« علامَ يختلف الفلسطينيون؟ | HomePage | في ما خص هجاء الفيديرالية السائد »

13/08/2005

الكفاحات المسلحة تتنصّل من سلاحها

المستقبل - الاحد 7 آب 2005 - العدد 2001 - نوافذ - صفحة 10

 

 

صالح بشير

 

أما وقد قرر الجيش الجمهوري الإيرلندي نبذ الكفاح المسلح، ذاك الذي كان في الغالب، وربما بقوّة الأشياء وبإكراهٍ منها، يكاد ينحصر في الإرهاب، وأعلن الجيش قراره ذاك وأشهد عليه الملأ العالمي، فلم يبق للإرهاب من أنصار في أوروبا الغربية غير حركة "إيتا" الباسكية الإسبانية، تتوخاه "طريقا ملكية" لنيل ما تحسبه تحررا. وإذا ما حذت هذه الأخيرة حذو النظير الإيرلندي، في مستقبل قد يكون قريبا وغير مستبعد، فقد يُستكمل بذلك الافتراقُ بين غربٍ يتحلل من الإرهاب وبين شرق يُقبل عليه، بين أوروبا "سياسية مدنية" وبين عالم إسلامي عنيف، ويُضاف عنصر يعزز عناصر التمايز بين "جوهر" مزعوم وآخر مُدّعى لا يتداخلان ولا يتشابهان.
قد لا يكون وراء القرار ذاك قصد وتعمد من هذا القبيل، ولكنه منطق الأمور والذهنيات في هذه الحقبة يدفع دفعا في ذلك الاتجاه ويُعلي من شأن مثل تلك الفوارق ويمحضها وظيفة السمات الفارقة، وقد يفتعلها افتعالا إن أعوزته ماثلةً مُعطاة. لذلك قد يتخذ قرار الجيش الجمهوري الإيرلندي، من بين ما يتخذ، لا فقط صفة التنصل من استراتيجية ومن وسائل نضالية ثبت بطلانها أو انتفت جدواها، بل قد يرمي كذلك إلى تأكيد الانتماء إلى ثقافة بعينها، بات الموقف من الإرهاب، رفضا واستنكارا، من محدداتها، أقله في حسبانها وفي حسبان أبنائها، كما يرمي إلى دفع شبهة التماثل مع ثقافة أخرى بعينها، يُحسب العنف فيها جبلّة وطبيعة. قد لا يستند مثل هذا التقسيم إلى أسس موضوعية، أو أن مثل تلك الأسس هشة بالغة الهشاشة، لكنه امتلك أو هو بصدد امتلاك صلابة الأيديولوجيا، وهذه تفي وتكفي. لذلك، قد لا يكون عديم الدلالة أن يعلن الجيش الجمهوري الإيرلندي تخليه عن "الكفاح المسلّح" في أعقاب تفجيرات لندن "الجهادية".
وفي ذلك ما قد يعني أن العنف النضالي، مطلق العنف النضالي، برره الدين أو اعتمد أي تسويغ آخر، ما عاد يُنظر إليه في ذاته، كوسيلة "حيادية" شأن كل آلة، لا معيار يصحّ في محاكمتها إلا معيار الجدوى، أو هي تثير سجالات أخلاقية إنسانية عامة، بمعنى شمولها كل فئة أو حضارة، بل هو بصدد اكتساب "هوية" ثقافية, يُراد لها أن تكون حصرية، ولذلك لم يرَ الجيش الجمهوري الإيرلندي غضاضة في التضحية به، والتخلي عنه لذلك "الآخر" بامتياز، ممثلا في نظره، وفي نظر الغرب قاطبة، في "جهاديي" تفجيرات لندن.
غير أنه يكون من باب القسر والإجحاف النظر إلى قرار الجيش الإيرلندي حصرا من هذه الزاوية وإعادته إلى هذا التعليل بمفرده. إذ أن القرار ذاك يُفصح عن أمر آخر بالغ الأهمية، هو مدى التلويث الذي ألحقه الإرهاب بكل عنف سياسي، خصوصا إن كان من سوية نضالية، بحيث بات خلاص حركات التحرر، أو بعضها الناضج أو الذي لم يبلغ درجة اليأس المطبق وانسداد الآفاق، يتمثل في إعلان البراءة منه وفي استبعاده. في ما مضى كان اللجوء إلى العنف وسيلة حركات التحرر في أن تتأهل سياسيا وأن تفرض نفسها طرفا في