« 2005-04 | HomePage | 2005-06 »

27/05/2005

«ثقافة الاستسلام» أم جهالة الاستخوان؟

صالح بشير الحياة 2005/05/27

لم أقرأ كتاب "ثقافة الاستسلام" لمُقترفه بلال الحسن، مع أن شخصي المتواضع من ضحاياه منذ الغلاف الخارجي. قد لا يصدّق المنتفخون نرجسيّةً من مثقفينا ذلك، لكنها الحقيقة. لم أقرأ ذلك المُصنّف الجليل، لعسر الحصول على نسخة منه في بداية الأمر، ثم عزوفاً واستهانةً في ما بعد. فأرض إقامتي لا تكاد تصلها المنشورات العربية، ومن وعدوني بإرسال الكتاب تكاسلوا أو أخلّوا، كما أنني هاتفت المؤلف مراراً وألححت في المهاتفة فلم أعثر عليه، حتى خلت بلالاً لاذ بالسريّة يقود من تحت الأرض صراع حياة أو موت ضد "مثقفي الاستسلام" بعد أن اكتشف ما هم عليه من شرّ مستطير.

وفي الأثناء، كنت أتابع، بقدر من الفضول وبشيء من التسلية والحق يُقال، ما نشرته الصحف عن الكتاب، فتكوّنت لي فكرة عن محتواه، قنعتُ بها واكتفيت، لعلمي، من خبرتي بالأفكار البِلالية، أن التلاخيص تستوفيها دونما حاجة إلى المزيد ودون تشويه أو ابتسار. إذ هي من النوع الذي لا يوغل بعيداً لا في العمق ولا في الابتكار. ثم أن مقالاً في إحدى الصحف أفادنا بأن "موضوع كتاب المفكر بلال الحسن سبق أن تناوله المفكر فيصل جلول"، فاستخلصت، على ذمة المقال المذكور، أن المفكر بلال الحسن مقلد لا مجدد، أقله في هذا المضمار، ففتر سعيي بعض الشيء، خصوصاً أنه لم يبدُ لي أن محتوى الكتاب يخصني ويعنيني، فالرجل حشرني في عصابة لا علم لي بوجودها ولا يجمعني بأفرادها جامع أو اتفاق، وحتى حازم صاغيّة، الذي تشدني إليه وشائج صداقة عميقة مديدة أعتز بها ونشرنا معاً عدداً من المقالات المشتركة، لا يبلغ التوافق بيننا في الأفكار مبلغ التماهي، والحمد لله، ولا يُلزمنا إلا في ما وقّعناه معاً. أما كنعان مكية، الذي زعم بلال أننا "انطلقنا من أفكاره"، فلم أكن أعلم قبل هذا الزعم البلالي أن الرجل صاحب فكر يمكن لمن كان مثلنا أن يكون من أتباعه، إن هو إلا صاحب آراء اختلفتُ دوماً مع بعض ما كان منها جوهرياً (في نظر صاحبها): فهو دافع عن الحظر الذي فُرض على العراق طوال عقد تسعينات القرن الفائت في حين اعتبرته، ولا أزال، جريمة في حق الإنسانية، لا يخفف الإجماع الدولي من صفتها تلك، وهو رحب بالغزو الأميركي للعراق وطرب لصوت قنابله، بل حضّ عليه، في حين كنتُ ممن عارضوه ويعارضونه بشدّة. وأما العفيف الأخضر (شفاه الله)، فلا رابط بيني وبينه عدا صلة المواطنة، وأنا بشكل عام منتقد لما يكتب، إذ أراه مقيماً على دعوة تحديثية راكمت خلال نصف القرن المنصرم (هذا إن لم نعد إلى عصر محمد علي!) تاريخاً من الفشل الذريع، يصرّ على استحضارها بحذافيرها من دون العودة إلى مساءلة تاريخ الفشل ذاك واستنطاقه، هذا ناهيك عن تحفظي الشديد (وفق أكثر التوصيفات اعتدالاً) حيال التيار المُسمّى "الليبرالي الجديد"، ذلك الذي يقترح حلولاً بالغة التبسيط لمشاكل بالغة الإعضال، ويُعدّ الكاتب التونسي زعيمه وملهمه. وأما أمين المهدي، فلم أقرأ له غير النزر اليسير الذي لا يخوّلني التفوّه برأي.

لكل ذلك، لم تثر فيّ تأكيدات بلال الحسن غير اللامبالاة، وحسبت تهافتها بيّناً جليّاً لكل ذي حسّ سليم، خصوصاً أن الكتّاب الذين تناولهم نشروا ما يجرّمهم على نشره على أعمدة منبر عربي مرموق ومشهور في المتناول. حتى حيلة بلال المتمثلة، في ما يخص ما نشرناه، حازم صاغيّة وأنا، في تجنب الإشارة إلى مصدر مقالاتنا في كتاب ضمها، وصدر بعنوان "تصدع المشرق العربي" تسهل العودة إليه وبالتالي دحض ما ينسبه إلينا، مفضّلاً الاستشهاد بأصلها في صحيفة "الحياة"، تعجيزاً للقارئ عن البحث في بطون أعدادها القديمة، بدت لي (تلك الحيلة) تذاكياً مزرياً وغير ذي جدوى، وازددت استهانة بالكتاب وزهداً في قراءته. وهكذا، وعندما قيض لي بعد ذلك السفر إلى باريس، وعثرتُ على السِّفر البلالي في مكتباتها العربية، تناولته وقلبت صفحاته، ثم اطّرحته جانباً، وفضلت اقتناء كتاب "الخصائص" لابن جني، تعويضاً عن نسخة كنتُ قد أعرتُها فأضعتها، وكتباً أخرى من التراث، إذ إنني غالباً ما أستجير من ضحالة المعاصرين (إلا من رحم ربك وهم قلة نادرة ليس بلال الحسن بداهةً في عدادها) بألق القدامى، نفاذَ فكرٍ ومتانة أسلوب.

وحتى عندما بادر "مفكر" من مفكري هذا الزمن البائس، أثرى الرصيد الفكري لـ"الأمّة" بمفاهيم أثيرة من قبيل "مثقفي المارينز" و"الانبطاح" وسوى ذلك مما كان من معدنها الوضيع ومن طينتها الرديئة، إلى الاحتفاء بالسّفر البلالي وكأنه كشف له عن سر الكيمياء، فحبّر مقالة ابتذلها في أكثر من صحيفة وفي عشرات مواقع الإنترنت، يهاجم فيها ضحايا بلال ويفضح فيها مؤامرتهم الدنيئة، أشفقتُ على رجلٍ في سنّه، يسفّ شاتماً ويتهافت مخوِّناً ويحتال ناسباً إلى الناس ما لم يقولوه ويتعمّد الخلط ويجترئ على الابتسار، أكثر مما جزعت منه.

وهكذا، لم أفكر في الرد يوماً: كبرياءً، لأنني أربأ بنفسي عن تبرئة الذمة حيال بلال الحسن أو من كان مثل ذلك "المفكر" الردّاح. وحياءً، لأن الرد، خصوصاً إذا كان شخصياً، ينزلق بالمرء إلى ما أنا فاعله هنا على مضض شديد، أي الحديث بضمير المتكلم، واستعراض الأنا كما تستعرض راقصة البطن بطنها (ولبعض "المفكرين" في هذا المضمار باع يُحسدون عليه!). وحسنَ ظنٍّ بالحس السليم لدى القراء، أقله أهل الاطلاع منهم بحكم الاهتمام أو الاحتراف، وبقدرتهم على التمييز بين المواقف والآراء وأصحابها، وعلى فصل دقيق الحقيقة عن نخالة الافتراء.

لكنني أُقرّ بأني أسأت التقدير في ما يخص هذه النقطة الأخيرة، وأخطأت إذ استهنتُ بكتاب "ثقافة الإستسلام"، أو على الأصح والأدق، إذ استهنتُ بمفعوله، ومن هنا الدافع إلى كتابة هذه السطور. فالكتاب المذكور، ولأسباب كتلك التي سبقت الإشارة إليها، ليس جديراً بالاهتمام من حيث المحتوى حتى على سبيل الهجاء، ناهيك عن المناقشة الجادّة، لكنه بالغ الدلالة كعَرَض على مرض يتجاوزه ويتعداه: آفة التخوين والأبلسة، وكيف أن من يبادر مخوّناً ومؤُبلِساً يكسب الجمهور إلى صفّه آليا. يكفيه أن يوجه إصبع الاتهام، مستخدماً تلك الكلمات السحرية إياها، من "خيانة" و"مؤامرة" (على الأمة طبعاً) وما إليهما، حتى ينال المصداقية فوراً، مهما تهافت وأجحف وظلم وأخل بالمنطق وبالنزاهة. الجمهور يريد وجبته الكانيبالية، يُقبل عليها بشراهة غير مُتطلّبة، حتى وإن كان الطاهي بلال الحسن! لست أدري لماذا اقترف هذا الأخير كتابه ذاك، هل أراد الاعتراض على أفكار بعينها وعلى أصحابها (وهذا من حقه مبدئياً) وانتهاز الفرصة لإيذاء البعض الآخر؟ هل أراد التعبير عن خلافه مع أفكار أو مواقف لأنه لا يوافق عليها ومع أخرى كرهها لأنها استعصت عليه فهماً، فألّف مؤامرة تجمع، في نظره، بين ما تباعد وتنافر من هذه وتلك في بوتقة الإدانة والتجريم؟ قد يكون.

إلا أن طريقته هذه، وإن كانت فقيرة إتقاناً ومدقعة مهارةً، كانت فاعلة والحق يُقال. وهكذا، يتصل بك معدّو برنامج "الاتجاه المعاكس"، يدعونك إلى مناقشة صاحب "ثقافة الاستسلام"، للدفاع عما نسبه هذا الأخير إليك من أفكار، مفترضين أنها أفكارك، أو للنطق باسم تلك "العصابة" المتآمرة التي افتعلها المؤلف إياه وحشرك فيها، على اعتبار أنك عضو فيها، وأن الأمر ذاك تحصيل حاصل. وهكذا أيضاً، يكتب أكاديمي مثل الطيب تيزيني مقالاً نشرته صحيفة "الاتحاد" الاماراتية قبل أيام، يأخذ علينا، حازم صاغيّة وأنا، إشارتنا إلى انتصار "الحداثة" على "الحق" في النزاع العربي - الإسرائيلي، مستنتجاً، اعتماداً على بلال الحسن، أننا نسوّغ ذلك الانتصار وأننا نرى "أنه من طبائع الأمور أن يكون العرب خارج دائرة الحداثة، التي ستكون والحالة هذه خصوصية غربية"، علماً أننا نرفض كل زعم جوهراني، ولا نعتبر التخلف جبلّة عربية ولا "الحداثة" خاصية غربية حصراً، وكل ما فعلناه أننا قررنا واقعاً، نستنكره ونضيق به، ودعونا إلى رفد حقنا بالحداثة، أي بفهم بيئتنا العالمية كزمان وكمكان تاريخيين!

متى نتعافى من هذا التنطع إلى التخوين ومن هذه "الحرب الأهلية" الدائمة لا يكف عن استثارتها الجهلة والمراهقون (مهما بلغ بهم العمر)؟ متى نفقه شيئاً بسيطاً وأولياً: أن لا خلاف حول الحق، ذلك الفلسطيني أو سواه من الحقوق المهدورة على امتداد هذه المنطقة، بل على سبل إحقاقها ووسائل نيلها، وأن الخلاف ذاك، في حدوده الأخيرة هذه، مشروع، بل ضروري؟


كاتب تونسي.

