« 2005-05 | HomePage | 2005-07 »
25/06/2005
حدود «الديموقراطية» الإيرانية
صالح بشير الحياة - 19/06/05//
بين الانتخابات الإيرانية وبين عمليات سبر الرأي (الاستقصاء) شبه أساسي: أن النتائج، في الحالتين، غير ملزمة. فلا تعدو الانتخابات الإيرانية أن تكون، بالتالي، مجرد سبر للرأي بـ«الحجم الطبيعي»، إن صحت العبارة، يشارك فيه مجمل الشعب أو كل متمتع بحق الاقتراع، وليس فقط عيّنة إحصائية وفق مجرى العادة.
فالاثنان يتشاركان في أنهما وسيلة لاستمزاج الرأي العام ولاستجلاء مواقفه من مختلف أوجه الشأن العام، على نحو جزئي أو شامل، لدواعٍ عملية قِطاعية أو سياسية عامة، وليسا أداة لاستخلاص إرادة شعبية ولإنفاذها. والاقتراعان الرئاسيان السابقان، وفوز الرئيس محمد خاتمي فيهما، بسبعة وسبعين في المئة من الأصوات في 1997 ثم بثمانية وسبعين في المئة في 2001، عبرا عن تلك الحقيقة بأجلى صورة.
فالفوزان ذانك، وقد كانا ساحقين بالمقاييس الإيرانية، وهذه لا تسفّ إسفاف الانتخابات العربية التي لا تقنع بما دون التسعة وتسعين في المئة، لم يمكّنا الرئيس المنتهية ولايته من تطبيق البرنامج الإصلاحي الذي انتُخب بمقتضاه، حتى أصاب اليأسُ ناخبيه. والمفارقة تلك معلومة أسبابها، فالسلطة في الجمهورية الإسلامية لا «تحتويها» المراتب التمثيلية أو المنتخبة، من مجلس شورى (برلمان) أو رئاسة جمهورية (في نظام يُفترض أنه رئاسي، حسب الاصطلاح الغربي)، بل يتولاها مجلس صيانة الدستور الذي قد يبطل قانونا صوتت عليه أغلبية متينة صريحة، ومرشد الجمهورية الإسلامية «خليفة» الإمام الخميني على رأس الدولة، بمقتضى نظرية «ولاية الفقيه».
ولعل ذلك ما يفسر الديموقراطية النسبية التي تتمتع بها الانتخابات الإيرانية، قياسا إلى نظيراتها العربية. فالانتخابات تلك تشهد حملات حقيقية، وتتسم بتعددية أصيلة، كما دلت تلك التي جرت يوم الجمعة الماضي, لأنها مأمونة العواقب بالنسبة إلى الإكليروس الحاكم، فلا ينجم عنها تغيير لموازين القوة الداخلية. وهي لذلك تمثل صيغة لمداورة الديموقراطية، تمكّن من الإقبال على هذه الأخيرة، وقد أضحت أقنوما كونيا يأخذ به حتى أعداؤه، مع استبعاد تبعاتها، ولكن بطريقة أرقى، أو لنقل أقل سذاجة أو فجاجة، من تلك التي اهتدى إليها المستبدون العرب، ممن ينظمون انتخابات غير تعددية، أو بتعددية مسخ، إن لم يكتفوا بالاستفتاء، كما لا يسمحون إلا بمرشحين لا يخوضون حملتهم بل يتبارون في الإشادة بحكمة «الرئيس القائد» الذي يُفترض فيهم منافسته، وتنتهي بتلك النتائج المعلومة. ربما عاد ذلك إلى الفارق بين نخبنا ونخبهم وبين شعوبنا وشعبهم، وتوزع هذه وتلك بين الخوف والانتهازية، علما بأن بعض حكامنا بلغ به التهافت والسخف بحيث أن الضحك منه والهزء به، لو أجمع عليهما الناس، قد يتكفلان بمفردهما بإسقاطه!
لقائل أن يقول ما الفارق، من حيث النتيجة، بين تشويه الديموقراطية على الطريقة العربية وبين تزويرها على المنوال الإيراني؟ نظرياً وآنياً، لا فارق. لكن ما لا شك فيه أن الأنموذج الإيراني، إذ يمارس قدرا ملحوظا من الديموقراطية مكتفيا، عمليا، بالتنكر لنتائج العملية الاقتراعية، قد يتضمن من حيث لا تدري أو لا تريد الأوساط المحافظة المتسلطة على زمام الأمور في ذلك البلد خميرة الانتقال إلى الديموقراطية، أو قد يكون واعدا في هذا الصدد بأكثر مما هي عليه الحال في البلدان العربية. فأصالة المنافسة الانتخابية، حتى وإن لم تبلغ مآلها الطبيعي، أي التداول الفعلي للسلطة، إضافة إلى حيوية النخب الإيرانية وتنوعها وعنفوان سجالاتها العامة، التي تخوضها لا سيما في صحفها التي تبلغ المئة أو تزيد، هي من الأمارات على وجود ديموقراطية محبطة، وهي لذلك ربما كانت قابلة للاستكمال، لا على غياب الديموقراطية أصلا، أي تلك التي لا تكاد تلوح بعض تباشيرها، بضغط خارجي في الغالب، حتى يصار إلى إجهاضه فورا. ذلك أن المجتمع الإيراني يمكن وصمه بكل شيء إلا بالركود، إذ يُلاحظ تفاوت لافت باد للعيان وعادة ما تكون الانتخابات فرصة امتيازية للتعبير عنه، بين حركية المجتمع وبين جمود السلطة، وهو تفاوت قد لا يسرف المرء في المجازفة إن توقع بأنه لا يمكنه أن يُحسم، في موفى أجل ما، إلا لصالح الأولى.
ذلك على الأقل ما توحي به تجربة «الثورات الديموقراطية» التي شهدتها أوروبا الوسطى والشرقية وأفضت إلى انهيار أنظمتها الشيوعية أو أعقبت اضمحلال ما كان يُسمّى بـ«المنظومة الاشتراكية»، فقد تحققت تلك الثورات عندما بلغ التفاوت بين حركية المجتمعات وجمود الأنظمة الحاكمة، درجة باتت معها هذه الأخيرة، بالرغم من توتاليتاريتها المعلومة، غير قادرة على احتواء تلك الحركية أو كبتها والتحكم فيها، فتهاوت بيسر مذهل.
غير أن ذلك لا يعني أن نظام الملالي في إيران سيأتي عليه «انفجار داخلي» كذلك الذي أودى بالأنظمة الشيوعية. بل الأرجح أن يشهد تغييرا على نحو تدريجي إصلاحي. والاحتمال ذاك بوادره ماثلة، ليس فقط في ما يعتمل داخل المجتمع الإيراني من غليان فكري وسياسي واجتماعي وجيلي (نسبة إلى الأجيال)، بل هي تندرج في تركيبة النظام ذاتها. فالنظام ذاك، إذ يتضمن مراتب ومؤسسات مُنتخبة، وإن حُرمت من صلاحيات السلطة أو لم يُتح لها إلا القليل النافل منها، ربما اكتسب إمكانات تطويره من داخله، أي من خلال نضال يكون رهانه وهدفه تحويل تلك المراتب والمؤسسات إلى أداة فعلية لمزاولة الإرادة الشعبية ولإنفاذها، خصوصاً أن نظام الجمهورية الإسلامية يتسم بسمة قد تكون فريدة قياسا إلى النماذج الاستبدادية المعهودة، تلك المتمثلة في أنه أقرب إلى أن يكون ضربا من «ديموقراطية مقلوبة»، إن جازت العبارة: ففي حين أن المؤسسات التمثيلية في الديموقراطيات العادية هي الممسكة بزمام السلطة الفعلية، في حين تكتفي المؤسسات غير المتخبة بتولي وظيفة الإشراف أو بالاضطلاع بسلطة رمزية، نرى عكس ذلك تماما هو المعمول به في إيران، حيث يقف النظام على رأسه، بهذا المعنى، وربما أمكن لدمقرطته أن تتحقق من خلال جعله يقف على رجليه.
