« محاكمة مايكل جاكسون | HomePage | السياسة الهاذية تتحول قتلاً هاذياً »

25/06/2005

حدود «الديموقراطية» الإيرانية

صالح بشير الحياة - 19/06/05//

بين الانتخابات الإيرانية وبين عمليات سبر الرأي (الاستقصاء) شبه أساسي: أن النتائج، في الحالتين، غير ملزمة. فلا تعدو الانتخابات الإيرانية أن تكون، بالتالي، مجرد سبر للرأي بـ«الحجم الطبيعي»، إن صحت العبارة، يشارك فيه مجمل الشعب أو كل متمتع بحق الاقتراع، وليس فقط عيّنة إحصائية وفق مجرى العادة.

فالاثنان يتشاركان في أنهما وسيلة لاستمزاج الرأي العام ولاستجلاء مواقفه من مختلف أوجه الشأن العام، على نحو جزئي أو شامل، لدواعٍ عملية قِطاعية أو سياسية عامة، وليسا أداة لاستخلاص إرادة شعبية ولإنفاذها. والاقتراعان الرئاسيان السابقان، وفوز الرئيس محمد خاتمي فيهما، بسبعة وسبعين في المئة من الأصوات في 1997 ثم بثمانية وسبعين في المئة في 2001، عبرا عن تلك الحقيقة بأجلى صورة.

فالفوزان ذانك، وقد كانا ساحقين بالمقاييس الإيرانية، وهذه لا تسفّ إسفاف الانتخابات العربية التي لا تقنع بما دون التسعة وتسعين في المئة، لم يمكّنا الرئيس المنتهية ولايته من تطبيق البرنامج الإصلاحي الذي انتُخب بمقتضاه، حتى أصاب اليأسُ ناخبيه. والمفارقة تلك معلومة أسبابها، فالسلطة في الجمهورية الإسلامية لا «تحتويها» المراتب التمثيلية أو المنتخبة، من مجلس شورى (برلمان) أو رئاسة جمهورية (في نظام يُفترض أنه رئاسي، حسب الاصطلاح الغربي)، بل يتولاها مجلس صيانة الدستور الذي قد يبطل قانونا صوتت عليه أغلبية متينة صريحة، ومرشد الجمهورية الإسلامية «خليفة» الإمام الخميني على رأس الدولة، بمقتضى نظرية «ولاية الفقيه».

ولعل ذلك ما يفسر الديموقراطية النسبية التي تتمتع بها الانتخابات الإيرانية، قياسا إلى نظيراتها العربية. فالانتخابات تلك تشهد حملات حقيقية، وتتسم بتعددية أصيلة، كما دلت تلك التي جرت يوم الجمعة الماضي, لأنها مأمونة العواقب بالنسبة إلى الإكليروس الحاكم، فلا ينجم عنها تغيير لموازين القوة الداخلية. وهي لذلك تمثل صيغة لمداورة الديموقراطية، تمكّن من الإقبال على هذه الأخيرة، وقد أضحت أقنوما كونيا يأخذ به حتى أعداؤه، مع استبعاد تبعاتها، ولكن بطريقة أرقى، أو لنقل أقل سذاجة أو فجاجة، من تلك التي اهتدى إليها المستبدون العرب، ممن ينظمون انتخابات غير تعددية، أو بتعددية مسخ، إن لم يكتفوا بالاستفتاء، كما لا يسمحون إلا بمرشحين لا يخوضون حملتهم بل يتبارون في الإشادة بحكمة «الرئيس القائد» الذي يُفترض فيهم منافسته، وتنتهي بتلك النتائج المعلومة. ربما عاد ذلك إلى الفارق بين نخبنا ونخبهم وبين شعوبنا وشعبهم، وتوزع هذه وتلك بين الخوف والانتهازية، علما بأن بعض حكامنا بلغ به التهافت والسخف بحيث أن الضحك منه والهزء به، لو أجمع عليهما الناس، قد يتكفلان بمفردهما بإسقاطه!