18:16 Permalink | Comments (0) | Email this

25/05/2005

الصحوة الإسلامية، الكنيسة الكاثوليكية، اليمين الأميركي


الصحوة الإسلامية، الكنيسة الكاثوليكية، اليمين الأميركي

الحداثة المضادّة نصاباً جديداً


صالح بشير

المستقبل - الاحد 22 أيار 2005 - العدد 1925 - نوافذ - صفحة 9

في سنة 1978، انتُخب كارول فويتيلا، أسقف كراكاو (أو كراكوفيا)، بابا للكنيسة الكاثوليكية تحت اسم يوحنا بولس الثاني. وفي سنة 1979، قاد الإمام الخميني أول ثورة إسلامية في العصر الحديث، وانتصر فيها. وفي سنة 1980، أصبح رونالد ريغان، نتيجة سوء فهم، كما قيل آنذاك، أو بفضل أصوات ما عُرف بـ"الأغلبية الأخلاقية"، رئيسا للولايات المتحدة.
ثلاثة أحداث لم تُلحظ وشائجها العميقة في الإبان، ولا بعد ذلك، ولا حتى هذه اللحظة ربما. قد يعود ذلك إلى عاهةِ الاكتفاء من التحوّلات الكبرى بسطحها السياسي، والسطح ذاك لا يعدو أن يكون سطحا وإن تعلّق بانقلابات من مصافّ استراتيجي وكوني. أو قد يعود ذلك إلى امتلاء فكر الحداثة، أو بالأحرى والأصح إيديولوجية الحداثة، بذاتها واقتصارها على نفسها وعلى يقينها، لا ترى ما يقع خارجهما أو تعتبره، في حال حصوله، شواذا ستستدركه حتمية "التقدم" لا محالة.
وهكذا، لم يتبيّن أحد أن الأحداث الثلاثة (حتى لا نشخصن ونقول أبطالها) إنما كانت بداية التأسيس لعالم "جديد" (ستنجلي دلالة المزدوجات هذه في ما سيأتي) أو مباين جوهريا لذلك العالم الذي أرسته الحداثة التنويرية، وتوهمت كونيته، واطمأنت إلى اطِّراده أفقا للبشرية لا أفق سواه، بعد أن وحّدتها العولمة. لذلك، حُسِبَ نافلا أو ثانويّ الدلالة انتخاب بابا من بولندا، قاد أو وجّه ثورة بروليتارية، قوامها نقابة "التضامن" ووقودها الكاثوليكية الشعبية، ضد ... "دكتاتورية البروليتاريا"، خلاصة التاريخ ومنتهى الحداثة وقد استوت "عِلما" على ما كان يُظنّ، أقله في نظر البعض دون البعض. أما الثورة الخمينية في إيران، فقد أخذت بألباب معاصريها، ولكن فقط أو أساسا لأن الألباب تلك لم تكن تتوقعها ولا كانت ترجّحها. كانت تنتظر، وفق قانون "الحتمية" إياه، ثورة تنطلق من "منصّة" ما تستبق الحاضر وتقع في المستقبل، فإذا هي ثورة تصدر عن الماضي وتنطق بمفردات الماضي. أما انتخاب ممثل هوليوودي محدود الموهبة على رأس الولايات المتحدة، قاصر الوعي محلّي النظرة، سبق له أن كان من زبانية الماكارثية، واشياً صغيراً في آلتها الجهنمية، خاض حملته مبشّرا بالعودة إلى "رأسمالية بدائية" وإلى "أخلاقوية قروية"، فلم يأخذه أحد على محمل الجدّ، وربما اعتُبر من بعض شطط الحياة السياسية الأميركية ومن بعض فولكلورها الزائل... ويجدر التنويه أن الأمر ذاك تكرر بحذافيره أو يكاد لدى انتخاب جورج بوش الابن، مرّة أولى فثانية، ما يوحي بأن التعامي ذاك أصليّ بنيوي لا عارض طارئ!
أما الأساسي الذي لم يُلحظ فهو أن الحالات الثلاث، بالرغم من صدورها عن مناخات وعن "قارّات" ثقافية متباينة. وبالرغم مما بين أطرافها أو بين بعضها من عداء مكين، كامن أو مفتوح، تآزرت في ما بينها على إرساء نصاب كوني جديد، يمكننا تسميته، في انتظار الاهتداء إلى مصطلح أفضل، بنصاب "الحداثة المضادة". ولكن لنتوخَّ الدقة: لقد تبيّن الكثيرون، إن في الثورة الإيرانية وإن في عدد من أفعال ومن أقوال البابا الراحل وإن لدى ناخبي اليمين الجمهوري الأميركي، أو أوساط منهم، من عهد رونالد ريغان إلى أيام بوش الإبن هذه، رد فعل مناهض للحداثة، برمّتها أو لأوجهٍ منها، صريح في مناهضته لها، حتى غدا القول بذلك من مبتذل الكلام. ولكن المنطق الضمني لذلك الكلام ظل مقيما على اعتبار الحداثة أصلا أو متناً وعلى اعتبار الاعتراض عليها رد فعل هامشيا (من قبل قوى "همّشها" التاريخ وتضررت من تقدمه الذي لا رادّ له)، "ماضوياً"، أي لا يمكنه، بحال من الأحوال، أن يتأسس في الحاضر.
أما نحن، فنزعم أن الأمر أكثر من ذلك ونذهب إلى أن "الأصولية" الإسلامية (وهذا أيضاً من المصطلحات التي تتطلب تدقيقاً)، تلك التي أطلقت الثورة الخمينية "صحوتها" الراهنة، كما كاثوليكية يوحنا بولس الثاني، مع ما في هذه النسبة من بعض تعسف، كما المحافظة اليمينية الأميركية، جديدها ومتجددها، إنما تدحض مسلمة ارتقت طويلا إلى مرتبة اليقين، تلك المتمثلة في استحالة الجمع بين القبول بثمار الحداثة، أي التوسل الإجرائي لبعض مؤسساتها أو الإقبال على ما تتيحه التكنولوجيا، ورفض قيمها، فكرها وثقافتها وإيديولوجيتها كما صاغها عصر التنوير، وحسبان كل محاولة في ذلك الصدد من قبيل الخُلف أو اللامعقول. والحال أن التيارات المناهضة للحداثة، في تجلياتها الثلاثة الآنفة الذكر، ربما كانت بصدد البرهنة على أن الاحتمال ذاك جدّي إلى أبعد الحدود، قابل للتحقيق، بل أنه قد تحقق بقدر كبير، ما دامت تحمله جموع تشكّل أغلبيات وتترجمه إلى قوة باتت فاعلة، وإن بمقادير متفاوتة وبأوجهٍ متباينة، لا فارق في ذلك بين مجتمعات أوغلت في الحداثة وأخرى كابدت أقصى المشاقّ وهي تجهد في اجتياز عتبتها. أي أن الظاهرة تلك، لا تنحصر في مناطقنا العربية، أو تلك 7-7-المتّسعة7-7- من موريتانيا إلى باكستان حسب النظرة البوشية، حيث للتيارات الإسلامية حضور وغلبة لا يُنكران، بل أننا نلحظها قوية في الولايات المتحدة وفي السطوة التي باتت للحركات الدينية فيها، على ما تبدّى في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وكذلك في أوروبا الغربية، على ما دل التعلق الشعبي بالبابا الراحل يوحنا بولس الثاني، خصوصا في أوساط الشباب، تلك التي كان النفاذ إليها دوما معضلة الكنيسة الكاثوليكية في العصر الحديث، هذا مع الاعتراف بأن العلمانية الأوروبية لا تزال أمتن وأصلب، أكثر مناعة أو ممانعة في وجه عودة الدين فاعلا في الشأن العام، ذلك السياسي بالخصوص.
الحداثيون أخفقوا، بطبيعة الحال، في فهم تلك الظواهر، إذ دونهم ودون ذلك النظرة إياها، من أن الحداثة لا يمكنها أن تُنتَقد إلا بما يتجاوزها، أو يتجاوز بعض هناتها، أي بما يستكملها، لا بما يرتدّ عنها، أو أن ذلك إن حصل، وإذا ما حوكمت الحداثة بقيم الماضي وأفكاره، فإنه لا يعدو أن يكون نكوصا موقتا، ستتولى اليد الخفية لـ "التقدم"، وهذا حتمي لا يرقى الشك إلى حتميته، إصلاحه وتقويم اعوجاجه، طالما أن الحداثة المضادة لا يمكنها أن تطمح إلى راهنية ولا أن تستوي مشروعا مستقبليّا. وهكذا، نظر الحداثيون إلى تلك الظواهر على أنها "أمراض"، فأعادوا تنامي الأصولية الإسلامية، على نحو شبه حصري، إلى "الإحباط"، الاجتماعي والسياسي والحضاري أو إلى كل ذلك وسواه مجتمعا، وشخّصوا لدى ناخبي جورج بوش، وتبجيلهم لهاجس القيَم، أي هاجس المحافظة الأخلاقية، على ما عداه، ميلا يكاد يكون انتحاريا إلى "التصويت ضد مصالحهم"، وأفتوا بأن شعبية البابا الراحل وحظوته بين جموع البلدان ما "بعد الصناعية"، ناهيك عن الدهماء من كاثوليك جنوب الأرض، إنما علّتُها الكاريزما التي كان يتمتع بها الرجل لا محتوى أقواله وأفعاله، على ما أوحى، أسوة بآخرين، اللاهوتي الألماني "التقدمي" هانس كونغ في مقال له أخير. والكاريزما، كما هو معلوم، تنزع منزع اللاعقلانية وتُرهص بالفاشية أو تعبر عنها. بطبيعة الحال، لا أحد يُنكر وجاهة تلك التفسيرات، لكن ما يؤخذ عليها الصفة الحصرية والجامعة المانعة التي يتوسمها فيها ويمحضها إياها الآخذون بها.
وذلك ناتج، كما سبقت الإشارة، عن ذلك الاستبعاد الكلّي لإمكانية أن يُصار إلى نقد الحداثة، على نحو مجدٍ وفاعل على صعيد التأسيس التاريخي، بما قبلها. والامتناع ذاك من قبيل إيماني إيديولوجي، لا معرفي. معرفيا، لا يوجد ما من شأنه أن يحول دون الإقبال على ذلك الاحتمال وطرحه كفرضية تُسبر وتُبحث وتُختبر، خصوصا وأن في الواقع الراهن لعالمنا ما قد يغري بذلك ويحض عليه.
أول ما يلفت في تلك التيارات الثلاثة الكبرى المناهضة للحداثة، أنها لا تكتفي بردّ الفعل حيال هذه الأخيرة على نحو عشوائي، قِطاعي، انتقائي، مضطرب، بل أنها تستند في ذلك إلى رؤية متكاملة ومنسجمة، مؤسسة فلسفيا ومرهّنة في الغالب، أي لا تكتفي باستحضار الموروث خاما. ولعل المثال الأبرز والأكثر بداهة على ذلك، طروحات الكنيسة الكاثوليكية في عهد البابا يوحنا بولس الثاني، وهذه يُفترض فيها أن تستمر في عهد خلفه بينيدكتوس السادس عشر، ذلك الذي تعلقت آخر مداخلة علنية له ألقاها قبيل انتخابه بدحض "النسبية الثقافية"، تلك التي تمثل أحد الأسس الفكرية للحداثة، أو بالأحرى والأدقّ لما بعد الحداثة.
قد لا ينحو المرء منحى الشطط والمبالغة إن ذهب إلى أن اللب الذي تمحورت حوله حبرية يوحنا بولس الثاني والمبدأ الناظم لأفعاله وأقواله، إنما يتمثلان في إرساء تلك الحداثة المضادة. صحيح أن البابا المذكور لم يجترح في ذلك الصدد جديدا قياسا إلى تاريخ الكنيسة الكاثوليكية، وأن هذه الأخيرة كانت دوما مناهضة للحداثة، فلم تتحقق هذه الأخيرة إلا ضدها وبالخروج عنها، وليس بواسطتها أو بمساعدتها، على خلاف ما هي عليه الحال بالنسبة إلى البروتستانتية، أو ربما على الأصحّ بعض نِحَلها، على قول كتاب شهير لماكس فيبر (حلت هذه السنة الذكرى المئة لصدوره)، لكن يوحنا بولس الثاني، وإن استند في ذلك والحق يقال إلى تحوّل كان اجترحه "مجمع الفاتيكان الثاني" في ستينات القرن الماضي، قد أخرج مناهضة الحداثة من طور الانكفاء "الماضوي" البحت إلى طور إعادة التأسيس، أي بعبارة أخرى من طور الإنزواء ما قبل الحداثي إلى طور المبادرة المضادة للحداثة، وقد تبلورت في رؤية بديل توجهت بالخطاب إلى فئات جديدة، من شباب وسواهم، وحُظيت بينهم بصدى لا يُنكر، ولم تنحصر في تلك الفئات التقليدية التي يتربص بها الفناء، بيولوجيّا واجتماعيّا.
