« 2005-06 | HomePage | 2005-08 »
22/07/2005
مجزرة لندن وما قد يلي: هنا وهناك وهنالك
صالح بشير الحياة - 17/07/05//
حتى بعض أصحاب اليقين الراسخ بأن «الأمة» تواجهها، في العراق وفي فلسطين وفي الشيشان وسواها، «حرب صليبية»، تستهدفها جوهراً دينياً وكياناً وجودياً، لا وازع لها في مصالح ونُصب لاسترايتجية يراد لها أن تقوم، وما إلى ذلك من اعتبارت أرضية أو دنيوية، استنكروا تفجيرات لندن، معتبرين أن الحرب تلك لا يجب أن تُخاض في المدن الغربية ولا أن تنال غدراً من مرافقها العامة، مودية بالأبرياء من ساكنيها ومواطنيها، بل ينبغي ان تخاض في ساحات الوغى حيث «الصليبيون» قوة احتلال.
قد لا يكون «التحليل» هذا صائباً، مرتكزات ومقدمات وحيثيات واستخلاصات، لكن أهم ما فيه أنه يتبرأ من الإرهاب ويدحضه، ليندرج في تيار واسع داخل العالم العربي والإسلامي، أو هكذا يبدو، جاهر بالاستنكار حيال تفجيرات العاصمة البريطانية، ولم يتوسل لها المسوغات، الشرعية أو السياسية، ولا أبدى حيالها تفهماً ولا التمس لها ظروف التخفيف. ذلك على الأقل على صعيد المواقف المعلنة، التي يتوجب الإكتفاء بها وإلا آل بنا الأمر إلى محاكمة النيات. وهذا على صعيد «النخب»، أو ما يقوم مقامها في بلداننا، أما على الصعيد الشعبي، فإن تفجيرات لندن لم تقابل بالحفاوة والحماس اللذين كانا من نصيب نظيرتها في الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، أو حتى نظيرتها في مدريد قبل عام ونيّف، وهو ما قد لا يعود فقط إلى ما اتسمت به جرائم أيلول من مشهدية فائقة، ولا إلى ما يُزعم لجرائم العاصمة الإسبانية من مكاسب سياسية أثمرتها، وتمثلت في هزيمة رئيس الحكومة اليمينية خوسيه ماريا أثنار وفوز الاشتراكي خوسيه رودريغيز ثاباتيرو الذي بادر إلى سحب قوات بلاده من العراق.
هكذا، وإذا لم يكن المرء مخطئاً أو مسرفاً في التفاؤل، هناك إذاً ما يشبه الانفضاض من حول الإرهاب ودعاته ومقترفيه، أو أكثر تجليات ذلك الإرهاب غلوّاً وإجراماً، إما بدافع مبدئي وقيمي (في القليل النادر والحق يُقال) وإما توجساً من تبعاته، خصوصاً على الجاليات المقيمة في بلاد الغرب، وإما لأن عقمه، بل مفعوله المضاد، ما انفكا يتبديان على نحو أوضح وأجلى، منذ «غزوة نيويورك المباركة»، وما أعقبها من احتلال لأفغانستان والعراق، ومن استفراد آرييل شارون بالفلسطينيين يعمل فيهم بطشاً وقهراً، بعد أن نجح (بمساعدةٍ غير إرادية من بعضهم) في إدراج حربه ضدهم في «الحملة الكونية ضد الإرهاب».
كأنما الإرهاب بدأ مسار عزلة داخل العالم العربي، فما عاد مستنكروه والمنددون به ينحصرون في فئات المتعقلين أو العلمانيين والتحديثيين الذين كثيراً ما يشار إليهم في بلداننا ببنان الشبهة أو التكفير. ذلك ما تشهد به «الساحة العراقية»، بحيث تسعى المجموعات الإرهابية، كتلك التي يتزعمها أبو مصعب الزرقاوي، إلى انتحال شرعيتها، وجوداً وأفعالاً، من مقاومة الاحتلال، والتي سجلت خلال الآونة الأخيرة بعض تطورات لافتة وذات دلالة، من إقدام بعض الحركات القتالية المناهضة للاحتلال إلى تعيين ناطق بلسانها، تكتسب من خلاله وجهاً سياسياً، يميزها عن الإرهاب إذ لا يحصر نشاطها في أعمال التفجير وما إليها. كما أن الخطوة تلك مثلت استجابة لما عبرت عنه الولايات المتحدة، عبر دونالد رامسفيلد، وزيرها للدفاع وأحد أعتى صقور إدارتها، من استعداد للتفاوض مع الفئات العراقية التي تواجهها بالسلاح أو مع بعضها. بل إننا نرى رجلاً مثل أبي محمد المقدسي، يُعدّ من منظري «السلفية الجهادية» وشيخ الزرقاوي، يوجه رسالة إلى تلميذه السابق، ينهاه فيها عن استهداف المدنيين وعن تكفير الشيعة والمبادرة إلى قتالهم، وما إلى ذلك من مظاهر تطرفه وغلوّه الهاذيين.
أمر آخر ربما كان له بعض الأثر في ما نفترضه من طوق عزلة بدأ يُضرب حول الإرهاب والإرهابيين، هو ما أبدته واشنطن، ودول أوروبا الغربية، من رغبة في محاورة الحركات الإسلامية وفي تمييز معتدلها عن متطرفها. وهو ما جعل أوساطاً واسعة من تلك الحركات، كان بعضها في ما مضى يتواطأ مع المتطرفين بالصمت أو بالتعاطف الضمني أو لا يجرؤ على انتقادهم، ترى، وقد بات الاعتراف بها دانياً في المتناول، أنه آن أوان التبرؤ من الإرهاب والنأي عنه. وهو أمر، إذا ما تأكد، قد يستوي ثورة في الذهنية، وخروجاً عن مألوف درجت عليه منطقتنا طويلاً، يمكّن المتطرفين من إملاء أجندتهم على الجميع، يُسكتون كل اعتراض بدعوى تصديهم للمقاومة، وهذه تنحصر في أعمالها دون أن تعبأ بعواقب تلك الأعمال.
وإذا ما صح الافتراض الآنف الذكر، فإنه مما يستوجب ملاحظته والوقوف عليه أولاً، ثم تشجيعه والعمل على ترسيخه، سواء بيننا أو في الغرب، وعدم التصرف وكأن شيئاً لم يحصل، وكأن تغييراً أو بوادر تغيير لم تتحقق، لأن دون ذلك مغبة إسباغ تمثيلية على الإرهابيين لا يستحقونها وليسوا أهلاً لها، على ما انزلق توني بلير وأخطأ عندما بادر، في تصريح بُعيد تفجيرات لندن، إلى القول بأن مقترفيها فعلوا ما فعلوه باسم الإسلام، قبل أن يستدرك، في ما يشبه الاعتذار، بعد أيام من ذلك، وقد شهد استفحال الاعتداءات العنصرية في بلاده ضد الجالية المسلمة ودور عبادتها.
هكذا، وللمرة الأولى منذ الحادي عشر من أيلول، ربما أمكن الحؤول دون تمكين الإرهاب، الإسلامي أو مدّعي الإسلام، من أن يكون وقود حرب حضارات شاملة جارفة لا تبقي ولا تذر. هذا بطبيعة الحال إن توافرت النية، فلم يمتنع عن ذلك بلد بعينه، جعل من «الحرب على الإرهاب» ذريعة هيمنته على العالم، وما لم يكن رفضنا للإرهاب قِطاعياً انتقائياً، ننبذه في لندن لاعتبارات معينة، خوفاً على مستقبل الإسلام والمسلمين في بريطانيا مثلاً، ونسكت عنه في مدن أخرى، وما لم تستمر «نخب» معينة بيننا، مقيمة أو مهاجرة، في النفخ في بعبع التطرف ونسبته إلى مجتمعاتها، وسيلة لنيل الحظوة لدى مركز الإمبراطورية في ما وراء المحيط.
