« المأزق الفلسطيني مع الانسحاب الإسرائيلي من غزة وبعده | HomePage | أين هم الفلسطينيون في كلام العالم عن غزّة؟ »

20/08/2005

كيف أن الديموقراطيات غير محصّنة تجاه الأوضاع الاستثنائية

صالح بشير

 

المستقبل - الاحد 14 آب 2005 - العدد 2008 - نوافذ - صفحة 12

 

لعل بعض أطرف ما قرأنا من ردود فعل على إجراءات التشدد التي اتخذتها حكومة توني بلير في شأن مكافحة الإرهاب ما ورد على لسان مسلمين، أو بالأحرى إسلاميين، بريطانيين أو مقيمين في بريطانيا، سارعوا إلى التنديد بتلك الإجراءات (وهذا قد يكون في ذاته مبررا مفهوما) وذهبوا أبعد من ذلك محذرين سائر مواطنيهم، من رعايا صاحبة الجلالة، من "دكتاتورية" نسبوا إلى رئيس حكومة لندن نية السعي في إرسائها، كما نسبوا إلى أفراد جاليتهم دور الطليعة والريادة في دحر ذلك المسعى.
ربما لم يولِ الإنكليز مثل هذا الكلام غير شيء من بعض فضولهم الساخر، وربما فكر بعضهم أن الشطط من سمات المسلمين وإن كانوا من... أهل الاعتدال، شأن أصحاب هذا الكلام ممن أعلنوا براءتهم من مفجّري لندن واستنكروا صادقين أفعالهم، ولكنهم من وجهٍ آخر يهتاجون متوجسين ما لا يقل عن "مؤامرة" لفرض الدكتاتورية، ويتنطعون ناسبين إلى جاليتهم، التي يحوم حول انخراطها في النسيج الديمقراطي ألف سؤال، مهمةً خلاصية في صدّ تلك المؤامرة!
صحيح أن الديمقراطية هشة طبيعةً، ليس أشق من إرسائها وليس أيسر من إتلافها أو هكذا يُفترض، وصحيح أنها مسار عسير طويل (على عكس ما يعتقد حديثو العهد باعتناقها في ربوعنا هذه الأيام) وأن انتقالها من شمال القارة الأوروبية (من بريطانيا تحديدا) إلى جنوبها على الضفاف المتوسطية قد استغرق قرونا، حيث لم ترتق بلدان مثل إسبانيا والبرتغال إلى مصاف الديمقراطيات إلا في أواسط سبعينات القرن الماضي، غير أن الإقرار بكل ذلك وبسواه مما لم يتسنّ ذكره شيء، والقول بأن بريطانيا باتت تتهدّدها الدكتاتورية شيء آخر، قد لا يجدي نفعا غير عزل أصحابه عن معترضين بريطانيين وغربيين كثر على إجراءت بلير الأخيرة، من منظمات حقوقية وتيارات سياسية وكتاب ومعلقين.
غير أن الكلام ذاك يشير، وإن على نحو غير حاذق، إلى إشكال حقيقي، وهو المتمثل في فشل الديمقراطية المزمن في التعاطي مع الحالات والأوضاع الاستثنائية. وهو فشل لا يتعلق بطبيعة الحال بالكفاءة الإجرائية ولا بالأداء السياسي، ولكنه يخص الجانب القِيمي، أي ذلك الذي تزعمه الديمقراطية أساس فرادتها وتفوقها قياسا إلى سائر أنظمة الحكم الأخرى، ومن هنا خطورته وفداحته.
إذ لم يسبق لنظام ديمقراطي أن واجه حالة استثناء أو ما يحسبه كذلك، والموجة الإرهابية التي ألمت ببريطانيا في الآونة الأخيرة هي حتما في عداد حالات الاستثناء، دون التنكر طوعا أو اضطرارا إلى فرادته القيمية، أي دون الإقدام على نسف ما يمثل، أقله نظريا، أسسه المبدئية أو ما يعتبره أسسا له مبدئية، من تعليق للقوانين أو بعضها، أو استبدالها بأخرى يغلب عليها القسر أو منافية للدستور، ومن تراجع عن الحريات، الفردية أو الجماعية، أو عن بعضها، وتساهل مع الضمانات التي تكفلها أو إلغائها جملة وتفصيلا في أحيان كثيرة. كأنما الأنظمة الديمقراطية لم تفلح في الاهتداء إلى وسائلها الخاصة والملائمة لروحها، في مواجهة حالات الاستثناء، أو ما تعتبره حالات استثناء، فلا تجد بدا من استعارة الوسائل التي تعتمدها وتتوخاها أنظمة الاستبداد، وإن بمقدارٍ وعلى نحو محدود، كمّا أو أمداً.