لقائل أن يقول ما الفارق، من حيث النتيجة، بين تشويه الديموقراطية على الطريقة العربية وبين تزويرها على المنوال الإيراني؟ نظرياً وآنياً، لا فارق. لكن ما لا شك فيه أن الأنموذج الإيراني، إذ يمارس قدرا ملحوظا من الديموقراطية مكتفيا، عمليا، بالتنكر لنتائج العملية الاقتراعية، قد يتضمن من حيث لا تدري أو لا تريد الأوساط المحافظة المتسلطة على زمام الأمور في ذلك البلد خميرة الانتقال إلى الديموقراطية، أو قد يكون واعدا في هذا الصدد بأكثر مما هي عليه الحال في البلدان العربية. فأصالة المنافسة الانتخابية، حتى وإن لم تبلغ مآلها الطبيعي، أي التداول الفعلي للسلطة، إضافة إلى حيوية النخب الإيرانية وتنوعها وعنفوان سجالاتها العامة، التي تخوضها لا سيما في صحفها التي تبلغ المئة أو تزيد، هي من الأمارات على وجود ديموقراطية محبطة، وهي لذلك ربما كانت قابلة للاستكمال، لا على غياب الديموقراطية أصلا، أي تلك التي لا تكاد تلوح بعض تباشيرها، بضغط خارجي في الغالب، حتى يصار إلى إجهاضه فورا. ذلك أن المجتمع الإيراني يمكن وصمه بكل شيء إلا بالركود، إذ يُلاحظ تفاوت لافت باد للعيان وعادة ما تكون الانتخابات فرصة امتيازية للتعبير عنه، بين حركية المجتمع وبين جمود السلطة، وهو تفاوت قد لا يسرف المرء في المجازفة إن توقع بأنه لا يمكنه أن يُحسم، في موفى أجل ما، إلا لصالح الأولى.

ذلك على الأقل ما توحي به تجربة «الثورات الديموقراطية» التي شهدتها أوروبا الوسطى والشرقية وأفضت إلى انهيار أنظمتها الشيوعية أو أعقبت اضمحلال ما كان يُسمّى بـ«المنظومة الاشتراكية»، فقد تحققت تلك الثورات عندما بلغ التفاوت بين حركية المجتمعات وجمود الأنظمة الحاكمة، درجة باتت معها هذه الأخيرة، بالرغم من توتاليتاريتها المعلومة، غير قادرة على احتواء تلك الحركية أو كبتها والتحكم فيها، فتهاوت بيسر مذهل.

غير أن ذلك لا يعني أن نظام الملالي في إيران سيأتي عليه «انفجار داخلي» كذلك الذي أودى بالأنظمة الشيوعية. بل الأرجح أن يشهد تغييرا على نحو تدريجي إصلاحي. والاحتمال ذاك بوادره ماثلة، ليس فقط في ما يعتمل داخل المجتمع الإيراني من غليان فكري وسياسي واجتماعي وجيلي (نسبة إلى الأجيال)، بل هي تندرج في تركيبة النظام ذاتها. فالنظام ذاك، إذ يتضمن مراتب ومؤسسات مُنتخبة، وإن حُرمت من صلاحيات السلطة أو لم يُتح لها إلا القليل النافل منها، ربما اكتسب إمكانات تطويره من داخله، أي من خلال نضال يكون رهانه وهدفه تحويل تلك المراتب والمؤسسات إلى أداة فعلية لمزاولة الإرادة الشعبية ولإنفاذها، خصوصاً أن نظام الجمهورية الإسلامية يتسم بسمة قد تكون فريدة قياسا إلى النماذج الاستبدادية المعهودة، تلك المتمثلة في أنه أقرب إلى أن يكون ضربا من «ديموقراطية مقلوبة»، إن جازت العبارة: ففي حين أن المؤسسات التمثيلية في الديموقراطيات العادية هي الممسكة بزمام السلطة الفعلية، في حين تكتفي المؤسسات غير المتخبة بتولي وظيفة الإشراف أو بالاضطلاع بسلطة رمزية، نرى عكس ذلك تماما هو المعمول به في إيران، حيث يقف النظام على رأسه، بهذا المعنى، وربما أمكن لدمقرطته أن تتحقق من خلال جعله يقف على رجليه.

هل يكون القول بذلك إسرافا في التفاؤل؟ قد يكون، لكن يبقى أن إيران من البلدان القليلة في المنطقة حيث يواكب الضغطَ الكوني باتجاه الديموقراطية توقاً داخلياً جارفاً تحمله، كذلك، قوى فاعلة.

12:22 Permalink | Email this