« للفلسطينيين بقي خيار واحد: انتفاضة ثالثة... مدنية | HomePage | حدود «الديموقراطية» الإيرانية »

25/06/2005

محاكمة مايكل جاكسون

المستقبل - الاحد 19 حزيران 2005 - العدد 1952 - نوافذ - صفحة 11




صالح بشير

زعم الصحافيون أن مايكل جاكسون خرج من المحكمة التي برأته مبتسما، ولكننا، نحن جمهور التلفزيون، لم نر ذلك. رأينا "ملك موسيقى البوب"، كما لقبه محبّوه وواضعو استراتيجيات تسويقه، يغادر كالإنسان الآلي، يحرك يده بتحية رتيبة كرقاص الساعة، ولم نلحظ على ملامحه أثرا لعاطفة أو لمشاعر. لا شك في أنه كان سعيدا بإعلان براءته، ولكن التعبير خانه، أو هو الذي خان التعبير، مرّة واحدة وأخيرة، منذ أن فعل ما فعل بوجهه.
إذ أنّى للمرء أن يبتسم بوجه غير وجهه؟ ومايكل جاكسون رجل بلا وجه، أو أنه يمتلك وجها اصطنعه اصطناعا، فأضاع وجهه الأصلي وافتقده دون أن يكتسب سواه. قد يكون ندم على فعلته تلك، لكن الندم ذاك، مثله في ذلك مثل الأسف أو الأسى أو الفرح أو سواها، لن يرتسم يوما مرارةً على القسمات ولن يُضفي على الملامح مسحةً. ولعل ذلك أشنع ما فعله الرجل بنفسه، إذ أضحى أسير وجه مصطنع، يستوي دونه والعالمين ستارا منيعا، ويجعل ما قد يعتمل في أعماقه دفين تلك الأعماق لا يبرحها، يقبره ويئده وأداً. مأساته أنكى من مأساة دوريان غراي بطل رواية أوسكار وايلد الشهيرة، وليس فقط لأن هذه الأخيرة مُتخيّلة وتلك الأولى حقيقية. فدوريان غراي، وإن احتفظ بشباب وبنضارة أبديين، كانت له صورة تكابد الزمن وتصاريف الوجود مكابدة، يرتسم عليها ما لا يرتسم على وجه صاحبها، وجها بديلا "يدوّن" سيرته ويشهد عليها، مرآة تنعكس على صفحتها حياته وتقلباتها وتخط عليها تجاربُه آثارَها. أما مايكل جاكسون، فيعبر الحياة كتمثال من شمع، وحيد في "شمعيته" لا ينتمي إلى فصيلة بعينها، أحرق كل آصرة تربطه بالحياة الحقيقية. كف عن أن يكون أسود دون أن يصبح أبيض. أو هو اكتسب بياضا كبياض الموادّ لا كبياض البشر، إذ يقول من قاربوه أن لوجهه لون الجبس.
يُقَرّ لمايكل جاكسون بأنه امتلك ناصية صورته، يجترحها ويفتعلها وفق هواه ونزواته وإرادته، كما لم يسبق لكائن أن فعل، إلا في الأساطير ربما، فأوغل في ذلك حتى خرج من السويّة البشرية، أو بات على تخومها القصوى وعلى حواشيها البعيدة، حلقةً بينها وبين عالم الآلة. فمغني البوب الأميركي قد يمثل وعدا، أو بالأحرى وعيدا بالإنسان "البيوني"، النصف آلي والنصف البشري، كما تفننت في وصفه روايات وأفلام ما يُعرف بـ"الخيال العلمي"، فما عاد ينتمي إلى عالم الأحياء إلا إن طبقنا عليه نظرية ريتشارد داوكينس. والمفكر هذا، وهو دارويني قد يكون متطرفا في داروينيته، يرى، في كتاب له بعنوان "الساعاتي الأعمي" أو "صانع الساعات الأعمى" (The blind watchmaker)، أن ما يميّز أشياء الفيزياء عن أشياء البيولوجيا أن الأولى بسيطة التركيب لا تبدو شاخصة نحو غاية، في حين أن الثانية بالغة التعقيد ويبدو أنها قد وُجدت لهدف أو لوظيفة، فلا يتورع، اعتمادا على تقسيمه هذا، عن إدراج الآلات، من طائرات وسيارات وكمبيوترات وما إليها، مع أنها من معدن ومن بلاستيك، في عداد البيولوجيا، لأنها معقدة التركيب أو هي نتاج العقل البشري، هو وبدوره بالغ التركيب، كما أن لوجودها غاية ووظيفة.
