« ليبراليون عرب: صرخة ضد التبسيط | HomePage | ... عن الديموقراطية والانتخابات »

11/06/2005

عن الـ"لا" الفرنسية للدستور الأوروبي

صالح بشير

المستقبل - الاحد 5 حزيران 2005 - العدد 1938 - نوافذ - صفحة 11

هل وأد الناخبون الفرنسيون الاتحاد الأوروبي؟
هم على أية حال عرقلوه وقيدوا حركته وحكموا عليه بالمراوحة إلى أمد قد يطول. فعلوا ذلك وهم على بيّنة من أمرهم، وليس نزقا أو بدافع من جزع آني أو بوازع من ضيقٍ أملته اللحظة الاقتصادية وتحت وطأة أزماتها، على ما مالت إلى القول أو أوحت تعليقات وتحليلات كثيرة صادرة، بطبيعة الحال وبقوة الأشياء، عن نخبةٍ كاتبة أو مُدليةٍ بالقول "الخبير"، أوروبية الهوى في مجملها أو في غالبيتها، سبق لها أن استهانت بنوازع الـ"الا" لدى جمهور المُستفتين، ولا يسعها، وقد فوجئت بنتائج استفتاء الأحد الماضي وبوغتت، إلا أن تقيم على قلة الفهم، أقله في انتظار امتصاص الصدمة وإدراك ما حصل، أو أن تتوخى سبيل التهوين.
فالفرنسيون، وهم في العادة قوم يحسنون التمييز، لم يأخذوا أوروبا وبناءها والاستمرار فيه وتمتين أواصرها بجريرة طبقتهم السياسية، حاكمة كانت أم معارِضة، تلك التي ضاقوا ذرعا بقصورها وكانوا يريدون بلا ريب مقاصصتها. الهاجس ذاك كان قائما ماثلا، ولكنه كان فرعيّا ثانويا، ولم يكن أساسيا وحاسما، مع أن لحظة الاستفتاء تلك كانت تغري بالإقدام على فعل التحدي ذاك أو تزيّن فعل الإنذار ذاك، دون المخاطرة بأزمة سياسية داخلية خطيرة، طالما أن نتائج التصويت ما كان يمكنها أن تتعلق بالنّصاب المحلي إلا على نحو غير مباشر وغير فاعل فورا. كما أنه لا يُعتقد أن المستفتين أولئك قد سبّقوا اعتباراتهم الداخلية، غير هيّابين، إذ اتخذوا من التصويت على مشروع الدستور الأوروبي ومن رفضه ذريعة لها ومطيّة، باستثارة أزمة تطال القارة بأسرها.
بل أن الناخب الفرنسي كان يعلم علم اليقين أنه إنما دُعي إلى الفصل في شأن أوروبي في المقام الأول، وهو إن ساوره أدنى شك في ذلك فقد تكفلت الحملة الصاخبة والسجال الواسع اللذين سبقا الاستفتاء بإزالته. لقد أتاح عرض الوثيقة الدستورية الأوروبية على الاستفتاء (وهذا أبغض الحلال الديمقراطي في نظر من يرتابون بالجموع وبجنوحها إلى الشطط)، فرصة لذلك الناخب كي يفصح عن رأيه في البناء الأوروبي، في طوره الراهن وكما تتبدى له احتمالاته المستقبلية، فانتهزها وفعل. خصوصا وأن الناخب ذاك على وعي تام بموقع بلاده من الاتحاد الأوروبي، وتاليا بمفعول قراره ومداه.
ففرنسا ليست فقط بلدا مؤسسا للاتحاد الأوروبي منذ الإرهاصات الأولى لهذا الأخير قبل نصف قرن، وهي ليست فقط محرّكه الثاني والضروري إلى جانب ألمانيا بل هي، بمعنى من المعاني، مانحته الشرعية وإن على نحو جزئي ولكنه أساسي. فإذا كان الاتحاد الأوروبي يمثل تجاوزا للدولة ـ الأمة، فإن فرنسا، قياسا إلى سائر كيانات القارة، هي الدولة ـ الأمة بامتياز أو أنموذجها الناجز. فهي التي كانت سباقة إلى وحدة كيانية متينة، التأمت حول مركز جغرافي وحول سلطة بسطت نفوذها على سائر التراب الوطني مذللة كل الخصوصيات المحلية وحول لغة وثقافة استوتا هوية جامعة وعلى قدر كبير من الرسوخ. تحقق ذلك منذ عهود الملكية المُطلقة، أي قبل الثورة الفرنسية وقيام "الجمهورية الحديثة"، التي لم تفعل، في الغالب وفي هذا الصدد، غير الاستمرار على النهج الذي اختطّه "الملك الشمس" لويس الرابع عشر وسواه من ملوك فرنسا. أما سائر الدول ـ الأمم الأوروبية الأخرى، فهي إما حديثة العهد بالوحدة، أو أنها لم تتجاوز تمايزاتها المحلية، الكثيرة في بعض الحالات، ولم يبلغ أي منها، على أية حال، درجة من الانصهار الكياني كتلك التي بلغها النموذج الفرنسي وكانت من عناصر فرادته.