08:07 Permalink | Comments (0) | Email this
مجزرتان ينبغي استخلاص الدروس من إحداهما!
صالح بشير
المستقبل - الاحد 17 تموز 2005 - العدد 1980 - نوافذ - صفحة 10
بلغ من فظاعة تفجيرات لندن، إن توقفنا عند ردود الفعل عليها، أن جبّت، في مضمارها الإجرامي، الكثير مما سبقها، وربما ما أعقبها وما سيعقبها في مستقبل الأيام، إن صحّ وجاز مثل ذلك الجبّ المستقبلي!
فقد تفوق الإرهابيون على أنفسهم بعيد عمليات لندن (مبرهنين على أن التفوق ذاك في متناولهم وفي مستطاعهم دوما واضطرادا)، حتى في العراق الذي شهد من ارتكاباتهم أشنعها وأقصاها، حتى خيّل إلينا أنهم استنفدوا الفظاعة واستوفوها، وما عادوا قادرين إلا على تكرارها تكرارا رتيبا مضجرا، أقله في نظر من تبلد لديه كل إحساس، فاقترفوا في بغداد، يوم الأربعاء الماضي، ما عُرف بـ"مجزرة الأطفال"، إذ انفجرت سيارة مفخخة، يقودها انتحاري، بين جمع من الصبيان، تتراوح أعمارهم بين العشرة والخمسة عشر عاما، كانوا يتحلقون حول جنود أميركان، يلاعبونهم ويوزعون عليهم ما تيسر من اللعب والحلويات.
ثلاثون طفلا عراقيا قضوا وتشظت أجسادهم الغضة إربا مقابل النيل من جندي أميركي واحد!. تلك هي حسابات الربح والخسارة كما يراها "العقل" الإرهابي، إن كان للإرهاب عقل. أو أن الأطفال أولئك أقدموا على "التطبيع" مع قوات الاحتلال، واستحقوا القصاص تقتيلا وعبرة لمن يعتبر. لو كان بالإمكان مجادلة الإرهابيين والنفاذ إلى عقولهم بالحجة، لقيل لهم أن تسليط العقوبة (إن سلمنا بأحقية الإرهابين في تسليطها) يفترض، حسب الشرع الذي يزعمون الأخذ به حرفيا، الرشد والعقل، وأنه لا حرج ولا وزر على مجنون أو طفل (ذلك الذي تسميه العاميّة العراقية، لحكمة فيها عميقة، ("جاهلا")، غير أن مثل تلك المحاججة لن تجدي نفعا، وهي على أية حال ليست موضوعنا هنا.
ما يهمنا أن تفجيرات لندن جبّت، على نحو مسبق، مجزرة أطفال بغداد، مع أنه لا تراتب ولا مفاضلة بين الضحايا، ولو سلمنا جدلا بوجود مثل ذلك التراتب ومثل تلك المفاضلة، لرجحت كفتهما إلى صالح الأطفال العراقيين. ولكن ذلك لم يحدث، مجزرة الأطفال مرت خبرا عابرا بين أخبار العنف المستشري في العراق، تفصيلا لا يستوقف إلا لحظة إعلانه ونشره على الملأ، أما تفجيرات لندن، فاستمرت، أياما بعد اقترافها، تستأثر بالاستنكار والإدانة والجدل والتحليل وشتى ردود الفعل.
والتفاوت ذاك ربما عاد إلى ما هو أنكى من مجرد العمل بـ"مبدأ" الكيل بمكيالين، وهو كما هو معلوم موضوع شكوى ونحيب عربيين مريرين مقيمين. بل إن التفاوت ذاك ربما أفصح عن تواطؤ، استقر في غفلة من الجميع ومن كل حس نقدي، مع الإرهابيين في النظر إلى ذلك الضرب من العنف، وخطير بالغ الخطورة مع ذلك أو بسبب ذلك، مفاده أن الجرائم ما عادت تُقوّم من حيث فداحتها كجرائم ضد الإنسانية، بل أساسا وربما حصرا، من حيث دلالاتها الأمنية والسياسية والاستراتيجية وما إلى ذلك. ومن زاوية النظر هذه، تكون مجزرة أطفال بغداد مجرد تفصيل في وضع عراقي يتسم باستشراء العنف، لا تعبر عن جديد ولا تفصح عما لا نعلمه أصلا، واستحقت تاليا ذلك التناول العابر الذي كان من نصيبها، في حين أن تفجيرات لندن، ثرية بالدلالات أو بالتساؤلات، حول قدرة تنظيم "القاعدة"، أو بعض فروعه، على توجيه الضربات في عقر دار الغرب، وحول مدى حضور جماعات العنف بين أوساط الجاليات المسلمة في أوروبا الغربية، وحول قدرة تلك الجاليات على الاندماج في مجتمعاتها الجديدة والأخذ بنمط حياتها وقوانينها وقيمها، وحول الأثر المحتمل لتلك التفجيرات على انخراط الحكومة البريطانية في الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة في بلاد الرافدين. وفي الحالتين، وسواء تعلق الأمر بتفجيرات لندن أو بمجزرة الأطفال في بغداد، لم يكد يُعبأ بضحايا تلك الجرائم في ذاتهم، بل نُظر إليهم كـ"مفردات" في خطاب دام، تُسبغ عليها، أو لا تُسبغ، دلالات.
وفي ذلك ما قد يفيد بأن منطق الإرهابيين، الذي يتوسل جثث الأبرياء، لغاية ينشدها أو لأمر يريد التعبير عنه، ربما أصاب بعدواه سواه، وخصوصا من يزعمون بأنهم نقيضه الناجز، ويحاربونه على الأساس ذاك.
ثم إن جرائم الارهاب تلك، وخصوصا تفاوت ردود الفعل عليها استفظاعا أكثر وأقل، ربما كانت مؤشرا على استحكام النظرة الجوهرانية، المواكبة والملازمة لصحوة الهويات منذ نهاية الحرب الباردة، في التعاطي مع الذات ومع الآخر. وحسب هذه النظرة الجوهرانية، يكون الإرهاب في العراق جزءا أو وجها من طبيعة الأشياء، لا يبلغ مبلغ الاستثناء حتى وإن تمثل في جريمة بفظاعة مجرزة أطفال بغداد، ولكنه يصبح كذلك، أي بلغ مبلغ الاستثناء الذي يجافي سوية سليمة، إذا ما تعلق الأمر بتفجيرات لندن. والفارق بين الأمرين لا يعني طبيعة تلك الجرائم وهوية ضحاياها أو من تستهدفهم وتنال منهم، بقدر ما يعني مكان اقترافها، والمكان ذاك ليس جغرافيّا بقدر ما هو حضاري وثقافي وقيمي.
لذلك، سرعان ما يُصار إلى الاستجارة بنظرية "صدام الحضارات") وهذه، مثلها في ذلك مثل كل النظريات والأفكار الخاطئة، عصية عنيدة)، ما إن تجدّ جريمة إرهابية في بلاد الغرب كتلك التي شهدتها. فإذا كل فعلة كتلك طور أو فصل في صراع وجود، في نزاع نفيٍ متبادل بين "نحن" جامعة و"هم" مانعة. توني بلير نفسه، مع أنه سارع إلى تبرئة غالبية مسلمي بريطانيا وسوادهم الأعظم، بادر إلى إدراج مرتكبي تلك الجريمة في ثقافة تناقض جوهريا "قيمنا ونمط حياتنا" ، تماما كما فعل الرئيس جورج بوش, وحتى الكاردينال سودانو، وزير خارجية الفاتيكان، قبل أن يصوبه البابا بينيديكتوس السادس عشر.
