الجمهوري الإيرلندي، من بين ما يتخذ، لا فقط صفة التنصل من استراتيجية ومن وسائل نضالية ثبت بطلانها أو انتفت جدواها، بل قد يرمي كذلك إلى تأكيد الانتماء إلى ثقافة بعينها، بات الموقف من الإرهاب، رفضا واستنكارا، من محدداتها، أقله في حسبانها وفي حسبان أبنائها، كما يرمي إلى دفع شبهة التماثل مع ثقافة أخرى بعينها، يُحسب العنف فيها جبلّة وطبيعة. قد لا يستند مثل هذا التقسيم إلى أسس موضوعية، أو أن مثل تلك الأسس هشة بالغة الهشاشة، لكنه امتلك أو هو بصدد امتلاك صلابة الأيديولوجيا، وهذه تفي وتكفي. لذلك، قد لا يكون عديم الدلالة أن يعلن الجيش الجمهوري الإيرلندي تخليه عن "الكفاح المسلّح" في أعقاب تفجيرات لندن "الجهادية".
وفي ذلك ما قد يعني أن العنف النضالي، مطلق العنف النضالي، برره الدين أو اعتمد أي تسويغ آخر، ما عاد يُنظر إليه في ذاته، كوسيلة "حيادية" شأن كل آلة، لا معيار يصحّ في محاكمتها إلا معيار الجدوى، أو هي تثير سجالات أخلاقية إنسانية عامة، بمعنى شمولها كل فئة أو حضارة، بل هو بصدد اكتساب "هوية" ثقافية, يُراد لها أن تكون حصرية، ولذلك لم يرَ الجيش الجمهوري الإيرلندي غضاضة في التضحية به، والتخلي عنه لذلك "الآخر" بامتياز، ممثلا في نظره، وفي نظر الغرب قاطبة، في "جهاديي" تفجيرات لندن.
غير أنه يكون من باب القسر والإجحاف النظر إلى قرار الجيش الإيرلندي حصرا من هذه الزاوية وإعادته إلى هذا التعليل بمفرده. إذ أن القرار ذاك يُفصح عن أمر آخر بالغ الأهمية، هو مدى التلويث الذي ألحقه الإرهاب بكل عنف سياسي، خصوصا إن كان من سوية نضالية، بحيث بات خلاص حركات التحرر، أو بعضها الناضج أو الذي لم يبلغ درجة اليأس المطبق وانسداد الآفاق، يتمثل في إعلان البراءة منه وفي استبعاده. في ما مضى كان اللجوء إلى العنف وسيلة حركات التحرر في أن تتأهل سياسيا وأن تفرض نفسها طرفا في نزاع من النزاعات ولحفظ موقع لها في حله، في حين أنه بات الآن من أسباب وصمها أخلاقيا وبالتالي نزع كل تأهيل أو صفة سياسية عنها وإدراجها في خانة الإجرام الخالص. قد يكون ذلك ظلما في حق المقاومات المشروعة، أحسن خصومها استغلاله ضدها، على نحو مغرض غير نزيه يتوخى التعميم، ولكنه واقع الحال الناجم عن اعتداءات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) وما أعقبها من جرائم من طينتها، أي عن استشراء ذلك النوع المعلوم من الإرهاب.
الجيش الجمهوري الإيرلندي لم يتخل عن الكفاح المسلح لأن الكفاح ذاك استنفد أغراضه وأدى إلى الهدف المنشود. فإيرلندا لا تزال حالة استعمارية شاذة، إن لوقوعها، مثالا من نوعه فريدا، في غرب أوروبا وإن لتخلفها عن موجة تحرر وطني كانت استُكملت في سائر أصقاع الأرض (عدا الاستثناء الفلسطيني) منذ عقود. وللاستعمار ذاك، في شمال الجزيرة، طبيعة استيطانية، خطوط تماسّها بالغة التفجّر لأنها دينية (كاثوليك وبروتستانت) لن يكون من اليسير تذليلها، هذا ناهيك عن تعذر استعادة وحدة إيرلندا، في أمد منظور، إلا ضمن أفق اتحادي أوروبي، لا يزال بعيدا، ولا تزال بريطانيا أحد عوامل عرقلته. ومع كل ذلك، لم يجد الجيش الجمهوري الإيرلندي بدا من الاكتفاء بالمراهنة على الوسائل السياسية مراهنة غير مضمونة (للأسباب الآنف ذكرها)، ومن إعلان التخلي عن الكفاح المسلح، لأن هذا الأخير بات في هذا الزمن رديف الإرهاب وصنوه. ذلك الإرهاب الذي لم يستنكف الجيش المذكور، طيلة ماضيه المديد، عن ارتكابه، وإن درج غالبا على التنبيه مسبقا إلى مواقع الانفجارات، حفظا لأرواح المدنيين الأبرياء. ذلك أن تهمة الإرهاب باتت لا تُطاق. أضحت مقتلَ حركات التحرر وأضحى التخلص منها هدفا يسبق سائر الأهداف ويتصدرها.
ذلك ما جناه إرهاب "القاعدة" على كل عنف سياسي، حتى ما قد يكون منه مشروعا. ولنا في "المقاومة العراقية"، وملابسة الإرهاب الزرقاوي لها ملابسة لا فكاك لها منها، دليل على ذلك، وإن كان على النقيض من ذلك الإيرلندي.
وأنكى ما في الأمر أن الإرهاب الراهن لم يفعل غير تبني إحدى السمات الأساسية للحروب الحديثة، والدفع بها إلى مداها الأقصى واعتمادها حصريا: فالحروب الحديثة تلك هي التي اخترعت الزج بالمدنيين في النزاعات، واتخذتهم لها وقودا، ومحت الفوارق بين المجالات العسكرية وتلك المدنية، واجترحت ما يُسمى بـ"الحرب الشاملة"، على ما تشهد وقائع كثيرة معلومة منذ الحرب العالمية الأولى، مرورا بقنبلتي هيروشيما وناغازاكي. وبذلك يكون الإرهابيون قد حاكوا تلك الحروب الحديثة ونسجوا على منوالها، بأن جعلوا استهداف المدنيين أداة قتالهم المثلى، والوحيدة في أحيان كثيرة، ومنحوه وظيفة ثأرية، على ما يتردد من حجج تضع "قتلانا" مقابل "قتلاهم" وتوازي بين إرهاب المجموعات وإرهاب الدول، وتعتبر ذاك ردا على هذا.
غير أن آفة المنطق هذا، أنه يحرم المقاوم، وهو تعريفا ضعيف بالمقاييس المادية، من عنصر قوته الوحيد: تفوقه الأخلاقي، فيتدنى به إلى سوية الإرهابي... وذلك ما فهمه الجيش الجمهوري الإيرلندي، وإن أبطأ وتأخر، وما أخفق في إدراكه سواه.

