« كيف أن الديموقراطيات غير محصّنة تجاه الأوضاع الاستثنائية | HomePage | لا يستقيم للعرب وعي ديموقراطي ما لم يُعمد إلى تفكير «الإستثناء الإسرائيلي» »
27/08/2005
أين هم الفلسطينيون في كلام العالم عن غزّة؟
المستقبل - الاحد 21 آب 2005 - العدد 2015 - نوافذ - صفحة 9
صالح بشير
الصحيفة الغربية الكبرى التي بين يديّ خصصت جزءا من صفحتها الأولى وثلاث صفحات داخلية للانسحاب الإسرائيلي من غزة، فلم تترك بعدا من أبعاد ذلك الحدث إلا فصّلته. كيف عاشه المستوطنون، إذعانا أو تمردا. كيف جرت أطواره وكيف تعاطت معه سلطات الدولة العبرية أمنيا وسياسيا، ناهيك عن كل ما حف به وجدانيا وعاطفيا... إضافة إلى ما لا بد منه ولا مندوحة: مقال لكاتب ممن يتبوأون منزلة "ضمير الصهيونية" (هو هذه المرة ديفيد غروسمان) وممن درجوا على مواكبة كل ما تقترفه دولتهم بطقسِ ندم وألم "إنسانوييْن" فيهما من التباكي على "الديمقراطية"، واضطرارها في بعض الحالات إلى "خيانة" قيمها، أكثر مما فيهما من الحفول بالضحايا. تظاهرة نرجسية من قبيلِ جاري العادة، ومما لا تخلو منه مثل تلك المناسبات أبدا. أما الفلسطينيون فلم تفرد لهم الصحيفة سطرا واحدا.
وذلك مع العلم بأن الصحيفة المذكورة، لو كانت التقسيمات العائدة إلى القرن العشرين، بين يسار ويمين، لا تزال سارية، لعُدّت من المناصرين للفلسطينيين ولقضيتهم. وهنا تقع دلالة ذلك الإغفال وهنا تكمن أهميته، إذ هو يشي بحقيقة ضمنية، دخلت على الأرجح في عداد البدائه فبات التسليم بها تحصيل حاصل، مفادها أن سحب المستوطنين من غزة شأن إسرائيلي ـ إسرائيلي "لا يعني" الفلسطينيين. ذلك ما قد لا يُمارَى فيه، ولكن أن لا يظهر الفلسطينيون حتى كديكور لذلك الحدث، مع أنه جرى بين ظهرانيهم وستكون له تبعات على مجرى حياتهم، أفرادا وجماعة وطنية (وإن كانت قيد التشكل)، وكلّل توقا لديهم مقيما إن لم يكلل نضالا خاضوه، ففي هذا دفع بذلك المنطق إلى أقصاه النافي لهم.
ذلك لا يعني أن الصحيفة المذكورة، وأوساطاً خارجية أخرى كثيرة شاطرتها مقاربتها تلك بهذا المقدار أو ذاك، قد اشتطت في تأويل الصفة "الأحادية الجانب" لقرار الانسحاب الإسرائيلي إلى درجة تغييب الطرف الفلسطيني، كما لا يعني ضرورة أنها متواطئة في ذلك مع أرييل شارون، صاحب أمنية التغييب تلك، تواطؤا نشِطا ومُتعّمدا. بل إن الأمر قد يكون أنكى من ذلك وأفدح.
إذ هناك ما يشبه الإقرار، بدأ يتسلل إلى الأذهان شيئا فشيئا ويستقر فيها رؤيةً، وإن لم تفصح بعد عن فحواها ولم تجهر به مُبلوراً، مفادها أن الفلسطينيين مشكلة بالنسبة إلى إسرائيل، في حين أن هذه الأخيرة ليست مشكلة بالنسبة إليهم، أو أن صفتها تلك قد أُغمطت وطُمِست. وهذا "نجاح" يُسجّل للدولة العبرية، ساعدتها على بلوغه عوامل وظروف بعينها، من نهاية الحرب الباردة، التي أخذت على ما يبدو، في نهايتها مفهوم "حركات التحرر" ذاته، وانفراد الولايات المتحدة بالسطوة على العالم، معطوفا على تماهيها الإيديولوجي الناجز الكامل مع إسرائيل، والوهن العربي واستشراء الإرهاب، خصوصا منذ عدوان الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، ونشوب الحملة الكونية لمكافحته، تلك التي استُغلت لرمي كل مقاومة بوصمة الإرهاب، ودحض كل مطلب تحرري، مهما كان محقا، ونكران شرعيته فوجوده.
