« مصاعب أميركا في العراق قد لا تفضي الى هزيمتها | HomePage | مجزرتان ينبغي استخلاص الدروس من إحداهما! »

22/07/2005

قصة أيمن أبو صبح الذي أصبح من محتلّي بلده

صالح بشير

 

المستقبل - الاحد 10 تموز 2005 - العدد 1973 - نوافذ - صفحة 10

 

قصة أيمن أبو صبح، الشاب الفلسطيني الذي أضحى أمنون يتسحاق ـ شاتحر، لم توردها وسائل إعلامنا الرصينة، لاعتقادها ربما أن إيراد خبر عن حاكم عربي عقد ندوة تبحث في "فضاءات (بمعنى الخواء الصفصف؟) الإبداع والحرية" في "نصوصه" (قصصه ورواياته المنشورة) أو ما شابه ذلك من ظواهر إسفافنا الوفيرة، عين الرصانة، أو ربما كان حافزَ ذلك الإحجام التستر على فعلة معيبة، على ما هو ديدن عقليتنا التي درجت على اعتبار الوقائع، متى أحرجت وأخجلت، عاراً مآله الإغفال والكتمان.
يعسر على عقلية كتلك إدراك ما تتعذّر ترجمته الى شعار رنّان والتعبير عنه بواسطته، أي النفاذ، في حالتنا هذه، الى التراجيديا الكامنة وراء "الخيانة" التي اقترفها الشاب أيمن أبو صبح، إذ اعتنق اليهودية وتحوّل إسرائيلياً وطلب الانضمام الى جيش الدولة العبرية، بل والخدمة، في صفوفه، في الأراضي الفلسطينية تحديداً! على ما قال ذلك الشاب الذي بات يُدعى "أمنون"، فاختار اسماً قريب الجرس من اسمه "الأصلي"، أو ذلك الذي كان بعض هويته الموروثة... اسماً يستعيد كامل أحرف اسمه الأصلي وربما معناه، إمعاناً في جبّه لأن أبلغ الإلغاء وأقصاه وأكثره إحكاماً وإبراماً إنما هو إلغاء الأصل بالشبيه لا بالمغاير. ذلك أن أيمن ـ أمنون لم يتنكر لهويته الأصلية، أو تلك المُعطاة بفعل الولادة والتنشئة، بل انقلب عليها أو قلبها الى ضدها الناجز. والفارق بين الأمرين هائل وإن بدا دقيقاً. فأيمن الذي أضحى أمنون، هو ليس فقط المسلم الذي اعتنق اليهودية، بل هو تحديداً وتخصيصاً الفلسطيني الذي بات إسرائيلياً، وضحية الاحتلال الذي يطمح، بانخراطه في الجيش الإسرائيلي، في أن يصبح جزءاً فاعلاً في عداد الاحتلال وفي آلته وفي قوته. وبما أن الاحتلال هو جوهر العلاقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فإن أيمن ـ أمنون اختار أن يقلب موقعه في تلك العلاقة من النقيض الى النقيض، رأساً على عقب. تماهي الضحية بالجلاد، نزوعاً الى التشبّه أو اجتراء على الخيانة، ليس بالأمر الجديد، بل هو قديم قدم الجنس البشري، ضارب في سحيق علاقات الغلبة والسيطرة والإكراه. ولكن أيمن ـ أمنون ذهب في ذلك الشأو الأبعد، إذ اتخذ العدو (السابق) ذاتاً وهوية. شأنه في ذلك ليس شأن سائر "العملاء والخونة" المعتادين، من عرب يعملون في صفوف الجيش الإسرائيلي أو من وشاة جندتهم، ضد ذويهم وبني جلدتهم، الموساد وسواها من أجهزة الاستخبارات، إذ لا يعدو أولئك أن يكونوا من بعض أوجه الخضوع الى الاحتلال ومن بعض منطق ذلك الخضوع، في أكثر تجلياته شيناً وازراءً، في حين أن أيمن ـ أمنون بات محتلا!