والأمثلة على ذلك كثيرة. فعندما اعتقدت الولايات المتحدة، زعيمة "العالم الحرّ" إبان الحرب الباردة، أن الشيوعية تتربّص بها في عقر دارها، أطلقت العنان للسيناتور ماكارثي، الذي أرسى نصابا من الرعب، استهدف المثقفين والفنانين في المقام الأول، وقام على الوشاية وعلى محاكمة النوايا والمعتقدات، وعلى تحطيم الأشخاص بتخوينهم ومحاربتهم في رزقهم وفي حياتهم الخاصة. فاستعارت الماكارثية في كل ذلك بعضا من سمات ومن فعال عدوها على الجانب الآخر من "الستار الحديدي". صحيح أن الديمقراطية استدركت في ما بعد ذلك الجموح الاستبدادي فأوقفته وأسفت له وارتدّت عليه بالنقد، لكن ذلك لا ينفي أنها قد أقدمت عليه، على نحو واع كانت فصوله تجري علنا، عندما رأت أو توهمت أنها في مواجهة تهديد من قبيل وجودي.
كما قد تستدرك الولايات المتحدة في مستقبل الأعوام، بالاعتذار وبالنقد الذاتي، انتهاكات من قبيل معتقل غوانتانامو وسجن أبو غريب وسن القوانين المقيدة لحريات مواطنيها والتي تحوّل الوشاية إلى واجب وطني، أو تلك التي تبيح اعتقال مواطنين أو التنصت عليهم أو معاملتهم معاملة المشبوهين فقط لأنهم من ذوي سحنة تميزهم أو من أتباع ديانة بعينها، لكن ذلك لا يلغي أن تلك الدولة الديمقراطية بادرت، بعد الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، بوعي ودون أن يكون ذلك ناتجا عن انقلاب، إلى مواجهة حالة استثناء بوسائل كثيرا ما عابتها على أعدائها من المستبدّين الذين آلت على نفسها تلقينهم أصول الديمقراطية أو إسقاطهم.
ولو دعت الحاجة إلى إيراد المزيد من الأمثلة لأشرنا إلى فرنسا وما اقترفه سياسيوها وعسكرها إبان حرب التحرير الجزائرية في حق من كانوا يُعتبرون "مواطنين في الجزائر الفرنسية"، وليس فقط مقاتلي جبهة التحرير الوطني، فسيموا العذاب واستهدفتهم ممارسات من قبيل إبادي واستقبلتهم معسكرات الاعتقال الجماعي والمحتشدات، وسوى ذلك من الجرائم التي وثّقها الفرنسيون قبل سواهم، واستدركتها الديمقراطيةُ، هي بدورها، بالنقد الذاتي بعد فوات الأوان ومع أنها لم تحل دون حصولها!
صحيح أن الديمقراطيات تمتلك وسائل تصحيح خللها، وأنه لا يُخشى، بالتالي، على بريطانيا من مصير دكتاتوري معتم، أقله ليس الآن وليس جراء إجراءات توني بلير في مكافحة الإرهاب، ولكن ما هو صحيح أيضا أن أنظمة الحكم تلك تنطوي على عاهة فيها بنيوية، على الصعيد الأخلاقي إن لم يكن على صعيد المؤسسات: أن الديمقراطيات لدى التعاطي مع حالات الاستثناء والمواجهات القصوى، حقيقية كانت أم مدعاة، تتشبه بنقيضها الاستبدادي أو تقترب منه، وإن قليلا أو موقتا.
مزية الديمقراطية، في هذا الصدد، أنها لا تدعي كمالا كذلك الذي تزعمه لنفسها أنظمة الاستبداد، ولكن عاهتها، أنها في لحظات ترديها تلك، إنما توفر المسوغات لنقضيها، ذلك الذي لا يتخلف عن تبرير استبداده بحالة استثناء مزمنة يزعم أنه يواجهها، وقد يختلقها إن دعته الحاجة.

10:27 Permalink | Email this