وبذلك، يصار إلى إسباغ صفة التمثيل على مجموعات إرهابية شاذة، تُحسب هي المعبرة عن جوهر ثقافة بعينها أو عقيدة دينية، حتى وإن انحصرت في حفنة من الشبان من بعض ضواحي إحدى المدن البريطانية، في حين لا يكاد يُعبأ باستنكار الأغلبية المسلمة، أفرادا كانت أم مؤسسات، إلا من باب تجنيده في الحرب ضد الإرهاب. أما الإسلام في ذاته، فقد افتُعل له جوهر فريد، عُدّ إرهابيو القاعدة تعبيره الأجلى وربما الحصري. وهذا أيضا من أوجه الخضوع إلى منطق الإرهابيين والتسليم به.
وإذا كان الإرهاب قد تمكن من فرض منطقه على أعدائه على نحو ما أسلفنا، ففي ذلك ما قد يدل على ان الحرب ضده قد مُنيت بالفشل.
08:03 Permalink | Comments (0) | Email this
قصة أيمن أبو صبح الذي أصبح من محتلّي بلده
صالح بشير
المستقبل - الاحد 10 تموز 2005 - العدد 1973 - نوافذ - صفحة 10
قصة أيمن أبو صبح، الشاب الفلسطيني الذي أضحى أمنون يتسحاق ـ شاتحر، لم توردها وسائل إعلامنا الرصينة، لاعتقادها ربما أن إيراد خبر عن حاكم عربي عقد ندوة تبحث في "فضاءات (بمعنى الخواء الصفصف؟) الإبداع والحرية" في "نصوصه" (قصصه ورواياته المنشورة) أو ما شابه ذلك من ظواهر إسفافنا الوفيرة، عين الرصانة، أو ربما كان حافزَ ذلك الإحجام التستر على فعلة معيبة، على ما هو ديدن عقليتنا التي درجت على اعتبار الوقائع، متى أحرجت وأخجلت، عاراً مآله الإغفال والكتمان.
يعسر على عقلية كتلك إدراك ما تتعذّر ترجمته الى شعار رنّان والتعبير عنه بواسطته، أي النفاذ، في حالتنا هذه، الى التراجيديا الكامنة وراء "الخيانة" التي اقترفها الشاب أيمن أبو صبح، إذ اعتنق اليهودية وتحوّل إسرائيلياً وطلب الانضمام الى جيش الدولة العبرية، بل والخدمة، في صفوفه، في الأراضي الفلسطينية تحديداً! على ما قال ذلك الشاب الذي بات يُدعى "أمنون"، فاختار اسماً قريب الجرس من اسمه "الأصلي"، أو ذلك الذي كان بعض هويته الموروثة... اسماً يستعيد كامل أحرف اسمه الأصلي وربما معناه، إمعاناً في جبّه لأن أبلغ الإلغاء وأقصاه وأكثره إحكاماً وإبراماً إنما هو إلغاء الأصل بالشبيه لا بالمغاير. ذلك أن أيمن ـ أمنون لم يتنكر لهويته الأصلية، أو تلك المُعطاة بفعل الولادة والتنشئة، بل انقلب عليها أو قلبها الى ضدها الناجز. والفارق بين الأمرين هائل وإن بدا دقيقاً. فأيمن الذي أضحى أمنون، هو ليس فقط المسلم الذي اعتنق اليهودية، بل هو تحديداً وتخصيصاً الفلسطيني الذي بات إسرائيلياً، وضحية الاحتلال الذي يطمح، بانخراطه في الجيش الإسرائيلي، في أن يصبح جزءاً فاعلاً في عداد الاحتلال وفي آلته وفي قوته. وبما أن الاحتلال هو جوهر العلاقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فإن أيمن ـ أمنون اختار أن يقلب موقعه في تلك العلاقة من النقيض الى النقيض، رأساً على عقب. تماهي الضحية بالجلاد، نزوعاً الى التشبّه أو اجتراء على الخيانة، ليس بالأمر الجديد، بل هو قديم قدم الجنس البشري، ضارب في سحيق علاقات الغلبة والسيطرة والإكراه. ولكن أيمن ـ أمنون ذهب في ذلك الشأو الأبعد، إذ اتخذ العدو (السابق) ذاتاً وهوية. شأنه في ذلك ليس شأن سائر "العملاء والخونة" المعتادين، من عرب يعملون في صفوف الجيش الإسرائيلي أو من وشاة جندتهم، ضد ذويهم وبني جلدتهم، الموساد وسواها من أجهزة الاستخبارات، إذ لا يعدو أولئك أن يكونوا من بعض أوجه الخضوع الى الاحتلال ومن بعض منطق ذلك الخضوع، في أكثر تجلياته شيناً وازراءً، في حين أن أيمن ـ أمنون بات محتلا!
ومثل ذلك التحول قد لا تفي به، تفسيراً وتعليلاً، السيرة الذاتية لذلك الشاب، كما روى أطوارها لإحدى الصحف الإسرائيلية. فهو تحدث عن إعجابه بطريقة الحياة الإسرائيلية، منذ أن كان طفلاً يصاحب والده الى العمل داخل الدولة العبرية. كما أنه تحدث عن اعتقال وتعذيب قال أنه تعرّض لهما على أيدي بعض أجهزة الأمن الفلسطينية، لشبهة العمالة أو تعدياً وتجاوزاً، وعن أسرة إسرائيلية تبنته "روحياً" إن لم يكن قانونياً، وساعدته على اعتناق اليهودية. ليس في هذه السيرة، على ما قد يكون قد تخللها من معاناة أو من إجحاف، ما من شأنه أن يفسر انقلاباً جذرياً كذلك الذي أقدم عليه أيمن ـ أمنون. التفاوت أو عدم التناسب صارخان إذن بين مقدمات ذلك التحول (كما توحي بها سيرة الفتى) وبين ما يتسم به من خطورة ومن استثنائية، وذلك ما لا سبيل الى تذليله إلا بالكف عن البحث عن دلالة ذلك التحول على لسان صاحبه الذي أتاه أو كابده، واعتبار الفتى ذاك وتجربته القصوى تلك أداةً "توسلها" النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني للتعبير عن مدى إعضاله.
فالقصة تلك ربما عبرت، عن طريق الكناية، أو على طريقة "برهان الخُلف" كما يقول أهل المنطق، عن أن لا حل لذلك النزاع إلا باندثار أحد طرفيه أو بفناء أحدهما في الثاني، وذلك، في الحالتين، عين الاستحالة. أيمن ـ أمنون فعل ذلك على طريقته، وأوغل في ذلك المنطق حتى مآلاته القصيّة، حتى بلغ مرتبة تقع في ما وراء الخيانة، حتى آل الى الانقلاب على الذات، على نحو مبرم جذري، كأنما الفتى سلّم بأن الاحتلال، وهو جوهر العلاقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين كما سبقت الإشارة، قدر لا فكاك منه، وأن كل المتاح إنما هو تغيير موقعك في تلك العلاقة. وذلك أمر ليس أكثر دلالة على تعذّره وامتناعه من "نجاح" أيمن ـ أمنون في تحقيقه وبلوغه فردياً...
ولعل ذلك هو ما يفسر، في العمق، عسر التوصل الى تسوية لذلك النزاع. وهو عسر ربما مثلت سياسات شارون وتعنته وتطرفه وعدوانيته، نتاجه لا علته. إذ أن فكرة التسوية، في شأن النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني، وبخلاف كل نزاع سواه ربما، تقوم على مبدأ تقاسم ما لا يمكن تقاسمه، أي ليس فقط الأرض أو الحياة (كما في العلاقة الزوجية مثلاً، مع أني أرتاب شديد الارتياب في هذا الزعم على الرغم من ترديده منذ آلاف السنين)، بل تقاسم الوجود، وهو ما لا يمكنه أن يتحقق. تقاسم الأرض، في صورة التوافق عليه، قد يفضي الى تسوية "واقعية" أو "براغماتية"، ولكنه لن يفضي أبداً الى تسوية حقيقية، الى تعايش عادي، وذلك ما يعلمه الإسرائيليون علماً يقينياً، يجعلهم لا ينظرون الى علاقتهم بالفلسطينيين إلا من زاوية ميزان القوة، في أكثر تجلياته سفوراً وفظاظة، ومن تلك الزاوية حصراً.