رسالة "الإيمان والعقل"، التي أصدرها البابا الراحل في سنة 1998، أي عشية الألفية الثالثة واستعدادا لها، ربما شكلت الوثيقة الأخطر في صدد التعاطي مع الحداثة، إن كتشخيص لانزلاقاتها وأزماتها وإن كبرنامج لـ"ترشيدها". ذلك أن الكنيسة الكاثوليكية، على عكس بعض النحل البروتستانتية الأميركية بالخصوص، أقلعت منذ أمد، مختارة أم مضطرة، عن المساجلة مع وحول "حقائق" العلم الحديث، حتى وإن تعلقت بالخلق أو بالكون، شأن الداروينية أو نظرية "الانفجار الكبير" (بيغ بانغ)، وما عادت تجادل الحداثة إلا في مجال القيم، كما في انعاكاساتها وتبعاتها الأنثروبولوجية. لذلك تقر رسالة "الإيمان والعقل" للعلم وللفلسفة الحديثين بأنهما افتتحا وطوّرا وعمّقا مجالات معرفية غير مسبوقة، بل أن الرسالة تعترف للفلسفة الحديثة بـ"مزيتها الكبرى" المتمثلة في تركيز اهتمامها على الإنسان، وفي أنها قد "أنشأت منظومات فكرية معقدة توصلت إلى نتائج في مختلف مضامير المعرفة، وأفضت إلى تطوير الثقافة والتاريخ"، كما تقول الرسالة (حسب الترجمة الإنكليزية)، غير أنها لا تلبث أن تستدرك أن "النتائج الإيجابية التي تحققت لا يجب أن تُنسيَ أن العقل، إذ حصر اهتمامه في سبر ذاتية الإنسان، يبدو أنه قد نسي أن بني البشر، رجالا ونساء، مدعوون إلى توجيه خطواتهم صوب حقيقة تتسامى عليهم"، وأن الانقطاع عن تلك الحقيقة وعن السعي إليها، جعل الأفراد نهبا لنزواتهم، وجعل 7-7-حالتهم كأشخاص7-7- تُقاس بمعايير براغماتية "تقوم أساسا على المعطيات التجريبية وعلى الاعتقاد الخاطئ بأن التكنولوجيا يجب أن تطغى على كل شيء". فالبحث الفلسفي المعاصر، أهمل سبْر الوجود، وركز بالمقابل على فعل المعرفة الإنسانية، أي أنه بعبارة أخرى، نبذَ الميتافيزيقا، فتشظت المعرفة إلى قطاعات شتى، لا يربطها رابط ولا تشخص نحو غاية قصوى.
كان من نتيجة ذلك بروز "مختلف أشكال اللاأدرية والنسبية، التي أفضت بالبحث الفلسفي إلى إضاعة طريقه داخل الرمال المتحركة للتشكك المُستشري". وإذا كانت رسالة "الإيمان والعقل" تقر لتعدد المواقف بالمشروعية، إلا أنها تستنكر تحللّها في ضربٍ من "تعددية بلا تمييز"، تستند إلى افتراض مفاده أن كل "المواقف سليمة بالتساوي"، وهو ما لا سبيل إلى تجاوزه إلا باستعادة الفلسفة "لمنزعها الأصلي"، أي السعي وراء الحقيقية الأخيرة، حقيقة الوجود.
بطبيعة الحال، وبالنسبة إلى وثيقة كنسية مثل رسالة "الإيمان والعقل"، تلك الحقيقة مُعطاة، منذ أن تفعّلت في التاريخ من خلال السيد المسيح وبواسطته. لذلك، فإن الرسالة، وإن أقرّت بأن لا تناقض بين حقيقة الوحي وحقائق العقل، بين حقيقة الإيمان وحقائق النظر، جريا على سنةّ راسخة مستقرة منذ العصور الوسطى (المسيحية كما الإسلامية واليهودية)، فإنها، وفق السنّة إياها، تقيم تراتبا بين كل تلك الحقائق، بحيث تضع تلك الإيمانية، والتي لا يمكن للعقل أن يبلغها بمفرده، في المقام الأرفع، وتجعل الفكر، وإن أكدت الرسالة على حريته واستقلاله، خادما لها، يؤكدها ويسبر أسرارها. لأن الحقيقة الإيمانية هي الوحيدة القادرة على إسباغ المعنى، وهي لذلك يجب أن تستعيد مكانتها تلك، سبيلا وحيدا لخلاص البشرية المعاصرة من "العدمية" ومن فلسفة "اللاشيء" (nothingness)، وما يلازمهما ويترتب عليهما من فوضى قيَمية عارمة.
يتجلى هذا الهاجس إياه لدى اليمين الأميركي. صحيح أن الناخب العادي من ولايات وسط البلاد كان بعيدا كل البعد عن مثل هذه الاعتبارات الفلسفية وهو يمحض الرئيس جورج بوش صوته وثقته في الانتخابات الأخيرة بالرغم من الحالة الاقتصادية أو من حرب العراق، مستهديا في ذلك بقضايا وانشغالات بدت له أكثر إلحاحا شأن الإجهاض أو زواج المثليين، أي صادرا في ذلك عن محافظة أخلاقية "فطرية" أو "خام"، إن جازت العبارتان. ولكن تلك ليست حال كل البوشيين، والمحافظين الجدد منهم على وجه التحديد، أولئك الذين يشكلون التيار الأكثر تماسكا من حيث الخلفية والمرجع النظرييْن، وهو تماسك لا يلغي الاختلاف في ما بينهم في تأويل النظرية، وهذه الأخيرة هي تلك التي وضعها الفيلسوف الألماني الأصل ليو شتراس.
كُتب الكثير عن علاقة المحافظين الجدد بليو شتراوس. لكن الكتابات تلك، إذ تولاها صحافيون أو نحت منحى السجال الايديولوجي الآني والمباشر التوظيفي والتبسيطي، أخفقت في النفاذ إلى لبّ تلك العلاقة. لقد قيل مثلا إن المحافظين الجدد استلهموا من شتراوس تعاليمه القائلة بضرورة إخفاء الحقائق عن الجموع، كما لو أن الساسة، وهم من هم بهتانا وانتهازية حيال الواقع، قد انتظروا ذلك الفيلسوف كي يتوصلوا إلى هذا الاكتشاف المذهل. والحال أن شتراوس كان يعني البحث الفلسفي حصرا أو في المقام الأول، مستأنفا بذلك تقليدا يرقى إلى العصر الكلاسيكي وإلى العصر الوسيط، قال به أفلاطون، كما أخذ به ابن رشد في "فصل المقال" إذ يقول "... فالتأويلات ليس ينبغي أن يُصرّح بها للجمهور ولا أن تُثبت في الكتب الخطابية والجدلية"، بل يجب أن تبقى حكرا على أهل "التأويل اليقيني، وهؤلاء هم البرهانيون بالطبع والصناعة، أعني صناعة الحكمة". وكذلك الإمام الغزالي الذي وضع كتابا بعنوان "لجم العوام عن علم الكلام7-7-. كما وُصف شتراوس بأنه من تلاميذ المفكر الألماني، النازي الهوى بل الانتماء في بعض أطوار حياته، كارل شميت، في حين أنه كان له ناقدا، على نحو جوهري لا يتعلق بالتفاصيل، على ما بيّن الباحث هاينريخ ماير في كتاب له بعنوان "حوار بين غائبين".
لذلك، إذا كانت للشتراوسية من سمة فارقة، فهي لا تتمثل في ما سبقت الإشارة إليه أو في ما كان على شاكلته ومنواله، بل في أن أعمال فيلسوف المحافظين الجدد (على ما في هذا التوصيف من ابتسار) قد انصرفت انصرافا يكاد يكون كليا إلى نقد الحداثة التنويرية، بل إلى دحضها دحضا مبرما، أو ذلك على الأقل ما أراده صاحبها. صحيح أن نقد الحداثة غرض قائم الذات من أغراض الفكر المعاصر، وأن ليو شتراوس لم يبتدعه، إذ تندرج في عداده أسماء لامعة ووازنة، من عيار نيتشه أو هايدغر وسواهما. لكن النقد ذاك، وهذا هو مأخذ شتراوس عليه، يبقى، في الغالب وفي نهاية المطاف، ضمن إطار الحداثة محكوما بأفقها. أما نقده هو فجذري، يقوم على سمحاكمة7-7- فكر الحداثة بفكر ما قبل الحداثة، متوسِّما في هذا الأخير راهنية ناجزة ويراه مؤهلا للنهوض بمهة النقض تلك، فيرجع إلى فلاسفة العصور الكلاسيكية والوسيطة، من أفلاطون، بل وما قبل السقراطيين، إلى موسى ابن ميمون، ذلك الذي أولاه اهتماما خاصا واستثنائيا، إذ ربما اعتبر فكره أرقى تجسيد للتأليف بين "أورشليم وأثينا" (عنوان أحد كتب شتراوس)، أي بين "الفلسفة والشريعة" (عنوان كتاب آخر له)، أي بين الوحي والعقل. وذلك مرورا بمن يسميهم "أساتذة" ابن ميمون من الفلاسفة المسلمين، الفارابي وابن سينا وابن رشد.
يعلن شتراوس، منذ الفقرة الأولى من مقدمته لـ "الفلسفة والشريعة" (الترجمة الإيطالية) أن "عقلانية ابن ميمون هي الأنموذج الطبيعي الحقيقي، وهي المعيار الذي يجب صونه بعناية من كل تزوير، لأنه ـ الصخرة ـ، والعائق الذي تفشل أمامه العقلانية الحديثة". يأتي هذا التأكيد في إطار سجال داخل الفكر والفلسفة اليهودييْن (ضد الفيلسوف النيو­كانطي هيرمان كوهين خصوصا)، لكنه يستند إلى نظرة أشمل وأعم لدى شتراوس مفادها أن العقلانية الحديثة عقلانية "ظاهرية"، أو زائفة، بحيث أن "نقد الحاضر، نقد العقلانية الحديثة، بوصفه نقدا للسفسطائية الحديثة، هو البداية الضرورية، والمُلازم الثابت، والعلامة الفارقة التي لا تخطئ للبحث عن الحقيقة وفق ما هو مُتاح في عصرنا هذا". فشتراوس لا يساوره شك في تفوق العقلانية الكلاسيكية، الموروثة عن الفلاسفة الإغريق وعن فلاسفة العصر الوسيط، على العقلانية الحديثة، تلك التي تخلت، كما جاء في نقاش دار في خمسينات القرن الماضي بينه وبين الفيلسوف الفرنسي ألكسندر كوجيف حول "نهاية التاريخ" (فوكوياما لم يخترع شيئا!)، عن ذلك "الاعتقاد الراسخ لدى الكلاسيكيين الإغريق حول ضرورة التحكم الأخلاقي ـ السياسي في التقدم التقني"، على ما يورد الباحث الإيطالي كارلو ألتيني في كتابه "ليو شتراوس، لغة السلطة ولغة الفلسفة". غير أن شتراوس يستدرك قائلاً "لا يمكننا أن نتوقع من فهمٍ جديد للفلسفة السياسية الكلاسيكية إمكانية منحنا وصفات نستعملها في الحاضر، على نحو فوريّ (....)، إلا أن فهماً ملائما للمبادئ التي صاغها الكلاسيكيون يمكنه أن يكون نقطة الانطلاق التي لا بد منها لتحليل مجتمعاتنا المعاصرة"، كما جاء في كتابه "المدينة والإنسان" (بالإنكليزية). وهذه السمة في فكر ليو شتراوس هي التي مكنته من أن يستوي مرجعية نظرية، قابلة للتوظيف الإيديولوجي، لدى اليمين الأميركي، أو قطاعات منه، إن على صعيد المحافظة القيمية، وإن على الصعيد السياسي، على ما يتبدّى من ازدراء المحافظين الجدد بـ"الحقوقوية" الأوروبية على سبيل المثال. صحيح أن علاقة الشتراوسيين بشتراوس ليست كعلاقة الماركسيين بماركس، أي لا تبلغ مبلغ الاعتناق والانضواء النصّي والحرفي، وصحيح أن كل فئات اليمين الأميركي المحافظ لا يدينون بالولاء لفكر شترواس، ولكن الفكر ذاك يوفر دحضا للحداثة يمكن لمن أراد الاستناد له.
تلك القدرة التي تُنسب إلى فكر ما قبل الحداثة على النهوض بديلا عن فكر الحداثة، "ترشيدا" لهذه الأخيرة وإسباغا للمعنى، تتجلى بطبيعة الحال على نحو ساطع بديهي في حركات الإسلام السياسي، وإن تخلفت تلك الحركات، إلا في حدودٍ دنيا وضئيلة ومعزولة لا يُعتدّ بها، عن بلورة مقاربات نظرية وفلسفية كتلك التي صاغها لاهوتيو الكنيسة الكاثوليكية (لا سيما في عهد يوحنا بولس الثاني) من ناحية، وليو شترواس وأتباعه من ناحية أخرى. يعود ذلك إلى عوامل خاصة أو خصوصية، جعلت السجال مع الحداثة في العالم الإسلامي أشق وأيسر في الآن نفسه. فهو أشق لانعدام المعرفة المباشرة بالحداثة كما بفكر"ها"، أو لمحدودية تلك المعرفة (وهو ما يشترك فيه، والحق يقال، إسلاميونا وتحديثيونا سواء بسواء أو بتفاوت طفيف). فقد ابتُسرت الحداثة عندنا إلى بعض عناوين عامة، وإلى بعض "أفكار" أولى وأولية من قبيل ما تحتويه الملخّصات المدرسية، وفشلنا عموما في النفاذ إلى ديناميكيتها العميقة. أضف إلى ذلك حالة التردي الفكري التي تميّز "نخبنا"، تلك الزاعمة الحداثة وتلك النابذة لها، وهو تردّ يطال حتى العلاقة بالتراث، مع إسرافنا في التباهي به. وهكذا، انحصرت تلك العلاقة لدى الإسلاميين (موضوع اهتمامنا هنا) في الفقه، واقتصر السجال مع الحداثة، وعملية إدراج الإسلام في الشأن العام على نحو عام، في "أدلجة الفقه"، أي في تحويله إلى إيديولوجيا، مع الإخفاق في استنهاض التراث الفكري الإسلامي ومخزونه المعرفي، علم الكلام (وهذا بالغ الثراء على عكس ما يعتقد البعض) ناهيك عن الفلسفة، اسوة بالكنيسة الكاثوليكية، التي تعلن صراحة مرجعية توما الاكويني مثلا (كما في رسالة يوحنا بولس الثاني الآنفة الذكر أو في رسالة له أخرى بعنوان "سطوع الحقيقة" حول التعاليم الأخلاقية)، أو اسوة بليو شتراوس والمكانة التي يوليها موسى ابن ميمون. والقصور ذاك لا يُفسّر فقط بالريبة، تبلغ مبلغ التكفير، حيال كل من علم الكلام والفلسفة، بين أوساط الإسلاميين، خصوصا تلك الحشوية منها، بل يُعزى أيضا إلى عجز فكري لدى "نخبٍ" انعدمت لديها الثفافة الفلسفية، وباتت عاجزة عن النفاذ إلى ذلك التراث الفكري، إلا على نحو ما يفعل رجال التدريس، أي على شكل تلاخيص باهتة ومونوغرافيات مسطحة، ناهيك عن الانطلاق منه نحو صياغات مستجدّة أو جهود ترهينٍ أو تحيينٍ (على ما يقول مصطلح اهتدى إليه التونسيون) خلاقة.