17:46 Permalink | Comments (0) | Email this

علامَ يختلف الفلسطينيون؟

صالح بشير     الحياة     - 24/07/05//

 

هل يورث الانسحاب الإسرائيلي من غزة اقتتالاً أهلياً فلسطينياً؟ يكاد طرح هذا السؤال، بهذه الصيغة وفي هذا التوقيت، أي بعد ما شهدته الآونة الأخيرة من اشتباكات شبه يومية، بين مقاتلي حركة حماس وقوات السلطة الوطنية، يبدو نافلاً، أو هو يعمد، على سبيل الرّقية، إلى إنكار أمر واقع.

فالاقتتال ذاك حصل وحُمّ قضاؤه، وتواجه الفلسطينيون في ما بينهم فأوقعوا قتلى وجرحى، ويُخشى أن تستمر مواجهاتهم وأن تستفحل، وأن يتمادى شأنهم على منوال ما بات معلوما مألوفا هذه الأيام رغم قِصر العهد: سلسلة هدنات متتالية، ما إن يتم إقرار إحداها، حتى يُصار إلى انتهاكها.

وبذلك، يكون أرييل شارون قد حقق ما يشبه المعجزة. وهذه لا تتمثل في تخطي الفلسطينيين لما اعتُبر حتى الآن «خطّاً أحمر»، التزموه حتى الآن وتقيدوا به، يحظر احترابهم، فذلك ضرب من مثالية قد لا يتسع لها التاريخ الفعلي لحركات التحرر، بل في أن رئيس حكومة الدولة العبرية تمكن من جعل الخلاف على فكرة التسوية، أو اللاتسوية بالأحرى وعلى الأصحّ، وحول ما إذا كان الانسحاب من غزة نهاية مطافها أم منطلقها، شأناً فلسطينياً لا يعنيه أو لا يكاد يعنيه، هذا عدا إحرازه، فقط لمجرد بروز عتاة المستوطنين على يمينه، صفة الاعتدال والوسطية، على ما بات يقول حتى بعض إسرائيليين كانوا، وربما لا زالوا في اعتقادهم، من دعاة الحل السلمي، وعلى ما ردد وروّج من ورائهم، على سبيل المثال لا الحصر، الأميركي توماس فريدمان (وهذا يبدو، في رأيي المتواضع، محللاً سطحياً لست أدري سر افتتان الصحافة العربية به وبكتاباته).