ذلك أن العلاقة بين الطرفين لبّها الاحتلال، وهذا جوهري في المشروع الصهيوني وليس عارضاً كما هي الحال بالنسبة الى الإمبراطوريات الاستعمارية السابقة، وهو لذلك سيظل ماثلاً لدى الفلسطينيين، في نظرتهم الى ذاتهم الوطنية، حتى وإن تمكنوا من إقامة دولتهم المستقلة على بعض أرضهم، كما أنه سيظل ماثلاً لدى الاسرائيليين لعلمهم بأنه أساس وجودهم في المنطقة.
لذلك، لن تكون "التسوية"، إن تحققت، أكثر هدنة قد تقصر أو تطول. فمنطق ذلك النزاع وطبيعته لا يتيح غير ذلك...
07:59 Permalink | Comments (0) | Email this
16/07/2005
مصاعب أميركا في العراق قد لا تفضي الى هزيمتها
صالح بشير الحياة - 10/07/05//
الاخفاق الأميركي في العراق جليّ باد للعيان، لا ينكره إلا مكابر، من طينة الرئيس جورج بوش، المقيم على إشادة بالذات ما عادت تقنع أحدا، تُوهِم بنجاحات لا تُرى بالعين المجردة أو هي من قبيل التأكيدات التي تُلقَى على عواهنها ولا تفيد شيئاً. من هذا القبيل القول إن العالم بات أكثر أماناً منذ إسقاط صدام حسين، علما بأن النجاح ذاك يعود إلى أكثر من سنتين ولم يُنجز بعده شيء يُذكر.
لكن الاخفاق ذاك يبقى نسبيا، أقله حتى اللحظة. إذ بين الفشل في إحكام السيطرة على العراق وبين الهزيمة، أو دنوّ ساعتها واقتراب أوانها، بون شاسع وفارق فلكي. ففي مواجهات كتلك الدائرة في بلاد الرافدين، تتسم بتفاوت في القوة وفي الإمكانات، لا يتحقق النصر على القوات المحتلة في مواجهات تقليدية على ساحات الوغى (ربما كانت معركة ديان بيان فو التي انتصر فيها الفيتناميون على الفرنسيين في أوسط الخمسينات من الاستثناءات في هذا الصدد)، بل من خلال جعل الاحتلال عبئا باهظ الكلفة على المحتلّ، أمنياً وعسكرياً وبشرياً وسياسياً ومالياً، على ما هو معلوم إلى درجة الابتذال، يشهد به تاريخ حركات التحرر قاطبة.
والحال أن النزاع الدائر في العراق لا يبدو أنه بلغ هذه المرحلة أو أنه سيبلغها قريبا، إن هو استمر وفق منطقه ووتيرته الراهنين. فإذا كانت المقاومة، سواء لابسها الإرهاب أو لم يلابس، قد أفلحت في الحؤول دون استتباب الأمور للأميركيين وفضحت فشلهم في ذلك وأبرزته، إلا أنها حتى الآن لم تتمكن من تكبيدهم باهظا ثمن إخفاقهم ذاك، بالمعنى الذي سبقت الإشارة إليه.
يعود ذلك إلى سبب أساسي مفاده أن الولايات المتحدة إذ تمكنت من «عرقنة» المشكلة استطاعت أن تدرأ عن نفسها كلفتها، وجعلت وزر هذه الأخيرة يقع في المقام الأول على العراقيين، مؤسسات ومرافق ومواطنين. وهو ما أفضى إلى وضع مفارق قد يكونٍ على بعضٍ من فرادة في مثل هذه الحالات، حيث يُخفق الاحتلال في إحكام سيطرته لكنه لا يكون هو الذي يبذل ثمن ذلك الإخفاق.
هل انبنى ذلك على استراتيجية إرادية وواعية من قبل واشنطن، توقعت طول المواجهة واستمرارها (اثني عشر عاماً على ما صرح دونالد رامسفيلد مؤخراً)، فرأت أن تخوضها حرباً استنزافية بالواسطة، ساعية إلى تجنب ما يُعتبر عقب أخيل كل قوة محتلة؟ قد يشك المرء في وجود مثل هذه الاستراتيجية بالنظر إلى ما اتسم به سلوك القوة العظمى الوحيدة من ارتجال وتجريبية في تعاطيها مع الوضع العراقي، لكن مجريات الأمور في بلاد الرافدين تميل إلى ترجيحها خُطةً مُتوخاة. إذ سرعان ما استبدلت الولايات المتحدة طاقم الساسة المنفيين الذين اصطحبتهم معها لدى دخولها العراق وشكلت منهم في بداية أمرها مجلس الحكم الانتقالي، بحكومة موقتة (برئاسة أياد علاوي)، تضم قوى تتمتع بحضور داخلي، ثم بحكومة ابراهيم الجعفري الحالية، الناجمة عن انتخابات، كانت، أقله على الصعيد التقني، على قدر من شفافية ومن نزاهة بالنسبة إلى من خاض غمارها، وحظيت بمشاركة ضخمة من جمهور الناخبين، وإن على أسس طائفية، مذهبية أو عرقية، حتى أن من قاطعوها من أوساط الطائفة السنية طعنوا في شرعيتها لا في طريقة إجرائها.
نتيجة كل ذلك، إضافة إلى تشكيل قوات عراقية، أمنية وعسكرية، أوكلت إليها مهام إحلال الاستقرار ومجابهة العنف، مقاوماً كان أم إرهابياً، أن المواجهة باتت عراقية - عراقية على نحو يكاد يكون حصرياً، على ما يشهد عدد وهوية ضحايا العنف الذي استشرى وتفاقم في الآونة الأخيرة، وأثخن في أبناء البلد وفي مؤسساته أكثر مما نال من القوات المحتلة. أما كون «عرقنة» المشكلة، على نحو ما هو جار الآن، قد تفضي إلى الاحتراب الأهلي، فذلك ما قد تكون الولايات المتحدة تعتبره مخاطرة محسوبة، مستندة إلى أن عديد قواتها في بلاد الرافدين من شأنه أن يردع تحوله إلى نزاع مفتوح، فيبقى في حدود ما هو عليه الآن، تبادلاً لعلميات الاغتيال وللتفجيرات هنا وهناك.
حتى التلويح بالتفاوض مع بعض حركات التمرد، يمكنه أن يكون حمّال أوجه. فهو قد يكون عرضا جديا، وازعه الوعي بأنه لا سبيل إلى حلّ يكتفي بالوسائل العسكرية، كما قد يكون وسيلة لإحلال الخلاف والتنافر بين المجموعات المسلحة الناشطة في العراق، محلية كانت أو وافدة، والتي لا يمكنها إلا أن تتواجه بين قابل بذلك العرض، لاعتبارات وطنية أو فئوية، وبين رافض له، إما لأنه بات يرى النصر في المتناول، أو لأنه يخوض صراعا كوني المدى، قليل الاكتراث بالعراق في ذاته وككيان، على ما هي حال أبي مصعب الرزقاوي، كما يتبدى من أفعاله وأقواله الأخيرة: من تشكيله لقوة مهمتها محاربة الشيعة، إلى رفضه التمييز بين «مقاومة شريفة» وأخرى «غير شريفة»، حسب تعبيره، إلى الحرب التي شنها على الممثليات الدبلوماسية في بغداد، وكان اختطاف السفير المصري ثم أحد أبرز وقائعها واستهداف دولته الموصومة بـ «موالاة الصليبيين واليهود» وحسبان ذلك من أكثر المهام «الجهادية» إلحاحاً.