هل يكون القول بذلك إسرافا في التفاؤل؟ قد يكون، لكن يبقى أن إيران من البلدان القليلة في المنطقة حيث يواكب الضغطَ الكوني باتجاه الديموقراطية توقاً داخلياً جارفاً تحمله، كذلك، قوى فاعلة.
12:22 Permalink | Comments (0) | Email this
محاكمة مايكل جاكسون
المستقبل - الاحد 19 حزيران 2005 - العدد 1952 - نوافذ - صفحة 11
صالح بشير
زعم الصحافيون أن مايكل جاكسون خرج من المحكمة التي برأته مبتسما، ولكننا، نحن جمهور التلفزيون، لم نر ذلك. رأينا "ملك موسيقى البوب"، كما لقبه محبّوه وواضعو استراتيجيات تسويقه، يغادر كالإنسان الآلي، يحرك يده بتحية رتيبة كرقاص الساعة، ولم نلحظ على ملامحه أثرا لعاطفة أو لمشاعر. لا شك في أنه كان سعيدا بإعلان براءته، ولكن التعبير خانه، أو هو الذي خان التعبير، مرّة واحدة وأخيرة، منذ أن فعل ما فعل بوجهه.
إذ أنّى للمرء أن يبتسم بوجه غير وجهه؟ ومايكل جاكسون رجل بلا وجه، أو أنه يمتلك وجها اصطنعه اصطناعا، فأضاع وجهه الأصلي وافتقده دون أن يكتسب سواه. قد يكون ندم على فعلته تلك، لكن الندم ذاك، مثله في ذلك مثل الأسف أو الأسى أو الفرح أو سواها، لن يرتسم يوما مرارةً على القسمات ولن يُضفي على الملامح مسحةً. ولعل ذلك أشنع ما فعله الرجل بنفسه، إذ أضحى أسير وجه مصطنع، يستوي دونه والعالمين ستارا منيعا، ويجعل ما قد يعتمل في أعماقه دفين تلك الأعماق لا يبرحها، يقبره ويئده وأداً. مأساته أنكى من مأساة دوريان غراي بطل رواية أوسكار وايلد الشهيرة، وليس فقط لأن هذه الأخيرة مُتخيّلة وتلك الأولى حقيقية. فدوريان غراي، وإن احتفظ بشباب وبنضارة أبديين، كانت له صورة تكابد الزمن وتصاريف الوجود مكابدة، يرتسم عليها ما لا يرتسم على وجه صاحبها، وجها بديلا "يدوّن" سيرته ويشهد عليها، مرآة تنعكس على صفحتها حياته وتقلباتها وتخط عليها تجاربُه آثارَها. أما مايكل جاكسون، فيعبر الحياة كتمثال من شمع، وحيد في "شمعيته" لا ينتمي إلى فصيلة بعينها، أحرق كل آصرة تربطه بالحياة الحقيقية. كف عن أن يكون أسود دون أن يصبح أبيض. أو هو اكتسب بياضا كبياض الموادّ لا كبياض البشر، إذ يقول من قاربوه أن لوجهه لون الجبس.
يُقَرّ لمايكل جاكسون بأنه امتلك ناصية صورته، يجترحها ويفتعلها وفق هواه ونزواته وإرادته، كما لم يسبق لكائن أن فعل، إلا في الأساطير ربما، فأوغل في ذلك حتى خرج من السويّة البشرية، أو بات على تخومها القصوى وعلى حواشيها البعيدة، حلقةً بينها وبين عالم الآلة. فمغني البوب الأميركي قد يمثل وعدا، أو بالأحرى وعيدا بالإنسان "البيوني"، النصف آلي والنصف البشري، كما تفننت في وصفه روايات وأفلام ما يُعرف بـ"الخيال العلمي"، فما عاد ينتمي إلى عالم الأحياء إلا إن طبقنا عليه نظرية ريتشارد داوكينس. والمفكر هذا، وهو دارويني قد يكون متطرفا في داروينيته، يرى، في كتاب له بعنوان "الساعاتي الأعمي" أو "صانع الساعات الأعمى" (The blind watchmaker)، أن ما يميّز أشياء الفيزياء عن أشياء البيولوجيا أن الأولى بسيطة التركيب لا تبدو شاخصة نحو غاية، في حين أن الثانية بالغة التعقيد ويبدو أنها قد وُجدت لهدف أو لوظيفة، فلا يتورع، اعتمادا على تقسيمه هذا، عن إدراج الآلات، من طائرات وسيارات وكمبيوترات وما إليها، مع أنها من معدن ومن بلاستيك، في عداد البيولوجيا، لأنها معقدة التركيب أو هي نتاج العقل البشري، هو وبدوره بالغ التركيب، كما أن لوجودها غاية ووظيفة.
هذه النظرية القابلة لجدل كثير، إذ تبدو قائمة على استقراءات أقرب إلى السفسطائية، ربما وجدت في مايكل جاكسون، ككائن مادته الأولى طبيعية ولكن هيئته "النهائية" مُنتج من منتجات التكنولوجيا (الطب وجراحة التجميل)، "الدليل" الأول والوحيد، أقله حتى اللحظة، على صحتها.
ولكن ما هي الوضعية القانونية لكائن كهذا، متلبس بين الإنسان والآلة، بين الطبيعة والاصطناع، وأي السمتين هي الغالبة عليه؟ وهل كان للالتباس ذاك من فعل في توجيه محاكمته وفي نيله البراءة؟ فهو كإنسان عاقل، تُفترض فيه المسؤولية على أفعاله، أو يُفترض فيه "التكليف" كما كان يقول القدامى، أما جانب الاصطناع والآلية فيه فربما جعله في حل من كل مسؤولية. لم يُثر الإشكال هذا على نحو صريح، ولكنه قد يكون خامر، وإن على نحو ضمني أو غير واع، هيئة المحلفين التي نظرت في قضية مايكل جاكسون. إذ لا شك في أن محاكمة إنسان أشبه بتمثال من شمع ليست بالأمر الهيّن. فـ"الشيء" ذاك قد يثير مشاعر، إيجابية أو سلبية، من تعاطف أو من اشمئزاز، ولكنها بالتأكيد ليست من قبيل المشاعر التي يستثيرها البشر، ويمكن ترجمتها، تبعا إلى ذلك، إلى حكم قانوني. ولا ريب أن تبيّن الإنسان خلف القناع الاصطناعي لذلك المتهم الماثل أمامهم، أو النفاذ إلى إنسانيته القابعة دفينةً وراء شيئيته، كانا يتطلبان من أعضاء هيئة المحلفين، وهم في الغالب من الناس العاديين، متقاعد أو ربة بيت أو ما إلى ذلك، قدرة على التجريد هي بالتأكيد غير يسيرة في المتناول.
هل ارتكب مايكل جاكسون ما اتهم به؟ هل تحرش جنسيا بالأطفال وهل ناول أحدهم مشروبات كحولية وعلّم آخر كيفية الاستمناء؟ أم هل أنه كان في ذلك ضحية تهم باطلة تستهدف ابتزازه؟ تعلقه بالأطفال واصطحابه لهم إلى فراشه، إضافة إلى قضية سابقة انتهت بصفقة دفع بموجبها عشرين مليون دولار حسب الشائعات (الشائعات تتعلق طبعا بالمبلغ لا بالقضية)، ربما أوحت بأن براءته ليست ناجزة ناصعة. كما أن جشع الأمهات اللواتي ألقين بأبنائهن في أحضانه أملا بابتزازه ليس بالأمر المستبعد. لكن الحكم ببراءة مايكل جاكسون قد لا يكون عائدا فقط إلى ترجيح الاحتمال الثاني وتغليبه على ذلك الأول، ولا حتى إلى براعة محاميه في التأثير في المحلفين، وفق تلك السنة الأميركية المعلومة، والتي مفادها أن القضاء لعبة نفوذ مالي أولا وأخيرا، يحسمها في نهاية المطاف المال وحده. بل إن حكم البراءة ذاك ربما كان ناجما أيضا عن تلك الحيادية الجنسية التي يفترضها البشر في الأشياء، ومايكل جاكسون بات شيئا، أو باتت تغلب عليه الشيئية، وإن نطق وتحرك وغنّى ورقص.