أما عن الاحتراب الأهلي، فهو قد يكون من «طبيعة الأشياء»، بمعنى من المعاني، أو شراً لا بد منه أو يصعب اتقاؤه، لم تكد تخلو منه حركة تحرر. حتى الثورة الجزائرية، تلك التي تتبوأ مرتبة النموذج والمثال في المجال العربي والإسلامي، لم تكن إجماعاً وطنياً صلداً أصمّ إلا وفق رواية لتاريخها مُؤمثلة أو مؤسطرة، أما تاريخها الواقعي فغير ذلك، إذ كانت حربا تحررية بقدر ما كانت حرباً أهلية ضروساً، تواجهت خلالها، في الوطن كما في المهاجر الفرنسية، جبهة التحرير الوطني مع «الحركة الوطنية الجزائرية»، حزب مصالي الحاج، الذي يُعد الأب التاريخي، أو أحد الآباء التاريخيين، للوطنية الجزائرية، هذا عدا عن الصراعات الدامية دخل جبهة التحرير ذاتها. وقس على ذلك حركات تحرر كثيرة.

مثل ذلك الاقتتال كان في الغالب ينشب أو يستعر عندما تجد حركات التحرر نفسها أمام خيارات لا بد من ترجيح أحدها وحسمه من خلال استحداث ميزان للقوة داخلي جديد، كأن تكون هناك تسوية في الأفق يقبل بها البعض ويرفضها البعض الآخر أو يعتبرها دون المطلوب. وبديهي أن الوضع هذا لا ينطبق على الوطنية الفلسطينية في طورها الراهن. إسرائيل ستنسحب من غزة في كل الأحول، لأسباب ترتئيها ولعوامل تخصها (كنا نتمنى لو أن الانتفاضة الثانية هي التي دفعتها إلى ذلك دفعا كما يقول البعض!)، وهي لا تُدرج انسحابها ذاك ضمن منظور تسووي، وذلك ما يفسر إصرارها على استبعاد كل تنسيق مع الجانب الفلسطيني عدا ما كان أمنياً أو إجرائياً، بل هي تدرج انسحابها ضمن مشروعها الخاص لـ «الحل النهائي»، وهو مشروع لا يأخذ البتة المطالب الفلسطينية في الاعتبار، ويتمثل أحادياً في اقتطاع ما تريد اقتطاعه من أرض، لاستكمال الكيان الإسرائيلي، مجالاً حيوياً آمناً.

علامَ يختلف الفلسطينيون إذاً؟ محمود عباس، من جهته، لا يراهن إلا على افتراض مفاده أن ظهوره بمظهر المسيطر على زمام الأمور في غزة، ومساهمته في تسهيل الانسحاب الإسرائيلي من القطاع، من شأنه أن يؤهله لمنزلة «الشريك»، وهو افتراض لا يستند إلى أساس، بالنظر إلى ما هو معلوم من شأن ميزان القوة، ومن تواطؤ واشنطن مع تل أبيب ومن عجز الأوروبيين والعرب. أما حماس، وعدا عن رغبتها في إظهار الانسحاب الإسرائيلي اندحارا أثمرته المقاومة لا رحيلاً طوعياً، فتخشى وتتخوف على مصيرها. فإذا كانت التهدئة لم تحمها من بطش الدولة العبرية، تلاحقها وتغتال كوادرها، فكيف سيكون الأمر بعد انسحاب القوات الإسرائيلية، تلك التي ستبقى طليقة اليد في القطاع، تعود إليه متى أرادت، متخففة من هاجس حماية المستوطنات؟ هذا ناهيك عن اشتباه حماس في وجود نية باستبعادها وإزالة وجودها السياسي، رأت في تأجيل الانتخابات ما ينذر بها، كما عبّر عن تلك الرغبة شارون وكذلك فعلت الإدارة الأميركية.

لكل ذلك، ليس أمام المرء إلا «تعليق الحكم». فالسلطة الوطنية قد تكون محقة في سعيها إلى أن تضطلع بدورها ممثلاً وحيداً للكيان الفلسطيني، تنفرد بالنطق باسمه، وبوضع استراتيجيات التفاوض والحرب والسلام، شأنها في ذلك شأن كل سلطة. لكن هواجس حماس قد تكون مفهومة أيضا، إن هي لم تطمئن إلى سلطة تعلم أنها من الهشاشة، ومن الافتقار إلى السيادة بحيث لا تستطيع حمايتها (وحماية التعددية الفلسطينية عموماً) بوصفها مكوناً من مكونات النسيج الوطني الفلسطيني، بصرف النظر عن كل رأي في إيديولوجيتها وفي أفعالها.