مؤدى كل ذلك أنه من الإسراف في التفاؤل الاعتقاد بأن مصاعب الولايات المتحدة في العراق قد تبشر بهزيمتها الوشيكة، فمثل ذلك لا يزال مستبعدا. العنف المسلح عرقل السيطرة الأميركية على العراق، لا ريب في ذلك، وقد يكون أجبرها على طلب التفاوض فنال من . لكن الأمر قد يتوقف حاليا عند هذا الحد لا يتعداه... في انتظار أن تكتسب المقاومة هوية سياسية جليّة صريحة المعالم، وأن تتنصل فعليا من المجموعات التي تزاول الإرهاب المحض، وفي انتظار أن تحوّل وجهة أعمالها العسكرية، إن رأت الاستمرار فيها، بأن تجعل كلفتها أشد وطأة على قوات الاحتلال منها على العراقيين.
21:34 Permalink | Comments (0) | Email this
09/07/2005
في خطاب جورج بوش الأخير
صالح بشير الحياة - 03/07/05//
خطاب جورج بوش الأخير حول العراق أدى الغرض منه: نسبة من استحسنوا الخطاب المذكور بين مشاهدي التلفزيون (ومشاهد التلفزيون هو التسمية «الحديثة» للمواطن) قاربت الخمسين في المئة، في حين لم يعبر عن «خيبة الأمل» منه أو فيه سوى نحو الربع. ذلك أن الرئيس الأميركي لم يختر مناسبة واهية كتلك المتمثلة في الذكرى الأولى لنقل السلطة إلى العراقيين، أو نقل «السيادة» كما كان يُقال آنذاك في تعدّ على الألفاظ صريح سافر، لإلقاء خطابه ذاك إلا كي يستعيد بعض حظوة لدى الرأي العام، ذلك الذي انفضّ من حوله في الآونة الأخيرة، فحجب عنه الشعبيّة ورفع صوته منتقدا سياسته العراقية.
لا يُعتقد أن الرئيس بوش كان ينشد من مداخلته الأخيرة، بالرغم من نبرتها الحازمة أمام جمهور من العسكريين، شيئا غير ذلك. هذا إن افترضنا فيه قدرا من الحسّ السليم يعصمه من أن يتوهم أن لكلامه ذاك صفة وضع الاستراتيجيات ووظيفة ابتكار المقاربات (وإن كان مثل ذلك لا يُستغرب من الرجل ومن المحيطين به من الإيديولوجيين). ففي هذا الصدد، وبصرف النظر عن نواياه، لم يقل الرئيس الأميركي شيئا يفيد معنى، عدا دفاعه مجددا عن صواب قراره شن الحرب العراقية، وإن «أثرى» مرافعته في هذا الصدد بوازع لذلك القرار «جديد»، بعد إزالة خطر أسلحة الدمار الشامل ثم نشر الديموقراطية في ربوع «الشرق الأوسط الأكبر»، هو المتمثل في محاربة الإرهاب، مستنجدا، على نحو مُغرض وغير نزيه، على ما هي وظيفة الخطابة دوما، بـ11 أيلول وما تركه من أثر بليغ في النفس الأميركية، مصطنعا علاقةً سببية مباشرة بين ذلك الاعتداء الإرهابي وبين العدوان الأميركي على العراق. ويبدو أنه أصاب بعض النجاح في ذلك، إن صدقنا استقصاءات الرأي، وإن كان النجاح آنياً سريع الزوال على الأرجح، لن يلبث أن يدركه وأن يأتي عليه واقع النزاع الجاري داميا في بلاد الرافدين.
أما التحولات الاستراتيجية في معالجة الأزمة العراقية، إن وُجدت، فهي ليست مما يُخاض فيه أمام مشاهدي التلفزيون، وهي تجري على صعد أخرى، وهي أكثر جدية من أن تتأثر بمزاج الرأي العام وتقلبه وهشاشته أمام بلاغة الخطباء والمتلاعبين بالمشاعر ومسوِّقي الصور. مجالها أرض المعركة والديبلوماسية، السرية إلى هذه الدرجة أو تلك. وفي المجال هذا، ربما كانت تصريحات وزير الدفاع دونالد رامسفيلد، قبل أيام، حول اتصالات جارية أو مزمعة مع حركات المقاومة العراقية أو بعضها، أجدى وأبلغ دلالة من الخطاب الأخير لرئيسه. فالتصريحات تلك تمثل إقرارا أميركيا بالغ الخطورة، مفاده أن الحرب الدائرة رحاها في العراق، لا سبيل إلى حسمها بالوسائل العسكرية، وأنه لا مناص من سلوك مسلك التفاوض، مع بعض من كانوا، حتى الماضي القريب، يُدرَجون في خانة الإرهاب حصرا.
وفي الأمر هذا تراجع أميركي ناجز جليّ، لا يفي في التستر عليه امتناع جورج بوش، في خطابه الأخير، عن تحديد جدول زمني لانسحاب قوات «التحالف» من العراق. فواشنطن لم تكن، في إقبالها هذا على التفاوض مبادِرة، بل مضطرة غير مختارة، وهي لذلك ربما أقدمت على خطوتها هذه متأخرة جدا، أي بعد أن فقدت زمام المبادرة وبات يمتلكه من يقاومونها، ناهيك عن أنها أعطت الانطباع، طوال السنتين الماضيتين، بأنها تتعاطى مع الوضع العراقي تعاطيا تجريبيا لا يستهدي باستراتيجية محددة واضحة الأهداف والمآلات.
لا يمكن لمن يناصبونها العداء، في العراق وفي المنطقة، إلا تأويل الأمور على هذا النحو، واستخلاص استنتاجات مفادها أن من أجبر الولايات المتحدة على طلب التفاوض ربما كان في وارد إلحاق الهزيمة بها، وإذاقتها ضربا من «فيتنام عراقية» تنال من صلفها الإمبراطوري، خصوصا وأن إمكانات القوة العظمى الوحيدة في العالم، وهي قد تكون فاعلة رادعة حيال الدول كبيرها وصغيرها، برهنت على مدى محدوديتها في العراق، في مواجهة حركات مقاتلة، ليس لها ثقل حركة الدول وجيوشها النظامية وانكشافها، ولا تنحصر في جبهات يسهل دكها أو في مواقع يتيسر استهدافها. ومثل هذا التحليل، قد يلتقي حوله من لا يعنيه العراق إلا كـ«ساحة»، كموقع من مواقع حربه المديدة والكونية ضد الولايات المتحدة، وكذلك ما كان من الحركات المقاتلة عراقي الأجندة محلي المرامي، يعلم علم اليقين أن كل مكسب يُنال من الولايات المتحدة بالقوة وبالمقاومة يُترجم فورا إلى أرجحية ضمن التركيبة الداخلية في عراق ربما بات طائفي السمات أكثر من أي وقت مضى. هذا ناهيك عن أن التراجع الأميركي، إن تأكد، ربما أفضى تدريجا إلى انعقاد إجماع عراقي جديد حول المقاومة، خصوصا أن انتخاب محمود أحمدي نجاد رئيسا للجمهورية الإسلامية الإيرانية، ربما شد من عضد فئات من شيعة العراق، ميالة إلى سلوك مسلك المقاومة المسلحة، لكنها بقيت مهمشة عديمة الفعل حتى الآن.
لكل ذلك، فإن القول بأن العراق بصدد الانغلاق فخاً على القوات الأميركية بات احتمالا مرجحا إلى أبعد الحدود، بل ماثلا لا يمكن صدّه بوصمه بأنه من هلوسات الإيديولوجيين أو من تخمينات المحللين. فالولايات المتحدة ربما كانت مقبلة على وضع في العراق لا يمكّنها لا من الانتصار (ولو أمكنها ذلك لفعلت طوال السنتين الماضيتين)، ولا من الانسحاب، ليس فقط خشية اندلاع حرب أهلية في العراق كما كانت تقول، بل لأن انسحابها قد يتخذ شكل الهزيمة التي لا قبل لها بتحملها. ومثل هذه السيناريوهات معلومة مآلاتها: تفضي إلى ضرب من مكابرة إمبراطورية، خبرتها الولايات المتحدة نفسها في فيتنام كما خبرتها فرنسا في الجزائر، على سبيل المثال لا الحصر، تطيل أمد المآسي وتوسع مجالها إلى الجوار المباشر، لا عاصم منها إلا صحوة وعي لن تطرأ خلال ما تبقى من ولاية جورج بوش الثانية.
