« الجموع تنتفض لكنها لا تثور | HomePage | مصاعب أميركا في العراق قد لا تفضي الى هزيمتها »
09/07/2005
في خطاب جورج بوش الأخير
صالح بشير الحياة - 03/07/05//
خطاب جورج بوش الأخير حول العراق أدى الغرض منه: نسبة من استحسنوا الخطاب المذكور بين مشاهدي التلفزيون (ومشاهد التلفزيون هو التسمية «الحديثة» للمواطن) قاربت الخمسين في المئة، في حين لم يعبر عن «خيبة الأمل» منه أو فيه سوى نحو الربع. ذلك أن الرئيس الأميركي لم يختر مناسبة واهية كتلك المتمثلة في الذكرى الأولى لنقل السلطة إلى العراقيين، أو نقل «السيادة» كما كان يُقال آنذاك في تعدّ على الألفاظ صريح سافر، لإلقاء خطابه ذاك إلا كي يستعيد بعض حظوة لدى الرأي العام، ذلك الذي انفضّ من حوله في الآونة الأخيرة، فحجب عنه الشعبيّة ورفع صوته منتقدا سياسته العراقية.
لا يُعتقد أن الرئيس بوش كان ينشد من مداخلته الأخيرة، بالرغم من نبرتها الحازمة أمام جمهور من العسكريين، شيئا غير ذلك. هذا إن افترضنا فيه قدرا من الحسّ السليم يعصمه من أن يتوهم أن لكلامه ذاك صفة وضع الاستراتيجيات ووظيفة ابتكار المقاربات (وإن كان مثل ذلك لا يُستغرب من الرجل ومن المحيطين به من الإيديولوجيين). ففي هذا الصدد، وبصرف النظر عن نواياه، لم يقل الرئيس الأميركي شيئا يفيد معنى، عدا دفاعه مجددا عن صواب قراره شن الحرب العراقية، وإن «أثرى» مرافعته في هذا الصدد بوازع لذلك القرار «جديد»، بعد إزالة خطر أسلحة الدمار الشامل ثم نشر الديموقراطية في ربوع «الشرق الأوسط الأكبر»، هو المتمثل في محاربة الإرهاب، مستنجدا، على نحو مُغرض وغير نزيه، على ما هي وظيفة الخطابة دوما، بـ11 أيلول وما تركه من أثر بليغ في النفس الأميركية، مصطنعا علاقةً سببية مباشرة بين ذلك الاعتداء الإرهابي وبين العدوان الأميركي على العراق. ويبدو أنه أصاب بعض النجاح في ذلك، إن صدقنا استقصاءات الرأي، وإن كان النجاح آنياً سريع الزوال على الأرجح، لن يلبث أن يدركه وأن يأتي عليه واقع النزاع الجاري داميا في بلاد الرافدين.
أما التحولات الاستراتيجية في معالجة الأزمة العراقية، إن وُجدت، فهي ليست مما يُخاض فيه أمام مشاهدي التلفزيون، وهي تجري على صعد أخرى، وهي أكثر جدية من أن تتأثر بمزاج الرأي العام وتقلبه وهشاشته أمام بلاغة الخطباء والمتلاعبين بالمشاعر ومسوِّقي الصور. مجالها أرض المعركة والديبلوماسية، السرية إلى هذه الدرجة أو تلك. وفي المجال هذا، ربما كانت تصريحات وزير الدفاع دونالد رامسفيلد، قبل أيام، حول اتصالات جارية أو مزمعة مع حركات المقاومة العراقية أو بعضها، أجدى وأبلغ دلالة من الخطاب الأخير لرئيسه. فالتصريحات تلك تمثل إقرارا أميركيا بالغ الخطورة، مفاده أن الحرب الدائرة رحاها في العراق، لا سبيل إلى حسمها بالوسائل العسكرية، وأنه لا مناص من سلوك مسلك التفاوض، مع بعض من كانوا، حتى الماضي القريب، يُدرَجون في خانة الإرهاب حصرا.
