« في خطاب جورج بوش الأخير | HomePage | قصة أيمن أبو صبح الذي أصبح من محتلّي بلده »

16/07/2005

مصاعب أميركا في العراق قد لا تفضي الى هزيمتها

صالح بشير     الحياة     - 10/07/05//

 

الاخفاق الأميركي في العراق جليّ باد للعيان، لا ينكره إلا مكابر، من طينة الرئيس جورج بوش، المقيم على إشادة بالذات ما عادت تقنع أحدا، تُوهِم بنجاحات لا تُرى بالعين المجردة أو هي من قبيل التأكيدات التي تُلقَى على عواهنها ولا تفيد شيئاً. من هذا القبيل القول إن العالم بات أكثر أماناً منذ إسقاط صدام حسين، علما بأن النجاح ذاك يعود إلى أكثر من سنتين ولم يُنجز بعده شيء يُذكر.

لكن الاخفاق ذاك يبقى نسبيا، أقله حتى اللحظة. إذ بين الفشل في إحكام السيطرة على العراق وبين الهزيمة، أو دنوّ ساعتها واقتراب أوانها، بون شاسع وفارق فلكي. ففي مواجهات كتلك الدائرة في بلاد الرافدين، تتسم بتفاوت في القوة وفي الإمكانات، لا يتحقق النصر على القوات المحتلة في مواجهات تقليدية على ساحات الوغى (ربما كانت معركة ديان بيان فو التي انتصر فيها الفيتناميون على الفرنسيين في أوسط الخمسينات من الاستثناءات في هذا الصدد)، بل من خلال جعل الاحتلال عبئا باهظ الكلفة على المحتلّ، أمنياً وعسكرياً وبشرياً وسياسياً ومالياً، على ما هو معلوم إلى درجة الابتذال، يشهد به تاريخ حركات التحرر قاطبة.

والحال أن النزاع الدائر في العراق لا يبدو أنه بلغ هذه المرحلة أو أنه سيبلغها قريبا، إن هو استمر وفق منطقه ووتيرته الراهنين. فإذا كانت المقاومة، سواء لابسها الإرهاب أو لم يلابس، قد أفلحت في الحؤول دون استتباب الأمور للأميركيين وفضحت فشلهم في ذلك وأبرزته، إلا أنها حتى الآن لم تتمكن من تكبيدهم باهظا ثمن إخفاقهم ذاك، بالمعنى الذي سبقت الإشارة إليه.

يعود ذلك إلى سبب أساسي مفاده أن الولايات المتحدة إذ تمكنت من «عرقنة» المشكلة استطاعت أن تدرأ عن نفسها كلفتها، وجعلت وزر هذه الأخيرة يقع في المقام الأول على العراقيين، مؤسسات ومرافق ومواطنين. وهو ما أفضى إلى وضع مفارق قد يكونٍ على بعضٍ من فرادة في مثل هذه الحالات، حيث يُخفق الاحتلال في إحكام سيطرته لكنه لا يكون هو الذي يبذل ثمن ذلك الإخفاق.

هل انبنى ذلك على استراتيجية إرادية وواعية من قبل واشنطن، توقعت طول المواجهة واستمرارها (اثني عشر عاماً على ما صرح دونالد رامسفيلد مؤخراً)، فرأت أن تخوضها حرباً استنزافية بالواسطة، ساعية إلى تجنب ما يُعتبر عقب أخيل كل قوة محتلة؟ قد يشك المرء في وجود مثل هذه الاستراتيجية بالنظر إلى ما اتسم به سلوك القوة العظمى الوحيدة من ارتجال وتجريبية في تعاطيها مع الوضع العراقي، لكن مجريات الأمور في بلاد الرافدين تميل إلى ترجيحها خُطةً مُتوخاة. إذ سرعان ما استبدلت الولايات المتحدة طاقم الساسة المنفيين الذين اصطحبتهم معها لدى دخولها العراق وشكلت منهم في بداية أمرها مجلس الحكم الانتقالي، بحكومة موقتة (برئاسة أياد علاوي)، تضم قوى تتمتع بحضور داخلي، ثم بحكومة ابراهيم الجعفري الحالية، الناجمة عن انتخابات، كانت، أقله على الصعيد التقني، على قدر من شفافية ومن نزاهة بالنسبة إلى من خاض غمارها، وحظيت بمشاركة ضخمة من جمهور الناخبين، وإن على أسس طائفية، مذهبية أو عرقية، حتى أن من قاطعوها من أوساط الطائفة السنية طعنوا في شرعيتها لا في طريقة إجرائها.