16:10 Permalink | Comments (0) | Email this
الجموع تنتفض لكنها لا تثور
المستقبل - الاحد 3 تموز 2005 - العدد 1966 - نوافذ - صفحة 9
صالح بشير
ما اقترع قوم في السنين الأخيرة ومع اختلاف الأصقاع وتباين الأوضاع، إلا وكان سوادهم الأعظم والوازن إلى المحافظة أميل، إلا وسعوا إلى الإقامة على ما هم عليه أو إلى استعادة نصاب، يعتبرونه نصابهم بالطبيعة، فقدوه أو يتهددهم فقدانه ويرومون إعادة إرسائه والإطمئنان إليه. قد لا يرتقي القول هذا إلى مرتبة القانون، الصارم، جمعاً ومنعاً، والشامل نفاذاً، ولكنه بالتأكيد يصف ملمحاً من الملامح الفارقة لزمننا هذا.
فهو يصح على اقتراعات كثيرة، استفتائية أو انتخابية، شهدتها بلدان راسخة في الديمقراطية وأخرى تخطو في مجالها أولى خطواتها. من الرئاسيات الإيرانية الأخيرة، التي جاءت إلى رأس السلطة (على افتراضِ أن الرأس ذاك يتمثل في رئاسة الجمهورية، وذلك افتراض نسبي جدا في إيران) بمحمود أحمدي نجاد، أكثر المرشحين إيغالاً في المحافظة، تبلغ لديه مبلغ التطرف (على الصعيد السياسي) ومبلغ التزمت (على الصعيد الأخلاقي) في نظر منتقديه والمتوجسين من فوزه خيفةً، إلى الاستفتاءين الأوروبيين الأخيرين، الفرنسي ثم الهولندي، حول وثيقة الدستور الأوروبي، تلك التي جبهت في البلدين بالرفض من قبل أغلبيات رأت في الوطن، تحتمي به، وفي الدولة ـ الأمة، تستظل بظلها، ملاذها من مغبّة عولمةٍ تتخذ لديها هيئة الاتحاد الأوروبي واتساعه المطرد على امتداد قارة بأسرها؛ إلى الانتخابات الرئاسية الأميركية قبل ذلك، تلك التي أعادت تأسيس شرعية الرئيس جورج بوش على أسس يمينية، دينية وقيمية، سافرة صريحة؛ إلى اقتراعات أخرى هنا وهناك، بحيث لا تكاد تشذ عن هذا المنحى سوى إسبانيا، التي انتخبت الاشتراكي خوسيه لويس ثاباتيرو، المُقبل على علمانية مناضلة باتت نادرة تكاد تنتمي إلى زمن ولّى، أو بريطانيا التي استبْقت طوني بلير لولاية ثالثة، ولكن بلاد ألبيون كثيرا ما تندرج في باب الاستثناء الذي يُحفظ ولا يقاس عليه، فلا رئيس وزرائها بـ"اليساري"، بالمعنى التقليدي أو الكلاسيكي، ولا أهلها، وهم من هم براغماتية وذرائعية، ممن يسلمون زمام أمرهم للأهواء الإيديولوجية.
ولكن ريح المحافظة تلك، وهبوبها الذي يبدو جارفاً على نطاق كوني، قد لا تكون، مبدئياً، إلا من صلب الديمقراطية ومن مستلزماتها، إذا ما سلمنا بما يذهب إليه مفكرون وفلاسفة كثر، من أن الجموع محافظة جبلّةً، ترى أن ما هي عليه هو ما يجب أن يكون، وأن ثقافتها وقيمها وطريقة حياتها إنما هي، لديها، من طبيعة الأشياء وناموسها الثابت والمستقر، وهي لذلك تأنف التغيير وتأباه أو تنفر منه نفوراً يكاد يكون غريزياً، حتى إذا ما قيض لها التعبير والاختيار، من خلال الاستفتاء أو الانتخاب، كرست نزوعها المحافظ ذاك وأكدته. وتلك وجهة نظر لو اعتمدناها، جدلاً، ودفعناها إلى مآلاتها الأخيرة، لعَنَت بأن "الثورة"، حسب اصطلاح المعاصرين، أي إذا ما أريد بذلك الاصطلاح برمجة التغيير الجذري وإنفاذه إرادوياً، لا يمكنها إلا أن تكون من فعل أقلية، نخبة "طليعية"، وأن الحديث، تبعاً لذلك، عن "ثورة شعبية"، إنما يدخل في باب القول الخطابي لا أكثر، لأنه ينطوي في حقيقة أمره على تناقض أصلي. فالجموع قد تنتفض، تحت وطأة ظروف ما ولدواعي استثنائية، ولكنها لا "تثور"، بالمعنى الآنف الذكر، وإذا ما أفضى انتفاضها إلى ثورة، فذلك لأن نخبة، أقلية طليعية، استسنحت فراغاً واستحوذت على زمام الأمور لتحوّل الانتفاض إلى ثورة، إذ تُدرج فيه أهدافاً وأجندة لم تكن في حسبان المنتفضين ولا كانت حافزهم. وربما قدمت الثورة الفرنسية، ثم نظيرتها الروسية المثالين الأبرز على "انزلاق" من هذا القبيل. الجموع إذن ليست ثورية، وهي إن أبدت حرصاً على تحولات من سويّة جذرية حصلت في تاريخها، فغالباً بعد أن يكون التقادم قد شرعنها والزمن قد سوّغها، فبوآها منزلة التقليد.
هل يصحّ هذا الرأي بإطلاق؟ ذلك سؤال يصعب، في المجال المتاح هنا، الخوض فيه بإسهاب. لكن الرأي ذاك ربما اكتسب صحة نسبية في زمن العولمة هذا الذي أجج الهويات وأعاد ابتعاث ما كان منها كامناً أو غافياً، وهي بطبيعتها محافظة، تضع الخصوصي، بل الأشد خصوصية، في مواجهة كونية ما عادت تكتفي بالدعوة إلى مبادئ بعينها، كما كان الحال إبان الحقبة الكلاسيكية للحداثة، مثالها ذلك الكائن الحقوقي المُسمى "المواطن"، بل باتت تنزع إلى اجتراح كائنات متماثلة أنموذجها "المستهلك"، أي كائنات لا تاريخية ولا ثقافية (إلا إذا اعتبرنا الموضة ومنتجات التسويق تاريخاً وثقافة)، ولعلّ ذلك ما يفسر بروز الحركات والتيارات والانفعالات المناهضة للعولمة حتى في البلدان التي تُعدّ مُصدِّرة لها، أي الولايات المتحدة في المقام الأول، تلك التي تتسم بعض أوساطها الفاعلة (طالما أنها جاءت بهذا الرئيس إلى سدة الحكم) بنزعة انكفائية مغالية إلى درجة العدوانية حيال العالم الخارجي، وما تعتبره رموزه، بدءاً بمنظمة الأمم المتحدة، تلك التي يناصبها أميركيون كثر عداء مستحكماً إذ يرون في وجودها مؤامرة تستهدف استقلالهم وسيادتهم وضرباً من سلطة دكتاتورية كونية تتربص بحرياتهم (وليس أكثر ولعاً بنظريات المؤامرة، يضاهون فيه العرب أو يفوقونهم، من الأميركان).
