« مجزرتان ينبغي استخلاص الدروس من إحداهما! | HomePage | الإرهاب ممسكاً بزمام المبادرة وناطقاً باسمنا »

22/07/2005

مجزرة لندن وما قد يلي: هنا وهناك وهنالك

صالح بشير     الحياة     - 17/07/05//

 

حتى بعض أصحاب اليقين الراسخ بأن «الأمة» تواجهها، في العراق وفي فلسطين وفي الشيشان وسواها، «حرب صليبية»، تستهدفها جوهراً دينياً وكياناً وجودياً، لا وازع لها في مصالح ونُصب لاسترايتجية يراد لها أن تقوم، وما إلى ذلك من اعتبارت أرضية أو دنيوية، استنكروا تفجيرات لندن، معتبرين أن الحرب تلك لا يجب أن تُخاض في المدن الغربية ولا أن تنال غدراً من مرافقها العامة، مودية بالأبرياء من ساكنيها ومواطنيها، بل ينبغي ان تخاض في ساحات الوغى حيث «الصليبيون» قوة احتلال.

قد لا يكون «التحليل» هذا صائباً، مرتكزات ومقدمات وحيثيات واستخلاصات، لكن أهم ما فيه أنه يتبرأ من الإرهاب ويدحضه، ليندرج في تيار واسع داخل العالم العربي والإسلامي، أو هكذا يبدو، جاهر بالاستنكار حيال تفجيرات العاصمة البريطانية، ولم يتوسل لها المسوغات، الشرعية أو السياسية، ولا أبدى حيالها تفهماً ولا التمس لها ظروف التخفيف. ذلك على الأقل على صعيد المواقف المعلنة، التي يتوجب الإكتفاء بها وإلا آل بنا الأمر إلى محاكمة النيات. وهذا على صعيد «النخب»، أو ما يقوم مقامها في بلداننا، أما على الصعيد الشعبي، فإن تفجيرات لندن لم تقابل بالحفاوة والحماس اللذين كانا من نصيب نظيرتها في الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، أو حتى نظيرتها في مدريد قبل عام ونيّف، وهو ما قد لا يعود فقط إلى ما اتسمت به جرائم أيلول من مشهدية فائقة، ولا إلى ما يُزعم لجرائم العاصمة الإسبانية من مكاسب سياسية أثمرتها، وتمثلت في هزيمة رئيس الحكومة اليمينية خوسيه ماريا أثنار وفوز الاشتراكي خوسيه رودريغيز ثاباتيرو الذي بادر إلى سحب قوات بلاده من العراق.

هكذا، وإذا لم يكن المرء مخطئاً أو مسرفاً في التفاؤل، هناك إذاً ما يشبه الانفضاض من حول الإرهاب ودعاته ومقترفيه، أو أكثر تجليات ذلك الإرهاب غلوّاً وإجراماً، إما بدافع مبدئي وقيمي (في القليل النادر والحق يُقال) وإما توجساً من تبعاته، خصوصاً على الجاليات المقيمة في بلاد الغرب، وإما لأن عقمه، بل مفعوله المضاد، ما انفكا يتبديان على نحو أوضح وأجلى، منذ «غزوة نيويورك المباركة»، وما أعقبها من احتلال لأفغانستان والعراق، ومن استفراد آرييل شارون بالفلسطينيين يعمل فيهم بطشاً وقهراً، بعد أن نجح (بمساعدةٍ غير إرادية من بعضهم) في إدراج حربه ضدهم في «الحملة الكونية ضد الإرهاب».