لا حاجة إلى العودة للخوض في ما هو معلوم، من أن أرييل شارون قد أفلح في نزع صفة "الشريك" عن الوطنية الفلسطينية، بما فيها، بل وفي المقام الأول، السلطة الوطنية، تلك الناجمة عن اتفاقات أوسلو، أي عن توافق مع الدولة العبرية، فـ"خاض" انسحابه من غزة وحيدا، مصرّا على أحاديته، ضانّا على الطرف المقابل حتى بمجرد التنسيق في أوجهه التقنية والإجرائية، كما اعترف صائب عريقات، الموصوف من قبل وسائل الإعلام بأنه "كبير المفاوضين الفلسطينيين"، والذي لم يقيّض له، في شأن الانسحاب من قطاع غزة، أن يضطلع بمهامه التفاوضية تلك. بل أن الأمر أبعد من ذلك، إذ أن الدولة العبرية، إذ توخت هذه الاستراتيجية، لم تتوقف عند حجب الاعتراف عن مؤسسات الوطنية الفلسطينية وتعبيراتها بل إنها ترمي إلى ما هو أبعد شأوا ومدى: نزع كل صفة سياسية عن المشكلة الفلسطينية برمتها، وتحويلها إلى مشلكة من طبيعة مغايرة تماما، قد تكون تقنية أو ما شابه، ومن هنا ذلك التعنت في إنكار كل تمثيل فلسطيني، بحجة الإرهاب، لمن كان مقاوِماً، وبحجة عدم الحزم في مواجهة الإرهاب إياه، لمن اعتمد طريق التفاوض وأعلن ثباته عليه.
وقد ذهبت حكومة شارون، بل الدولة العبرية (إذ أن الأمر استراتيجية دولة وليس مجرد سياسة تتبعها أغلبية زائلة)، بعيدا في تحقيق ذلك التحول، منتقلة، وقد مكنتها فرصة تاريخية من أن تكون طليقة اليد، بالقضية الفلسطينية من مسألة احتلال إلى مجرد إشكال ديمغرافي. الأولى سياسية بطبيعة الحال، كنها وحلاًّ، وهي تفترض "شريكا"، يتعين التعاطي معه مهما بلغ الانخرام في ميزان القوة. وعلى أساس الإقرار بذلك، دخلت إسرائيل في مسار التسوية منذ البدء بالمفاوضات التي أثمرت اتفاقات أوسلو وحتى فشل محادثات كامب ديفيد بين سلطة ياسر عرفات وحكومة إيهود باراك. أما الثاني، أي الإشكال الديمغرافي، فهو يتردى بالوجود الفلسطيني، في نظر إسرائيل، من مرتبة الحضور السياسي إلى ضرب من مُعطى كمّي، من قبيلٍ خامٍ وأوّلي، مادة سكّانية في حالتها "الطبيعية"، تنفرد الدولة العبرية بمعالجتها معالجة "تقنية" أو تكاد، شأن استصلاح المستنقعات أو مقاومة التصحر أو ما إلى ذلك.
لذلك، ما عاد التمييز قائما بين كيان إسرائيلي، ضمن حدود يعترف بها العالم، وبين أراض محتلة، يجري التفاوض أو النزاع على تحريرها، الكامل أو الجزئي، لتكون مجال الدولة الفلسطينية، بل بين مناطق ذات كثافة سكانية تريد إسرائيل التخلص منها، بالانسحاب منها شأن قطاع غزة، أو بتحويلها إلى معازل وفق ما هو مزمع للضفة الغربية، على أن تبقى دون السيادة، خاضعة لإدارة ذاتية محلية في حدود السلطة البلدية أو ما يزيد عليها قليلا، وبين أخرى تُضمّ إلى الدولة العبرية، وتصبح جزءا منها لا يتجزأ، على ما تعهد شارون مؤخرا، في تصريحات يجب أن تؤخذ على محل الجد.
وأنكى ما في هذا المنطق أنه بصدد الاستتباب، يُحظى بالقبول، فلا يتبيّن العالم فيه وجه الفضيحة...
13:01 Permalink | Email this


