« عن الولايات المتحدة ومنظمة العفو الدولية | HomePage | ليبراليون عرب: صرخة ضد التبسيط »

04/06/2005

زيارة محمود عباس إلى واشنطن

صالح بشير الحياة 2005/05/29

ما كان يمكن لزيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى الولايات المتحدة إلا أن تنتهي بإحالته، من قبل مضيفيه، على أرييل شارون في كل ما له علاقة بالتسوية. فالأميركان قد يستقبلون الرئيس الفلسطيني أفضل استقبال، لا يرقى طبعا إلى ذلك الذي حظي به رئيس الحكومة الإسرائيلية قبله بأسابيع، بعد أن قاطعوا سلفه ياسر عرفات ونزعوا عنه صفة «المحاور». وقد يثنون على اعتداله وعلى جنوحه الواضح لتوخّي سياسة التفاوض، وقد يشيدون بانتخابه ديموقراطيا ويعتبرون الاقتراع ذاك نموذجياً حرياً بمنطقة الشرق الأوسط أن تقتدي به، بل قد يقدمون له المساعدات المادية التي جاء يطلبها، بعد أن حجبوها طويلا عن السلطة الوطنية الفلسطينية بدعوى فسادها وسوء تصرفها (وهي مآخذ ليست باطلة تماما). لكنه ما كان يمكنه أن يظفر منهم بموقف سياسي، أو بالأحرى والأصح بموقف سياسي يتميز عن ذلك الإسرائيلي.

صحيح أن الجانب الأميركي قد جدد، أثناء زيارة الرئيس الفلسطيني إلى واشنطن، التزامه بـ«رؤية بوش»، المتعلقة بإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة إلى جانب الدولة العبرية، كما أوضح الجانب ذاك أن الدولة تلك يجب أن تكون متصلة الأجزاء لا جيوبا متفرقة مشتتة. لكن الإدارة الأميركية تحتفظ في هذا الشأن بضرب من «الغموض البنّاء»، لفائدة إسرائيل طبعاً. فأرييل شارون أيضا يقول بالدولة الفلسطينية، لكنه يراها موقتة إلى أجل غير مسمى. كما أنه يسلّم باتصال أجزائها، لكنه لا يرى الاتصال ذاك ترابيّاً، بل بواسطة طرقات خاصة بالفلسطينيين، تمكنهم من التنقل بين مختلف بونتوستاناتهم، أي اتصالا من دون سيادة. وليس من التحامل أو من التشاؤم أو من افتراض سوء النية في شيء توقّع أن تعمد الولايات المتحدة (إن استمرت على وجهتها الراهنة)، عندما يجدّ الجدّ، أي عندما يحين أوان تتنفيذ هذا «الحل»، إلى تبنّي ذلك التأويل الشاروني. والتأويل ذاك أضحى إسرائيليا على ما يبدو، لا يتوقف على رئيس الحكومة الحالي، لطبيعة «الدولة الفلسطينية» ولاتصال أجزائها.

قرائن كثيرة تدفع إلى توقع الأسوأ هذا، منها ما هو من باب الوقائع المتفرقة لكنها تنتظم في منحى منسجم، مفاده أن إدارة الرئيس بوش لا توجه إلى السلطة الفلسطينية، سواء في عهدها العرفاتي السابق أو في عهد أبي مازن هذا، من المطالب إلا تلك التي توجهها إسرائيل، شأن تفكيك «الحركات الإرهابية»، أي المنظمات الفلسطينية المقاوِمة (مهما كان الرأي في بعض مقاومتها). حتى ذلك التعلق بالمواعيد الانتخابية، وتقديسها تقديسا عُصابيا من قبل هذه الإدارة الأميركية، يزولان عندما يتعلق الأمر بالانتخابات التشريعية الفلسطينية، التي كانت مُزمعة في السابع عشر من تموز (يوليو) المقبل، إذا كانت الرغبة بالتأجيل إسرائيلية أيضا، فضلا عن الاعتبارات الفلسطينية الداخلية.