من عوامل هذا الإشكال، عدا عن كل ما سبقت الإشارة إليه، وضعية الوطنية الفلسطينية، ممثلة في حركة فتح على نحو خاص، التي أصبحت سلطة، يُطلب منها ما يُطلب من الدول وتُحاسب كما تُحاسب الدول، قبل أن تنال الدولة وما يلازمها من سيادة، ما يمثل التباسا يستفيد منه شارون إلى أبعد الحدود، ويؤثر في فعالية السلطة في تعاطيها مع مختلف القوى الفلسطينية.

وبديهي أن الاقتتال الأهلي يمثل عرضاً من أعراض ذلك الإشكال والمأزق الفلسطيني عموماً، ولا يستوي بحال من الأحوال حلا كما يتوهم المتقاتلون.

17:42 Permalink | Comments (0) | Email this

الإرهاب ممسكاً بزمام المبادرة وناطقاً باسمنا

المستقبل - الاحد 24 تموز 2005 - العدد 1987 - نوافذ - صفحة 10

 

 

 

صالح بشير

نحن مقبلون على عدم!
ليس أدل على ذلك ولا أفصح من هذا الارهاب واستشرائه، وانفراده بالمبادرة يرسم صورتنا ويستحوذ على قضايانا، تلك التي درجنا على وصفها بـ"المصيرية"، وعلى مطالبنا، تلك التي نعدّها عادلة لا يرقى الشك الى عدالتها.
صحيح أن منطقتنا لم تخترع الارهاب، سبقها الى ذلك الكثيرون، حتى في زمننا الحديث هذا ودون العودة الى سحيق العصور. بما في ذلك الارهاب ذو الصبغة الكونية، مدى وتبعات. جريمة اغتيال سياسي كانت ذريعة الحرب العالمية الأولى، في حين نشر الفوضويون الدمار، اغتيالاً أعمى ونسفاً لا يميّز، في جميع أنحاء المعمورة، من أوروبا الى الولايات المتحدة، بين أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، فقتلوا رؤساء فرنسيين وفجروا مرافق ومنشآت، وحوربوا حرباً لا هوادة فيها، شابها بعض ظلم أو لظختها أحياناً شبهة الاجحاف، كما كان من قصة المهاجرين الايطاليين ساكو وفينتستي، وهي معلومة مشهورة. هذا ناهيك عن إرهاب سبعينات القرن الماضي، من "ألوية حمراء" و"جيش أحمر ياباني" و"عصابة بادر ـ ماينهوف" وسواها. وهكذا، لم يضف إرهابيو القاعدة، ومن ينسجون على منوالهم، الى صنيع أسلافهم جديداً غير ذلك الذي تتيحه أيامنا هذه من يسر التنقل والتواصل ومن إمكانات تكنولوجية.
ولكن لم يسبق لارهاب أن تحوّل الى رديف لأمة وعنواناً لقضية شأن هذا الاسلاموي أو الزاعم إسلاماً. كل ارهاب سبقه بقي هامشياً، يتطفل على حركات التحرر وعلى التوجهات الثورية ولا يفلح، في الغالب، في النفاذ الى متنها، فظل شواذاً في مسارها ونتوءاً مرضياً. الثوار الفييتناميون تجنبوا الارهاب ونبذوه بالرغم من أن القوات الأميركية لم تتردد في توخي وسائل الابادة وإن لم تقصدها. أما جبهة التحرير الجزائرية، فقد انجرّت إليه، طيلة سنة ونصف السنة تقريباً، إبان ما عرف بـ"معركة الجزائر العاصمة"، لكنها ما لبثت أن تخلت عنه (مع أنه استهدف المستوطنين ولم ينتقل الى الأراضي الفرنسية ولم ينل من مدنييها)، واعتبرته خطأ ما كان يجب أن يحصل، دفعت ثمنه باهظاً عسكرياً وسياسياً.
صحيح أن ارهابنا الراهن هامشي، من الناحية العددية، هو بدوره، أقله لأن "نخبة الموت" لا يمكنها إلا أن تكون ضيقة حكماً ولزاماً، وصحيح أنه وإن نال حظوة لدى الجموع والرأي العام، أو ما يقوم مقام هذا الأخير في بلداننا، إبان عدوان الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001، إلا أنه يشهد حالياً ما يشبه النفور منه، أو التحفظ حياله على الأقل، على ما دلت موجة التنديد الوسع في العالم الاسلامي، حيال تفجيرات لندن، وإن صدقنا ما كشف عنه استقصاء للرأي، أجري في بلدان اسلامية عدة ونشرت نتائجه مؤخراً.