نزاع من النزاعات ولحفظ موقع لها في حله، في حين أنه بات الآن من أسباب وصمها أخلاقيا وبالتالي نزع كل تأهيل أو صفة سياسية عنها وإدراجها في خانة الإجرام الخالص. قد يكون ذلك ظلما في حق المقاومات المشروعة، أحسن خصومها استغلاله ضدها، على نحو مغرض غير نزيه يتوخى التعميم، ولكنه واقع الحال الناجم عن اعتداءات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) وما أعقبها من جرائم من طينتها، أي عن استشراء ذلك النوع المعلوم من الإرهاب.
الجيش الجمهوري الإيرلندي لم يتخل عن الكفاح المسلح لأن الكفاح ذاك استنفد أغراضه وأدى إلى الهدف المنشود. فإيرلندا لا تزال حالة استعمارية شاذة، إن لوقوعها، مثالا من نوعه فريدا، في غرب أوروبا وإن لتخلفها عن موجة تحرر وطني كانت استُكملت في سائر أصقاع الأرض (عدا الاستثناء الفلسطيني) منذ عقود. وللاستعمار ذاك، في شمال الجزيرة، طبيعة استيطانية، خطوط تماسّها بالغة التفجّر لأنها دينية (كاثوليك وبروتستانت) لن يكون من اليسير تذليلها، هذا ناهيك عن تعذر استعادة وحدة إيرلندا، في أمد منظور، إلا ضمن أفق اتحادي أوروبي، لا يزال بعيدا، ولا تزال بريطانيا أحد عوامل عرقلته. ومع كل ذلك، لم يجد الجيش الجمهوري الإيرلندي بدا من الاكتفاء بالمراهنة على الوسائل السياسية مراهنة غير مضمونة (للأسباب الآنف ذكرها)، ومن إعلان التخلي عن الكفاح المسلح، لأن هذا الأخير بات في هذا الزمن رديف الإرهاب وصنوه. ذلك الإرهاب الذي لم يستنكف الجيش المذكور، طيلة ماضيه المديد، عن ارتكابه، وإن درج غالبا على التنبيه مسبقا إلى مواقع الانفجارات، حفظا لأرواح المدنيين الأبرياء. ذلك أن تهمة الإرهاب باتت لا تُطاق. أضحت مقتلَ حركات التحرر وأضحى التخلص منها هدفا يسبق سائر الأهداف ويتصدرها.
ذلك ما جناه إرهاب "القاعدة" على كل عنف سياسي، حتى ما قد يكون منه مشروعا. ولنا في "المقاومة العراقية"، وملابسة الإرهاب الزرقاوي لها ملابسة لا فكاك لها منها، دليل على ذلك، وإن كان على النقيض من ذلك الإيرلندي.
وأنكى ما في الأمر أن الإرهاب الراهن لم يفعل غير تبني إحدى السمات الأساسية للحروب الحديثة، والدفع بها إلى مداها الأقصى واعتمادها حصريا: فالحروب الحديثة تلك هي التي اخترعت الزج بالمدنيين في النزاعات، واتخذتهم لها وقودا، ومحت الفوارق بين المجالات العسكرية وتلك المدنية، واجترحت ما يُسمى بـ"الحرب الشاملة"، على ما تشهد وقائع كثيرة معلومة منذ الحرب العالمية الأولى، مرورا بقنبلتي هيروشيما وناغازاكي. وبذلك يكون الإرهابيون قد حاكوا تلك الحروب الحديثة ونسجوا على منوالها، بأن جعلوا استهداف المدنيين أداة قتالهم المثلى، والوحيدة في أحيان كثيرة، ومنحوه وظيفة ثأرية، على ما يتردد من حجج تضع "قتلانا" مقابل "قتلاهم" وتوازي بين إرهاب المجموعات وإرهاب الدول، وتعتبر ذاك ردا على هذا.
غير أن آفة المنطق هذا، أنه يحرم المقاوم، وهو تعريفا ضعيف بالمقاييس المادية، من عنصر قوته الوحيد: تفوقه الأخلاقي، فيتدنى به إلى سوية الإرهابي... وذلك ما فهمه الجيش الجمهوري الإيرلندي، وإن أبطأ وتأخر، وما أخفق في إدراكه سواه.

17:46 Permalink | Email this