« زيارة محمود عباس إلى واشنطن | HomePage | عن الـ"لا" الفرنسية للدستور الأوروبي »
10/06/2005
ليبراليون عرب: صرخة ضد التبسيط
تلحّ التحديات التي تواجه مجتمعاتنا اليوم على طلب الموقف المسؤول من المثقفين، كتّاباً وصحافيين وجامعيين وغيرهم، حيال بعض القضايا الداهمة. ويضاعف الإلحاح أن الفرز والاستقطاب العصبي في الأوساط الثقافية العربية يقللان القدرة على انقشاع الصورة وبلورة المواقف.
وما نحاوله، نحن الموقّعين أدناه، صرخة ضد التبسيط إزاء العناوين الأهم في حياتنا. وهو تبسيط يتوهّم أصحابه أنهم يوقفون، بطقس المقاومة مرة وطقس الديموقراطية مرة أخرى خرابا زاحفا وموتا عميما.
فنحن إذ ندين التداعي الذي يضرب مجتمعاتنا العربية باسم حروب مصيرية وقضايا مقدسة لم يبق منها الا اطلاق وتائر التفتت وإدامة الهزائم، نذهب الى ان الليبرالية التي نقول بها، ولاء لقيم تحديثية وتنويرية أولا وأساسا، وليست أبدا ولاء للولايات المتحدة كائنا من كان المقيم في بيتها الأبيض. صحيح ان الوعي الليبرالي لا بد وان يعثر على مرجعيته الفكرية ونموذجه في التجارب <<الغربية>>، فيطمح الى مزاوجتها مع الاسهام القليل الذي أداه مفكرون عرب، كالشيخ محمد عبده وتلامذته. لكن الصحيح ايضاً ان هذه الحكومة <<الغربية>> او تلك مرشحة، بموجب حركة مصالحها وأمزجتها العارضة وتحولات مجتمعها، إلى التنكّر لتلك الليبرالية نفسها. وهو جميعاً ما يُلزمنا التفريق بين الفكرة وبين مهدها الجغرافي والسياسي، والا قاد الولاء للفكرة الى التحاق يتعارض مع الحرية مرتكز كل وعي ليبرالي.
ونحن إذ نرى المخاطر الوجودية التي يرتّبها الاستبداد، عسكريا كان أم مدنيا، علمانيا أم أصوليا، سلطويا أم مجتمعيا، على نسيج أوطاننا وحركة تقدمنا نرى، في المقابل، ان الديموقراطية تتويج لمسار وليست أول المسار، كما يشيع من يسمّون أنفسهم <<ليبراليين جدداً>>، وهم أقرب الى ان يكونوا <<محافظين جدداً>>.
فمهمة التغيير تطاول المجتمعات نفسها، وتتعلّق بتأسيس الشعوب العربية بوصفها شعوباً وطنية، لا عصبيات، أكثر مما تتصل بإطاحة حاكم من الحكام يستحق الإطاحة والتهليل، تالياً، لفجر الديموقراطية البازغ! وإذا كانت المأساة العراقية بعد مكسب انهيار صدام وحكمه تحضّ على هذه الرؤية النقدية، يبقى مقلقاً ان تظهر الطوائف المتحفّزة في لبنان بعد إنجاز خروج الجيش السوري ومخابراته منه. وبقدر ما يبعث فينا الأمل سقوط الديكتاتوريين، وكان صدام أبرزهم، وابتداء عمليات انتخابية هنا وهناك، يبعث فينا القلق اعتماد الحروب الخارجية من غير غطاء قانوني أداة لمثل هذا الانجاز وما يرافقها ويتلوها من صبيانيات تساوي بين الانتخابي والديموقراطي فيما تصنّم هذا الأخير وترفعه الى مصاف القداسة والرؤيا. وبالمعنى هذا، فإن كل الأوصاف المحقة التي قد تُسبغ على النظام السوري لا تبرر، ولن تبرر، في رأينا، تكرار ما شهدته بغداد في دمشق بذريعة الانتصار للديموقراطية وحقوق الانسان.