ثم هناك ما هو أعمق وأهم من تحوّلات، وهو ما قد يكون غير مسبوق جدّ مع هذه الإدارة الأميركية: فهذه الأخيرة ربما كانت الوحيدة التي لا تمتلك سياسة في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، أقله منذ أن دخلت الولايات المتحدة طرفا فاعلا في الشرق الأوسط مع العدوان الثلاثي في 1956. صحيح أن الموقف الأميركي لم يكن يوما متوازنا بين طرفي النزاع بطبيعة الحال، لكن الإدارات السابقة، وعدا عن لحظات المواجهات القصوى شأن حرب 1967 أو حرب 1973، كانت تتوخى سياسات متمايزة، وإن على نحو طفيف، وإن في إطار التحالف الوثيق، عن تلك الإسرائيلية. كانت تترك متسعاً، على هذا القدر أو ذاك من الضيق، للمساعي العربية، تمثل وعدا، وإن محدودا أو حتى خلّبا، بالتأثير في مواقف إسرائيل من خلال الولايات المتحدة، كما حصل مثلا عندما «أجبر» الرئيس جورج بوش الأب تل أبيب على حضور مؤتمر مدريد.

أما هذه الإدارة فليست لها من سياسة حيال المسألة الفلسطينية إلا تلك التي ترتئيها إسرائيل، تتبناها تبنيا كاملا وتعمل بمقتضاها. إذ أن واشنطن، في عهدها البوشي هذا، تخلت حتى عن دور الراعي غير النزيه وغير العادل، لتسلم بالكامل ملفا أساسيا من ملفات سياستها الخارجية إلى دولة تبقى في نهاية المطاف دولة أجنبية، حتى وإن بلغت مبلغا من التحالف الوثيق كذلك القائم بين إسرائيل والولايات المتحدة. وهذا مستجد قد يعسر تفسيره فقط بما درجنا عليه من تفسيرات كثيراً ما اعتمدناها، شأن ما يقال عن سطوة اللوبي الصهيوني (فالسطوة تلك ليست بالأمر الجديد)، أو ما يقال من أن إسرائيل هي الولاية الواحدة والخمسون، إذ لو صح ذلك لكانت الدولة العبرية ولاية من طراز خاص، تنوب عن المتروبول في صلاحيات سيادية. والحال أن إسرائيل هي الدولة الأجنبية الوحيدة التي تتخلى لها الولايات المتحدة عن صلاحيات سيادية شأن قضايا الحرب والسلام والحل والامتناع عنه في منطقة استراتيجية وحساسة من مناطق العالم!

قد يمكننا القول، في انتظار الاهتداء إلى تفسير أفضل أو أعمق وأشمل، أن الأمر ذاك ربما كان ضربا من اندماج كذلك الناجم عن تجارب الحلول، تقع على صعيد إيديولوجي وغيبي.

لكن الولايات المتحدة، إذ تجعل سياسة «اللا حلّ» الإسرائيلية سياستها، وإذ تتبناها تبنيا أعمى كما سبقت الإشارة، إنما تدرج صراعها مع العالم العربي والإسلامي في الأبدية ولا تريد له أن يضع أوزاره في يوم الأيام، في تناغم لافت مع من يزمعون منازلتها «فسطاطاً في مواجهة فسطاط»، إلى يوم الدين، ما ينافي منافاة تامة زعمها المعلن إحلال الاستقرار والديموقراطية في ربوع «الشرق الأوسط الأكبر».

لذلك، وعطفا على كل ما سبق، هل زيارة محمود عباس إلى واشنطن مجدية؟ الأرجح أن لا، في ما عدا بعض المساعدات المالية ربما… ولكن هل يُلام الرجل، وحال شعبه وقضية شعبه على ما نعلم، إن هو طرق كل الأبواب المتاحة؟

09:42 Permalink | Email this