نتيجة كل ذلك، إضافة إلى تشكيل قوات عراقية، أمنية وعسكرية، أوكلت إليها مهام إحلال الاستقرار ومجابهة العنف، مقاوماً كان أم إرهابياً، أن المواجهة باتت عراقية - عراقية على نحو يكاد يكون حصرياً، على ما يشهد عدد وهوية ضحايا العنف الذي استشرى وتفاقم في الآونة الأخيرة، وأثخن في أبناء البلد وفي مؤسساته أكثر مما نال من القوات المحتلة. أما كون «عرقنة» المشكلة، على نحو ما هو جار الآن، قد تفضي إلى الاحتراب الأهلي، فذلك ما قد تكون الولايات المتحدة تعتبره مخاطرة محسوبة، مستندة إلى أن عديد قواتها في بلاد الرافدين من شأنه أن يردع تحوله إلى نزاع مفتوح، فيبقى في حدود ما هو عليه الآن، تبادلاً لعلميات الاغتيال وللتفجيرات هنا وهناك.

حتى التلويح بالتفاوض مع بعض حركات التمرد، يمكنه أن يكون حمّال أوجه. فهو قد يكون عرضا جديا، وازعه الوعي بأنه لا سبيل إلى حلّ يكتفي بالوسائل العسكرية، كما قد يكون وسيلة لإحلال الخلاف والتنافر بين المجموعات المسلحة الناشطة في العراق، محلية كانت أو وافدة، والتي لا يمكنها إلا أن تتواجه بين قابل بذلك العرض، لاعتبارات وطنية أو فئوية، وبين رافض له، إما لأنه بات يرى النصر في المتناول، أو لأنه يخوض صراعا كوني المدى، قليل الاكتراث بالعراق في ذاته وككيان، على ما هي حال أبي مصعب الرزقاوي، كما يتبدى من أفعاله وأقواله الأخيرة: من تشكيله لقوة مهمتها محاربة الشيعة، إلى رفضه التمييز بين «مقاومة شريفة» وأخرى «غير شريفة»، حسب تعبيره، إلى الحرب التي شنها على الممثليات الدبلوماسية في بغداد، وكان اختطاف السفير المصري ثم أحد أبرز وقائعها واستهداف دولته الموصومة بـ «موالاة الصليبيين واليهود» وحسبان ذلك من أكثر المهام «الجهادية» إلحاحاً.

مؤدى كل ذلك أنه من الإسراف في التفاؤل الاعتقاد بأن مصاعب الولايات المتحدة في العراق قد تبشر بهزيمتها الوشيكة، فمثل ذلك لا يزال مستبعدا. العنف المسلح عرقل السيطرة الأميركية على العراق، لا ريب في ذلك، وقد يكون أجبرها على طلب التفاوض فنال من . لكن الأمر قد يتوقف حاليا عند هذا الحد لا يتعداه... في انتظار أن تكتسب المقاومة هوية سياسية جليّة صريحة المعالم، وأن تتنصل فعليا من المجموعات التي تزاول الإرهاب المحض، وفي انتظار أن تحوّل وجهة أعمالها العسكرية، إن رأت الاستمرار فيها، بأن تجعل كلفتها أشد وطأة على قوات الاحتلال منها على العراقيين.

21:34 Permalink | Email this