هذا فضلا عن فارق آخر أساسي بين مناهضي الحداثة عندنا ونظرائهم في الغرب: فالسجال ذاك داخلي هناك وبرّاني هنا. أولئك يساجلون ضد فكر نشأ وتطور عندهم، وفعل فعله بعمق في تاريخهم وفي مجتمعاتهم، وهؤلاء يساجلون ضد فكر غريب وافد دخيل بل غازٍ، جاء مع الاستعمار والاحتلال، قديمهما وجديدهما، ويُكتفى بإلحاق ذلك الفكر بهما رفضا له وتنصلا منه. ومن هنا ما سبقت الإشارة إليه من يُسر (ظاهري طبعا). إذ يُتصوّر أنه يكفي أن يُحشد في وجه الحداثة ما حُشد في وجه التدخل الأجبني. يكفي الركون إلى مناعة ثقافية داخلية وأن يُصار إلى هجاء عناصر الحداثة ومكوناتها، على نحو يغني عن الدخول في مقارعة فكرية حقيقية لها، وتلك مهمة لا قِبل لـ"نخبنا"، كفاءة وتكوينا، بالاضطلاع بها. والأمثلة على ذلك كثيرة، شأن الكتابات الرائجة لدينا حول العالمانية (أقترح كتابتها هكذا بدلا من "العلمانية"، درءا لذلك اللبس المقيم حول نسبتها إلى العالَم أو إلى العلم) حيث تبدو هذه الأخيرة أشبه بوحش خرافي. وهكذا، وبإيجاز، طغى التناول الايديولوجي على كل تناول سواه، لأن اللجوء إليه لا يتطلب كبير جهد ولأن فاعليته آنيّة مضمونة.
لكن مع كل ذلك، وبالرغم من إدقاعها على صعيد التأسيس النظري، تلتقي "الصحوة الإسلامية"، في سماتها الجوهرية، مع تياري مناهضة الحداثة في الغرب وتشترك معهما في معاصرة ناجزة. فهي مثلهما، وإن وفق سويّة عمَليّة ومحض براغماتية يعوزها التأسيس النظري، تقبل على ثمار الحداثة، وليس فقط تلك المادية منها، دون تردد ودون وجل، بل أبدت فاعلية كبيرة وقدرة هائلة على الاندراج في عصر تكنولوجيا المعلومات، وإن استخداما لا اجتراحا، متفوقة في ذلك على التحديثيين في مناطقنا. لست أدري إن وُجدت إحصاءات، ولكن حضور التيارات الإسلامية على شبكة الإنترنت، على سبيل المثال، تتحرك داخل مجالها الافتراضي بيسر وسهولة، يتجاوز دون ريب حضور أي تيار آخر. ما قد يوحي بأن "التقدمية" لم تعد بالضرورة رديف "التقدم" وصنوه بل قد يفترقان، وذلك ما قد يكون موضوعا شيّقا لبحث مستقلّ. مضى الزمن الذي كانت فيه أشياء الحداثة التكنولوجية في ذاتها وأمتعتها، ناهيك عن "قيمها"، ترتّب هلعا من مصافّ "ميتافيزيقي"، إن صحت العبارة، وتلوح نذيرا بانهيار العالم (ذلك الأهلي)، بحيث تطلّب إدخال التيار الكهربائي أو الهاتف أو النظّارة الطبية أو سواها، في بعض الأطوار والبلدان، إصدار فتاوى وجهود إقناع مضنية. وذلك تحوّل في الذهنيات لم يؤرّخ له ولم يوثّقه أحد بطبيعة الحال ولا انشغل أحد بسبره وتأويله.
النظرة "الإسلامية" إلى الحداثة، أقله تلك المادية، تحولت من الرّهاب الانكفائي الأوليّ، إلى الإجتراء، من التخوف، مصدره الحدس ربما بأن أشياء الحداثة لا يمكنها أن تأتي حيادية عزلاء متخففة من تبعاتها الثقافية، إلى افتراض ذلك، بل وإلى افتراض إمكانية إدراج أشياء الحداثة تلك ضمن منظومة ثقافية مغايرة، ما قبل حداثية، بمعنى ما قبل "تنويرية"، توجهها وتمسك بناصيتها. و"الانتقائية" تلك باتت تبدو احتمالا جديا، ممكن التحقيق، مع أن الحداثيين درجوا طويلا، ولا زالوا، على تشخيصها على أنها شواذ وعلى أنها تناقض مبرم يتبادل طرفاه النفي والإبطال. وفي ذلك تلتقي "الصحوة الإسلامية" مع نظيرتيها في تيار الحداثة المضادة. صحيح أنها تقنع بشعارات من قبيل "الإسلام هو الحل" أو بالممارسة التجريبية، وتفتقر إلى محاججات فكرية وفلسفية معمّقة ومتماسكة (بصرف النظر عن صوابها من عدمه) كتلك التي نجدها في الوثائق اللاهوتية للكنيسة الكاثوليكية، منذ عهد يوحنا بولس الثاني خصوصا، أو في مؤلفات ليو شتراوس، ولكن المقاربة واحدة أو متماثلة من حيث الجوهر. والتلاقي ذاك، ليس ناجما بطبيعة الحال عن تواطؤ أو عن مؤامرة جمعا بين روافد الحداثة المضادة تلك، بل هو ناجم عن تطور عميق، صادر عن مواقع ثقافية وحضارية مختلفة ومتباينة مستقلة، تجلّت مع بلوغ الحداثة أزمتها الراهنة، على صعيد الفكر والقيم، وهي الأزمة التي أقر بها حداثيّ من وزن الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس أثناء مناظرة جرت بينه وبين الكاردينال يوسف راتزينغر (أي البابا الحالي بينيديكتوس السادس عشر)، في خريف سنة 2004. لكن ذلك ما لم يفهمه سواد الحداثيين ودهماؤُهم من أصحاب اليقين الإيماني، ممن لا يزالون يتوهمون للحداثة التنويرية مرجعية لم تتزعزع، فيحارون مثلا في تأويل علاقة المجموعات الإسلامية بالتقنيات الجديدة، استخداما وتنظيما، فيردونها تارة إلى ملمحِ حداثة غير معلن أو ضمني وتارة إلى استثناء يعسر تعليله، أو هم يردون مواقف الكنيسة الكاثوليكية إلى هاجس التكيّف مع الحداثة، مع أن الكنيسة تلك ربما كانت بصدد استعادة زمام المبادرة على ذلك الصعيد القيمي، بالرغم من ترسخ العلمانية في القارة القديمة كما يدل الفشل في إدراج الإشارة إلى "الجذور المسيحية" في ديباجة دستور الاتحاد الأوروبي، أو يميلون إلى الاستهانة بصعود النزعات المحافظة في الولايات المتحدة، مع أنها باتت تُحظى بالأغلبية وأضحت تتسنم قيادة الدولة العظمى الوحيدة في العالم... قد يعتبر حداثيون أن الظاهرة تلك وقتية، آيلة إلى زوال في أمد قد يقصر أو يطول، لكن 7-7-التفاؤل7-7- ذاك لا يستند إلى أية ضمانة ملموسة، عدا الإقامة على أقنوم "حتمية" التقدم.
أحد الملامح الأساسية الجامعة بين تيارات الحداثة المضادة الثلاثة، عودتها إلى لحظة معينة في العصور الوسطى، تعتبرها لحظة أوج فكري، مثلت أرقى تجليات المزاوجة بين الوحي والعقل. القديس توما الإكويني يحتل هذه المكانة لدى الكنيسة الكاثوليكية، كما يتبدى في كتابات البابا الراحل وفي كتابات خلفه التي كثيرا ما تشيد بـ"الدكتور الملائكي" (Angelic Doctor)، وإن استندت تلك الكتابات إلى تقليد "أسسته" أو غذّته أعمال المفكر الفرنسي (المجهول تماما في وطنه العلماني) جاك ماريتان وسواه من "الإكوينيين الجدد". أما ليو شتراوس، فقد بينّا تعلقه بموسى ابن ميمون، بوصفه "فيلسوفا داخل اليهودية"، كما ينعته في بعض كتاباته، أي داخل الشريعة وبـ"تصريح" منها (أسوة بما أقره "فصل المقال" لابن رشد). أما حركاتنا الإسلامية، فمرجعية العصر الوسيط لديها معلومة لا تستلزم إسهابا، وإن بدت، على ثباتها، مركبة أو ملتبسة. فهي إن بجّلت "الإسلام الأول"، إسلام دولة المدينة والخلفاء الراشدين، إلا أن تبجيلها ذاك من قبيل "أسطوري" أي "إيديولوجي"، لأن "الإسلام الأول" لم يصلنا إلا "معقلنا"، إن صحت العبارة، أي كما تم تدقيقه وتقعيده وضبط أصوله وفقهه واجتراح مذاهبه ووضع تاريخه في عصر التدوين (كما أسماه أحمد أمين)، أي بواسطة جهد فكري ضخم بالغ الخصوبة وفريد من نوعه في التاريخ الإسلامي.
وبديهي أن مرجعية فكر العصر الوسيط تلك إنما هي جزء من عودة التدين، على النحو الذي نلاحظه منذ ثلاثة عقود. فالعصر ذاك كان نموذجيا من حيث إرسائه لنصاب منسجم مكتمل أو كلي، تحت راية الدين وفي كنفه، يشمل الفكر كما السياسة والأخلاق (مسألتا السياسة والأخلاق بالغتا الأهمية لدى تيارات الحداثة المضادة تستوجبان تناولا على حدة) كما كل نشاط بشري بل وحتى العالم الفيزيائي. كان العصر الوسيط، من هذه الناحية، أكمل نموذج على عملية إسباغ المعنى. وهو لذلك، ولكونه يعود إلى عشية الحداثة فكأنما يتم توسله لجبّها، يستهوي تيارات الحداثة المضادّة، لأنه يقدم المثال على مرجعية موحَّدة وموحِّدة، يمكن استحضارها ترياقا في مواجهة تشظي المعنى أو انعدامه في الحداثة، فكرا وقيما، ويمكن تبعا لذلك استنهاضها وترهينها. ذلك أن الحداثة المضادة تقرّ، ضمنا أو جهرا بتعذر العودة إلى الماضي (في ما عدا بعض نتوءاتها الهامشية والمتطرفة)، إذ يُستبعد أن تعود الكنيسة الكاثوليكية إلى إقامة محاكم التفتيش، في حين أن ليو شتراوس يعتبر الأنظمة الديمقراطية الليبيرالية أفضل المتاح لحماية حقوق الناس، مع تحفظه الفلسفي عليها بوصفها من ثمار الحداثة، وفي حين أن عددا من الحركات الإسلامية الأساسية تندرج في المطالبة بالديمقراطية. ومع أن البعض، الذي قد يكون محقا، ينظر إلى التوجه ذاك نظرة تشوبها الريبة ويرى فيها مجرد وسيلة للوصول إلى السلطة لا تتأسس على اقتناع، إلا أن مجرد الإذعان إلى تلك الوسيلة قد يبرهن على أن بعض ما جاءت به الحداثة الكلاسيكية بات مما يصعب نبذه والتراجع عنه. هذا عدا عن كون القبول بالديمقراطية، وإن على نحو شكلي، إنما يمثل مروقا قياسا إلى موقف أصلي، ما زالت تقول به أكثر الاتجاهات الإسلامية تطرفا، من أن الديمقراطية "كفر بواح"، وتخليا عن مبدأ الشورى التقليدية، يتولاها "أهل الحل والعقد" حصرا، أو هو تطوير لذلك المبدأ إن شئنا، ولكنه تطوير لا يُستهان به.
كل ذلك للقول بأنه يصعب وصف الحداثة المضادة بأنها مجرد نكوص إلى ما قبل الحداثة. فمثل ذلك لا يصحّ إلا على قبائل قليلة، بقيت معزولة في بعض الأدغال حتى أيامنا هذه، أو هو يصح على حركة طالبان الأفغانية، وماضويتها العنيدة والمناضلة، أو على طائفة مثل طائفة "الأميش" في الولايات المتحدة، التي لا يزال أفرادها يرطنون بلهجة هولندية تعود إلى قرون خلت، ويسمون مواطنيهم الأميركان بـ"الإنكليز"، ويدينون بمذهب متشدد يفرض عليهم الإنصراف إلى أعمال الزراعة، وبالوسائل اليدوية والتقليدية حصرا، ويمنعهم من استخدام الهاتف والتلفزيون والكهرباء والسيارات. فقط في مثل هذه الحالات، وهي نادرة وشاذة ولا يُعتدّ بها، يمكن الحديث عن نكوص إلى ما قبل الحداثة. أما الحداثة المضادة، فهي، كما أسلفنا، غير ذلك، وهي أكثر طموحا، تستقي من الموروث الديني والفكري لما قبل الحداثة مبادئ لا ترى لها فقط صلاحية ونفاذا مسترسلين، لا ينال منهما الزمن، بل تعتبرها قادرة على ترشيد الحداثة وعلى تحديد وجهة لها تكون إنسانية، وعلى مدها بما أخفقت في اجتراحه أو افتقدته: المعنى.
وأهم ما في ذلك، سواء كان مجرد ادعاء أم أكثر من ذلك، أنه قد يكون بصدد فرض النفس، أي بصدد إرساء نصاب هو النافذ والساري، يهمّش ما عداه وما خرج وشذ عنه، بصرف النظر عما بين أطرافه والضالعين فيه من عداء واقتتال. فمثل ذلك العداء والاقتتال هما مما يقوم بين أعضاء ومكونات عالم واحد، تماما كما استحكمت الضغينة بين الحداثة الشيوعية ونظيرتها الليبيرالية في القرن العشرين، أو كما نشبت الحروب بين الديانات بل بين المذاهب قبل ذلك... والعالم ذاك ربما بات "حداثيون" و"تنويريون" كثيرون، من المطمئنين إلى يقين إيديولوجي مريح لا يقبل المساءلة، خارجه أو هم على أهبة الخروج منه.

