« ... عن الديموقراطية والانتخابات | HomePage | محاكمة مايكل جاكسون »

18/06/2005

للفلسطينيين بقي خيار واحد: انتفاضة ثالثة... مدنية

صالح بشير الحياة - 12/06/05//


لا ريب في أن دماً فلسطينيا غزيرا سيُراق قبل أن تستكمل القوات الإسرائيلية انسحابها من غزة. الانسحاب ذاك سيتم، لأن خطة أرييل شارون تقتضيه، لأن الاحتفاظ بالضفة الغربية يتطلبه، تلك التي لن يُسلَّم من تبقى منها إلى أصحابه الشرعيين، بعد أن تكون إسرائيل قد أعملت فيها ضما وقضما واستيطانا، إلا أشلاء وطن لا يجمع بينها رابط أو آصرة، لا تصلح قاعدةً لدولة، لكن الانسحاب ذاك سيكون على الأرجح باهظ الكلفة على الفلسطينيين.
إذ أن إسرائيل تعاني مما يمكن تسميته بـ«سيندروم جنوب لبنان»، وهي لذلك ستبذل كل ما في وسعها من عنف، وهو يكاد يكون لا نهائيا غير محدود، لتسبغ على انسحابها من القطاع سمة الحرب الطاحنة. سيرتحل الإسرائيليون، قوات ومستوطنين، مقاتلين، بل بالأحرى قاتلين، يبطشون ويدمرون، في معركة في نظرهم فاصلة، تستهدف كيفية تأويل الفلسطينيين ومن ورائهم العرب، لا سيما رأيهم العام، لدلالة انسحابهم ذاك: لا يجب أن تنشأ في أذهان الفلسطنيين أية علاقة سببية، حتى وإن كانت واهية، حتى على سبيل الشطط في القول أو من باب الدعاية، بين انتفاضتهم الثانية وتلك الخطوة الإسرائيلية. لا يجب أن يُفهم الانسحاب ذاك إلا على أنه فعل «سيادي»، أقدمت عليه الدولة العبرية من تلقاء نفسها، ولاعتبارات تخصها، لا أمرا دفعها الفلسطينيون إليه دفعا وأجبروها عليه إجبارا. ولا سبيل إلى تحقيق ذلك إلا من خلال تحويل عملية الانسحاب تلك إلى حرب ضروس على الفلسطينيين، إلى هزيمة عسكرية تلحقها بهم وإلى عنف مستطير تسلطه عليهم. وهي ستفعل لا محالة، خصوصا وأنها طليقة اليدين، عسكريا ودبلوماسيا، لا رادع يقف في وجهها ولا حائل.

والهاجس ذاك استراتيجي في نظر إسرائيل أكثر مما قد يتصور العرب. وهو ما يفسّر ذلك «التصعيد» الفجائي الذي أقدمت عليه الدولة العبرية في الآونة الأخيرة، مستهدفة حركة المقاومة الإسلامية «حماس»، وطاعنة في السلطة الوطنية ورئيسها المعتدل محمود عباس، وممتنعة عن كل تنسيق مع هذه الأخيرة، لأنها تريد أن تترك القطاع، لا أن تتركه لأحد، مع ما قد يعنيه ذلك من اعتراف لذلك «الأحد»، كائنا من يكون، ومعتدلا كان أم متطرفا، بصفة «الشريك». عابثة بـ«تهدئة» تم التوصل إليها بعسر ومشقة. لكن إسرائيل غير معنيّة بمآل تلك «التهدئة»، التي لا تبلغ حتى مبلغ الهدنة، والتي لم تكن طرفا فيها ونجحت في جعلها شأنا فلسطينيا-فلسطينيا، أُقرت بتفاهم بين السلطة الوطنية وبين الحركات المقاومة حصرا، فلا تلزمها بشيء أو في شيء.