هذه النظرية القابلة لجدل كثير، إذ تبدو قائمة على استقراءات أقرب إلى السفسطائية، ربما وجدت في مايكل جاكسون، ككائن مادته الأولى طبيعية ولكن هيئته "النهائية" مُنتج من منتجات التكنولوجيا (الطب وجراحة التجميل)، "الدليل" الأول والوحيد، أقله حتى اللحظة، على صحتها.
ولكن ما هي الوضعية القانونية لكائن كهذا، متلبس بين الإنسان والآلة، بين الطبيعة والاصطناع، وأي السمتين هي الغالبة عليه؟ وهل كان للالتباس ذاك من فعل في توجيه محاكمته وفي نيله البراءة؟ فهو كإنسان عاقل، تُفترض فيه المسؤولية على أفعاله، أو يُفترض فيه "التكليف" كما كان يقول القدامى، أما جانب الاصطناع والآلية فيه فربما جعله في حل من كل مسؤولية. لم يُثر الإشكال هذا على نحو صريح، ولكنه قد يكون خامر، وإن على نحو ضمني أو غير واع، هيئة المحلفين التي نظرت في قضية مايكل جاكسون. إذ لا شك في أن محاكمة إنسان أشبه بتمثال من شمع ليست بالأمر الهيّن. فـ"الشيء" ذاك قد يثير مشاعر، إيجابية أو سلبية، من تعاطف أو من اشمئزاز، ولكنها بالتأكيد ليست من قبيل المشاعر التي يستثيرها البشر، ويمكن ترجمتها، تبعا إلى ذلك، إلى حكم قانوني. ولا ريب أن تبيّن الإنسان خلف القناع الاصطناعي لذلك المتهم الماثل أمامهم، أو النفاذ إلى إنسانيته القابعة دفينةً وراء شيئيته، كانا يتطلبان من أعضاء هيئة المحلفين، وهم في الغالب من الناس العاديين، متقاعد أو ربة بيت أو ما إلى ذلك، قدرة على التجريد هي بالتأكيد غير يسيرة في المتناول.
هل ارتكب مايكل جاكسون ما اتهم به؟ هل تحرش جنسيا بالأطفال وهل ناول أحدهم مشروبات كحولية وعلّم آخر كيفية الاستمناء؟ أم هل أنه كان في ذلك ضحية تهم باطلة تستهدف ابتزازه؟ تعلقه بالأطفال واصطحابه لهم إلى فراشه، إضافة إلى قضية سابقة انتهت بصفقة دفع بموجبها عشرين مليون دولار حسب الشائعات (الشائعات تتعلق طبعا بالمبلغ لا بالقضية)، ربما أوحت بأن براءته ليست ناجزة ناصعة. كما أن جشع الأمهات اللواتي ألقين بأبنائهن في أحضانه أملا بابتزازه ليس بالأمر المستبعد. لكن الحكم ببراءة مايكل جاكسون قد لا يكون عائدا فقط إلى ترجيح الاحتمال الثاني وتغليبه على ذلك الأول، ولا حتى إلى براعة محاميه في التأثير في المحلفين، وفق تلك السنة الأميركية المعلومة، والتي مفادها أن القضاء لعبة نفوذ مالي أولا وأخيرا، يحسمها في نهاية المطاف المال وحده. بل إن حكم البراءة ذاك ربما كان ناجما أيضا عن تلك الحيادية الجنسية التي يفترضها البشر في الأشياء، ومايكل جاكسون بات شيئا، أو باتت تغلب عليه الشيئية، وإن نطق وتحرك وغنّى ورقص.
فمغني البوب الأميركي مسخٌ، تواطأت الحداثة وإمكاناتها التكنولوجية مع عنصرية المجتمع الأميركي على خلقه. رجل أراد أن يكون أبيض فلم يفلح إلا في أن يكون شيئاً... وهل تُحاكم الأشياء؟

12:20 Permalink | Email this