20:22 Permalink | Comments (0) | Email this

هل آلت إلى زوال حالة الامتناع عن الحرب الأهلية في العراق؟

صالح بشير الحياة 2005/05/22

ربما باتت بلاد الرافدين أدنى إلى الاقتتال الأهلي من أي وقت مضى، منذ احتلالها قبل ما يزيد على السنتين، أو ربما دخلته وانغمست في أتونه وحُمّ القضاء...

ليس القول بذلك من باب التهويل، الناجم عن سوء الطوية حيال الاحتلال الأميركي، مقدماتٍ وتبعات، وإن كنا لا نتستر على سوء طويتنا في هذا الصدد، ولا عن الهلع وفقدان الاتّزان أمام اشتداد العنف في العراق كما تشهده وتشهد عليه الأيام الأخيرة، وإن كان في اشتداد العنف ذاك ما يدعو إلى الهلع. فاستشراء العنف في بلد من البلدان، وإن بلغ شأوا كذلك العراقي هذه الأيام، لا يمكنه أن يستوي بمفرده أمارة على الانضواء في منطق التنازع الأهلي وعلى الاستسلام إلى دماره. فمثل ذلك العنف قد لا يكون بالضرورة شاخصا نحو غاية سياسية، أو أن غايته تلك قد تكون خارجية إيعازا أو تنفيذا، أو قد يندرج في استراتيجيات كونية فلا شأن للبلد المعني به إلا كـ«ساحة» ثانوية في ذاتها وعارضة، على ما هي حال «جهاد» تنظيم «القاعدة» وفرعه الزرقاوي في العراق، يخوضان ضد «الصليبيين واليهود» حربا لا يحدها زمان (إلا يوم الدين) ولا يحتويها مكان، تستوي فيها بغداد بكابول بنيو يورك بواشنطن بمدريد بالدار البيضاء بالرياض، أو أن العنف ذاك قد لا يعدو أن يكون فوضى عارمة واضطرابا مستشريا، ناجمين عن اضمحلال الدولة وتفككها، يقترفه أفراد وعصابات وفئات، بدافع مجرد الإجرام أو الإيذاء أو دفعه، قد تخالطه السياسة وقد لا تفعل. عنف «مخصخص» إن صحت العبارة، «يزدهر» في فراغ.

أما ما يجعل العنف الفالت أو «غير الرسمي» اقتتالا أهليا، فليس فقط وجوده أو درجته، بل طبيعة اصطفاف القوى الضالعة فيه وطبيعة خطوط الانقسام التي تخترقها وتتمترس خلفها، والمنطق الفئوي، من طائفة أو إثنية أو سوى ذلك من وحدات الانتماء «الأهلية» (ما قبل الانتماء إلى الوطن والدولة)، الذي يحركها، منطلقا تستند إليه وغاية تنشدها. وما يُخشى ويُتوجّس أن يكون العنف في العراق، وإن بدا للمراقب السطحي آفة مسترسلة منذ سنتين، كمًّا من الجثث والدمار لا تُلحظ أطوارٌ فيه تختلف نوعا، ربما كان بصدد اتخاذ منحى النزاع الأهلي على نحو غير مسبوق حتى الفترة الأخيرة، لأن قوى النزاع ذاك ربما كانت بصدد التبلور والاصطفاف.

صحيح أن بذور مثل ذلك النزاع كانت قائمة منذ البداية، أي منذ أن تفككت الدولة (وهذه كانت، خصوصاً في عهدها البعثي، تصطنع وحدة البلد بالقسر وبالحديد والنار)، وبرزت الطوائف، عرقية كانت أم دينية ومذهبية، بصفتها تلك، فاعلا سياسيا، ينشد وزنا في الشأن العام يراه مطابقا لحجمه العددي، أو لا يسلم بفقدانه لسلطة استأثر بها منذ إنشاء العراق الحديث، حتى استحال تقادم العهد ذاك، في نظره، ضربا من شرعية ناجزة لا تُجادَل. وصحيح أن بعض الأطراف، خصوصا مجموعة الزرقاوي، قد دفعت باتجاه الحرب الأهلية دفعا لم تأل في ذلك جهدا، واتخذتها استراتيجية لديها صريحة تتوخاها وتدعو إليها، كما تشير الرسالة التي نُسبت إلى قائد تلك المجموعة ونُشرت قبل أمد، وكما يدل ما اقتُرف من أعمال استهدفت الشيعة، بصفتهم الطائفية تلك، أفرادا أو قادة أو مؤسسات أو حشودا أثناء أداء طقوسها الجماعية. لكن كل ذلك أخفق في إطلاق شرارة الاقتتال، وظل العنف، خصوصا ما كان منه مقاوِماً لا إرهابياً، موجهاً إلى القوات المحتلة وإلى من كان منهم متعاونا معها، وفق نظرة من يزاولونه، أو أن النزعة تلك بقيت مسعى خارجيا، يحاوله «المجاهدون الوافدون» ولا يلقى إقبالا من الطائفة السنية التي يدعي أولئك التماهي معها، أو أنها ظلت من جانب واحد لا تُستجاب، حيث أبدى قادة الشيعة ومرجعياتهم الدينية قدرا من التعقل كبيرا، جنّب العراق ذلك المآل، ناهيك عن أن التعقل ذاك قد يكون علامة نضج سياسي، مفاده أن فئة ترى الظروف سانحة لنيل ما تريده، أي نيل الغلبة، بالوسائل السياسية وإن في كنف الاحتلال، فضلت اتقاء ولوج مغامرة عنفٍ أعمى لا يعود عليها بأية فائدة.

لكن الحالة تلك، حالة الامتناع عن الحرب الأهلية، وقد كانت إحدى النقاط القليلة المشرقة في الوضع العراقي المعتم، يبدو أنها آلت إلى زوال، أو هي باتت مهددة بذلك على نحو جدّي. ما علة ذلك التحول، قائما كان أم محتملا؟

إنها الانتخابات الأخيرة والحكومة التي أفضت إليها بعد مخاض عسير، استغرق أربعة أشهر. أما كيف حصل ذلك، فهو أن الانتخابات تلك إذ خيضت على أساس طائفي، وانتهت بغلبة طائفة بعينها، أفضت إلى حكومة يمكن لمن يريد ذلك، خالص النية أو سيئها، أن ينعتها بأنها حكومة طائفة. وهو ما يجعل الحكومة تلك، لدى خوضها المواجهة ضد العنف، تبدو كمن يخوض حربا لحساب طائفة ضد طائفة أخرى، ويجعل هذه الأخيرة قادرة على الزعم بأنها لا تعترض على غلبة طائفة، وإن آمنت بذلك في قرارة النفس، لكنها تعترض على حكومة قامت في ظل الاحتلال وبدعم منه وتزكية. وهكذا، يُصبح متاحا تمويه النوازع الطائفية، وبالتالي إطلاق عنانها. من جهة، حكومة ذات غلبة طائفية، تحوم الشبهة حول تمثيليتها لسائر العراقيين، في نظر هؤلاء أو في نظر فئة منهم، تُواجَه بوصفها سلطة جائرة أو مطعوناً في شرعيتها، ومن جهة أخرى متمردون يُواجَهون باسم «سلطة شرعية»، لكنهم في حقيقة أمرهم طائفة بعينها أو من طائفة بعينها. من ناحية سلطة هي، في العمق سلطة طائفة، ومن ناحية أخرى معارضة هي في العمق معارضة طائفةٍ أخرى، يجري بينهما قتال هو، في العمق أيضا، احتراب أهلي. أما ارتكابات مجموعة الزرقاوي وما ماثلها، فهي وإن كانت «خارجية» متطفلة على الوضع العراقي، إلا أنها، ومهما كانت فداحتها، تجد في هذا الوضع المستجدّ تربة خصبة.

ولعل ذلك ما يفسر أنه لم يسبق للعنف في العراق أن بلغ درجة من الحدة ووتيرة كتينك اللتين بلغهما منذ تنصيب الحكومة الجديدة، ذلك الذي كان إيذانا بميزان للقوة جديد بين طوائف العراق الأساسية (أما الأكراد فوضعهم خاص وهم مطمئنون إلى حكم ذاتي يداني الاستقلال في شمالهم)، يسعى طرف إلى ترسيخه ويجهد طرف آخر في إعادة النظر فيه، من خلال عنف وعنف مضاد باتا، موضوعيا، طائفييْن، رغم إنكار المنكرين واستنكارهم، نزيها كان ذلك الاستنكار أم منافقاً.

هل استشعرت الولايات المتحدة شيئا من هذا القبيل، إذ أرسلت وزيرتها للخارجية في زيارة مفاجئة إلى العراق، تخللتها تصريحات أدلت بها وتضمنت إقرارا باستحالة «تذليل العنف بالوسائل العسكرية منفردةً» ودعت إلى مبادرة «سياسية قوية» تمكّن من تجاوز الإشكال الرهن؟ أغلب الظن أن لا، وأن الولايات المتحدة، على ضوء ما أبدته من قصور في التعاطي مع الوضع الذي خلقته في العراق بتدخلها، لم تفلح في النفاذ إلى الدلالات الحقيقية لاشتداد العنف هناك، أو هي قومتها تقويما كمّيا صرفا. وما الإصرار الذي يبديه الرئيس بوش على التشبت بالمواعيد المحددة سلفا، بشأن الانتخابات المقبلة وكتابة الدستور العراقي الجديد، إلا بعض الأدلة على ثبات الولايات المتحدة على قصورها إياه.

يبقى أن خطر الحرب الأهلية لم يكن ماثلا في العراق كما هو اليوم، وأن الولايات المتحدة ليست أداة درئه، وأن لا سبيل إلى تداركه إلا بصيغة توافق يهتدي إليها العراقيون ويبادرون بها.