فمغني البوب الأميركي مسخٌ، تواطأت الحداثة وإمكاناتها التكنولوجية مع عنصرية المجتمع الأميركي على خلقه. رجل أراد أن يكون أبيض فلم يفلح إلا في أن يكون شيئاً... وهل تُحاكم الأشياء؟
12:20 Permalink | Comments (0) | Email this
18/06/2005
للفلسطينيين بقي خيار واحد: انتفاضة ثالثة... مدنية
صالح بشير الحياة - 12/06/05//
لا ريب في أن دماً فلسطينيا غزيرا سيُراق قبل أن تستكمل القوات الإسرائيلية انسحابها من غزة. الانسحاب ذاك سيتم، لأن خطة أرييل شارون تقتضيه، لأن الاحتفاظ بالضفة الغربية يتطلبه، تلك التي لن يُسلَّم من تبقى منها إلى أصحابه الشرعيين، بعد أن تكون إسرائيل قد أعملت فيها ضما وقضما واستيطانا، إلا أشلاء وطن لا يجمع بينها رابط أو آصرة، لا تصلح قاعدةً لدولة، لكن الانسحاب ذاك سيكون على الأرجح باهظ الكلفة على الفلسطينيين.
إذ أن إسرائيل تعاني مما يمكن تسميته بـ«سيندروم جنوب لبنان»، وهي لذلك ستبذل كل ما في وسعها من عنف، وهو يكاد يكون لا نهائيا غير محدود، لتسبغ على انسحابها من القطاع سمة الحرب الطاحنة. سيرتحل الإسرائيليون، قوات ومستوطنين، مقاتلين، بل بالأحرى قاتلين، يبطشون ويدمرون، في معركة في نظرهم فاصلة، تستهدف كيفية تأويل الفلسطينيين ومن ورائهم العرب، لا سيما رأيهم العام، لدلالة انسحابهم ذاك: لا يجب أن تنشأ في أذهان الفلسطنيين أية علاقة سببية، حتى وإن كانت واهية، حتى على سبيل الشطط في القول أو من باب الدعاية، بين انتفاضتهم الثانية وتلك الخطوة الإسرائيلية. لا يجب أن يُفهم الانسحاب ذاك إلا على أنه فعل «سيادي»، أقدمت عليه الدولة العبرية من تلقاء نفسها، ولاعتبارات تخصها، لا أمرا دفعها الفلسطينيون إليه دفعا وأجبروها عليه إجبارا. ولا سبيل إلى تحقيق ذلك إلا من خلال تحويل عملية الانسحاب تلك إلى حرب ضروس على الفلسطينيين، إلى هزيمة عسكرية تلحقها بهم وإلى عنف مستطير تسلطه عليهم. وهي ستفعل لا محالة، خصوصا وأنها طليقة اليدين، عسكريا ودبلوماسيا، لا رادع يقف في وجهها ولا حائل.
والهاجس ذاك استراتيجي في نظر إسرائيل أكثر مما قد يتصور العرب. وهو ما يفسّر ذلك «التصعيد» الفجائي الذي أقدمت عليه الدولة العبرية في الآونة الأخيرة، مستهدفة حركة المقاومة الإسلامية «حماس»، وطاعنة في السلطة الوطنية ورئيسها المعتدل محمود عباس، وممتنعة عن كل تنسيق مع هذه الأخيرة، لأنها تريد أن تترك القطاع، لا أن تتركه لأحد، مع ما قد يعنيه ذلك من اعتراف لذلك «الأحد»، كائنا من يكون، ومعتدلا كان أم متطرفا، بصفة «الشريك». عابثة بـ«تهدئة» تم التوصل إليها بعسر ومشقة. لكن إسرائيل غير معنيّة بمآل تلك «التهدئة»، التي لا تبلغ حتى مبلغ الهدنة، والتي لم تكن طرفا فيها ونجحت في جعلها شأنا فلسطينيا-فلسطينيا، أُقرت بتفاهم بين السلطة الوطنية وبين الحركات المقاومة حصرا، فلا تلزمها بشيء أو في شيء.
قد لا ينفع والحال هذه ضبط النفس، ولا نصح الحركات المقاومة الفلسطينية بالثبات عليه والاعتصام به. فالدولة العبرية، التي لم تلتزم بهدنة ولم توقّع عليها، ترى بأن المواجهة لم تتوقف، وهي لذلك يمكنها «استئنافها» متى ما عنّ لها ذلك، بذرائع أو من دون ذرائع، وليس أهون عليها من افتعال تلك الذرائع ومن اختراعها إن أعوزتها، خصوصا وأن أرييل شارون، وهذا أيضا من دلالات «التصعيد» الأخير ومغزى من مغازيه، يريد للانسحاب من غزة أن يكون نهاية مطاف «التسوية» لا منطلقها، على ما يحلم الجانب الفلسطيني، أقله ذلك الرسمي، أي عملا يرمي من ورائه إلى إجهاض «خريطة الطريق» كما سبق له أن وأد مسار أوسلو، وهو فاعل لا شك، لأن قراءته لميزان القوة تخوّل له ذلك، ولا يمكن القول أن التصريحات التي أدلى بها الرئيس جورج بوش لدى زيارة محمود عباس إلى واشنطن، والتي لم تعدُ أن تكون تصريحات... أي كلاما يتوخى الطمأنة وبذل ما لا يُلزم وما لا يكلّف، من شأنها أن تثني رئيس الحكومة الإسرائيلية عن ذلك أو أن تردعه.
لم يبق، والأمر كما وصفنا، للإصرار على توخي طريق التفاوض والاعتدال من فائدة تُرجى ولا للإقامة على ضبط النفس من معنى. هذا إن مــــــيّزنا بــيــن الاستراتيجيات والمقاربات بمعيار الجدوى، وهـــو مــــا لا يحسن العرب فعله عادة، وليس على أساس الاندفاع الإيديولوجي الأرعن تارة أو استجابة إلى عالم خارجي لا يقدّم، مقابل الاعتدال شيئا تارة أخرى.
لكل ذلك، ربما أمكن القول إن الحالة الراهنة لا تترك أمام الفلسطينيين سوى أحد خيارين: إما الاضمحلال سياسيا وكيانيا، وهذا احتمال غير وارد، يحول دونه نضال فلسطيني مديد، إن لم يُنجز شيئا يُذكر على صعيد إحقاق الحقوق ونيلها، إلا أنه اجترح وطنية فلسطينية قائمة ماثلة يتعذر شطبها، وإما خوض غمار انتفاضة ثالثة. ويبدو أن مجريات الأمور في هذا الطور من أطوار تاريخ الشعب الفلسطيني، لا تترك من مجال غير هذا الاحتمال الأخير، لأن وعود الوضع الحالي، أو بالأحرى انعدام تلك الوعود، يجعل من مثل تلك الانتفاضة الثالثة السبيل الوحيد المتاح في وجه قضية باتت تواجه فعلا خطر «التصفية» لا الحل، مع أن الخطابة العربية قد ابتذلت تلك العبارة وأفسدتها، فلا يستخدمها المرء إلا مترددا أو على مضض.
وإذا ما قيّض لتلك الانتفاضة الثالثة أن تنشب، فسيتوجب عليها ربما أن تستعيد الطابع المدني للأولى، وأن ترشّد العنف (دون أن تستبعده) الذي اتسمت به الثانية. أن تزج بالشعب الفلسطيني في حمأة الاعتراض على الاحتلال، وأن تلوذ بعنف يركز على الأراضي المحتلة سنة 1967، مجال الدولة الفلسطينية المنشودة حسب معايير الشرعية الدولية (وهذه تبقى الحليف الوحيد للفلسطينيين بالرغم من كل شيء)، ويتجنب أسواق القدس المحتلة وملاهي تل أبيب ومحطات الباص في يافا.
أما في ما عدا ذلك أو دونه، فمضيعة للوقت وللحقوق، كما دلت الأشهر الماضية، منذ انتخاب محمود عباس رئيسا.