وهنا مكمن الإشكال الذي يواجه جورج بوش في دعوته إلى دمقرطة "الشرق الأوسط الأكبر"، وهو إشكال معضل من قبيل تربيع الدائرة. فالرئيس الأميركي، إذ يقرن الديمقراطية بالإصلاح، يجعل، عملياً من الأولى تلغي الثاني والعكس صحيح، أقله في هذه الحقبة من تاريخ العالم وبفعل المنحى الغالب عليها، وذلك لسبب أساسي، وهو أن الأغلبيات العددية والسياسية التي يمكنها أن تتصدر العملية الديمقراطية (من انتخابات وسواها) وأن تستفيد منها، هي من قبيل تلك المحافظة، أي تلك التي لا يمكنها أن تكون إصلاحية، أقله بالمعنى الذي يريده الرئيس الأميركي، أي إذا ما تمثل الإصلاح في بنود على شاكلة "تمكين المرأة" وتغيير برامج التعليم وعلمنة الحياة العامة. فمثل تلك الإصلاحات، في الظرف الراهن، وبالنظر إلى تلك النزعة المحافظة السائدة على نطاق كوني (والتي يمثل الرئيس الأميركي نفسه بعض نتاجها أو بعض تجلياتها)، هي مما لا يمكن أن تتولاه غير نخب "طليعية" تقسر مجتمعاتها عليه قسراً وتفرضه إرادوياً، وهو ما يحيل مجدداً إلى الاستبداد.
ولا شك في أن الإشكال هذا أدق من أن يستوعبه ذهن الرئيس القادم من تكساس و"خبراؤه" في شؤون الشرق الأوسط الأكبر، ممن تتضاءل لديهم الخبرة وتتضخم الإيديولوجيا، ولكنه سيكابد مفاعيله لا محالة أو هو بدأ يكابدها...
16:08 Permalink | Comments (0) | Email this
02/07/2005
هل طرأ على السطوة الأميركية ضعف يتعين استثماره؟
صالح بشير الحياة - 26/06/05//
قد لا يعقب اللقاء الأخير بين رئيس الحكومة الإسرائيلية أرييل شارون ورئيس السلطة الوطنية الفلسطينية لقاء آخر، أو أن مثل ذلك اللقاء إن حصل، سيكون على الأرجح من طبيعة تقنية. ذلك أن «الفرقة» باتت ناجزة بين الطرفين، ليس فقط بسبب سلسلة اللاءات التي واجه بها رئيس الحكومة العبرية «ضيفه» الفلسطيني (إذ حل محمود عباس وأعضاء الوفد المرافق له ضيوفا في القدس!) بل لما لتلك اللاءات من دلالة مفادها أن الجانبين يختلفان اختلافا جذريا في تأويل الانسحاب الإسرائيلي، قوات ومستوطنين، من قطاع غزة: فالانسحاب ذاك خاتمة التسوية ومنتهاها في نظر الدولة الصهيونية، وهو لدى الجانب الفلسطيني مبتدأها ومنطلقها، أو هكذا يجب أن يكون.
والتأويلان متباعدان متنافران لا جامع بينهما من شأنه أن يستوي أرضية لتفاوض أو لتداول، فلا حاسم بينهما ولا فاصل غير ميزان القوة، يغلّب أحدهما على الآخر، والميزان ذاك معلوم أمره ومُتوقعةٌ مآلاته، تبدّت نذره خلال اللقاء الأخير، عندما خاطب رئيس الحكومة العبرية الرئيس الفلسطيني مُطالبا لجوجا في المطالبة، ممليا مسرفا في الإملاء، لا يرى لمحاوره من وظيفة سوى «الشراكة» في إنفاذ سياسات حكومته وإرادة دولته.
أما أن يكون شارون، وهو يفعل ذلك، بصدد وأد الاعتدال الفلسطيني، فذلك آخر همومه وأدنى انشغالاته، بل أنه قد يستشعر في اعتدال الفلسطينيين خطرا، أقله من باب الإحراج، قد لا يجده في تطرفهم، الذي قد يكون مكلفا بالمقاييس الأمنية، لكنه مجزٍ، إن نحا منحى العنف غير الرشيد كما حدث أثناء الانتفاضة الثانية، من الناحية السياسية.
غير أن ذلك لا يُكسب «الاعتدال»، إن كان إقبالا على التفاوض لا يُستجاب، فضيلة في ذاته. بل أن تجربة اللقاء الأخير في القدس بين قيادتي الجانبين، وما نجم عنها، أو بالأحرى ما لم ينجم عنها، ربما استوجبت إعادة النظر في الاستراتيجية التي يتوخاها محمود عباس، وهي التي يمكن القول أنها بلغت أقصى مداها، واستوفت أغراضها، مدللة على عدم جدواها، أو على الأصح على عدم جدوى الاعتدال في مواجهة خصم متطرف، كلما نال تنازلا أسس عليه السعي إلى تنازل يليه، يفرضه على أرض الواقع فرضا، لا ينتظر سوى الإقرار به.
ربما كانت استراتيجية محمود عباس اضطرارية لا مناص منها بعد أن آلت الانتفاضة الثانية إلى ما آلت إليه من انسداد الآفاق وبعد التحولات التي طرأت على العالم وعلى المنطقة إثر الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) والحرب الأميركية على العراق، ولكن الاعتبارات تلك لا تنفي أن الاستراتيجية إياها انبنت على مقدمات قد تكون خاطئة. أولها الاعتقاد بأن سلوك مسلك الاعتدال (كما تراه الولايات المتحدة) واختيار التفاوض طريقا حصريّا، سيكونان حجة وعنصر قوة بين يدي الفلسطينيين، والحال أنه لا يوجد في ذلك «التحول»، حسب شارون، ما يدعو إلى مكافأة الفلسطينيين، ما دام، في نظره، ثمرة هزيمة، سياسية (نجاحه في عزل عرفات) وعسكرية ألحقها بهم. كما أن من هنات تلك الاستراتيجية أنها راهنت على عنصر قوة لا يمتلكه الجانب الفلسطيني، ذلك المتمثل في الرغبة المفترضة إلى أبعد حدود الافتراض، لدى الولايات المتحدة في الضغط على إسرائيل لجرها إلى تسوية «عادلة» أو محدودة الإجحاف، بمجرد استيفاء شروط الاعتدال كما تراها الإدارة البوشية. كان يمكن لذلك الرهان أن يكون مصيبا، وإن بمقدار، لولا ما بين الإدارتين الحاكمتين في كل من تل أبيب وواشنطن من تماهٍ إيديولوجي، ولو كانت الولايات المتحدة لا تزال تقيم بعض اعتبار للعالم العربي ودوله، خصوصا منها تلك الموصوفة بـ«الكبرى».
نتيجة كل ذلك أن مجريات الأمور مع إسرائيل من جهة، وقلة الاكتراث الأميركي من ناحية أخرى، ربما كانت بصدد وأد الاعتدال الفلسطيني من خلال إظهار عقمه وانعدام جدواه، كأن في الأمر تعمّدا. ذلك أنه لم يسبق للفلسطينيين أن أبدوا «اعتدالاً» كذلك الذي ما انفكوا يبدونه منذ انتخاب محمود عباس، والتزمت به حتى حركاتهم الإسلامية المقيمة على تقيدها بالتهدئة وعلى ضبط النفس بالرغم من الاستفزاز والاعتداء من قبل إسرائيل، غير أنه لم يسبق للدولة العبرية أن أبدت قدرا من التصلب ومن التعنت كذينك اللذين تبديهما الآن، أقله منذ أن بدأ الحديث في التسوية.
أما وأن الآفاق تلوح مسدودة على نحو ما هي عليه الآن، وأما وأن استراتيجية «الاعتدال»، وفق الصيغة المعمول بها منذ انتخاب محمود عباس، لم تؤت ثمارها ولا يبدو أنها ستفعل ما دامت الشارونية سياسةَ إسرائيل، علما بأن السياسة تلك قد تستمر حتى بعد مضيّ صاحبها على ما يوحي مزاج الإسرائيليين، فربما توجب على الفلسطينيين أن يعيدوا النظر في استراتيجيتهم تلك، على نحو يمكّنهم من الاحتفاظ من الاعتدال بأفضل ما فيه، أي الاحجام عن أرعن الأفعال القتالية، دون استبعاد المواجهة، المدنية في المقام الأول، والعسكرية أيضاً لكن في حدود الأراضي المحتلة سنة 1967.