ولكن الارهاب ذاك يختلف عن كل ارهاب، سبقه أو يعاصره، في أنه استحوذ على زمام المبادرة، ناطقاً باسم قضايا أو مطالب، ذائداً عنها أو زاعماً الذود عنها. وهو يكاد يكون الفاعل السياسي الوحيد على صعيد المنطقة، شرقاً أوسط أو "شراً أوسط أكبر"، يمتد من موريتانيا الى باكستان، كما يقول جورج بوش. تلك هي الحقيقة الموضوعية، كرهنا أم أحببنا. فالارهاب لم يكتف بـ"باختطاف الاسلام"، حسب تعبير شائع، ولم يقنع بالاستيلاء على وظيفته الاعتراضية، رافعة للهوية في زمن استعار الهويات، بل انه احتل فضاءنا العام، والصورة التي يرانا بها العالم. خذ مثلاً مواجهة قوات الاحتلال في بلاد الرافدين. هل توجد مقاومة عراقية، أجندتها وطنية، أو حتى طائفية، ولا تندرج في صراع الى "يوم الدين" ضد "الصليبيين واليهود"؟ بالتأكيد، أو أن الأمر ذاك مرجح بقوة، ولكن فقط على سبيل التخمين أو الاستقراء، بل ربما من باب الأمنيات نحسبها وقائع. إذ أننا لا نكاد نلحظ لمثل تلك المقاومة أثراً، فهي بكماء سياسياً، لا تخاطب مواطنيها ولا العالم، ولا أحد يعلم لها هوية أو استراتيجية. وحتى عندما بادرت مجموعتان من مجموعاتها الى تعيين ناطق رسمي بلسانها، لم يظهر الناطق العتيد ذاك إلا كي يعلن عن تعيينه، ثم اختفى. أما الزرقاوي فهو من يحتل الواجهة ويستأثر بها. يفخخ ويقتل على امتداد العراق، ويعلن ويتبنى. يصدر البيانات والرسائل ويساجل من يخالفونه الرأي. حاضراً طاغي الحضور... والأمر ليس مجرد خدعة اعلامية، ناجمة عن رغبة الولايات المتحدة في إظهار أنها لا تواجه في العراق سوى إرهابيين، ولكنه واقع الحال: المقاومة هي الهامش في العراق، والارهاب هو المتن، وتلك من خاصيات العرب، أقله في زمنهم هذا، ومن ميزاتهم الفارقة، دون سواهم. وتلك الاستقالة وذلك الخمول أوسع مجالاً من ذلك وأبعد مدى، بحيث لا يمثل العراق غير وجههما الأقصى والفاضح، في حين أنهما سمة فارقة تتوزع على العرب بالعدل والقسطاس: أنظمة حكم فشلت فشلاً ذريعاً شاملاً ولا تعد بما هو أفضل. معارضات عاجزة لا تمتلك برامج ولا استراتيجيات (غير التعويل على ضغط الخارج) ولاصدى بين "مواطنيها"، لا تتستر على عجزها إلا بما تتعرض له من قمع وتضييق من قبل أنظمة غبية، بحيث تتوجس الانتخابات "الشفافة والنزيهة"، التي ستكون فاضحتها لا محالة، بقدر ما تتباكى على فقدانها. و"نخب" ثقافية هي الأسوأ، ضحالة وإسفافاً أخلاقياً على صعيد الكون بأسره.
لذلك، فإن الفاعل الوحيد في فضائنا العام إنما هو الارهاب والارهابيون، أو ذلك كل ما يراه العالم منا، وبذلك، استحوذ القتلة على تمثيلنا عنوة وغصباً عنا. صحيح أن لتعسف الغرب، ولأخذه بنظرة جوهرانية حيالنا، ترى ما يرتكبه الارهابيون صادراً عن صلب ثقافة وديانة، يمثل العنف لبهما وتناصبان الانسان وحقوقه عداء الغرب ذاك لم ير، أو ما عاد يرى، مبادراً بيننا إلا أهل الارهاب وأوساطه. ولكن المبادرة تلك عدمية، وهي بذلك متواطئة، من حيث تدري أو لا تدري، مع الموات العام التي تزعم دفعه والوقوف في وجهه، أو هي بعض أجلى تعبيراته. لذلك، نحن مقبلون على عدم، نسير نحوه حثيثاً.

17:39 Permalink | Comments (0) | Email this