« عن الـ"لا" الفرنسية للدستور الأوروبي | HomePage | للفلسطينيين بقي خيار واحد: انتفاضة ثالثة... مدنية »
11/06/2005
... عن الديموقراطية والانتخابات
صالح بشير الحياة - 05/06/05//
يحسب جورج بوش، واثقا نزيها ربما (فلنسخُ عليه بهذا الوصف، لمَ لا؟) أنه بصدد اجتراح الديموقراطية في «الشرق الأوسط الأكبر»، بل بصدد اختراع مسار جديد لتاريخ أو لتواريخ تلك المنطقة، إذ لا ريب في أن ما بين صيغتي المفرد والجمع هاتيْن من فوارق لا تعدو أن تكون تفاصيل نافلة لا يُعتدّ بها في نظر ذلك الرئيس القادم من تكساس، مقبلا على عالم بالغ التعقيد بأفكار ساذجة بسيطة. والرجل، بصرف النظر عن خطل سياساته الذي يُغني عن كل إسهاب، قد يكون معذورا في ما هو عليه من تفاؤلية مُشِطة و مُهلكة في آن، على ما تشهد تجربته في العراق، إذ أنّى لرجل صادر عن أمة كتلك الأميركية، نشأت بقرار، اصطنع شعبا ونظاما سياسيا وانتماءً ثقافيا (إذ تردد الأميركيون في بداية أمرهم بين اختيار الإنكليزية أو الألمانية لغة لهم، نظراً لكثرة المهاجرين القادمين من موطن غوته)، أن يقيم اعتبارا لامتداد التاريخ ولوطأته على أمم وشعوب أخرى بعيدة عن الزمن وعن المكان الأميركيين، يكاد تاريخها، لملابسته الأزل، أن يستوي طبيعة؟
لذلك يتصور الرئيس الأميركي أن دمقرطة «الشرق الأوسط الأكبر» مسألة قرار، وأنها ما كانت تنتظر غير رجل مثله، إرادويّ شديد القبضة حازم يفرض الانتخابات ويفرض التقيد بمواعيد إجرائها كلّف ذلك ما كلّف، كي تتفعّل في التاريخ. وهو لذلك يهاتف الرئيس المصري حسني مبارك حاضا على الإصلاح أو يصرّح مستنكرا اعتقال المتظاهرين أو الاعتداء عليهم، ويرحب بما جرى في لبنان، من انتفاضة مدنية أعقبت اغتيال الرئيس رفيق الحريري ومن انتخابات كانت دون ذلك الوعد المدني، على اعتبار أنه من ثمار سعيه الدؤوب إلى إحلال الديموقراطية في ربوع المنطقة، غير متورع عن تقديم اقتراع مثير للجدل على أكثر من صعيد، شأن ذلك العراقي الأخير، على أنه مؤذن بفجر الديموقراطية وفاتحتها ولبنتها الأولى.
وهو بطبيعة الحال، وإن افترضنا فيه حسن النيّة، واهم لأكثر من سببٍ. أولها استهانته بالاستبداد في مناطقنا وبقدرته على البقاء والتكيف والتلوّن. فدول المنطقة من البعد عن الديموقراطية بحيث يمكنها أن تقضّي ما تبقى من ولاية بوش الثانية في اتخاذ الإجراءات والخطوات التي تقربها أو تزعم تقريبها من تلك الديموقراطية المنشودة، وبالتالي في طمأنة الرئيس الأميركي وفي إشعاره بالنجاح، دون أن تبلغها أبدا. فهي تتمتع بمتسع أو بهامش عريض من الاستبداد قمينيْن بتمكينها من استنفاد الضغوط الأميركية أقله طوال مدة حياة الإدارة الحالية، وهي قصيرة محدودة بقياس «أبدِنا» الاستبدادي. أنظمتنا تستطيع الاطمئنان إلى عامل الزمن، وهي لا تراه بالضرورة فاعلا لغير صالحها كما قد يتوهم دعاة «الحتميات التاريخية»، خصوصا وأن الانظمة تلك لا تضيع وقتا في الأثناء، إذ هي تستجيب بعض الضغوط الأميركية من جهة، وتتابع القمع من جهة أخرى، مستهدية في ذلك بإستراتيجية مرسومة: إجهاض كل بديل محتمل، من خلال تقويض ما كان من المعارضة مقبولا من العالم الخارجي أو يمكنه أن يكون مقبولا، وتركيز المواجهة مع تلك التي لا تتوافر على تلك الصفة أو دفعها إلى التطرف إن لم تكن متطرفة أصلا. والأمثلة على ذلك كثيرة بالوسع معاينتها على امتداد ذلك الفضاء الذي يزعم الرئيس الأميركي الانتقال به إلى نعيم الديموقراطية.
ثم أن هناك سمةً أخرى من سمات المنطقة يجهلها الرئيس الأميركي، هي انتهازية أوضاعنا حيال «الحداثة» أو ما يقوم مقامها، وقدرتها اللافتة على إدراج الجديد في قديمها لا العكس. وقد لا يكون المرء بعيدا عن الصواب إن راهن على أن مآل الانتقال إلى الديموقراطية سيكون كمآل «استعارات» أخرى سابقة، مثل الدولة الحديثة والحزب والنقابة وما إليها من المؤسسات من طينتها، استدخلتها المنطقة شكلا دون أن تنخرط فيها روحا، فإذا السلطة عسكرية (إن لم تكن مشيخية أو ملكية)، كما كان شأنها منذ العصور المملوكية على الأقل، وإذا الحزب أو النقابة أو ما إليهما من المؤسسات الموصوفة بـ«الحداثة»، أقنعة لا تكاد تخفي انتماءات من قبيل عتيق ضارب في العتق، مثل القبيلة أو الطائفة أو ما كان على شاكلتهما من منظومات الاصطفاف الأهلي، وإذا الخطاب فئوي وإن رطن بمصطلحات العصر. وإذا ما اتخذنا الانتخابات العراقية مقياسا وهي على الأرجح كذلك، فإن الديموقراطية والانتقال إليها سيكون مآلهما كمآل ما سبق من مؤسسات «الحداثة» ومن ممارساتها، سيستوعبهما واقعنا ما قبل الحديث أو الممتنع عن الحداثة عوض أن يكونا أداة لتجاوزه.
لا يُقال ما سبق على سبيل اليأس أو التيئيس، ولكن للتذكير بأمر بديهي سبق أن أشار إليه الكثيرون، مفاده أن فعل الاقتراع لا يصنع، في ذاته, ديموقراطية، على ما يتوهم الرئيس الأميركي، وأن الإرادوية والإملاء والقسر والتدخل الإمبراطوري الفظ لا تفضي ضرورة إلى الإصلاح، على ما دلت الحالة العراقية على الصعيدين ذينك. كل ما في الأمر أن دور الخارج يكون أنجع وأفعل إن اقتصر على ضغط لا يبالغ في التدخل وعلى الحضّ والتشجيع، يساعد على إنضاج العامل الداخلي وعلى توجيه خطاه، ويمكن القول في هذا الصدد أن الأنموذج الأوروبي برهن على أنه من سوية أرقى من نظيره (أو نقيضه) الأميركي، وربما اكتسب جاذبية أكبر.
ولكن للولايات المتجدة آجال إيديولوجية وانتخابية لا تعبأ كثيرا بمثل تلك الاعتبارات، وهي لذلك قد تنأى بالمنطقة عن لحظة الانتقال إلى الديموقراطية من حيث تريد أو تزعم دفعها إليها دفعا.
09:50 Permalink | Email this


