« السياسة الهاذية تتحول قتلاً هاذياً | HomePage | الجموع تنتفض لكنها لا تثور »
02/07/2005
هل طرأ على السطوة الأميركية ضعف يتعين استثماره؟
صالح بشير الحياة - 26/06/05//
قد لا يعقب اللقاء الأخير بين رئيس الحكومة الإسرائيلية أرييل شارون ورئيس السلطة الوطنية الفلسطينية لقاء آخر، أو أن مثل ذلك اللقاء إن حصل، سيكون على الأرجح من طبيعة تقنية. ذلك أن «الفرقة» باتت ناجزة بين الطرفين، ليس فقط بسبب سلسلة اللاءات التي واجه بها رئيس الحكومة العبرية «ضيفه» الفلسطيني (إذ حل محمود عباس وأعضاء الوفد المرافق له ضيوفا في القدس!) بل لما لتلك اللاءات من دلالة مفادها أن الجانبين يختلفان اختلافا جذريا في تأويل الانسحاب الإسرائيلي، قوات ومستوطنين، من قطاع غزة: فالانسحاب ذاك خاتمة التسوية ومنتهاها في نظر الدولة الصهيونية، وهو لدى الجانب الفلسطيني مبتدأها ومنطلقها، أو هكذا يجب أن يكون.
والتأويلان متباعدان متنافران لا جامع بينهما من شأنه أن يستوي أرضية لتفاوض أو لتداول، فلا حاسم بينهما ولا فاصل غير ميزان القوة، يغلّب أحدهما على الآخر، والميزان ذاك معلوم أمره ومُتوقعةٌ مآلاته، تبدّت نذره خلال اللقاء الأخير، عندما خاطب رئيس الحكومة العبرية الرئيس الفلسطيني مُطالبا لجوجا في المطالبة، ممليا مسرفا في الإملاء، لا يرى لمحاوره من وظيفة سوى «الشراكة» في إنفاذ سياسات حكومته وإرادة دولته.
أما أن يكون شارون، وهو يفعل ذلك، بصدد وأد الاعتدال الفلسطيني، فذلك آخر همومه وأدنى انشغالاته، بل أنه قد يستشعر في اعتدال الفلسطينيين خطرا، أقله من باب الإحراج، قد لا يجده في تطرفهم، الذي قد يكون مكلفا بالمقاييس الأمنية، لكنه مجزٍ، إن نحا منحى العنف غير الرشيد كما حدث أثناء الانتفاضة الثانية، من الناحية السياسية.
غير أن ذلك لا يُكسب «الاعتدال»، إن كان إقبالا على التفاوض لا يُستجاب، فضيلة في ذاته. بل أن تجربة اللقاء الأخير في القدس بين قيادتي الجانبين، وما نجم عنها، أو بالأحرى ما لم ينجم عنها، ربما استوجبت إعادة النظر في الاستراتيجية التي يتوخاها محمود عباس، وهي التي يمكن القول أنها بلغت أقصى مداها، واستوفت أغراضها، مدللة على عدم جدواها، أو على الأصح على عدم جدوى الاعتدال في مواجهة خصم متطرف، كلما نال تنازلا أسس عليه السعي إلى تنازل يليه، يفرضه على أرض الواقع فرضا، لا ينتظر سوى الإقرار به.
ربما كانت استراتيجية محمود عباس اضطرارية لا مناص منها بعد أن آلت الانتفاضة الثانية إلى ما آلت إليه من انسداد الآفاق وبعد التحولات التي طرأت على العالم وعلى المنطقة إثر الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) والحرب الأميركية على العراق، ولكن الاعتبارات تلك لا تنفي أن الاستراتيجية إياها انبنت على مقدمات قد تكون خاطئة. أولها الاعتقاد بأن سلوك مسلك الاعتدال (كما تراه الولايات المتحدة) واختيار التفاوض طريقا حصريّا، سيكونان حجة وعنصر قوة بين يدي الفلسطينيين، والحال أنه لا يوجد في ذلك «التحول»، حسب شارون، ما يدعو إلى مكافأة الفلسطينيين، ما دام، في نظره، ثمرة هزيمة، سياسية (نجاحه في عزل عرفات) وعسكرية ألحقها بهم. كما أن من هنات تلك الاستراتيجية أنها راهنت على عنصر قوة لا يمتلكه الجانب الفلسطيني، ذلك المتمثل في الرغبة المفترضة إلى أبعد حدود الافتراض، لدى الولايات المتحدة في الضغط على إسرائيل لجرها إلى تسوية «عادلة» أو محدودة الإجحاف، بمجرد استيفاء شروط الاعتدال كما تراها الإدارة البوشية. كان يمكن لذلك الرهان أن يكون مصيبا، وإن بمقدار، لولا ما بين الإدارتين الحاكمتين في كل من تل أبيب وواشنطن من تماهٍ إيديولوجي، ولو كانت الولايات المتحدة لا تزال تقيم بعض اعتبار للعالم العربي ودوله، خصوصا منها تلك الموصوفة بـ«الكبرى».
نتيجة كل ذلك أن مجريات الأمور مع إسرائيل من جهة، وقلة الاكتراث الأميركي من ناحية أخرى، ربما كانت بصدد وأد الاعتدال الفلسطيني من خلال إظهار عقمه وانعدام جدواه، كأن في الأمر تعمّدا. ذلك أنه لم يسبق للفلسطينيين أن أبدوا «اعتدالاً» كذلك الذي ما انفكوا يبدونه منذ انتخاب محمود عباس، والتزمت به حتى حركاتهم الإسلامية المقيمة على تقيدها بالتهدئة وعلى ضبط النفس بالرغم من الاستفزاز والاعتداء من قبل إسرائيل، غير أنه لم يسبق للدولة العبرية أن أبدت قدرا من التصلب ومن التعنت كذينك اللذين تبديهما الآن، أقله منذ أن بدأ الحديث في التسوية.
أما وأن الآفاق تلوح مسدودة على نحو ما هي عليه الآن، وأما وأن استراتيجية «الاعتدال»، وفق الصيغة المعمول بها منذ انتخاب محمود عباس، لم تؤت ثمارها ولا يبدو أنها ستفعل ما دامت الشارونية سياسةَ إسرائيل، علما بأن السياسة تلك قد تستمر حتى بعد مضيّ صاحبها على ما يوحي مزاج الإسرائيليين، فربما توجب على الفلسطينيين أن يعيدوا النظر في استراتيجيتهم تلك، على نحو يمكّنهم من الاحتفاظ من الاعتدال بأفضل ما فيه، أي الاحجام عن أرعن الأفعال القتالية، دون استبعاد المواجهة، المدنية في المقام الأول، والعسكرية أيضاً لكن في حدود الأراضي المحتلة سنة 1967.
ذلك أن تحولا أساسيا طرأ على السطوة الأميركية في المنطقة يتعين استثماره: أن وطأة تلك السطوة الآن، غير ما كانت عليه غداة الحادي عشر من أيلول وإبان بدء الهجوم على العراق. فالولايات المتحدة أخفقت في بلاد الرافدين، والاخفاق ذاك يعني بعض الضعف، وإن كان نسبيا، وبعض الضعف ذاك يفسح هامشا للحركة وللاعتراض، وربما أمكن انتهازه على صعيد النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني.
10:00 Permalink | Email this


