« في ما خص هجاء الفيديرالية السائد | HomePage | كيف أن الديموقراطيات غير محصّنة تجاه الأوضاع الاستثنائية »
20/08/2005
المأزق الفلسطيني مع الانسحاب الإسرائيلي من غزة وبعده
صالح بشير الحياة - 14/08/05
إسرائيل فرغت من ترتيب مسار انسحابها من قطاع غزة, ولا يُتوقع منها أن تتراجع عن انسحابها ذاك أو أن تؤجله حتى إن وفّر لها بعض الفلسطينيين، من خلال عملية مقاومة، ذريعة ذلك، على ما يتخوف ويردد أركان السلطة الوطنية الفلسطينية.
قد تخرج القوات الإسرائيلية من القطاع وهي تقاتل وتبطش وتدمر، إن دعتها حاجتها إلى ذلك، ولكنها ستخرج. لأن الدولة العبرية لم تتخذ قرار الانسحاب على مضض أو نزولا عند إكراهات ميزان قوةٍ استجدّ أو استجابة لضغوط دولية (ناهيك عن تلك العربية) لا قبل لها بمعاندتها، حتى تتلكأ وتسوّف وتثقل الخطوَ، بل أن انسحابها لبنة تأسيسية وحاسمة في استراتيجية انفردت بوضعها وتنفرد بتنفيذها، لاستكمال بناء الدولة، وتعيين مجالها الحيوي، تضم إليها ما ترى ضرورة ضمّه وقد تفاوض على ما تبقى وقد لا تتشجم حتى عناء التفاوض، على ما تدل سابقة مغادرتها لغزة، تلك التي لم تتداول في شأنها مع أحد غير نفسها (باستثناء الإدارة الأميركية ربما)، والتي قد تستوي نموذجا لما ستفعله في المستقبل إن قيض لها أن تتخلى عن بعض جيوبٍ في الضفة الغربية.
استُكملت إذاً ترتيبات الانسحابِ عسكريا وإجرائيا ولوجيستيا وتمويلا (أميركيّا) ولم يبق إلا اجتراح النصاب السياسي الداخلي الذي يأخذ به علما ويحتويه ويعكس تبعاته وها أن ذلك قد تحقق: فقد استقال بنيامين نتيانياهو من منصبه وزيرا للمالية في حكومة أرييل شارون، ووضع نصب عينيه التصدي لقيادة حزب ليكود، يستثمر على رأسها غضب الغاضبين من الانسحاب وتحفظ المتحفظين وتوجس المتوجسين. وهو ما يبدو أنه سيكون يسيرا في متناوله على ما بشّرته نتائج استطلاع للرأي أجري قبل أيام، علما بأن المآل ذاك قد لا يصيب بالضرورة من شارون مقتلاً على ما يذهب إلى القول، كرجل واحد، جمهور المعلقين، طالما أن رئيس الحكومة العبرية انفصل عمليا عن ليكود أو عن تياره الغالب منذ أن أعلن خطة الانسحاب من غزة وتأكد مضيّه فيها، وتدبّر أغلبية برلمانية من آفاق سياسية أخرى، عمّالية أساسا، وقد يُلفق تيارا وسطيا يتولى زعامته، ويكتسب مصداقية «وسطيته» تلك من اصطفاف نتيانياهو على يمينه، يؤطر المعترضين على الانسحاب من غزة ويدرجهم ضمن حزب قائم ومسؤول، ولا يتركهم نهبا لرعونة وتهوّر بعض قادة المستوطنين.
