« مجزرة لندن وما قد يلي: هنا وهناك وهنالك | HomePage | علامَ يختلف الفلسطينيون؟ »
13/08/2005
الإرهاب ممسكاً بزمام المبادرة وناطقاً باسمنا
المستقبل - الاحد 24 تموز 2005 - العدد 1987 - نوافذ - صفحة 10
| ||||||
صالح بشير
نحن مقبلون على عدم!
ليس أدل على ذلك ولا أفصح من هذا الارهاب واستشرائه، وانفراده بالمبادرة يرسم صورتنا ويستحوذ على قضايانا، تلك التي درجنا على وصفها بـ"المصيرية"، وعلى مطالبنا، تلك التي نعدّها عادلة لا يرقى الشك الى عدالتها.
صحيح أن منطقتنا لم تخترع الارهاب، سبقها الى ذلك الكثيرون، حتى في زمننا الحديث هذا ودون العودة الى سحيق العصور. بما في ذلك الارهاب ذو الصبغة الكونية، مدى وتبعات. جريمة اغتيال سياسي كانت ذريعة الحرب العالمية الأولى، في حين نشر الفوضويون الدمار، اغتيالاً أعمى ونسفاً لا يميّز، في جميع أنحاء المعمورة، من أوروبا الى الولايات المتحدة، بين أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، فقتلوا رؤساء فرنسيين وفجروا مرافق ومنشآت، وحوربوا حرباً لا هوادة فيها، شابها بعض ظلم أو لظختها أحياناً شبهة الاجحاف، كما كان من قصة المهاجرين الايطاليين ساكو وفينتستي، وهي معلومة مشهورة. هذا ناهيك عن إرهاب سبعينات القرن الماضي، من "ألوية حمراء" و"جيش أحمر ياباني" و"عصابة بادر ـ ماينهوف" وسواها. وهكذا، لم يضف إرهابيو القاعدة، ومن ينسجون على منوالهم، الى صنيع أسلافهم جديداً غير ذلك الذي تتيحه أيامنا هذه من يسر التنقل والتواصل ومن إمكانات تكنولوجية.
ولكن لم يسبق لارهاب أن تحوّل الى رديف لأمة وعنواناً لقضية شأن هذا الاسلاموي أو الزاعم إسلاماً. كل ارهاب سبقه بقي هامشياً، يتطفل على حركات التحرر وعلى التوجهات الثورية ولا يفلح، في الغالب، في النفاذ الى متنها، فظل شواذاً في مسارها ونتوءاً مرضياً. الثوار الفييتناميون تجنبوا الارهاب ونبذوه بالرغم من أن القوات الأميركية لم تتردد في توخي وسائل الابادة وإن لم تقصدها. أما جبهة التحرير الجزائرية، فقد انجرّت إليه، طيلة سنة ونصف السنة تقريباً، إبان ما عرف بـ"معركة الجزائر العاصمة"، لكنها ما لبثت أن تخلت عنه (مع أنه استهدف المستوطنين ولم ينتقل الى الأراضي الفرنسية ولم ينل من مدنييها)، واعتبرته خطأ ما كان يجب أن يحصل، دفعت ثمنه باهظاً عسكرياً وسياسياً.
صحيح أن ارهابنا الراهن هامشي، من الناحية العددية، هو بدوره، أقله لأن "نخبة الموت" لا يمكنها إلا أن تكون ضيقة حكماً ولزاماً، وصحيح أنه وإن نال حظوة لدى الجموع والرأي العام، أو ما يقوم مقام هذا الأخير في بلداننا، إبان عدوان الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001، إلا أنه يشهد حالياً ما يشبه النفور منه، أو التحفظ حياله على الأقل، على ما دلت موجة التنديد الوسع في العالم الاسلامي، حيال تفجيرات لندن، وإن صدقنا ما كشف عنه استقصاء للرأي، أجري في بلدان اسلامية عدة ونشرت نتائجه مؤخراً.
