« هل طرأ على السطوة الأميركية ضعف يتعين استثماره؟ | HomePage | في خطاب جورج بوش الأخير »

09/07/2005

الجموع تنتفض لكنها لا تثور

المستقبل - الاحد 3 تموز 2005 - العدد 1966 - نوافذ - صفحة 9

صالح بشير

ما اقترع قوم في السنين الأخيرة ومع اختلاف الأصقاع وتباين الأوضاع، إلا وكان سوادهم الأعظم والوازن إلى المحافظة أميل، إلا وسعوا إلى الإقامة على ما هم عليه أو إلى استعادة نصاب، يعتبرونه نصابهم بالطبيعة، فقدوه أو يتهددهم فقدانه ويرومون إعادة إرسائه والإطمئنان إليه. قد لا يرتقي القول هذا إلى مرتبة القانون، الصارم، جمعاً ومنعاً، والشامل نفاذاً، ولكنه بالتأكيد يصف ملمحاً من الملامح الفارقة لزمننا هذا.
فهو يصح على اقتراعات كثيرة، استفتائية أو انتخابية، شهدتها بلدان راسخة في الديمقراطية وأخرى تخطو في مجالها أولى خطواتها. من الرئاسيات الإيرانية الأخيرة، التي جاءت إلى رأس السلطة (على افتراضِ أن الرأس ذاك يتمثل في رئاسة الجمهورية، وذلك افتراض نسبي جدا في إيران) بمحمود أحمدي نجاد، أكثر المرشحين إيغالاً في المحافظة، تبلغ لديه مبلغ التطرف (على الصعيد السياسي) ومبلغ التزمت (على الصعيد الأخلاقي) في نظر منتقديه والمتوجسين من فوزه خيفةً، إلى الاستفتاءين الأوروبيين الأخيرين، الفرنسي ثم الهولندي، حول وثيقة الدستور الأوروبي، تلك التي جبهت في البلدين بالرفض من قبل أغلبيات رأت في الوطن، تحتمي به، وفي الدولة ـ الأمة، تستظل بظلها، ملاذها من مغبّة عولمةٍ تتخذ لديها هيئة الاتحاد الأوروبي واتساعه المطرد على امتداد قارة بأسرها؛ إلى الانتخابات الرئاسية الأميركية قبل ذلك، تلك التي أعادت تأسيس شرعية الرئيس جورج بوش على أسس يمينية، دينية وقيمية، سافرة صريحة؛ إلى اقتراعات أخرى هنا وهناك، بحيث لا تكاد تشذ عن هذا المنحى سوى إسبانيا، التي انتخبت الاشتراكي خوسيه لويس ثاباتيرو، المُقبل على علمانية مناضلة باتت نادرة تكاد تنتمي إلى زمن ولّى، أو بريطانيا التي استبْقت طوني بلير لولاية ثالثة، ولكن بلاد ألبيون كثيرا ما تندرج في باب الاستثناء الذي يُحفظ ولا يقاس عليه، فلا رئيس وزرائها بـ"اليساري"، بالمعنى التقليدي أو الكلاسيكي، ولا أهلها، وهم من هم براغماتية وذرائعية، ممن يسلمون زمام أمرهم للأهواء الإيديولوجية.
ولكن ريح المحافظة تلك، وهبوبها الذي يبدو جارفاً على نطاق كوني، قد لا تكون، مبدئياً، إلا من صلب الديمقراطية ومن مستلزماتها، إذا ما سلمنا بما يذهب إليه مفكرون وفلاسفة كثر، من أن الجموع محافظة جبلّةً، ترى أن ما هي عليه هو ما يجب أن يكون، وأن ثقافتها وقيمها وطريقة حياتها إنما هي، لديها، من طبيعة الأشياء وناموسها الثابت والمستقر، وهي لذلك تأنف التغيير وتأباه أو تنفر منه نفوراً يكاد يكون غريزياً، حتى إذا ما قيض لها التعبير والاختيار، من خلال الاستفتاء أو الانتخاب، كرست نزوعها المحافظ ذاك وأكدته. وتلك وجهة نظر لو اعتمدناها، جدلاً، ودفعناها إلى مآلاتها الأخيرة، لعَنَت بأن "الثورة"، حسب اصطلاح المعاصرين، أي إذا ما أريد بذلك الاصطلاح برمجة التغيير الجذري وإنفاذه إرادوياً، لا يمكنها إلا أن تكون من فعل أقلية، نخبة "طليعية"، وأن الحديث، تبعاً لذلك، عن "ثورة شعبية"، إنما يدخل في باب القول الخطابي لا أكثر، لأنه ينطوي في حقيقة أمره على تناقض أصلي. فالجموع