20:11 Permalink | Comments (0) | Email this

21/05/2005

فلسطين ـ إسرائيل: بعض أسئلة اللحظة الراهنة

صالح بشير الحياة 2005/05/15

أرييل شارون أجل الانسحاب من غزة إلى الخامس عشر من آب (أغسطس)، بعد أن كان مقررا قبل ذلك الموعد بأسبوعين. إتخذ قراره على نحو أحادي، كما هي حال كل مبادراته «التسووية»، لا يحفل بشأنها بأي اعتبار سوى روزنامته الخاصة (نكاد نقول «الشخصية») وتوازنات الميكروكوزم السياسي الإسرائيلي أو مزاج هذا القطاع أو ذاك من رأيه العام. فعل ذلك، على حد تعليله، احتراماً لمشاعر المستوطنين، حتى لا يصادف إجلاؤهم ذكرى هدم المعبد في بعض الأزمنة السحيقة، سائرا في ذلك على سنّة إسرائيلية أكيدة راسخة، مفادها اعتبار آلام ومآسي اليهود حتى ما عاد منها إلى غابر التاريخ، والاستهتار بآلام ومآسي الفلسطينيين وهي مباشرة راهنة ملحّة إلى أبعد حدود الإلحاح.

لكن الرجل لا يلام على ذلك، إذ لا أحد يطالبه بإنسانية، ولأن الإنسانية لا ثقل لها بمعايير ميزان القوة، إلا لمن استطاع الاستفادة منها دعائياً. وفي هذا الصدد، هناك دوما من هو أكثر مهارة وكفاءة، وهو قطعا ليس نحن.

أما في ما عدا ذلك، فيتصرف شارون كمن يفتقر إلى «الشريك» من الجانب الفلسطيني، ينسّق معه وإن في إنفاذ ما ارتآه وما قرره أحاديّا. فرئيس الحكومة العبرية انتقل من طور الجهر والشكوى من انعدام «الشريك» إلى طور التجاهل التام لذلك «الشريك». و«الإستراتيجية» الأولى كانت الأجدى، في تقديره، في التوصل إلى تقويض ياسر عرفات، نظرا لما كان يمثله على رأس الوطنية الفلسطينية، في نظر شعبه وفي نظر العالم، في حين أن الثانية تكفي وتفي بالحاجة في التعاطي مع محمود عباس، ناهيك عن أن الأخير انتُخب لانتقاده، أو بالرغم من انتقاده، لعسكرة الانتفاضة، وكان اختياره ديموقراطيا وما انفكّ يعلن صراحة تبنيه منحى التفاوض. لذلك يكون من الأفضل نزع صفة «الشريك» عنه عمليا وبالممارسة، دون الدخول في جدل حول أهليته لتلك الصفة.

كل ذلك، وانفراد شارون بالموضوع الفلسطيني يفعل به ما يشاء، حراً طليق اليدين، معلوم ليس لنا إلا نواجهه بالإدانة وبتكرارها، وذلك أضعف الإيمان لمن كان عديم الحول والحيلة كحالنا.

يبقى ما يلفت على الصعيد الإسرائيلي في سياسة شارون هذه، وعلى صعيد آلية اشتغال النظام الديموقراطي في الدولة العبرية في هذا الطور الشاروني، والنظام ذاك قائم لا سبيل إلى إنكاره على اتسامه بحصريّة إثنية-دينية سافرة بديهية. وفي هذا الصدد، لا يسع المرء المراقب إلا أن يقف أمام واقعة فارقة: أن شارون يبدو كمن ينفذ برنامجا فرديا، شخصيا، لا كما هي الحال في الديمقراطيات عادة، برنامج أغلبية بعينها، يزول ويُطوى بزوالها، أو برنامجا إجماعيا، التأمت حوله حكومة إئتلاف وطني، كما يحدث إبان الحروب وما ماثلها من الحالات والأوضاع الاستثنائية. كما أن رئيس الحكومة العبرية لم يتلق من البرلمان سلطات خاصة، لمواجهة ظرف خاص، كما حدث مثلا مع جورج بوش الابن عند بدء الحرب العراقية.

أرييل شارون تولى مهامه حتى الآن بشكل عاديّ، لكنه بدا، كما سبقت الإشارة، كمن ينفذ برنامجا شخصيا، جوهره باختصار استبعاد التسوية مع الفلسطينيين، استبعاداً مبدئياً، أي سواء كانت التسوية «عادلة» أو مجحفة، يؤلّف له الأغلبيات البرلمانية تأليفا، حسب الأطوار والمراحل والملابسات إذ هو بدأ، بعد أن خلف العمالي إيهود باراك، بحكومة إئتلافية، ثم اكتفى بأغلبية يمينية، ثم انتقل إلى أغلبيته الراهنة، والتي تعتمد على أصوات العماليين، منذ أن قرر الانسحاب من غزة وتفكيك مستوطناتها وبعضا من مستوطنات الضفة الغربية.

كيف يمكن تفسير ذلك؟ هل أن شارون لا هم له سوى البقاء في السلطة يمالئ الأغلبيات المتعاقبة ويركب موجتها؟ إذا كان الأمر كذلك، فما معنى انتخابه بل ما معنى العملية الانتخابية أصلا؟ أم أن الرجل يفبرك الأغلبيات كما يعنّ له ويحلو، متى ما أراد ذلك، وفي هذه الحالة أيضا وتكرارا ما معنى انتخابه، بل ما معنى العملية الانتخابية أصلا؟

لكن شاورن، من وجه آخر، ليس ديكتاتورا ينفرد بالقرار. ليس في سلوكه العام ما يوحي بذلك وإن كان ميالا إلى ما عُرف عنه من اندفاع بلدوزيري، فهو بالغ الاحترام للمؤسسات التمثيلية القائمة في دولته، لم يفرض قوانين طوارئ، بذريعة الأخطار الخارجية وحراجة المرحلة، ولم ينل من حرية التعبير والتجمع، كما أن الرجل جزء أو كان جزءا من مؤسسة عسكرية-أمنية، لا تترك له حرية التصرف والارتجال في الشؤون الحيوية والمتعلقة بوجود دولة إسرائيل. ما هو إذاً تفسير هذه الظاهرة الغريبة بالمقاييس الديموقراطية الاعتيادية؟

أغلب الظن أننا أمام واقع سياسي من مستويين، أحدهما هو ذلك الظاهري والعلني، ممثلا في الحياة السياسية المفتوحة، كما تعبر عنها النقاشات والسجالات والخلافات الجارية على الملأ، في الأحزاب والبرلمان وسواه من المؤسسات التمثيلية، وفي الصحافة وما إلى ذلك من وسائط الخوض العلني في الشأن العام، وثانيهما هو المتمثل في المراتب الأمنية-العسكرية، بالمعنى الاستراتيجي للكلمة، وهذه خفيّة بطبيعتها، ميالة إلى التكتم، وهي التي في يدها القرار الأخير في ما يتعلق بقضايا الحرب والسلام، وهي التي تمتلك التصورات الحقيقية للتسوية من عدمها، وهي التي تنتدب هذا أو ذاك لتولي رئاسة الحكومة، «تقترحه» على الأحزاب السياسية، تأتلف حوله أو تنفضّ، تقبل به أو ترفضه، تحجب عنه الأغلبية ثم تعود لتمحضه إياها، دون مسبقات أو اعتبارات من طبيعة إيديولوجية، ودون أن تخرج في كل ذلك عن لعبة مرسومة لها سلفاً. وربما رأت أوساط السلطة الحقيقية تلك في أرييل شارون الرجل المناسب في هذا الطور من تاريخ الدولة العبرية.

ليس هذا التأويل بالطبع مجرّد تنويع على «بروتوكولات حكماء صهيون»، أو جنوحا إلى التفسيرات التآمرية، لكنه إن صحّ لا يعدو أن يكون ناجما عن الوضع الخاص للدولة العبرية، ولسلطاتها الحقيقية، تلك التي قد ترى أنه لا يمكن ترك صلاحية القرار في أمور حيوية وجودية، بين أيدي ناخب عادي، انشغالاته يومية في المقام الأول، أو بين يدي ساسة محترفين، هاجسهم الطموح الشخصي أو الفئوي، تبيّن أن أكثرهم قابل للارتشاء بمنصب وزاري أو ما شابه.

وإذا ما صحّ هذا التأويل، مرّة أخرى، فربما كان حريّا بنا الكفّ عن الإسراف في الاهتمام بما يحفل به ذلك الحيّز المفتوح للحياة السياسية الإسرائيلية، والمبالغة في تقدير تبعات التداول على السلطة بين اليمين واليسار. وعلى العكس من ذلك، بات يتوجب العمل على النفاذ إلى تفكير ما أسميناه بـ«السلطة الحقيقية».

(كاتب تونسي)