وفي الأمر هذا تراجع أميركي ناجز جليّ، لا يفي في التستر عليه امتناع جورج بوش، في خطابه الأخير، عن تحديد جدول زمني لانسحاب قوات «التحالف» من العراق. فواشنطن لم تكن، في إقبالها هذا على التفاوض مبادِرة، بل مضطرة غير مختارة، وهي لذلك ربما أقدمت على خطوتها هذه متأخرة جدا، أي بعد أن فقدت زمام المبادرة وبات يمتلكه من يقاومونها، ناهيك عن أنها أعطت الانطباع، طوال السنتين الماضيتين، بأنها تتعاطى مع الوضع العراقي تعاطيا تجريبيا لا يستهدي باستراتيجية محددة واضحة الأهداف والمآلات.
لا يمكن لمن يناصبونها العداء، في العراق وفي المنطقة، إلا تأويل الأمور على هذا النحو، واستخلاص استنتاجات مفادها أن من أجبر الولايات المتحدة على طلب التفاوض ربما كان في وارد إلحاق الهزيمة بها، وإذاقتها ضربا من «فيتنام عراقية» تنال من صلفها الإمبراطوري، خصوصا وأن إمكانات القوة العظمى الوحيدة في العالم، وهي قد تكون فاعلة رادعة حيال الدول كبيرها وصغيرها، برهنت على مدى محدوديتها في العراق، في مواجهة حركات مقاتلة، ليس لها ثقل حركة الدول وجيوشها النظامية وانكشافها، ولا تنحصر في جبهات يسهل دكها أو في مواقع يتيسر استهدافها. ومثل هذا التحليل، قد يلتقي حوله من لا يعنيه العراق إلا كـ«ساحة»، كموقع من مواقع حربه المديدة والكونية ضد الولايات المتحدة، وكذلك ما كان من الحركات المقاتلة عراقي الأجندة محلي المرامي، يعلم علم اليقين أن كل مكسب يُنال من الولايات المتحدة بالقوة وبالمقاومة يُترجم فورا إلى أرجحية ضمن التركيبة الداخلية في عراق ربما بات طائفي السمات أكثر من أي وقت مضى. هذا ناهيك عن أن التراجع الأميركي، إن تأكد، ربما أفضى تدريجا إلى انعقاد إجماع عراقي جديد حول المقاومة، خصوصا أن انتخاب محمود أحمدي نجاد رئيسا للجمهورية الإسلامية الإيرانية، ربما شد من عضد فئات من شيعة العراق، ميالة إلى سلوك مسلك المقاومة المسلحة، لكنها بقيت مهمشة عديمة الفعل حتى الآن.
لكل ذلك، فإن القول بأن العراق بصدد الانغلاق فخاً على القوات الأميركية بات احتمالا مرجحا إلى أبعد الحدود، بل ماثلا لا يمكن صدّه بوصمه بأنه من هلوسات الإيديولوجيين أو من تخمينات المحللين. فالولايات المتحدة ربما كانت مقبلة على وضع في العراق لا يمكّنها لا من الانتصار (ولو أمكنها ذلك لفعلت طوال السنتين الماضيتين)، ولا من الانسحاب، ليس فقط خشية اندلاع حرب أهلية في العراق كما كانت تقول، بل لأن انسحابها قد يتخذ شكل الهزيمة التي لا قبل لها بتحملها. ومثل هذه السيناريوهات معلومة مآلاتها: تفضي إلى ضرب من مكابرة إمبراطورية، خبرتها الولايات المتحدة نفسها في فيتنام كما خبرتها فرنسا في الجزائر، على سبيل المثال لا الحصر، تطيل أمد المآسي وتوسع مجالها إلى الجوار المباشر، لا عاصم منها إلا صحوة وعي لن تطرأ خلال ما تبقى من ولاية جورج بوش الثانية.
16:10 Permalink | Email this