17:07 Permalink | Comments (0) | Email this
11/06/2005
... عن الديموقراطية والانتخابات
صالح بشير الحياة - 05/06/05//
يحسب جورج بوش، واثقا نزيها ربما (فلنسخُ عليه بهذا الوصف، لمَ لا؟) أنه بصدد اجتراح الديموقراطية في «الشرق الأوسط الأكبر»، بل بصدد اختراع مسار جديد لتاريخ أو لتواريخ تلك المنطقة، إذ لا ريب في أن ما بين صيغتي المفرد والجمع هاتيْن من فوارق لا تعدو أن تكون تفاصيل نافلة لا يُعتدّ بها في نظر ذلك الرئيس القادم من تكساس، مقبلا على عالم بالغ التعقيد بأفكار ساذجة بسيطة. والرجل، بصرف النظر عن خطل سياساته الذي يُغني عن كل إسهاب، قد يكون معذورا في ما هو عليه من تفاؤلية مُشِطة و مُهلكة في آن، على ما تشهد تجربته في العراق، إذ أنّى لرجل صادر عن أمة كتلك الأميركية، نشأت بقرار، اصطنع شعبا ونظاما سياسيا وانتماءً ثقافيا (إذ تردد الأميركيون في بداية أمرهم بين اختيار الإنكليزية أو الألمانية لغة لهم، نظراً لكثرة المهاجرين القادمين من موطن غوته)، أن يقيم اعتبارا لامتداد التاريخ ولوطأته على أمم وشعوب أخرى بعيدة عن الزمن وعن المكان الأميركيين، يكاد تاريخها، لملابسته الأزل، أن يستوي طبيعة؟
لذلك يتصور الرئيس الأميركي أن دمقرطة «الشرق الأوسط الأكبر» مسألة قرار، وأنها ما كانت تنتظر غير رجل مثله، إرادويّ شديد القبضة حازم يفرض الانتخابات ويفرض التقيد بمواعيد إجرائها كلّف ذلك ما كلّف، كي تتفعّل في التاريخ. وهو لذلك يهاتف الرئيس المصري حسني مبارك حاضا على الإصلاح أو يصرّح مستنكرا اعتقال المتظاهرين أو الاعتداء عليهم، ويرحب بما جرى في لبنان، من انتفاضة مدنية أعقبت اغتيال الرئيس رفيق الحريري ومن انتخابات كانت دون ذلك الوعد المدني، على اعتبار أنه من ثمار سعيه الدؤوب إلى إحلال الديموقراطية في ربوع المنطقة، غير متورع عن تقديم اقتراع مثير للجدل على أكثر من صعيد، شأن ذلك العراقي الأخير، على أنه مؤذن بفجر الديموقراطية وفاتحتها ولبنتها الأولى.
وهو بطبيعة الحال، وإن افترضنا فيه حسن النيّة، واهم لأكثر من سببٍ. أولها استهانته بالاستبداد في مناطقنا وبقدرته على البقاء والتكيف والتلوّن. فدول المنطقة من البعد عن الديموقراطية بحيث يمكنها أن تقضّي ما تبقى من ولاية بوش الثانية في اتخاذ الإجراءات والخطوات التي تقربها أو تزعم تقريبها من تلك الديموقراطية المنشودة، وبالتالي في طمأنة الرئيس الأميركي وفي إشعاره بالنجاح، دون أن تبلغها أبدا. فهي تتمتع بمتسع أو بهامش عريض من الاستبداد قمينيْن بتمكينها من استنفاد الضغوط الأميركية أقله طوال مدة حياة الإدارة الحالية، وهي قصيرة محدودة بقياس «أبدِنا» الاستبدادي. أنظمتنا تستطيع الاطمئنان إلى عامل الزمن، وهي لا تراه بالضرورة فاعلا لغير صالحها كما قد يتوهم دعاة «الحتميات التاريخية»، خصوصا وأن الانظمة تلك لا تضيع وقتا في الأثناء، إذ هي تستجيب بعض الضغوط الأميركية من جهة، وتتابع القمع من جهة أخرى، مستهدية في ذلك بإستراتيجية مرسومة: إجهاض كل بديل محتمل، من خلال تقويض ما كان من المعارضة مقبولا من العالم الخارجي أو يمكنه أن يكون مقبولا، وتركيز المواجهة مع تلك التي لا تتوافر على تلك الصفة أو دفعها إلى التطرف إن لم تكن متطرفة أصلا. والأمثلة على ذلك كثيرة بالوسع معاينتها على امتداد ذلك الفضاء الذي يزعم الرئيس الأميركي الانتقال به إلى نعيم الديموقراطية.
ثم أن هناك سمةً أخرى من سمات المنطقة يجهلها الرئيس الأميركي، هي انتهازية أوضاعنا حيال «الحداثة» أو ما يقوم مقامها، وقدرتها اللافتة على إدراج الجديد في قديمها لا العكس. وقد لا يكون المرء بعيدا عن الصواب إن راهن على أن مآل الانتقال إلى الديموقراطية سيكون كمآل «استعارات» أخرى سابقة، مثل الدولة الحديثة والحزب والنقابة وما إليها من المؤسسات من طينتها، استدخلتها المنطقة شكلا دون أن تنخرط فيها روحا، فإذا السلطة عسكرية (إن لم تكن مشيخية أو ملكية)، كما كان شأنها منذ العصور المملوكية على الأقل، وإذا الحزب أو النقابة أو ما إليهما من المؤسسات الموصوفة بـ«الحداثة»، أقنعة لا تكاد تخفي انتماءات من قبيل عتيق ضارب في العتق، مثل القبيلة أو الطائفة أو ما كان على شاكلتهما من منظومات الاصطفاف الأهلي، وإذا الخطاب فئوي وإن رطن بمصطلحات العصر. وإذا ما اتخذنا الانتخابات العراقية مقياسا وهي على الأرجح كذلك، فإن الديموقراطية والانتقال إليها سيكون مآلهما كمآل ما سبق من مؤسسات «الحداثة» ومن ممارساتها، سيستوعبهما واقعنا ما قبل الحديث أو الممتنع عن الحداثة عوض أن يكونا أداة لتجاوزه.
لا يُقال ما سبق على سبيل اليأس أو التيئيس، ولكن للتذكير بأمر بديهي سبق أن أشار إليه الكثيرون، مفاده أن فعل الاقتراع لا يصنع، في ذاته, ديموقراطية، على ما يتوهم الرئيس الأميركي، وأن الإرادوية والإملاء والقسر والتدخل الإمبراطوري الفظ لا تفضي ضرورة إلى الإصلاح، على ما دلت الحالة العراقية على الصعيدين ذينك. كل ما في الأمر أن دور الخارج يكون أنجع وأفعل إن اقتصر على ضغط لا يبالغ في التدخل وعلى الحضّ والتشجيع، يساعد على إنضاج العامل الداخلي وعلى توجيه خطاه، ويمكن القول في هذا الصدد أن الأنموذج الأوروبي برهن على أنه من سوية أرقى من نظيره (أو نقيضه) الأميركي، وربما اكتسب جاذبية أكبر.
ولكن للولايات المتجدة آجال إيديولوجية وانتخابية لا تعبأ كثيرا بمثل تلك الاعتبارات، وهي لذلك قد تنأى بالمنطقة عن لحظة الانتقال إلى الديموقراطية من حيث تريد أو تزعم دفعها إليها دفعا.
09:50 Permalink | Comments (0) | Email this
عن الـ"لا" الفرنسية للدستور الأوروبي
صالح بشير
المستقبل - الاحد 5 حزيران 2005 - العدد 1938 - نوافذ - صفحة 11
هل وأد الناخبون الفرنسيون الاتحاد الأوروبي؟
هم على أية حال عرقلوه وقيدوا حركته وحكموا عليه بالمراوحة إلى أمد قد يطول. فعلوا ذلك وهم على بيّنة من أمرهم، وليس نزقا أو بدافع من جزع آني أو بوازع من ضيقٍ أملته اللحظة الاقتصادية وتحت وطأة أزماتها، على ما مالت إلى القول أو أوحت تعليقات وتحليلات كثيرة صادرة، بطبيعة الحال وبقوة الأشياء، عن نخبةٍ كاتبة أو مُدليةٍ بالقول "الخبير"، أوروبية الهوى في مجملها أو في غالبيتها، سبق لها أن استهانت بنوازع الـ"الا" لدى جمهور المُستفتين، ولا يسعها، وقد فوجئت بنتائج استفتاء الأحد الماضي وبوغتت، إلا أن تقيم على قلة الفهم، أقله في انتظار امتصاص الصدمة وإدراك ما حصل، أو أن تتوخى سبيل التهوين.