17:08 Permalink | Comments (0) | Email this

بوش وبوتين: محاورة من مخلفات الحرب الباردة

صالح بشير

المستقبل - الاحد 15 أيار 2005 - العدد 1918 - نوافذ - صفحة 12

لو كان جورج بوش الابن، وصحبه من المحافظين الجدد والقدامى على رأس الولايات المتحدة إبان الحرب العالمية الثانية لما كانت نهاية هذه الأخيرة في تاريخها المعلوم، ذلك الذي احتُفل بحلول ذكراه الستين قبل أيام. فقد قال الرئيس الأميركي، أثناء جولة له بهذه المناسبة في بلاد البلطيق، كلاما ينتقد فيه بشدة اتفاقية يالطا وينقضها، إذ اعتبرها خطأ من الناحية الاستراتيجية والتاريخية، وربما خطيئة من الناحية الأخلاقية. فقد تم تحويل البلدان الأوروبية الصغيرة إلى مادة للمقايضة بين القوى الكبرى، وذلك ما قد يتسم ببعض صحة، إذ في اقتسام القارة الأوروبية بين المنتصرين، ذلك الذي حدد مصائر واجترح كيانات وشطب أخرى، على منديل ورقي في أحد المطاعم، يقال بأن وينستون تشرشل اختط عليه خرائط ونسبا مئوية، سينيكيةٌ تبلغ مبلغ الفضيحة.
لكن الاستهتار ذاك، والذي ربما كان من قبيل الدعابة السوداء على الطريقة الإنكليزية، كان يعكس ميزان القوة. فالجيش السوفياتي كان يحتل ألمانيا وكامل وسط أوروبا وشرقيّها، وكان ذلك مُعطى قائما ماثلا لا سبيل إلى تغييره إلا باستئناف الحرب ضد ستالين بعد اندحار هتلر، واستبدال عدوّ بعدو، وهو ما لم يكن للقوى الغربية قبلٌ به، وقد خرجت منهكة من نزاع كلف ستين مليون قتيل، ناهيك عن الجرحى والمعوقين وأنواع الدمار المادي الأخرى، وذلك ما يُفترض في الرئيس بوش أن يعلمه، أو يُفترض، إن لم يعلمه، أن تلقنه إياه وزيرته للخارجية كونداليسا رايس، وهي المختصة في الاتحاد السوفياتي السابق، تاريخه وإمبراطوريته التليدة، تخصصا أكاديميا.
لكن الرئيس بوش إيديولوجي، وهو كإيديولوجي إرادوي، وهو كإرادوي يزدري الوقائع القائمة لا يعبأ بها وبإملاءاتها، سواء عادت تلك الوقائع إلى التاريخ أو استوت مكوّنات للحاضر. فهي عنده، كما لدى كل إيديولوجي، تُترجَم إلى تجريدات "أخلاقية": خير مقابل شر، فضيلة مقابل رذيلة، صواب مقابل مروق، أو ما كان من قبيل ذلك من مثل تلك الثنائيات، التي لا تحسمها إلا سريرة الضالعين فيها وطبيعة نواياهم، وهذه الأخيرة أو إخفاقاتها، هي التي تفسر في نظره تخاذل قائدين من طراز تشرشل وروزفلت أمام الدكتاتور الشيوعي... فكان أن قال ما قاله حول يالطا، وذلك عشية انتقاله إلى موسكو لحضور الذكرى الستين لاندحار النازية، فاستبق زيارته بإهانة مضيفيه، أو بما اعتبره هؤلاء إهانة، على ما تبدّى من غضبٍ عبّر عنه فلاديمير بوتين. فما لم يفهمه بوش، بفعل مسبقاته تلك وما تقيمه من حجُبٍ أمام ناظريه، أن روسيا يمكنها أن تقلع عن الشيوعية وأن تكف عن أن تكون سوفياتية، إلا أنها لا يسعها أن ترتد بالنقد على الدور الذي كان لها في الحرب العالمية الثانية، ولا على ما نجم عنه من مكاسب إمبراطورية. ليس فقط لأن الدور ذاك من الأمجاد التي لا يُتخلّى عنها، وليس فقط لأن المكاسب تلك تبدو للروس مستحقة، بل لأن الحرب تلك كانت بالنسبة إلى روسيا أكثر من حرب إيديولوجية، بل كانت "الحرب الوطنية الكبرى"، كما كان يسميها السوفيات قبل سواهم، خاضها "الجيش الأحمر الشعبي"، الذي كان في تلك المواجهة، كما لم يكن ربما طيلة سبعين سنة من الحكم الشيوعي، شعبيا أكثر منه أحمر، واستُنهضت خلالها القومية الروسية، بصفتها تلك وبمكوناتها الأصلية والأساسية، على ما يدل الدور الذي اضطلعت به الكنيسة الأرثوذكسية، أو مُكِّنت من الاضطلاع به بتشجيع من سلطة كانت آنذاك تتخذ من الإلحاد عقيدة رسمية.
ولكن هناك ما هو أخطر وأهم، أقله في نظر القادة الروس وهم من الشيوعيين السابقين، وهو أن الرئيس بوش، إذ قارن بين يالطا وميونيخ، وإذ ماثل وساوى بين تخاذل تشرشل وروزفلت أمام ستالين بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وتخاذل قادة الديمقراطيات الغربية، وفي مقدمتهم رئيس حكومة بريطانيا ساعتئذ تشمبرلين، أمام هتلر قبل الحرب إياها، إنما قال كلاما يهدد بإلغاء كل تمايز أخلاقي بين الشيوعية والنازية أو قد يفضي إلى ذلك الإلغاء. لقد أُخذ على الأنظمة الشيوعية استبدادها، واضطهادها لفئات إثنية أو اجتماعية بلغ مبلغ السلوك الإبادي في أحيان كثيرة، ورُميت بمعاداة السامية، لكن الرغبة في إحلال النازية منزلة الشر المطلق والفريد والذي لا يُضاهى، إضافة إلى الدور الحاسم الذي كان للاتحاد السوفياتي في دحرها، قد أديا دوما، أو أقله حتى الآن، إلى التمييز بين التجربتين التوليتاريتين، على صعيد الفداحة الأخلاقية، إن لم يكن على أصعدة أخرى. لم يقل بغير ذلك إلا نفر من المثقفين، على رأسهم المؤرخ الألماني إرنست نولته، الذي صرف جهدا كبيرا في استخلاص عناصر التماثل الجوهري بين التوتاليتاريتين، واعتُبرت أعماله في إبانها ضربا من إعادة الاعتبار إلى النازية أو سعيا إلى إدراجها في العاديّة وإنكار استثنائيتها. كما فعل ذلك سواه من أمثال أولئك المثقفين (من بينهم رئيس جمهورية تشيخيا السابق فاتسلاف هافيل) الذين نشروا مؤخرا رسالة احتجاج على تنظيم احتفالات الذكرى الستين لنهاية الحرب العالمية في موسكو، في ضيافة نظام كذلك الروسي، لا يدين بالديمقراطية ولا يزال سادرا في الاستبداد. لا جديد إذن في مثل هذا الكلام، سوى أن وروده على لسان الرئيس بوش، قد يعني مراجعة تاريخية رسمية، قد تكون لها تبعاتها الملموسة، خصوصا وأن الحرب الباردة لم تعلن نهايتها حتى الآن على نحو رسمي. وذلك ما قد يفسر استياء بوتين وحنقه من تصريحات بوش، تلك التي رد عليها مذكرا "نحن الذين هزمنا هتلر".
خصوصا وأن في كلام الرئيس الأميركي ما قد يفيد بأنه لا يعتبر الحرب الباردة منتهية. صحيح أن الحرب تلك وضعت أوزارها كمواجهة إيديولوجية، وكنصاب استراتيجي كان قائما هو ذلك الذي كان يُعرف بـ "الاستقطاب الثنائي"، ولكن تصفية الإمبراطورية الروسية لم تُستكمل. ومن هنا تكتسب تصريحات الرئيس الأميركي حول يالطا، وقد أدلى بها في أحد بلدان البلطيق، كان جزءا من الاتحاد السوفياتي ولم يكن فقط واقعا تحت نفوذه، دلالة أخرى راهنة لا تتعلق فقط بالتاريخ، وذلك على أية حال ما يبدو أن بوتين قد فهمه. فانتقاد بوش لقادة يالطا الذين ساوموا الاستبداد على حساب "حرية الشعوب الصغيرة"، إنما هو تعبير عن الامتناع عن توخي ذلك السلوك حيال جمهوريات مثل جورجيا وأبخازيا وما إليهما، ومتابعة ما تم تحقيقه في أوكرانيا ونسجا على منواله، بتشجيع وبتمويل أميركيين.
ولكن المشكلة أن سياسة كتلك، بقطع النظر عن نبل مقاصدها الديمقراطية المفترضة، تخاطر بإثارة التوتر مع بلد ما عاد العملاق الثاني، ولكنه لا يزال ثاني أكبر قوة نووية في العالم، وفي منطقة بالغة الحساسية ذات امتدادات استراتيجية متعددة... ولعل ذلك ما يفسر تحفظ أوروبا على تلك السياسة، خصوصا ألمانيا وفرنسا، اللتان لا تقلان بالتأكيد حرصا على نشر الديمقراطية، ولكنهما ربما كانتا أكثر تقديرا للعواقب.

17:06 Permalink | Comments (0) | Email this

14/05/2005

محنة العراق والتفكير في البدائل

صالح بشير الحياة 2005/05/8

أربعة أشهر لتشكيل حكومة ناقصة... هذا ليس نجاحا، بل هو إخفاق. قد لا يكون ذريعا، طالما أن انتخابات قد نُظمت وأن شكلا من أشكال التداول على السلطة قد حصل، لكنه، في المحصلة الأخيرة، إخفاق.

وهكذا، إذا كان ما حصل منذ الاقتراع العراقي الأخير تمرينا على الديموقراطية، فقد أدى الغرض منه. خيضت الحملات الانتخابية وقارعت الحجةُ الحجة، وانعقدت تحالفات وانفضت أخرى، وحيكت مناورات كما يجري في كل حياة سياسية مفتوحة. ثم كان يوم الانتخاب وأقبل العراقيون، أو من أراد منهم أو من استطاع، على صناديق الاقتراع يدلون بأصواتهم، رغم العنف والإرهاب. صحيح أن الدافع كان طائفيا في أحيان كثيرة وغالبة، وأن العملية الانتخابية، خصوصا من الجانب الشيعي، تولى زمامها القادة الدينيون، لكن ما الضير في أن تعبر النوازع الطائفية عن نفسها، ما دامت بُعدا ماثلا ومُعطى قائما، على نحو سلمي. فالمجتمعات ترشح بما فيها، ومن ينكر عليها ذلك، ويشترط عليها ديموقراطية علمانية ناجزة العلمانية، إنما يتوخى نظرة إيديوليوجية، ليست بريئة تمام البراءة من التوتاليتاريّة، إذ تزعم قسر تلك المجتمعات على ما ليس فيها، أو محاكمة مجتمعات قائمة باسم مجتمعات «مثالية» مفترضة.

المشكلة إذاً ليست في طائفية الانتخابات العراقية الأخيرة بل، كما قيل مرارا وتكرار، في أنها غيّبت طائفة أو غابت عنها طائفة، هي تلك السنّية، فكان ذلك سبب إخفاقها وسبب إخفاق ما آلت إليه، من مجلس وطني، له صفة تأسيسية ما دام مدعوّا لصياغة دستور البلاد، ومن حكومة جديدة ناقصيْن، ولا يمكنهما تدارك نقصهما إلا على نحو تلفيقي، بعبارة أخرى غير ديموقراطي، باستمالة شخصيات سنية قد لا يقر لها جمهورها المفترض بالتمثيلية، أو لم تتلقّ منه تفويضا صريحا من خلال الفعل الاقتراعي.

ربما عاد ذلك إلى خطأ السنّة العراقيين، أولئك الذين لاذوا بالانكفاء وأسرفوا، ولم يفلحوا في تبرئة النفس من الإرهاب، ذلك الذي اقترف بعضهم البعض منه واقتُرف بعضه الكثير باسمهم، من قبل منظمات «جهادية»، منظورها ومداها «كونيّان»، قلية الاكتراث بالعراق وبسنته. لكن ذلك لا يلغي أن مهمة البحث عن محاور سنّي تقع أيضا، وربما في المقام الأول، على من انتدب نفسه لاجتراح نصاب عراقي جديد، ومن يتوجب عليه طمأنة طائفة استأثرت بالحكم طويلا، وباتت تخشى التهميش والثأر، خصوصا أن وجود مثل ذلك المحاور ما عاد يبدو متعذرا، على ما توحي تصريحات أدلت بها شخصيات سنية في الآونة الأخيرة، جهرت بانتقادها للأعمال الإرهابية، معبرة عن استعدادها للمشاركة في الحياة السياسية، على قاعدة الاعتراف بالواقع الناشئ عن الاحتلال (وليس بالاحتلال ذاته)، وما آل إليه من تحولات جذرية على صعيد التوازنات القائمة بين طوائف العراق وإثنياته وفئاته المتعددة.

لكن النصاب الناشئ عن الانتخابات الأخيرة، ومؤسساته، من مجلس وطني ومن حكومة جديدة (موقتة هي بدورها) ومن مجلس لرئاسة الدولة (انتقالي هو أيضا)، لا توفر، في حالتها الراهنة وبالنظر إلى ما سبقت الإشارة إليه، الإطار الأمثل لاستيعاب السنّة داخل العملية السياسية. حتى أن الحل الأفضل، ربما تمثل في إجراء انتخابات جديدة، أو في تغيير وظيفة وغاية تلك المقررة في السنة المقبلة، بحيث تتدارك ما أعوز الأولى، أي تتدارك غياب السنّة، على أن تُصرف الفترة المتبقية قبل حلول ذلك الموعد، لا في صياغة دستور لا يحظى حُكما بإجماع العراقيين، بل في تهيئة الظروف السياسية والأمنية (قدر المستطاع في ما يخص هذه الأخيرة) لانتخابات يشارك فيها الجميع وتعيد تشكيل المجلس الوطني الحالي حتى يكون أكثر تمثيلية.

ذلك أنه إذا كان الرهان السياسي للانتخابات الأخيرة، في نظر الولايات المتحدة، وهذه لسبب ما شديدة الولع بالمواعيد الانتخابية، أو في نظر الشيعة الذين كانوا متلهفين لمطابقة أغلبيتهم العددية مع أغلبية سياسية ينشدونها، قد تمثل تحديدا في إجراء الاقتراع ذاك في موعده، فإنه قد كُسب، ويبقى الآن تحدي الرهان الأكبر: إحلال الاستقرار في العراق والبلوغ به إلى نصاب قابل للحياة، وتلك مهمة قد تتطلب التساهل مع بعض المواعيد المقررة سلفا أو مراجعة الوظائف والأهداف المرجوّة منها. وإلا تحولت تلك المواعيد وتلك الوظائف والأهداف إلى أصنام تُعبَد لذاتها، غاية لا وسيلة لغاية.

ثم لماذا لا يُطرح الاحتمال الفيدرالي جديّا؟ إذ لسبب ما، ربما تمثل في الولع بأنموذج الدولة المركزية، وفق أكثر صيغه فاشيّة في أحيان كثيرة، مع أن الأنموذج ذاك لم يجن في غالب الحالات غير الفشل أو التوتر الداخلي المستديم، تبدي «نخب» هذه المنطقة نفورا شديدا حيال الفيدرالية، وتعتبرها نذير «تقسيمٍ» وفاتحة تشرذم، مع أنها قد تكون أجدى في جمع شتات ما أخفقت الدول المركزية، خصوصا في صيغها العربية الرثة، في جمع شتاته، ومن شأنها أن توفر وحدة تحتوي التنوّع، دون أن تلغيه وأن تقمعه وأن تحوّله إلى فعل غلبة أو استبداد. تكتفي بالإجماع على ما هو أساسي وحيوي، شأن الثروة النفطية والسياسة الخارجية والدفاع وما إلى ذلك من المجالات السيادية، وتتخفف مما تبقى وتوكل أمره للمعنيين به مباشرة على الصعيد المحلي.

ما المانع من تبنّي هذا الأنموذج، غير ذلك الحاجز النفسي والإيديولوجي وغير ذلك الاشتباه بالتنوع، خصوصا أن التجربة دلت على نجاعته، إذ هو معمول به في بلدان كثيرة، وفق صيغ متعددة، من الولايات المتحدة إلى ألمانيا إلى إسبانيا إلى جمهورية روسيا (وإن لم تستو هذه الأخيرة مثالا للديموقراطية) وسواها؟.

