« «ثقافة الاستسلام» أم جهالة الاستخوان؟ | HomePage | زيارة محمود عباس إلى واشنطن »

04/06/2005

عن الولايات المتحدة ومنظمة العفو الدولية

المستقبل - الاحد 29 أيار 2005 - العدد 1931 - نوافذ - صفحة 12

صالح بشير

غريب أمر هذا السجال الدائر بين الولايات المتحدة ومنظمة العفو الدولية (أمنستي). فمثل ذلك السجال مألوف في علاقة المنظمة المذكورة بأنظمة الاستبداد في العالم، إذ دأبت هذه الأخيرة على اعتبار تقاريرها مغرضة، كاذبة، ولكنها قد تكون المرة الأولى التي تتلقى فيها تلك المنظمة تهماً من هذا القبيل من لدن دولة ديمقراطية، بل زعيمة العالم الحرّ، رافعة لواء الحقوق الإنسانية والزاعمة نشرها في ربوع العالم وفرض احترامها بالضغط أو بالحرب إن دعت الحاجة.
فقد عبرت الولايات المتحدة عن بالغ ضيقها من التقرير السنوي لمنظمة "أمنستي" الصادر قبل أيام حول حالة الحريات في العالم، مشيراً إلى تدهورها وإلى مسؤولية واشنطن في ذلك، حتى أن سكوت ماكليلان، الناطق بلسان البيت الأبيض، وصف ما ورد في التقرير بأنه "اتهامات سخيفة لا سند لها في الواقع"، متباهياً، بنبرة ربما كانت، لشططها، بالغة الدلالة: "لقد حررنا أكثر من خمسين مليوناً في أفغانستان والعراق وننشر الحرية والديموقراطية في العالم، حتى يُحكم الناس بموجب دولة القانون ولتأمين حقوق الأقليات والنساء". وبذلك، تخرق الولايات المتحدة عرفاً ديمقراطياً في التعاطي مع منظمة "أمنستي"، ذلك المتمثل في التسليم بأن المنظمة تلك هيئة حيادية غير سياسية، مرصد لانتهاكات حقوق الإنسان في العالم، لا تفاضل في ذلك بين الضحايا، من أي اتجاه سياسي أو من أي مشرب إيديولوجي كانوا، كما أنها لا تفاضل طبعاً بين مرتكبي تلك الانتهاكات، دولاً أو منظمات، لعلم المنظمة المذكورة أن مصداقية عملها إنما تتأسس على تلك الحيادية. وهذا ما كان يسهل فهمه على الأنظمة الديموقراطية، القائمة على ثقافة تقرّ للوقائع بموضوعيتها، وتأخذ بمبدأ استقلالية هيئات المجتمع المدني، و"أمنستي" في عدادها، تخصصاً وصلاحيات، لذلك، لم يكن معهوداً أن تنشب سجالات بين المنظمة تلك ومثل تلك الأنظمة، ليس لأن هذه الأخيرة منزهة عن خرق الحقوق الإنسانية، بل هي تفعل وإن في حدود دنيا قياساً إلى سواها، بل لأنها تحترم تلك الصفة غير السياسية، شبه التقنية أو المنحصرة في المجال القيمي، وذلك تمييز لا تقوى عليه الأنظمة الاستبدادية، والتوتاليتارية منها على نحو خاص، لأنها تسيس كل شيء، وتعتبر كل انتقاد فعل معارضة أو تآمراً.
لذلك فإن الولايات المتحدة تجترح جديداً، وإن نسبياً، إذ تقوم بمهاجمة منظمة "أمنستي" كما فعلت منذ أيام. ذلك لا يعني بطبيعة الحال أن الولايات المتحدة باتت تنتسب إلى أنظمة الاستبداد، وأنها باتت لا تحتمل النقد في ذلك الصدد الحقوقي، وهو نقد لم تنجُ منه يوما بسبب استمرار بعض ممارسات التمييز العنصري مثلاً أو بسبب أحكام الإعدام، ولكن ذلك الضيق بالنقد إنما يعود إلى إقدام الولايات المتحدة، في عهدها البوشي هذا، على "أدلجة" حقوق الإنسان، على نحو غير مسبوق ربما حتى خلال الحرب الباردة، واتخاذها ذريعة ومسوغاً تتمحور حولهما سياستها الخارجية وتدخلها الإمبراطوري في شؤون العالم. لذلك، يصبح انتقادها في ذلك ضرباً من نسف الشرعية التي تدعيها تلك السياسة الخارجية ودحضا لها يتعلق بالأسس التي تصطنعها وبالمبررات التي تزعمها.