فالفرنسيون، وهم في العادة قوم يحسنون التمييز، لم يأخذوا أوروبا وبناءها والاستمرار فيه وتمتين أواصرها بجريرة طبقتهم السياسية، حاكمة كانت أم معارِضة، تلك التي ضاقوا ذرعا بقصورها وكانوا يريدون بلا ريب مقاصصتها. الهاجس ذاك كان قائما ماثلا، ولكنه كان فرعيّا ثانويا، ولم يكن أساسيا وحاسما، مع أن لحظة الاستفتاء تلك كانت تغري بالإقدام على فعل التحدي ذاك أو تزيّن فعل الإنذار ذاك، دون المخاطرة بأزمة سياسية داخلية خطيرة، طالما أن نتائج التصويت ما كان يمكنها أن تتعلق بالنّصاب المحلي إلا على نحو غير مباشر وغير فاعل فورا. كما أنه لا يُعتقد أن المستفتين أولئك قد سبّقوا اعتباراتهم الداخلية، غير هيّابين، إذ اتخذوا من التصويت على مشروع الدستور الأوروبي ومن رفضه ذريعة لها ومطيّة، باستثارة أزمة تطال القارة بأسرها.
بل أن الناخب الفرنسي كان يعلم علم اليقين أنه إنما دُعي إلى الفصل في شأن أوروبي في المقام الأول، وهو إن ساوره أدنى شك في ذلك فقد تكفلت الحملة الصاخبة والسجال الواسع اللذين سبقا الاستفتاء بإزالته. لقد أتاح عرض الوثيقة الدستورية الأوروبية على الاستفتاء (وهذا أبغض الحلال الديمقراطي في نظر من يرتابون بالجموع وبجنوحها إلى الشطط)، فرصة لذلك الناخب كي يفصح عن رأيه في البناء الأوروبي، في طوره الراهن وكما تتبدى له احتمالاته المستقبلية، فانتهزها وفعل. خصوصا وأن الناخب ذاك على وعي تام بموقع بلاده من الاتحاد الأوروبي، وتاليا بمفعول قراره ومداه.
ففرنسا ليست فقط بلدا مؤسسا للاتحاد الأوروبي منذ الإرهاصات الأولى لهذا الأخير قبل نصف قرن، وهي ليست فقط محرّكه الثاني والضروري إلى جانب ألمانيا بل هي، بمعنى من المعاني، مانحته الشرعية وإن على نحو جزئي ولكنه أساسي. فإذا كان الاتحاد الأوروبي يمثل تجاوزا للدولة ـ الأمة، فإن فرنسا، قياسا إلى سائر كيانات القارة، هي الدولة ـ الأمة بامتياز أو أنموذجها الناجز. فهي التي كانت سباقة إلى وحدة كيانية متينة، التأمت حول مركز جغرافي وحول سلطة بسطت نفوذها على سائر التراب الوطني مذللة كل الخصوصيات المحلية وحول لغة وثقافة استوتا هوية جامعة وعلى قدر كبير من الرسوخ. تحقق ذلك منذ عهود الملكية المُطلقة، أي قبل الثورة الفرنسية وقيام "الجمهورية الحديثة"، التي لم تفعل، في الغالب وفي هذا الصدد، غير الاستمرار على النهج الذي اختطّه "الملك الشمس" لويس الرابع عشر وسواه من ملوك فرنسا. أما سائر الدول ـ الأمم الأوروبية الأخرى، فهي إما حديثة العهد بالوحدة، أو أنها لم تتجاوز تمايزاتها المحلية، الكثيرة في بعض الحالات، ولم يبلغ أي منها، على أية حال، درجة من الانصهار الكياني كتلك التي بلغها النموذج الفرنسي وكانت من عناصر فرادته.
لذلك، كان حماس فرنسا للاتحاد الأوروبي ودورها الفاعل في إنشائه، وقبولها التخلي عن عدد من صلاحياتها السيادية لفائدة ذلك الكيان العابر للأوطان والمتعالي عليها، بمثابة المرافعة الأبلغ والأقوى لصالح ذلك المشروع الاتحادي، وأحد أبرز مبررات ومسوغات إمكانه، اضطلع بوظيفة القدوة وإن على نحو ضمني أو غير إرادي.
ومن هنا خطورة التصويت الفرنسي الأخير الذي بدا أقرب إلى سحب الثقة من الفكرة الأوروبية، أو على الأقل إلى مواجهتها بطريقة نقدية لا تخلو من جذرية. كأنما الناخبون أرادوا ترميم واستعادة كيانيتهم الوطنية، يلوذون بها ويحتمون، في مواجهة اتحاد أوروبي، ما عاد يلوح لهم مطمئنا أو واعدا. أسباب هذا "النكوص" القومي كثيرة، بعضها سيادي مبدئي عبرت عنه بالخصوص أوساط أقصى اليمين، وبعضها الآخر والغالب، تحفظ أو ريبة حيال اتحاد أوروبي غلّب اعتبارات السوق على كل ما عداها، أو هكذا بدا الأمر لأولئك الناخبين، خصوصا منذ أن اتسع البناء الأوروبي ليشمل بلدان وسط القارة وشرقها، تلك التي جعلت من فقرها ومن تخلفها النسبي أداة منافسة مرعبة: يد عاملة زهيدة الكلفة، تهدد باجتياح أوروبا الغربية مهاجرةً، دون رادع أو ضابط طالما أن التنقل بين بلدان الاتحاد حرّ، أو تغري بنقل الصناعات إلى حيث توجد. وقبل أسابيع، كانت شركة فرنسية قد فصلت عددا من العاملين فيها وعرضت عليهم الانتقال إلى منشآتها في رومانيا، لتقاضي ما يتقاضاه العامل المحلّي هناك، أي نحو المئة يورو في الشهر!
وهكذا، يمثل التصويت الفرنسي الأخير احتجاجا صارخا ضد العولمة، أو ضد صيغة من هذه الأخيرة قوامها الليبيرالية الاقتصادية الجامحة، وذلك بالرغم مما تدعيه أوروبا من تمايز حيال "الأنموذج الأنلكوساكسوني". إنه نوع من إعادة الاعتبار إلى الدولة الوطنية، على حساب التكتلات الكبرى والجامعة. فالأولى مجبرة، بحكم طبيعتها ومهما بلغت في أخذها باقتصاد السوق، على الاضطلاع بمهام الرعاية وعلى تولي وظيفة الضابط للتفاوتات والاجحافات، أقله لأنها واقعة حكما تحت "سلطة" بطاقة الاقتراع، تحاسبها على كل تقصير أو تُثيبها على كل نجاح، في حين أن تلك المؤسسات العابرة للأوطان، يسيرها تكنوقراط غير منتخبين، تكاد تنعدم وسائل التأثير في قراراتهم.
نتائج الاستفتاء الفرنسي الأخير، معطوفا عليه ذلك الذي شهدته هولنده وتكلل برفض مماثل، قد يكون من مظاهر إعادة النظر في العولمة وفي بعض شططها وسعيا إلى تقويم ذلك الشطط وتداركه. وإذا صحّ ذلك، فإن النتائج تلك لا يمكنها أن تكون آنية البواعث أو المآلات.
ربما كانت الوحدة الأوروبية، أول "إمبراطورية طوعية" في التاريخ، حلما طوباويا بديعا، لكن مشكلته أنْ أوكل أمر تحقيقه إلى التكنوقراط... أبعد الناس عن كل حلم طوباوي.