ثم إن <<الغرب>> الذي نطمح الى استعارة ما هو متقدم ومتنوّر في تجربته، مطالَب بتوفير النموذج الذي يحاكي التقدم والتنور هذين. وأول المحاكاة احترام القانون، فلا يحصل ما حصل في غوانتانامو وأبو غريب مثلا. وبقدر ما ندين الإرهاب الوحشي في العالم الإسلامي، البنلادني والزرقاوي وسائر المتفرعات، يُمارس باسم الدين، ندين انبعاث بعض الإرهاب الفكري في <<الغرب>> الذي يجد تسويغه، المعلن او الضمني، في أصولية مسيحية هي، وإن لم تكن مسلّحة، توفّر للأصولية الإسلامية تبريرها الذاتي. وغني عن القول إن الأصولية لا يمكن ان تكون مرغوبة في مكان ممقوتة في مكان آخر. ومثلما يستفزنا ذاك الميل الخطير، الشعبوي والديماغوجي، الى الاحتفال بالموت المسمّى شهادة، والى المضي في القتال هنا وهناك الى ان يغدو عالمنا قاعا صفصفا، يستفزنا ذاك التجاهل الاسرائيلي الفاجر، المستند الى غضّ نظر أميركي، لحقوق الشعب الفلسطيني الذي تتبخر أرضه في صورة يومية.
ومثلما يؤرّقنا الصراخ الهائج ضد العولمة، فيما مجتمعاتنا جميعاً تتحرّق الى الرساميل والاستثمارات تفد الينا من الخارج، يؤرّقنا ذاك الصمت المقابل حيال ضرورة تطوير صمّامات أمان تقي الفقراء جوعاً، كما تساهم في تحصين المجتمعات تجاه التطرف والإرهاب.
وقصارى القول، إن الشعور الظافري، أكان عنوانه المقاومة أم كان الديموقراطية، يزيد الصورة الملبّدة تلبّداً. فالمسائل المطروحة علينا، في فلسطين والعراق، وربما غداً في لبنان وسورية ومصر والسعودية والخليج واليمن والسودان والمغرب، تستدعي العقل أكثر مما تستدعي الحماسة، وتتطلّب التفكير في مجتمعاتنا وفي انقساماتها، القديم منها والجديد، أكثر مما تتطلّب التصدي ل<<الغرب>> او التماهي مع <<الغرب>>.
الموقّعون: إبراهيم الحيدري (العراق)، إبراهيم غرايبة (الأردن)، أسامة الغزالي حرب (مصر)، الحاج ورّاق سيد أحمد (السودان)، السيد يسين (مصر)، المعطي قبال (المغرب)، بدور الدده (العراق)، بشير البكر (سورية)، بشير هلال (لبنان)، تركي الحمد (السعودية)، جان دبغي (لبنان)، جلال الماشطة (العراق)، جمال نزّال (فلسطين)، حازم الأمين (لبنان)، حازم الببلاوي (مصر)، حازم صاغية (لبنان)، حسان الزين (لبنان)، حسن منيمنة (لبنان)، حيدر ابراهيم (السودان)، خالد الدخيل (السعودية)، خالد الحروب (فلسطين)، خالد القشطيني (العراق)، دلال البزري (لبنان)، ديانا مقلّد (لبنان)، زهير الجزائري (العراق)، ربعي المدهون (فلسطين)، رشيد الخيون (العراق)، رياض قهوجي (لبنان)، سامي زبيدة (العراق)، سعيد السلمي (المغرب)، سمير اليوسف (فلسطين)، سميرة المانع (العراق)، سيار الجميل (العراق)، صادق جلال العظم (سورية)، صالح بشير (تونس)، صلاح عيسى (مصر)، صلاح نيازي (العراق)، طه عبد العليم (مصر)، عارف علوان (العراق)، عباس شبلاق (فلسطين)، عبد الحسن الأمين (لبنان)، عبد النور بن عنتر (الجزائر)، عمر مصالحة (فلسطين)، غالية قباني (سورية)، غانم جواد (العراق)، فاضل السلطاني (العراق)، فوزية البكر (السعودية)، محمد الحداد (تونس)، محمود أباظة (مصر)، منى مكرم عبيد (مصر)، منذر مصري (سورية)، نبيل عبد الفتاح (مصر)، نجاد البرعي (مصر)، نجوى بركات (لبنان)، نصر حامد أبو زيد (مصر)، وحيد عبد المجيد (مصر)، ياسر أبو هلالة (الأردن)، ياسين الحاج صالح (سورية)، يوسف بزّي (لبنان).
01:29 Permalink | Email this