وفي ما يخصّ العراق، ربما مثلت التجربة الكردية في الشمال، مثلا يُحتذى، ويصار إلى تعميمه على المناطق الأخرى المتجانسة طائفيا و/أو إثنيا، مع ابتداع نظم خاصة بالفئات التي لا ترتبط بحيّز ترابي بعينه أو تلك التي تمثل أقليات عددية ضئيلة. مزية هذه الصيغة أنها، إذ تمكن مختلف الفئات من تولي شؤونها على الصعيد المحلي، ومن إحراز تمثيلية على صعيد المراتب الفيدرالية توازي ثقلها وتعكسه، قد تخفف من وطأة سطوة الأغلبيات العددية الكبرى، وما قد تثيره من ريبة أو من مشاعر غبن ومن توتر بين طوائف وإثنيّات لم يعوّدها تاريخها البعيد والقريب على الاطمئنان الى بعضها البعض.

على أية حال، ومهما يكن من أمر، فإن ما تم توخيه وما يجري توخيه حتى الآن في العراق لن يُخرج بلاد الرافدين من محنتها، أو أن ذلك مستبعد على نحو يجب أن يدفع باتجاه ارتياد بدائل جريئة.

(كاتب تونسي)

12:40 Permalink | Comments (1) | Email this

ايطاليا أو الحليف الذي لا يزن شيئاً

المستقبل - الاحد 8 أيار 2005 - العدد 1911 - نوافذ - صفحة 12

صالح بشير

"سوري" (آسفة) قالت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليسا رايس لنظيرها الإيطالي جيانفرانكو فيني. قالتها بطريقة حازمة جازمة كأنها تنهر مخاطبها، وكما يمكن للألفاظ الإنكليزية، بمقاطعها القصيرة والحادة، أن توحي في أحيان كثيرة، أو ذلك ما فهمه النظير الإيطالي عندما بادر إلى التذكير بما لا يستحق تذكيرا ولا يتطلبه، من أن العلاقات بين البلدين أمتن وأرسخ من أن ينال منها حادث عابر، أو ما شابه هذا الكلام وكان من قبيله.
ذلك أن وزيرة الخارجية الأميركية لم تقل "سوري" اعتذاراً عن مقتل ضابط المخابرات الإيطالي كاليباري قبل أشهر، على أيدي مفرزة من القوات الأميركية، على الطريق إلى مطار بغداد، عندما كان يرافق الصحفية جوليانا سغرينا، بعد تخليصها من مجموعة إرهابية أو إجرامية كانت اختطفتها وارتهنتها، بل في معرض رفضها القاطع للرواية الإيطالية لما حدث في ذلك اليوم، والتزامها، القاطع أيضا، بالرواية الأميركية، وهذه تبرئ الجنود الأميركان أولئك، وتعتبر فعلة القتل ناجمة عن سوء فهم وقصور في التنسيق يتحمل الجانب الإيطالي وزرهما والمسؤولية عنهما وانتهى النقاش!.
وهكذا، ضنّت الحكومة الأميركية على "الحليف" الإيطالي باعتراف بالمسؤولية، وإن جزئيا، ما كان يمكنه إلا أن يكون رمزيا وما كان له أن يفسد للودّ قضية على أية حال، وكان رئيس مجلس الوزراء سيلفيو برلسكوني في أمسّ الحاجة إليه، وهو الفخور بالعلاقة الخاصة التي تربطه بـ"صديقه" جورج بوش، ويردد بأن قراره إرسال قوات إلى العراق كان قراراً صائباً، مكّن إيطاليا من منزلة على الصعيد الدولي كانت تعوزها، ويواجه اعتراض فئات واسعة من الرأي العام بسبب "المشاركة" في حرب العراق، حيث شهدت إيطاليا بعض أضخم التظاهرات ضد تلك الحرب، في حين ما انفكت الأصوات ترتفع مطالبة، بإلحاح متزايد يستقوي بهزيمة اليمين الحاكم في الانتخابات الأخيرة على مستوى الأقاليم، بسحب القوات الإيطالية، تلك المرابطة في الناصرية، والتي لا تكاد تشارك في قتال، وتقتصر وظيفتها على "الشهادة" للسياسة الأميركية.
لكن الولايات المتحدة لا تعبأ بكل تلك الاعتبارات المحلّية، وبشواغل حاكم بلد حليف يدور في فلكها ولا يسعه إلا أن يكون حليفاً وإلا أن يدور في فلكها. فإيطاليا، في نظر الولايات المتحدة، ليست فرنسا ولا ألمانيا، سواء حكمها برلسكوني أو سواه. فالمسألة ليست مسألة يمين أو يسار (فرنسا يحكمها اليمين وألمانيا يحكمها اليسار)، بل تتوقف على القوة الذاتية وعلى استشعارها وعلى النظرة إلى الذات وعلى هاجس السيادة، تلك التي تستند في فرنسا إلى نفَسٍ "ديغولي" لا تحتكره فئة سياسية دون سواها، وتلك التي تعمل ألمانيا على استعادتها بعد أن أنجزت وحدتها وخرجت من الحرب الباردة في صف المنتصرين ورممت نفوذها في أوروبا الوسطى والشرقية. أما إيطاليا فليس لها وزن سياسي يوازي ثقلها السكاني والاقتصادي وموقعها الاستراتيجي. كان ذلك شأنها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية على الأقل، وسيظل كذلك على الأرجح إلى أمد غير معلوم. ما قد يجعلها موضوعا شيقا للدراسة والبحث حول "كيف تخفق في أن تكون قوة مع امتلاكك لمقوماتها؟"... وهو، كما نرى، سؤال يعنينا إلى أبعد الحدود.
في ما عدا ذلك، لا تفيدنا حادثة مقتل ضابط المخابرات الإيطالي وسلوك الولايات المتحدة في صددها بما لا نعلمه أصلاً، من أن واشنطن تضع نفسها فوق كل محاسبة وفوق كل قانون، على ما تبدى مراراً وفي أكثر من مجال، سواء من خلال امتناعها عن تمكين المحكمة الدولية من النظر في ما قد تقترفه قواتها من انتهاكات أو جرائم حرب أو في حق الإنسانية، أثناء مهامها العسكرية في الخارج، حرصا على توفير "التغطية" لتلك القوات مهما فعلت، أو من خلال تحللها من القوانين والأعراف الدولية في ملاحقة أعدائها، على ما دلت فضيحة معتقل "غوانتانامو". غير أن الحادثة المذكورة تكشف مع ذلك عن نظرة الولايات المتحدة إلى حلفائها.
صحيح أنه كان معلوماً أن الحلفاء أولئك مراتب، وأن إيطاليا أو بولنده أو سواهما من البلدان التي جندتها الولايات المتحدة إلى جانبها في مغامرتها العراقية، لا يمكنها أن تبلغ، في نظر واشنطن، مصافا ومنزلة كذينك اللذين تحظى بهما إسرائيل أو بريطانيا، ولكن ما لم يكن متوقعاً هو أن يكون الحلفاء أولئك عديمي الحقوق إلى هذه الدرجة، وأن أحدهم قد لا يزن شيئاً في ميزان المفاضلة بينه وبين التغطية على أفعال مفرزة صغيرة من الجنود الأميركيين، ولا يمكنه أن يطمح إلى مراعاة أو إلى معاملة خاصة، قد يتوهم أن موقعه كحليف يجعله جديراً بها أو يجعلها حقا من حقوقه.
لعل ذلك بعض ما تعنيه نظرية "الحلفاء الاختياريين"، كما صاغتها الولايات المتحدة وطبقتها خلال الحرب العراقية. فالتحالفات تلك، إذ تنعقد حول الولايات المتحدة موضعيّاً، وفق ما تتطلبه هذه المهمة العسكرية أو تلك، لا تستند إلى ثبات، ولا تقوم على تعهدات مُلزمة، تحفظ حقوق ومصالح أطرافها الأضعف، بل لا يتحكم فيها سوى ميزان القوة، بمعناه السافر والخام، إذ يتكون أولئك الحلفاء "الاختياريون" من أكثر الدول استجابة للضغوط الأميركية (وإن اتخذت تلك الضغوط هيئة الرشوة والترغيب) بشأن قضية محددة أو مهمة معيّنة، وذلك ما قد يجعل القوة العظمى الوحيدة في العالم غير ملزمة حيالها بشيء أو غير ملزمة حيالها إلا بالقليل.
ذلك أنه ليس للولايات المتحدة من حلفاء، عدا إسرائيل وبريطانيا، فتلك الفكرة غريبة تماما عن الإمبراطورية الكونية، لأنها تقوم على الإقرار، قبل القوة العسكرية وفي أساسها، بمساواة، وإن شكلية، بين الدول ككيانات حقوقية أو "كشخصيات اعتبارية"، أي على التسليم بمنطق القانون الدولي، كما أرساه العصر الحديث، وهو المنطق الذي تسعى الولايات المتحدة إلى نسفه وإلى تجاوزه، إن من خلال انتهاكه والاستهتار به كما حصل في الحرب العراقية، وإن من خلال مناصبة الأمم المتحدة، وسواها من هيئات ومنظمات الاجتماع الدولي، عداء مستحكماً قوامه جهد دؤوب على تهميشها وإبطال دورها، في انتظار الإجهاز عليها.
وضابط المخابرات الإيطالي الذي قتله الجنود الأميركان على طريق مطار بغداد، والذي لم تحمه صفته كـ"حليف" حيّاً، كما لم تحمِ ذكراه ميتا، لم يكن غير ضحية نافلة من بلد نافل، في تلك المعركة الإمبراطورية الكونية الأبعاد.

12:35 Permalink | Comments (0) | Email this

07/05/2005

لبنان بعد الإنسحاب السوري

صالح بشير الحياة 2005/05/1

لم يكد أحد من الأشقاء يشاطر اللبنانيين، أو كثرتهــم، فرحــهم بانسحاب القوات السورية، جيشا واستخــبارات. إذ أن انعتاق بلــد عربـي من بلد عربي آخر لا يــزال يُعــتبـر نكسة للعروبة، ومـن ينـال استقلاله مــن «شقــيقــه» تحـــوم حوله الريبة والشبهات، إن لم يكن صريح الاتهامات. وفي هذا الصدد، يعيش اللبنانيون اليوم ما سبق للكويتيين أن كابدوه، على نحو أشد وطأة وأكثر دراماتيكية، في بدايات العقد الأخير من القرن العشرين.

قد تكون هـــذه المقارنـــة مجــحفة، وهــي فـــعلا كــذلك في بعـــض أوجـــهٍ منـــها أساسية. فحال لبنان غير حال الكويت، والمحتل العـــــراقي غــــير «المحتل» الســوري، وذريعـــة هذا غــــير ذريعـــــة ذاك. بل أن صدام حسين، وهو من هو فجاجة وفظاظة، كان في غنى عن الذرائع، من ذلك الصنف الذي يتصنع الإيثار ويلبس لبوس الغيرية. «قـــرأ» مــيزان القوة على طريقته، أي خطأً وبتهور، فقرر غزو جارته الجنوبية الصغيرة. أما التدخل السوري في لبنان، فلم تعوزه الشرعية، بل انه جنّد شرعيات كثيرة أولاها، وهي وجيهة، أو لنقل مفهومة، على أنانيتها، هي تلك التي مفادها أنه لا يمكن لدولة أن تتسامح مع فوضى مستديمة تستشري عند حدودها وتهددها. يصح ذلك من حيث المبدأ والعموم، ويصح بشكل خاص في وضع كذلك الشرق أوسطي، هش مضطرب سريع الالتهاب. كما استند التدخل ذاك إلى رغبة فئة من اللبنانيين (ثم تنقلت تلك الرغبة تباعا بين فئات البلد وطوائفه فمدّته ببعض أسباب الاستمرار) وإلى «تغطية» عربية، وإلى مباركة دولية، ضمنية أو معلنة، بل إلى رضا من إسرائيل، تلك التي فضلت وقوع لبنان تحت سيطرة دولة معادية لكنها مسؤولة عن بقائه مرتعا لمنظمات لا يضبطها ضابط. والاعتبارات تلك، أو معظمها، مُحترمة لا تشين، ومكتفية بذاتها دونما حاجة إلى الاستنجاد بالدور القومي وإلى استحضار (على منوال استحضار الأرواح) «الرسالة القومية». لكنها الذهنية العربية، تأبى القناعة بالوقائع، مهما كانت وجاهتها، ولا ترتضي إلا بما هو صادر عن ملكوت الإيديولوجيا ولدنها المتعالي.

غير أن الأمر لا يتوقف عند ذلك، بل يتعداه إلى ما هو أعمـــــق، إلى اعتقــــاد مــكيــــن بلا شرعية الكيانات الصغرى، بأن هذه الأخيرة تحتاج دوماً إلى