09:46 Permalink | Comments (0) | Email this
10/06/2005
ليبراليون عرب: صرخة ضد التبسيط
تلحّ التحديات التي تواجه مجتمعاتنا اليوم على طلب الموقف المسؤول من المثقفين، كتّاباً وصحافيين وجامعيين وغيرهم، حيال بعض القضايا الداهمة. ويضاعف الإلحاح أن الفرز والاستقطاب العصبي في الأوساط الثقافية العربية يقللان القدرة على انقشاع الصورة وبلورة المواقف.
وما نحاوله، نحن الموقّعين أدناه، صرخة ضد التبسيط إزاء العناوين الأهم في حياتنا. وهو تبسيط يتوهّم أصحابه أنهم يوقفون، بطقس المقاومة مرة وطقس الديموقراطية مرة أخرى خرابا زاحفا وموتا عميما.
فنحن إذ ندين التداعي الذي يضرب مجتمعاتنا العربية باسم حروب مصيرية وقضايا مقدسة لم يبق منها الا اطلاق وتائر التفتت وإدامة الهزائم، نذهب الى ان الليبرالية التي نقول بها، ولاء لقيم تحديثية وتنويرية أولا وأساسا، وليست أبدا ولاء للولايات المتحدة كائنا من كان المقيم في بيتها الأبيض. صحيح ان الوعي الليبرالي لا بد وان يعثر على مرجعيته الفكرية ونموذجه في التجارب <<الغربية>>، فيطمح الى مزاوجتها مع الاسهام القليل الذي أداه مفكرون عرب، كالشيخ محمد عبده وتلامذته. لكن الصحيح ايضاً ان هذه الحكومة <<الغربية>> او تلك مرشحة، بموجب حركة مصالحها وأمزجتها العارضة وتحولات مجتمعها، إلى التنكّر لتلك الليبرالية نفسها. وهو جميعاً ما يُلزمنا التفريق بين الفكرة وبين مهدها الجغرافي والسياسي، والا قاد الولاء للفكرة الى التحاق يتعارض مع الحرية مرتكز كل وعي ليبرالي.
ونحن إذ نرى المخاطر الوجودية التي يرتّبها الاستبداد، عسكريا كان أم مدنيا، علمانيا أم أصوليا، سلطويا أم مجتمعيا، على نسيج أوطاننا وحركة تقدمنا نرى، في المقابل، ان الديموقراطية تتويج لمسار وليست أول المسار، كما يشيع من يسمّون أنفسهم <<ليبراليين جدداً>>، وهم أقرب الى ان يكونوا <<محافظين جدداً>>.
فمهمة التغيير تطاول المجتمعات نفسها، وتتعلّق بتأسيس الشعوب العربية بوصفها شعوباً وطنية، لا عصبيات، أكثر مما تتصل بإطاحة حاكم من الحكام يستحق الإطاحة والتهليل، تالياً، لفجر الديموقراطية البازغ! وإذا كانت المأساة العراقية بعد مكسب انهيار صدام وحكمه تحضّ على هذه الرؤية النقدية، يبقى مقلقاً ان تظهر الطوائف المتحفّزة في لبنان بعد إنجاز خروج الجيش السوري ومخابراته منه. وبقدر ما يبعث فينا الأمل سقوط الديكتاتوريين، وكان صدام أبرزهم، وابتداء عمليات انتخابية هنا وهناك، يبعث فينا القلق اعتماد الحروب الخارجية من غير غطاء قانوني أداة لمثل هذا الانجاز وما يرافقها ويتلوها من صبيانيات تساوي بين الانتخابي والديموقراطي فيما تصنّم هذا الأخير وترفعه الى مصاف القداسة والرؤيا. وبالمعنى هذا، فإن كل الأوصاف المحقة التي قد تُسبغ على النظام السوري لا تبرر، ولن تبرر، في رأينا، تكرار ما شهدته بغداد في دمشق بذريعة الانتصار للديموقراطية وحقوق الانسان.
ثم إن <<الغرب>> الذي نطمح الى استعارة ما هو متقدم ومتنوّر في تجربته، مطالَب بتوفير النموذج الذي يحاكي التقدم والتنور هذين. وأول المحاكاة احترام القانون، فلا يحصل ما حصل في غوانتانامو وأبو غريب مثلا. وبقدر ما ندين الإرهاب الوحشي في العالم الإسلامي، البنلادني والزرقاوي وسائر المتفرعات، يُمارس باسم الدين، ندين انبعاث بعض الإرهاب الفكري في <<الغرب>> الذي يجد تسويغه، المعلن او الضمني، في أصولية مسيحية هي، وإن لم تكن مسلّحة، توفّر للأصولية الإسلامية تبريرها الذاتي. وغني عن القول إن الأصولية لا يمكن ان تكون مرغوبة في مكان ممقوتة في مكان آخر. ومثلما يستفزنا ذاك الميل الخطير، الشعبوي والديماغوجي، الى الاحتفال بالموت المسمّى شهادة، والى المضي في القتال هنا وهناك الى ان يغدو عالمنا قاعا صفصفا، يستفزنا ذاك التجاهل الاسرائيلي الفاجر، المستند الى غضّ نظر أميركي، لحقوق الشعب الفلسطيني الذي تتبخر أرضه في صورة يومية.
ومثلما يؤرّقنا الصراخ الهائج ضد العولمة، فيما مجتمعاتنا جميعاً تتحرّق الى الرساميل والاستثمارات تفد الينا من الخارج، يؤرّقنا ذاك الصمت المقابل حيال ضرورة تطوير صمّامات أمان تقي الفقراء جوعاً، كما تساهم في تحصين المجتمعات تجاه التطرف والإرهاب.
وقصارى القول، إن الشعور الظافري، أكان عنوانه المقاومة أم كان الديموقراطية، يزيد الصورة الملبّدة تلبّداً. فالمسائل المطروحة علينا، في فلسطين والعراق، وربما غداً في لبنان وسورية ومصر والسعودية والخليج واليمن والسودان والمغرب، تستدعي العقل أكثر مما تستدعي الحماسة، وتتطلّب التفكير في مجتمعاتنا وفي انقساماتها، القديم منها والجديد، أكثر مما تتطلّب التصدي ل<<الغرب>> او التماهي مع <<الغرب>>.
الموقّعون: إبراهيم الحيدري (العراق)، إبراهيم غرايبة (الأردن)، أسامة الغزالي حرب (مصر)، الحاج ورّاق سيد أحمد (السودان)، السيد يسين (مصر)، المعطي قبال (المغرب)، بدور الدده (العراق)، بشير البكر (سورية)، بشير هلال (لبنان)، تركي الحمد (السعودية)، جان دبغي (لبنان)، جلال الماشطة (العراق)، جمال نزّال (فلسطين)، حازم الأمين (لبنان)، حازم الببلاوي (مصر)، حازم صاغية (لبنان)، حسان الزين (لبنان)، حسن منيمنة (لبنان)، حيدر ابراهيم (السودان)، خالد الدخيل (السعودية)، خالد الحروب (فلسطين)، خالد القشطيني (العراق)، دلال البزري (لبنان)، ديانا مقلّد (لبنان)، زهير الجزائري (العراق)، ربعي المدهون (فلسطين)، رشيد الخيون (العراق)، رياض قهوجي (لبنان)، سامي زبيدة (العراق)، سعيد السلمي (المغرب)، سمير اليوسف (فلسطين)، سميرة المانع (العراق)، سيار الجميل (العراق)، صادق جلال العظم (سورية)، صالح بشير (تونس)، صلاح عيسى (مصر)، صلاح نيازي (العراق)، طه عبد العليم (مصر)، عارف علوان (العراق)، عباس شبلاق (فلسطين)، عبد الحسن الأمين (لبنان)، عبد النور بن عنتر (الجزائر)، عمر مصالحة (فلسطين)، غالية قباني (سورية)، غانم جواد (العراق)، فاضل السلطاني (العراق)، فوزية البكر (السعودية)، محمد الحداد (تونس)، محمود أباظة (مصر)، منى مكرم عبيد (مصر)، منذر مصري (سورية)، نبيل عبد الفتاح (مصر)، نجاد البرعي (مصر)، نجوى بركات (لبنان)، نصر حامد أبو زيد (مصر)، وحيد عبد المجيد (مصر)، ياسر أبو هلالة (الأردن)، ياسين الحاج صالح (سورية)، يوسف بزّي (لبنان).