ومثل ذلك التحول قد لا تفي به، تفسيراً وتعليلاً، السيرة الذاتية لذلك الشاب، كما روى أطوارها لإحدى الصحف الإسرائيلية. فهو تحدث عن إعجابه بطريقة الحياة الإسرائيلية، منذ أن كان طفلاً يصاحب والده الى العمل داخل الدولة العبرية. كما أنه تحدث عن اعتقال وتعذيب قال أنه تعرّض لهما على أيدي بعض أجهزة الأمن الفلسطينية، لشبهة العمالة أو تعدياً وتجاوزاً، وعن أسرة إسرائيلية تبنته "روحياً" إن لم يكن قانونياً، وساعدته على اعتناق اليهودية. ليس في هذه السيرة، على ما قد يكون قد تخللها من معاناة أو من إجحاف، ما من شأنه أن يفسر انقلاباً جذرياً كذلك الذي أقدم عليه أيمن ـ أمنون. التفاوت أو عدم التناسب صارخان إذن بين مقدمات ذلك التحول (كما توحي بها سيرة الفتى) وبين ما يتسم به من خطورة ومن استثنائية، وذلك ما لا سبيل الى تذليله إلا بالكف عن البحث عن دلالة ذلك التحول على لسان صاحبه الذي أتاه أو كابده، واعتبار الفتى ذاك وتجربته القصوى تلك أداةً "توسلها" النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني للتعبير عن مدى إعضاله.
فالقصة تلك ربما عبرت، عن طريق الكناية، أو على طريقة "برهان الخُلف" كما يقول أهل المنطق، عن أن لا حل لذلك النزاع إلا باندثار أحد طرفيه أو بفناء أحدهما في الثاني، وذلك، في الحالتين، عين الاستحالة. أيمن ـ أمنون فعل ذلك على طريقته، وأوغل في ذلك المنطق حتى مآلاته القصيّة، حتى بلغ مرتبة تقع في ما وراء الخيانة، حتى آل الى الانقلاب على الذات، على نحو مبرم جذري، كأنما الفتى سلّم بأن الاحتلال، وهو جوهر العلاقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين كما سبقت الإشارة، قدر لا فكاك منه، وأن كل المتاح إنما هو تغيير موقعك في تلك العلاقة. وذلك أمر ليس أكثر دلالة على تعذّره وامتناعه من "نجاح" أيمن ـ أمنون في تحقيقه وبلوغه فردياً...
ولعل ذلك هو ما يفسر، في العمق، عسر التوصل الى تسوية لذلك النزاع. وهو عسر ربما مثلت سياسات شارون وتعنته وتطرفه وعدوانيته، نتاجه لا علته. إذ أن فكرة التسوية، في شأن النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني، وبخلاف كل نزاع سواه ربما، تقوم على مبدأ تقاسم ما لا يمكن تقاسمه، أي ليس فقط الأرض أو الحياة (كما في العلاقة الزوجية مثلاً، مع أني أرتاب شديد الارتياب في هذا الزعم على الرغم من ترديده منذ آلاف السنين)، بل تقاسم الوجود، وهو ما لا يمكنه أن يتحقق. تقاسم الأرض، في صورة التوافق عليه، قد يفضي الى تسوية "واقعية" أو "براغماتية"، ولكنه لن يفضي أبداً الى تسوية حقيقية، الى تعايش عادي، وذلك ما يعلمه الإسرائيليون علماً يقينياً، يجعلهم لا ينظرون الى علاقتهم بالفلسطينيين إلا من زاوية ميزان القوة، في أكثر تجلياته سفوراً وفظاظة، ومن تلك الزاوية حصراً.
ذلك أن العلاقة بين الطرفين لبّها الاحتلال، وهذا جوهري في المشروع الصهيوني وليس عارضاً كما هي الحال بالنسبة الى الإمبراطوريات الاستعمارية السابقة، وهو لذلك سيظل ماثلاً لدى الفلسطينيين، في نظرتهم الى ذاتهم الوطنية، حتى وإن تمكنوا من إقامة دولتهم المستقلة على بعض أرضهم، كما أنه سيظل ماثلاً لدى الاسرائيليين لعلمهم بأنه أساس وجودهم في المنطقة.
لذلك، لن تكون "التسوية"، إن تحققت، أكثر هدنة قد تقصر أو تطول. فمنطق ذلك النزاع وطبيعته لا يتيح غير ذلك...

07:59 Permalink | Email this