أما الفلسطينيون ففي مأزق، يتعذر عليهم حتى الفرح والاحتفاء بجلاء الاحتلال عن بعض أرضهم على النحو الذي يليق به. فهم يعلمون، حتى من كابر منهم وقال بأن الخروج الإسرائيلي اندحار أثمرته صواريخ القسّام والعمليات الانتحارية، أن الدولة العبرية إنما انسحبت لأمر يخصها وأنها قد تكون أقدمت بذلك على آخر الانسحابات. وأقصى ما يمكنهم أن يطمحوا إليه، في حمأة هذا الانسحاب، الحفاظ على وحدتهم الوطنية بل إعادة اجتراحها، طالما أنها ما عادت، منذ وفاة ياسر عرفات، تلتئم حول «قيادة تاريخية» لا خلاف عليها أو لا خلاف إلا دونها. صحيح أن محمود عباس يجهد في فرض السلطة الوطنية مرجعية وحيدة، تستأثر بالنطق باسم الفلسطينيين وتوحد سلاحهم، لكن مسعاه ذاك شاق، لأنه يتعذر عليه أن يتأسس على نصر صير إلى نيله، وإن بالتفاوض، يمنحه مشروعية. وقد كانت إسرائيل حريصة كل الحرص على حرمان السلطة من «نصر» كذاك يسوّغ نهجها التفاوضي والسلمي، ويستوي أملا يشخص نحوه الفلسطينيون.
بل أن إسرائيل ضنّت على الفلسطينيين حتى بصفة المهزوم، لأن المهزوم يكون، من موقع ضعفه، طرفا في تفاوض، وإن مجحف، وفي عهود واتفاقات وإن جائرة، على ما كانت الحال أيام اتفاقات أوسلو وما أعقبها، وباتت الدولة العبرية، منذ فشل المفاوضات مع حكومة إيهود باراك، ومنذ وصول أرييل شارون إلى رئاسة حكومتها، تجهد في إحالة الفلسطينيين إلى عدمٍ سياسي. ويبدو أنها قد نالت في ذلك قدرا من النجاح كبيرا، مستفيدة من وهن عربي لا حدود له ولا قرار ومن هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) وما نجم عنها، ومن تواطؤ هذه الإدارة الأميركية الذي بزّ كل تواطؤ سابق، لأنه ينبني على تماهٍ إيديولوجي ناجز مكتمل لا يكاد يترك بين الحليفين فجوة.
هي إذاً عودة الصهيونية على بدئها، عندما كانت تتحدث عن «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض»، وعندما كانت تعتبر فلسطين خلاءً، بالمعنى السياسي لا بالمعنى الفيزيائي أو السكاني البحت بطبيعة الحال، ليس لها إلا أن تشغله، أو أن تستكمل تلك العملية، خصوصا وأنه قد سنحت لها فرصة تاريخية لم تتكرر منذ أربعينات القرن الماضي.
بل يمكن القول أن وضعها الآن أفضل مما كان عليه في أية لحظة من لحظات تاريخ المشروع الصهيوني. فهي في ما سبق ووجهت بالمقاومة وانتصبت في وجهها جيوش، كان أداؤها مزريا، منيت بالهزيمة ولم تفلح في دفع شر صهيوني، لكنها كانت موجودة، أما اليوم، فإن إسرائيل طليقة اليد تماما، تفعل ما تشاء، تخطط وتنفذ، تنسحب من حيث تريد وتقتطع وتضمّ ما تريد، تصيغ كيانها المنشود حسب هواها وحسب أولوياتها حصرا، ولا تجد أمامها إلا مقاومة الفلسطينيين، وهذه قادرة على إنجاز البطولات ولكنها ليست قادرة، في الأوضاع الراهنة للمنطقة، على إنجاز ما هو أكثر من ذلك. مقاومتهم، بقوة الأشياء وإكراهاتها، فعل شهادة وتذكير وصرخة في مواجهة الفناء السياسي، أكثر منها فعل شاخص نحو استراتيجية قيد التحقيق.
فالمنطقة موات، جثة يعمل فيها المبضع الإسرائيلي كما يشاء، قادتها عاجزون حتى عن عقد قمّة لم يجبرهم أحد على الدعوة إليها. منطقة بلغ من مواتها أن لم تبق لها من «مقاومة» ومن لغة تخاطب بها العالم وهاضمي حقوقها غير الإرهاب...
وعاشت «نخب» العرب وعاش «مفكروهم»!
10:22 Permalink | Comments (0) | Email this



The comments are closed.