قد تنتفض، تحت وطأة ظروف ما ولدواعي استثنائية، ولكنها لا "تثور"، بالمعنى الآنف الذكر، وإذا ما أفضى انتفاضها إلى ثورة، فذلك لأن نخبة، أقلية طليعية، استسنحت فراغاً واستحوذت على زمام الأمور لتحوّل الانتفاض إلى ثورة، إذ تُدرج فيه أهدافاً وأجندة لم تكن في حسبان المنتفضين ولا كانت حافزهم. وربما قدمت الثورة الفرنسية، ثم نظيرتها الروسية المثالين الأبرز على "انزلاق" من هذا القبيل. الجموع إذن ليست ثورية، وهي إن أبدت حرصاً على تحولات من سويّة جذرية حصلت في تاريخها، فغالباً بعد أن يكون التقادم قد شرعنها والزمن قد سوّغها، فبوآها منزلة التقليد.
هل يصحّ هذا الرأي بإطلاق؟ ذلك سؤال يصعب، في المجال المتاح هنا، الخوض فيه بإسهاب. لكن الرأي ذاك ربما اكتسب صحة نسبية في زمن العولمة هذا الذي أجج الهويات وأعاد ابتعاث ما كان منها كامناً أو غافياً، وهي بطبيعتها محافظة، تضع الخصوصي، بل الأشد خصوصية، في مواجهة كونية ما عادت تكتفي بالدعوة إلى مبادئ بعينها، كما كان الحال إبان الحقبة الكلاسيكية للحداثة، مثالها ذلك الكائن الحقوقي المُسمى "المواطن"، بل باتت تنزع إلى اجتراح كائنات متماثلة أنموذجها "المستهلك"، أي كائنات لا تاريخية ولا ثقافية (إلا إذا اعتبرنا الموضة ومنتجات التسويق تاريخاً وثقافة)، ولعلّ ذلك ما يفسر بروز الحركات والتيارات والانفعالات المناهضة للعولمة حتى في البلدان التي تُعدّ مُصدِّرة لها، أي الولايات المتحدة في المقام الأول، تلك التي تتسم بعض أوساطها الفاعلة (طالما أنها جاءت بهذا الرئيس إلى سدة الحكم) بنزعة انكفائية مغالية إلى درجة العدوانية حيال العالم الخارجي، وما تعتبره رموزه، بدءاً بمنظمة الأمم المتحدة، تلك التي يناصبها أميركيون كثر عداء مستحكماً إذ يرون في وجودها مؤامرة تستهدف استقلالهم وسيادتهم وضرباً من سلطة دكتاتورية كونية تتربص بحرياتهم (وليس أكثر ولعاً بنظريات المؤامرة، يضاهون فيه العرب أو يفوقونهم، من الأميركان).
وهنا مكمن الإشكال الذي يواجه جورج بوش في دعوته إلى دمقرطة "الشرق الأوسط الأكبر"، وهو إشكال معضل من قبيل تربيع الدائرة. فالرئيس الأميركي، إذ يقرن الديمقراطية بالإصلاح، يجعل، عملياً من الأولى تلغي الثاني والعكس صحيح، أقله في هذه الحقبة من تاريخ العالم وبفعل المنحى الغالب عليها، وذلك لسبب أساسي، وهو أن الأغلبيات العددية والسياسية التي يمكنها أن تتصدر العملية الديمقراطية (من انتخابات وسواها) وأن تستفيد منها، هي من قبيل تلك المحافظة، أي تلك التي لا يمكنها أن تكون إصلاحية، أقله بالمعنى الذي يريده الرئيس الأميركي، أي إذا ما تمثل الإصلاح في بنود على شاكلة "تمكين المرأة" وتغيير برامج التعليم وعلمنة الحياة العامة. فمثل تلك الإصلاحات، في الظرف الراهن، وبالنظر إلى تلك النزعة المحافظة السائدة على نطاق كوني (والتي يمثل الرئيس الأميركي نفسه بعض نتاجها أو بعض تجلياتها)، هي مما لا يمكن أن تتولاه غير نخب "طليعية" تقسر مجتمعاتها عليه قسراً وتفرضه إرادوياً، وهو ما يحيل مجدداً إلى الاستبداد.
ولا شك في أن الإشكال هذا أدق من أن يستوعبه ذهن الرئيس القادم من تكساس و"خبراؤه" في شؤون الشرق الأوسط الأكبر، ممن تتضاءل لديهم الخبرة وتتضخم الإيديولوجيا، ولكنه سيكابد مفاعيله لا محالة أو هو بدأ يكابدها...

16:08 Permalink | Email this