ذلك أن تحولا أساسيا طرأ على السطوة الأميركية في المنطقة يتعين استثماره: أن وطأة تلك السطوة الآن، غير ما كانت عليه غداة الحادي عشر من أيلول وإبان بدء الهجوم على العراق. فالولايات المتحدة أخفقت في بلاد الرافدين، والاخفاق ذاك يعني بعض الضعف، وإن كان نسبيا، وبعض الضعف ذاك يفسح هامشا للحركة وللاعتراض، وربما أمكن انتهازه على صعيد النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني.
10:00 Permalink | Comments (0) | Email this
السياسة الهاذية تتحول قتلاً هاذياً
المستقبل - الاحد 26 حزيران 2005 - العدد 1959 - نوافذ - صفحة 10
صالح بشير
عنف أعمى ذلك الذي أودى بحياة جورج حاوي، وقبل ذلك بحياة سمير قصير؟ مُطلِق تلك الصفة قد لا يعنيها حرفيا، قد لا يقصد بالضرورة أن العنف ذاك يخبط خبط عشواء، يصيب ضحاياه كما اتفق ودون تمييز، في ما يشبه لعبة اليانصيب الدموية، بل أن العبارة تلك قد لا تنشد إلا الإفصاح عن مطلق الإدانة وعن أقصى درجات الاستفظاع، غير آبهة بالدقّة. فالدقّة ترف في مثل تلك الحالات، خصوصا إذا كان المرء ميالا إلى التماهي مع الضحية، يشاطرها حيزا من ذلك الفضاء العام الذي كانت تتحرك فيه وتنشط وتعيش، وربما كانت تربطه بها صداقة أو معرفة شخصية مباشرة أو غير مباشرة، ويرى في الجريمة التي نالت منها تهديدا قد ينال منه، استنادا إلى أوجه شبه ما، حقيقية أو متوهمة، تخلق وشيجةً من تماثلٍ بينه وبين الضحية. فإذا المرء ذاك يُسقِط هلعه على العنف، فيصفه بالعمى. وهو على أية حال هلع مفهوم.
والحال أنه ليس هناك من عنف أعمى، في ما عدا الكوارث الطبيعية وانفلات العناصر من عقالها، أي خروجها عن سوية عادية تُنسب إليها، أو في ما عدا ما ينجم عن سورات الغضب أو الجنون. كل عنف، غير ذاك، مُبصِرٌ حديد النظر، أقله من الناحية التقنيّة، خصوصا إذا ما كان على شاكلة الجرائم التي استهدفت جورج حاوي وسمير قصير، وقبلهما الرئيس رفيق الحريري، مع أن استشهاد رئيس الحكومة اللبنانية السابق يندرج ضمن سياق مختلف. فالجرائم تلك كانت عنفا باردا، مُبرمجا مُعدّا، مُعقلنا، إنفاذا إن لم يكن غايةً، يبلغ أحيانا مبلغا من الدقة تضاهي دقة الجرّاحين، يصيب هدفه ويوفر سواه، مثل سائق الفقيد جورج حاوي الذي نجا، إلا من جراح وُصفت بأنها طفيفة أو غير خطرة، مع أنه كان يحاذي المغدور في سيارته.
لذلك، فإن أفظع ما في هذا العنف ليس عماه المفترض، ما دام انتقائيا شديد الانتقائية وعلى بيّنة من أمره، ولكن بكمه. فالعنف ذاك أبكم لأنه لا يفصح عن شيء يُفهم أو يُدرك أو يُخمّن حتى على سبيل الترجيح أو التقدير. فهو عنف "يتدنى" إلى ما دون السياسة، فما عاد يستوي بعدا من أبعادها (وإن مرذولا مُدانا)، إذ لا يحتويه أي من احتمالات توسّله في صددها: فهو لا يبدو شاخصا نحو تحوير ميزان قوة أو الانقلاب عليه، على ما هي الوظيفة "الاعتيادية" للعنف، ولا يبدو وسيلة قصوى، أداتها الموت، لإبلاغ "رسالة" بعينها، تنشد وضوحا قد لا تفي به الكلمات، على ما هي الوظيفة "الاعتيادية" للعنف السياسي أيضا. أما بالنسبة إلى ميزان القوة، فقد حُسِم أمره وحمّ قضاؤه، أو تغيّرت أطرافه ومكوّناته ورهاناته منذ الانسحاب السوري من لبنان. وأما عن "الرسالة" المفترضة لتلك الجرائم، إن سلّمنا بوجودها، فهي لم تصل إلى أحد، أو هي وصلت مشوّشة بالغة التشويش، فلم يتبيّن اللبنانيون وقواهم السياسية ونخبهم مغزى لاغتيال صحافي، يبقى في نهاية المطاف، وبصرف النظر عن إشعاعه الشخصي، غير مستند إلى قوة فاعلة في التركيبة اللبنانية (باستثناء الصحيفة التي كان يكتب فيها ربما) ولا للغدر بسياسي شبه متقاعد، سكرتير عام سابق لحزب تضاءل تأثيره وآل إلى تهميش متزايد في بلد ما عاد يقيم قناعا إيديولوجيا بين الطوائف وتعبيراتها، فطابق بين هذه وتلك على نحو ناجز سافر.
بل إن العنف ذاك "يتدنى" حتى إلى ما دون العنف الأنثروبولوجي أو الإثنولوجي، إن صح الوصفان. فالعنف من ذينك القبيلين، ثأريا كان أو مهما كان منحاه أو مؤداه وحتى إن انضوى في باب الطقوس لا يتعداها، ليس بالعشوائي ولا بالملغز، بل هو مندرج ضمن منطق ما وخاضع إلى قوانين ما، يمتلك ناصيتها الضالعون فيه، مزاولين أو ضحايا، وتبيّنها الدارسون ووقفوا عليها.
أما العنف ذاك، فعصيّ مُبهم. يذهب الناس في تأويله مذاهب شتى ولا يفلحون في فهمه. حتى تعليله بالثأر لا يبدو مقنعا. ضحاياه لم يجنوا ثمار الوضع المستجد في أعقاب الانسحاب السوري، نفوذا وسلطانا، حتى يُثأر منهم، إلا إذا اعتبرنا أن المؤسسات (إذا ما صحّ بأن وراء الاغتياليْن مؤسسات) قد نكصت بـ "الثأر" السياسي إلى سوية الثأر الشخصي، فنزعت عنه كل دلالة أو "جدوى"سياسييْن.
ولكن العنف ذاك سياسي في المقام الأول وربما الوحيد، إن لم يكن من حيث بواعثه (وهذه يتعذر استكناهها والنفاذ إليها) فمن حيث ضحاياه، السابقيْن والمحتملين، إذ ينتقيهم على ما يبدو من بين وجوه الشأن العام وإن لم يتصدروه. غير أنه إذا ما كان العنف السياسي خطابا، أقله حين ينزع إلى توجيه رسائل بعينها وإلى إبلاغها، فإن الخطاب ذاك بات، في صيغته اللبنانية الراهنة لغوا، لا تربط بين دالّه ومدلوله (إن كان له من مدلول) رابطة من معنى ولا يجمع بينهما محتوى يفيد شيئا.
وتكرارا، وإذا كان العنف السياسي في بعض أوجهه خطابا، فإن انحداره إلى سوية اللّغو، على شالكة ما نشهد، إنما يمثل إحدى تجليات تردي الخطاب السياسي، والقول العام عموما، في بلداننا، واستحالته إلى هذيان لا يردعه رادع ولا ينظمه ناظم من منطق أو عقل أو من قيم أو من حس سليم، ولا ينشد مطابقة بينه وبين شيء ماثل وواقعي، إن كمرجع وإن كغاية، واختلاطه لغوا واضطرابه صراخا وجلبةً.
وهل كان لذلك القول الهاذي إلى أن ينتهي، آجلا أو عاجلا، قتلاً هاذياً؟
09:56 Permalink | Comments (0) | Email this