01:29 Permalink | Comments (0) | Email this
04/06/2005
زيارة محمود عباس إلى واشنطن
صالح بشير الحياة 2005/05/29
ما كان يمكن لزيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى الولايات المتحدة إلا أن تنتهي بإحالته، من قبل مضيفيه، على أرييل شارون في كل ما له علاقة بالتسوية. فالأميركان قد يستقبلون الرئيس الفلسطيني أفضل استقبال، لا يرقى طبعا إلى ذلك الذي حظي به رئيس الحكومة الإسرائيلية قبله بأسابيع، بعد أن قاطعوا سلفه ياسر عرفات ونزعوا عنه صفة «المحاور». وقد يثنون على اعتداله وعلى جنوحه الواضح لتوخّي سياسة التفاوض، وقد يشيدون بانتخابه ديموقراطيا ويعتبرون الاقتراع ذاك نموذجياً حرياً بمنطقة الشرق الأوسط أن تقتدي به، بل قد يقدمون له المساعدات المادية التي جاء يطلبها، بعد أن حجبوها طويلا عن السلطة الوطنية الفلسطينية بدعوى فسادها وسوء تصرفها (وهي مآخذ ليست باطلة تماما). لكنه ما كان يمكنه أن يظفر منهم بموقف سياسي، أو بالأحرى والأصح بموقف سياسي يتميز عن ذلك الإسرائيلي.
صحيح أن الجانب الأميركي قد جدد، أثناء زيارة الرئيس الفلسطيني إلى واشنطن، التزامه بـ«رؤية بوش»، المتعلقة بإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة إلى جانب الدولة العبرية، كما أوضح الجانب ذاك أن الدولة تلك يجب أن تكون متصلة الأجزاء لا جيوبا متفرقة مشتتة. لكن الإدارة الأميركية تحتفظ في هذا الشأن بضرب من «الغموض البنّاء»، لفائدة إسرائيل طبعاً. فأرييل شارون أيضا يقول بالدولة الفلسطينية، لكنه يراها موقتة إلى أجل غير مسمى. كما أنه يسلّم باتصال أجزائها، لكنه لا يرى الاتصال ذاك ترابيّاً، بل بواسطة طرقات خاصة بالفلسطينيين، تمكنهم من التنقل بين مختلف بونتوستاناتهم، أي اتصالا من دون سيادة. وليس من التحامل أو من التشاؤم أو من افتراض سوء النية في شيء توقّع أن تعمد الولايات المتحدة (إن استمرت على وجهتها الراهنة)، عندما يجدّ الجدّ، أي عندما يحين أوان تتنفيذ هذا «الحل»، إلى تبنّي ذلك التأويل الشاروني. والتأويل ذاك أضحى إسرائيليا على ما يبدو، لا يتوقف على رئيس الحكومة الحالي، لطبيعة «الدولة الفلسطينية» ولاتصال أجزائها.
قرائن كثيرة تدفع إلى توقع الأسوأ هذا، منها ما هو من باب الوقائع المتفرقة لكنها تنتظم في منحى منسجم، مفاده أن إدارة الرئيس بوش لا توجه إلى السلطة الفلسطينية، سواء في عهدها العرفاتي السابق أو في عهد أبي مازن هذا، من المطالب إلا تلك التي توجهها إسرائيل، شأن تفكيك «الحركات الإرهابية»، أي المنظمات الفلسطينية المقاوِمة (مهما كان الرأي في بعض مقاومتها). حتى ذلك التعلق بالمواعيد الانتخابية، وتقديسها تقديسا عُصابيا من قبل هذه الإدارة الأميركية، يزولان عندما يتعلق الأمر بالانتخابات التشريعية الفلسطينية، التي كانت مُزمعة في السابع عشر من تموز (يوليو) المقبل، إذا كانت الرغبة بالتأجيل إسرائيلية أيضا، فضلا عن الاعتبارات الفلسطينية الداخلية.
ثم هناك ما هو أعمق وأهم من تحوّلات، وهو ما قد يكون غير مسبوق جدّ مع هذه الإدارة الأميركية: فهذه الأخيرة ربما كانت الوحيدة التي لا تمتلك سياسة في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، أقله منذ أن دخلت الولايات المتحدة طرفا فاعلا في الشرق الأوسط مع العدوان الثلاثي في 1956. صحيح أن الموقف الأميركي لم يكن يوما متوازنا بين طرفي النزاع بطبيعة الحال، لكن الإدارات السابقة، وعدا عن لحظات المواجهات القصوى شأن حرب 1967 أو حرب 1973، كانت تتوخى سياسات متمايزة، وإن على نحو طفيف، وإن في إطار التحالف الوثيق، عن تلك الإسرائيلية. كانت تترك متسعاً، على هذا القدر أو ذاك من الضيق، للمساعي العربية، تمثل وعدا، وإن محدودا أو حتى خلّبا، بالتأثير في مواقف إسرائيل من خلال الولايات المتحدة، كما حصل مثلا عندما «أجبر» الرئيس جورج بوش الأب تل أبيب على حضور مؤتمر مدريد.
أما هذه الإدارة فليست لها من سياسة حيال المسألة الفلسطينية إلا تلك التي ترتئيها إسرائيل، تتبناها تبنيا كاملا وتعمل بمقتضاها. إذ أن واشنطن، في عهدها البوشي هذا، تخلت حتى عن دور الراعي غير النزيه وغير العادل، لتسلم بالكامل ملفا أساسيا من ملفات سياستها الخارجية إلى دولة تبقى في نهاية المطاف دولة أجنبية، حتى وإن بلغت مبلغا من التحالف الوثيق كذلك القائم بين إسرائيل والولايات المتحدة. وهذا مستجد قد يعسر تفسيره فقط بما درجنا عليه من تفسيرات كثيراً ما اعتمدناها، شأن ما يقال عن سطوة اللوبي الصهيوني (فالسطوة تلك ليست بالأمر الجديد)، أو ما يقال من أن إسرائيل هي الولاية الواحدة والخمسون، إذ لو صح ذلك لكانت الدولة العبرية ولاية من طراز خاص، تنوب عن المتروبول في صلاحيات سيادية. والحال أن إسرائيل هي الدولة الأجنبية الوحيدة التي تتخلى لها الولايات المتحدة عن صلاحيات سيادية شأن قضايا الحرب والسلام والحل والامتناع عنه في منطقة استراتيجية وحساسة من مناطق العالم!
قد يمكننا القول، في انتظار الاهتداء إلى تفسير أفضل أو أعمق وأشمل، أن الأمر ذاك ربما كان ضربا من اندماج كذلك الناجم عن تجارب الحلول، تقع على صعيد إيديولوجي وغيبي.
لكن الولايات المتحدة، إذ تجعل سياسة «اللا حلّ» الإسرائيلية سياستها، وإذ تتبناها تبنيا أعمى كما سبقت الإشارة، إنما تدرج صراعها مع العالم العربي والإسلامي في الأبدية ولا تريد له أن يضع أوزاره في يوم الأيام، في تناغم لافت مع من يزمعون منازلتها «فسطاطاً في مواجهة فسطاط»، إلى يوم الدين، ما ينافي منافاة تامة زعمها المعلن إحلال الاستقرار والديموقراطية في ربوع «الشرق الأوسط الأكبر».