والحقيقة أن التقرير الأخير لمنظمة العفو الدولية كان في المضمار هذا وثيقة اتهام بالغة القسوة، حيث أشار إلى معتقل غوانتانامو، الخارج تماما عن كل إطار قانوني، وإلى ما حصل في سجن "أبو غريب" العراقي من حوادث تعذيب وأفعال انتهاك مشهورة، كما يشير التقرير إلى أن القوات الأميركية اقترفت في العراق جرائم قتل غير مبررة وقامت باعتقالات تعسفية، وأنها استمرت في توخي التعذيب وسوء المعاملة بالرغم من افتضاح أمر ما ارتُكب في "أبو غريب"، وأن آلاف العراقيين اعتقلوا في سنة 2004، دون تهمة محددة ولمجرد الاشتباه في قيامهم بأنشطة معادية، وأن "ظروف اعتقالهم قاسية جدا، في معتقلات بعضها سري أو غير معلوم". بل أن التقرير يذهب إلى ما أبعد من ذلك مؤكدا، بطريقة توثيقية إحصائية، أن الديمقراطية وحقوق الانسان تقهقرت على الصعيد العالمي، منذ تفجيرات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001 في نيويورك وواشنطن، ومنذ أن أطلقت الولايات المتحدة حملتها "الكونية ضد الإرهاب"، وذلك ما ينقض ويدحض ما تردده الإدارة الأميركية من أن جهودها لمكافحة الإرهاب ونشر الديمقراطية في أرجاء العالم تؤتي ثمارها، مستشهدة في ذلك بالانتخابات العراقية الأخيرة وبما آلت إليه من تزايد الاحتقان الطائفي في بلاد الرافدين، أو بانتخابات البلدية في السعودية، أو بتعديل الدستور في مصر، ذلك الذي لا يعتقد أنه سينهي سطوة الحزب الوطني الحاكم وسيضع حدا لاحتكاره للسلطة، وما إلى ذلك من "إصلاحات" تبدو نسبتها إلى النجاح أقرب إلى الاعتباط والتعسف. أو أن تقرير منظمة "أمنستي"، يقدم الدليل على أنه إذا ما حصل بعض تقدم في تلك المجالات، فقد قابله تقهقر أفدح وأشد وطأة.
لكل ذلك، لم يسبق لتقرير أعدته منظمة من قبيل "أمنستي"، وهي من طينة منظمات دولية كثيرة تنشط في مجالات شتى وترصد عاهات كونية لا حصر لها من فقر ومرض وكوارث بيئية وما إليها، أن اكتسب أهمية سياسية كهذا التقرير الأخير. ليست المنظمة المذكورة هي المسؤولة عن تسييس عملها، ولكنها الولايات المتحدة، التي "أدلجت" حقوق الإنسان وجندتها تتوسلها في نوازعها الإمبراطورية، هي التي وجدت نفسها أمام أحد احتمالين: إما القبول بانتقادات منظمة "أمنستي"، على ما تفعل الأنظمة الديمقراطية عادة، والتسليم تبعا لذلك بخطل سياستها الخارجية، أو على الأقل بخطل تسويغاتها، وذلك أمر متعذر في ظل إدارتها الإيديولوجية الراهنة، وإما المخاطرة بإنكار الحيادية على منظمة تستقي مصداقيتها من حياديتها، أسوة بما درجت على فعله أنظمة الاستبداد. وقد استسهلت واشنطن اللجوء إلى الخيار الثاني.
وللسلوك هذا وجهان، أحدهما سلبي، هو تحويل حقوق الإنسان من مُثل يتحقق حولها إجماع كوني، أو يُرجى ذلك، إلى مجال لصراعات القوة، والثاني إيجابي، يجعل منظمة مثل "أمنستي" تصطف، عملياً، إلى جانب المعترضين على سياسة الولايات المتحدة وتعزز موقفهمح طبعا إذا كان المعترضون أولئك من فصيلة الحريصين على حقوق الإنسان.

09:40 Permalink | Email this