ولكن الارهاب ذاك يختلف عن كل ارهاب، سبقه أو يعاصره، في أنه استحوذ على زمام المبادرة، ناطقاً باسم قضايا أو مطالب، ذائداً عنها أو زاعماً الذود عنها. وهو يكاد يكون الفاعل السياسي الوحيد على صعيد المنطقة، شرقاً أوسط أو "شراً أوسط أكبر"، يمتد من موريتانيا الى باكستان، كما يقول جورج بوش. تلك هي الحقيقة الموضوعية، كرهنا أم أحببنا. فالارهاب لم يكتف بـ"باختطاف الاسلام"، حسب تعبير شائع، ولم يقنع بالاستيلاء على وظيفته الاعتراضية، رافعة للهوية في زمن استعار الهويات، بل انه احتل فضاءنا العام، والصورة التي يرانا بها العالم. خذ مثلاً مواجهة قوات الاحتلال في بلاد الرافدين. هل توجد مقاومة عراقية، أجندتها وطنية، أو حتى طائفية، ولا تندرج في صراع الى "يوم الدين" ضد "الصليبيين واليهود"؟ بالتأكيد، أو أن الأمر ذاك مرجح بقوة، ولكن فقط على سبيل التخمين أو الاستقراء، بل ربما من باب الأمنيات نحسبها وقائع. إذ أننا لا نكاد نلحظ لمثل تلك المقاومة أثراً، فهي بكماء سياسياً، لا تخاطب مواطنيها ولا العالم، ولا أحد يعلم لها هوية أو استراتيجية. وحتى عندما بادرت مجموعتان من مجموعاتها الى تعيين ناطق رسمي بلسانها، لم يظهر الناطق العتيد ذاك إلا كي يعلن عن تعيينه، ثم اختفى. أما الزرقاوي فهو من يحتل الواجهة ويستأثر بها. يفخخ ويقتل على امتداد العراق، ويعلن ويتبنى. يصدر البيانات والرسائل ويساجل من يخالفونه الرأي. حاضراً طاغي الحضور... والأمر ليس مجرد خدعة اعلامية، ناجمة عن رغبة الولايات المتحدة في إظهار أنها لا تواجه في العراق سوى إرهابيين، ولكنه واقع الحال: المقاومة هي الهامش في العراق، والارهاب هو المتن، وتلك من خاصيات العرب، أقله في زمنهم هذا، ومن ميزاتهم الفارقة، دون سواهم. وتلك الاستقالة وذلك الخمول أوسع مجالاً من ذلك وأبعد مدى، بحيث لا يمثل العراق غير وجههما الأقصى والفاضح، في حين أنهما سمة فارقة تتوزع على العرب بالعدل والقسطاس: أنظمة حكم فشلت فشلاً ذريعاً شاملاً ولا تعد بما هو أفضل. معارضات عاجزة لا تمتلك برامج ولا استراتيجيات (غير التعويل على ضغط الخارج) ولاصدى بين "مواطنيها"، لا تتستر على عجزها إلا بما تتعرض له من قمع وتضييق من قبل أنظمة غبية، بحيث تتوجس الانتخابات "الشفافة والنزيهة"، التي ستكون فاضحتها لا محالة، بقدر ما تتباكى على فقدانها. و"نخب" ثقافية هي الأسوأ، ضحالة وإسفافاً أخلاقياً على صعيد الكون بأسره.
لذلك، فإن الفاعل الوحيد في فضائنا العام إنما هو الارهاب والارهابيون، أو ذلك كل ما يراه العالم منا، وبذلك، استحوذ القتلة على تمثيلنا عنوة وغصباً عنا. صحيح أن لتعسف الغرب، ولأخذه بنظرة جوهرانية حيالنا، ترى ما يرتكبه الارهابيون صادراً عن صلب ثقافة وديانة، يمثل العنف لبهما وتناصبان الانسان وحقوقه عداء الغرب ذاك لم ير، أو ما عاد يرى، مبادراً بيننا إلا أهل الارهاب وأوساطه. ولكن المبادرة تلك عدمية، وهي بذلك متواطئة، من حيث تدري أو لا تدري، مع الموات العام التي تزعم دفعه والوقوف في وجهه، أو هي بعض أجلى تعبيراته. لذلك، نحن مقبلون على عدم، نسير نحوه حثيثاً.
17:39 Permalink | Email this