لذلك، وعطفا على كل ما سبق، هل زيارة محمود عباس إلى واشنطن مجدية؟ الأرجح أن لا، في ما عدا بعض المساعدات المالية ربما… ولكن هل يُلام الرجل، وحال شعبه وقضية شعبه على ما نعلم، إن هو طرق كل الأبواب المتاحة؟
09:42 Permalink | Comments (0) | Email this
عن الولايات المتحدة ومنظمة العفو الدولية
المستقبل - الاحد 29 أيار 2005 - العدد 1931 - نوافذ - صفحة 12
صالح بشير
غريب أمر هذا السجال الدائر بين الولايات المتحدة ومنظمة العفو الدولية (أمنستي). فمثل ذلك السجال مألوف في علاقة المنظمة المذكورة بأنظمة الاستبداد في العالم، إذ دأبت هذه الأخيرة على اعتبار تقاريرها مغرضة، كاذبة، ولكنها قد تكون المرة الأولى التي تتلقى فيها تلك المنظمة تهماً من هذا القبيل من لدن دولة ديمقراطية، بل زعيمة العالم الحرّ، رافعة لواء الحقوق الإنسانية والزاعمة نشرها في ربوع العالم وفرض احترامها بالضغط أو بالحرب إن دعت الحاجة.
فقد عبرت الولايات المتحدة عن بالغ ضيقها من التقرير السنوي لمنظمة "أمنستي" الصادر قبل أيام حول حالة الحريات في العالم، مشيراً إلى تدهورها وإلى مسؤولية واشنطن في ذلك، حتى أن سكوت ماكليلان، الناطق بلسان البيت الأبيض، وصف ما ورد في التقرير بأنه "اتهامات سخيفة لا سند لها في الواقع"، متباهياً، بنبرة ربما كانت، لشططها، بالغة الدلالة: "لقد حررنا أكثر من خمسين مليوناً في أفغانستان والعراق وننشر الحرية والديموقراطية في العالم، حتى يُحكم الناس بموجب دولة القانون ولتأمين حقوق الأقليات والنساء". وبذلك، تخرق الولايات المتحدة عرفاً ديمقراطياً في التعاطي مع منظمة "أمنستي"، ذلك المتمثل في التسليم بأن المنظمة تلك هيئة حيادية غير سياسية، مرصد لانتهاكات حقوق الإنسان في العالم، لا تفاضل في ذلك بين الضحايا، من أي اتجاه سياسي أو من أي مشرب إيديولوجي كانوا، كما أنها لا تفاضل طبعاً بين مرتكبي تلك الانتهاكات، دولاً أو منظمات، لعلم المنظمة المذكورة أن مصداقية عملها إنما تتأسس على تلك الحيادية. وهذا ما كان يسهل فهمه على الأنظمة الديموقراطية، القائمة على ثقافة تقرّ للوقائع بموضوعيتها، وتأخذ بمبدأ استقلالية هيئات المجتمع المدني، و"أمنستي" في عدادها، تخصصاً وصلاحيات، لذلك، لم يكن معهوداً أن تنشب سجالات بين المنظمة تلك ومثل تلك الأنظمة، ليس لأن هذه الأخيرة منزهة عن خرق الحقوق الإنسانية، بل هي تفعل وإن في حدود دنيا قياساً إلى سواها، بل لأنها تحترم تلك الصفة غير السياسية، شبه التقنية أو المنحصرة في المجال القيمي، وذلك تمييز لا تقوى عليه الأنظمة الاستبدادية، والتوتاليتارية منها على نحو خاص، لأنها تسيس كل شيء، وتعتبر كل انتقاد فعل معارضة أو تآمراً.
لذلك فإن الولايات المتحدة تجترح جديداً، وإن نسبياً، إذ تقوم بمهاجمة منظمة "أمنستي" كما فعلت منذ أيام. ذلك لا يعني بطبيعة الحال أن الولايات المتحدة باتت تنتسب إلى أنظمة الاستبداد، وأنها باتت لا تحتمل النقد في ذلك الصدد الحقوقي، وهو نقد لم تنجُ منه يوما بسبب استمرار بعض ممارسات التمييز العنصري مثلاً أو بسبب أحكام الإعدام، ولكن ذلك الضيق بالنقد إنما يعود إلى إقدام الولايات المتحدة، في عهدها البوشي هذا، على "أدلجة" حقوق الإنسان، على نحو غير مسبوق ربما حتى خلال الحرب الباردة، واتخاذها ذريعة ومسوغاً تتمحور حولهما سياستها الخارجية وتدخلها الإمبراطوري في شؤون العالم. لذلك، يصبح انتقادها في ذلك ضرباً من نسف الشرعية التي تدعيها تلك السياسة الخارجية ودحضا لها يتعلق بالأسس التي تصطنعها وبالمبررات التي تزعمها.
والحقيقة أن التقرير الأخير لمنظمة العفو الدولية كان في المضمار هذا وثيقة اتهام بالغة القسوة، حيث أشار إلى معتقل غوانتانامو، الخارج تماما عن كل إطار قانوني، وإلى ما حصل في سجن "أبو غريب" العراقي من حوادث تعذيب وأفعال انتهاك مشهورة، كما يشير التقرير إلى أن القوات الأميركية اقترفت في العراق جرائم قتل غير مبررة وقامت باعتقالات تعسفية، وأنها استمرت في توخي التعذيب وسوء المعاملة بالرغم من افتضاح أمر ما ارتُكب في "أبو غريب"، وأن آلاف العراقيين اعتقلوا في سنة 2004، دون تهمة محددة ولمجرد الاشتباه في قيامهم بأنشطة معادية، وأن "ظروف اعتقالهم قاسية جدا، في معتقلات بعضها سري أو غير معلوم". بل أن التقرير يذهب إلى ما أبعد من ذلك مؤكدا، بطريقة توثيقية إحصائية، أن الديمقراطية وحقوق الانسان تقهقرت على الصعيد العالمي، منذ تفجيرات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001 في نيويورك وواشنطن، ومنذ أن أطلقت الولايات المتحدة حملتها "الكونية ضد الإرهاب"، وذلك ما ينقض ويدحض ما تردده الإدارة الأميركية من أن جهودها لمكافحة الإرهاب ونشر الديمقراطية في أرجاء العالم تؤتي ثمارها، مستشهدة في ذلك بالانتخابات العراقية الأخيرة وبما آلت إليه من تزايد الاحتقان الطائفي في بلاد الرافدين، أو بانتخابات البلدية في السعودية، أو بتعديل الدستور في مصر، ذلك الذي لا يعتقد أنه سينهي سطوة الحزب الوطني الحاكم وسيضع حدا لاحتكاره للسلطة، وما إلى ذلك من "إصلاحات" تبدو نسبتها إلى النجاح أقرب إلى الاعتباط والتعسف. أو أن تقرير منظمة "أمنستي"، يقدم الدليل على أنه إذا ما حصل بعض تقدم في تلك المجالات، فقد قابله تقهقر أفدح وأشد وطأة.
لكل ذلك، لم يسبق لتقرير أعدته منظمة من قبيل "أمنستي"، وهي من طينة منظمات دولية كثيرة تنشط في مجالات شتى وترصد عاهات كونية لا حصر لها من فقر ومرض وكوارث بيئية وما إليها، أن اكتسب أهمية سياسية كهذا التقرير الأخير. ليست المنظمة المذكورة هي المسؤولة عن تسييس عملها، ولكنها الولايات المتحدة، التي "أدلجت" حقوق الإنسان وجندتها تتوسلها في نوازعها الإمبراطورية، هي التي وجدت نفسها أمام أحد احتمالين: إما القبول بانتقادات منظمة "أمنستي"، على ما تفعل الأنظمة الديمقراطية عادة، والتسليم تبعا لذلك بخطل سياستها الخارجية، أو على الأقل بخطل تسويغاتها، وذلك أمر متعذر في ظل إدارتها الإيديولوجية الراهنة، وإما المخاطرة بإنكار الحيادية على منظمة تستقي مصداقيتها من حياديتها، أسوة بما درجت على فعله أنظمة الاستبداد. وقد استسهلت واشنطن اللجوء إلى الخيار الثاني.
وللسلوك هذا وجهان، أحدهما سلبي، هو تحويل حقوق الإنسان من مُثل يتحقق حولها إجماع كوني، أو يُرجى ذلك، إلى مجال لصراعات القوة، والثاني إيجابي، يجعل منظمة مثل "أمنستي" تصطف، عملياً، إلى جانب المعترضين على سياسة الولايات المتحدة وتعزز موقفهمح طبعا إذا كان المعترضون أولئك من فصيلة الحريصين على حقوق الإنسان.
09:40 Permalink | Comments (0) | Email this