قد لا ينفع والحال هذه ضبط النفس، ولا نصح الحركات المقاومة الفلسطينية بالثبات عليه والاعتصام به. فالدولة العبرية، التي لم تلتزم بهدنة ولم توقّع عليها، ترى بأن المواجهة لم تتوقف، وهي لذلك يمكنها «استئنافها» متى ما عنّ لها ذلك، بذرائع أو من دون ذرائع، وليس أهون عليها من افتعال تلك الذرائع ومن اختراعها إن أعوزتها، خصوصا وأن أرييل شارون، وهذا أيضا من دلالات «التصعيد» الأخير ومغزى من مغازيه، يريد للانسحاب من غزة أن يكون نهاية مطاف «التسوية» لا منطلقها، على ما يحلم الجانب الفلسطيني، أقله ذلك الرسمي، أي عملا يرمي من ورائه إلى إجهاض «خريطة الطريق» كما سبق له أن وأد مسار أوسلو، وهو فاعل لا شك، لأن قراءته لميزان القوة تخوّل له ذلك، ولا يمكن القول أن التصريحات التي أدلى بها الرئيس جورج بوش لدى زيارة محمود عباس إلى واشنطن، والتي لم تعدُ أن تكون تصريحات... أي كلاما يتوخى الطمأنة وبذل ما لا يُلزم وما لا يكلّف، من شأنها أن تثني رئيس الحكومة الإسرائيلية عن ذلك أو أن تردعه.

لم يبق، والأمر كما وصفنا، للإصرار على توخي طريق التفاوض والاعتدال من فائدة تُرجى ولا للإقامة على ضبط النفس من معنى. هذا إن مــــــيّزنا بــيــن الاستراتيجيات والمقاربات بمعيار الجدوى، وهـــو مــــا لا يحسن العرب فعله عادة، وليس على أساس الاندفاع الإيديولوجي الأرعن تارة أو استجابة إلى عالم خارجي لا يقدّم، مقابل الاعتدال شيئا تارة أخرى.

لكل ذلك، ربما أمكن القول إن الحالة الراهنة لا تترك أمام الفلسطينيين سوى أحد خيارين: إما الاضمحلال سياسيا وكيانيا، وهذا احتمال غير وارد، يحول دونه نضال فلسطيني مديد، إن لم يُنجز شيئا يُذكر على صعيد إحقاق الحقوق ونيلها، إلا أنه اجترح وطنية فلسطينية قائمة ماثلة يتعذر شطبها، وإما خوض غمار انتفاضة ثالثة. ويبدو أن مجريات الأمور في هذا الطور من أطوار تاريخ الشعب الفلسطيني، لا تترك من مجال غير هذا الاحتمال الأخير، لأن وعود الوضع الحالي، أو بالأحرى انعدام تلك الوعود، يجعل من مثل تلك الانتفاضة الثالثة السبيل الوحيد المتاح في وجه قضية باتت تواجه فعلا خطر «التصفية» لا الحل، مع أن الخطابة العربية قد ابتذلت تلك العبارة وأفسدتها، فلا يستخدمها المرء إلا مترددا أو على مضض.

وإذا ما قيّض لتلك الانتفاضة الثالثة أن تنشب، فسيتوجب عليها ربما أن تستعيد الطابع المدني للأولى، وأن ترشّد العنف (دون أن تستبعده) الذي اتسمت به الثانية. أن تزج بالشعب الفلسطيني في حمأة الاعتراض على الاحتلال، وأن تلوذ بعنف يركز على الأراضي المحتلة سنة 1967، مجال الدولة الفلسطينية المنشودة حسب معايير الشرعية الدولية (وهذه تبقى الحليف الوحيد للفلسطينيين بالرغم من كل شيء)، ويتجنب أسواق القدس المحتلة وملاهي تل أبيب ومحطات الباص في يافا.

أما في ما عدا ذلك أو دونه، فمضيعة للوقت وللحقوق، كما دلت الأشهر الماضية، منذ انتخاب محمود عباس رئيسا.

17:07 Permalink | Email this