لذلك، كان حماس فرنسا للاتحاد الأوروبي ودورها الفاعل في إنشائه، وقبولها التخلي عن عدد من صلاحياتها السيادية لفائدة ذلك الكيان العابر للأوطان والمتعالي عليها، بمثابة المرافعة الأبلغ والأقوى لصالح ذلك المشروع الاتحادي، وأحد أبرز مبررات ومسوغات إمكانه، اضطلع بوظيفة القدوة وإن على نحو ضمني أو غير إرادي.
ومن هنا خطورة التصويت الفرنسي الأخير الذي بدا أقرب إلى سحب الثقة من الفكرة الأوروبية، أو على الأقل إلى مواجهتها بطريقة نقدية لا تخلو من جذرية. كأنما الناخبون أرادوا ترميم واستعادة كيانيتهم الوطنية، يلوذون بها ويحتمون، في مواجهة اتحاد أوروبي، ما عاد يلوح لهم مطمئنا أو واعدا. أسباب هذا "النكوص" القومي كثيرة، بعضها سيادي مبدئي عبرت عنه بالخصوص أوساط أقصى اليمين، وبعضها الآخر والغالب، تحفظ أو ريبة حيال اتحاد أوروبي غلّب اعتبارات السوق على كل ما عداها، أو هكذا بدا الأمر لأولئك الناخبين، خصوصا منذ أن اتسع البناء الأوروبي ليشمل بلدان وسط القارة وشرقها، تلك التي جعلت من فقرها ومن تخلفها النسبي أداة منافسة مرعبة: يد عاملة زهيدة الكلفة، تهدد باجتياح أوروبا الغربية مهاجرةً، دون رادع أو ضابط طالما أن التنقل بين بلدان الاتحاد حرّ، أو تغري بنقل الصناعات إلى حيث توجد. وقبل أسابيع، كانت شركة فرنسية قد فصلت عددا من العاملين فيها وعرضت عليهم الانتقال إلى منشآتها في رومانيا، لتقاضي ما يتقاضاه العامل المحلّي هناك، أي نحو المئة يورو في الشهر!
وهكذا، يمثل التصويت الفرنسي الأخير احتجاجا صارخا ضد العولمة، أو ضد صيغة من هذه الأخيرة قوامها الليبيرالية الاقتصادية الجامحة، وذلك بالرغم مما تدعيه أوروبا من تمايز حيال "الأنموذج الأنلكوساكسوني". إنه نوع من إعادة الاعتبار إلى الدولة الوطنية، على حساب التكتلات الكبرى والجامعة. فالأولى مجبرة، بحكم طبيعتها ومهما بلغت في أخذها باقتصاد السوق، على الاضطلاع بمهام الرعاية وعلى تولي وظيفة الضابط للتفاوتات والاجحافات، أقله لأنها واقعة حكما تحت "سلطة" بطاقة الاقتراع، تحاسبها على كل تقصير أو تُثيبها على كل نجاح، في حين أن تلك المؤسسات العابرة للأوطان، يسيرها تكنوقراط غير منتخبين، تكاد تنعدم وسائل التأثير في قراراتهم.
نتائج الاستفتاء الفرنسي الأخير، معطوفا عليه ذلك الذي شهدته هولنده وتكلل برفض مماثل، قد يكون من مظاهر إعادة النظر في العولمة وفي بعض شططها وسعيا إلى تقويم ذلك الشطط وتداركه. وإذا صحّ ذلك، فإن النتائج تلك لا يمكنها أن تكون آنية البواعث أو المآلات.
ربما كانت الوحدة الأوروبية، أول "إمبراطورية طوعية" في التاريخ، حلما طوباويا بديعا، لكن مشكلته أنْ أوكل أمر تحقيقه إلى التكنوقراط... أبعد الناس عن كل حلم طوباوي.

09:46 Permalink | Email this