كأنما الإرهاب بدأ مسار عزلة داخل العالم العربي، فما عاد مستنكروه والمنددون به ينحصرون في فئات المتعقلين أو العلمانيين والتحديثيين الذين كثيراً ما يشار إليهم في بلداننا ببنان الشبهة أو التكفير. ذلك ما تشهد به «الساحة العراقية»، بحيث تسعى المجموعات الإرهابية، كتلك التي يتزعمها أبو مصعب الزرقاوي، إلى انتحال شرعيتها، وجوداً وأفعالاً، من مقاومة الاحتلال، والتي سجلت خلال الآونة الأخيرة بعض تطورات لافتة وذات دلالة، من إقدام بعض الحركات القتالية المناهضة للاحتلال إلى تعيين ناطق بلسانها، تكتسب من خلاله وجهاً سياسياً، يميزها عن الإرهاب إذ لا يحصر نشاطها في أعمال التفجير وما إليها. كما أن الخطوة تلك مثلت استجابة لما عبرت عنه الولايات المتحدة، عبر دونالد رامسفيلد، وزيرها للدفاع وأحد أعتى صقور إدارتها، من استعداد للتفاوض مع الفئات العراقية التي تواجهها بالسلاح أو مع بعضها. بل إننا نرى رجلاً مثل أبي محمد المقدسي، يُعدّ من منظري «السلفية الجهادية» وشيخ الزرقاوي، يوجه رسالة إلى تلميذه السابق، ينهاه فيها عن استهداف المدنيين وعن تكفير الشيعة والمبادرة إلى قتالهم، وما إلى ذلك من مظاهر تطرفه وغلوّه الهاذيين.

أمر آخر ربما كان له بعض الأثر في ما نفترضه من طوق عزلة بدأ يُضرب حول الإرهاب والإرهابيين، هو ما أبدته واشنطن، ودول أوروبا الغربية، من رغبة في محاورة الحركات الإسلامية وفي تمييز معتدلها عن متطرفها. وهو ما جعل أوساطاً واسعة من تلك الحركات، كان بعضها في ما مضى يتواطأ مع المتطرفين بالصمت أو بالتعاطف الضمني أو لا يجرؤ على انتقادهم، ترى، وقد بات الاعتراف بها دانياً في المتناول، أنه آن أوان التبرؤ من الإرهاب والنأي عنه. وهو أمر، إذا ما تأكد، قد يستوي ثورة في الذهنية، وخروجاً عن مألوف درجت عليه منطقتنا طويلاً، يمكّن المتطرفين من إملاء أجندتهم على الجميع، يُسكتون كل اعتراض بدعوى تصديهم للمقاومة، وهذه تنحصر في أعمالها دون أن تعبأ بعواقب تلك الأعمال.

وإذا ما صح الافتراض الآنف الذكر، فإنه مما يستوجب ملاحظته والوقوف عليه أولاً، ثم تشجيعه والعمل على ترسيخه، سواء بيننا أو في الغرب، وعدم التصرف وكأن شيئاً لم يحصل، وكأن تغييراً أو بوادر تغيير لم تتحقق، لأن دون ذلك مغبة إسباغ تمثيلية على الإرهابيين لا يستحقونها وليسوا أهلاً لها، على ما انزلق توني بلير وأخطأ عندما بادر، في تصريح بُعيد تفجيرات لندن، إلى القول بأن مقترفيها فعلوا ما فعلوه باسم الإسلام، قبل أن يستدرك، في ما يشبه الاعتذار، بعد أيام من ذلك، وقد شهد استفحال الاعتداءات العنصرية في بلاده ضد الجالية المسلمة ودور عبادتها.

هكذا، وللمرة الأولى منذ الحادي عشر من أيلول، ربما أمكن الحؤول دون تمكين الإرهاب، الإسلامي أو مدّعي الإسلام، من أن يكون وقود حرب حضارات شاملة جارفة لا تبقي ولا تذر. هذا بطبيعة الحال إن توافرت النية، فلم يمتنع عن ذلك بلد بعينه، جعل من «الحرب على الإرهاب» ذريعة هيمنته على العالم، وما لم يكن رفضنا للإرهاب قِطاعياً انتقائياً، ننبذه في لندن لاعتبارات معينة، خوفاً على مستقبل الإسلام والمسلمين في بريطانيا مثلاً، ونسكت عنه في مدن أخرى، وما لم تستمر «نخب» معينة بيننا، مقيمة أو مهاجرة، في النفخ في بعبع التطرف ونسبته إلى مجتمعاتها، وسيلة لنيل الحظوة لدى مركز الإمبراطورية في ما وراء المحيط.

08:07 Permalink | Email this