« الصحوة الإسلامية، الكنيسة الكاثوليكية، اليمين الأميركي | HomePage | عن الولايات المتحدة ومنظمة العفو الدولية »
27/05/2005
«ثقافة الاستسلام» أم جهالة الاستخوان؟
صالح بشير الحياة 2005/05/27
لم أقرأ كتاب "ثقافة الاستسلام" لمُقترفه بلال الحسن، مع أن شخصي المتواضع من ضحاياه منذ الغلاف الخارجي. قد لا يصدّق المنتفخون نرجسيّةً من مثقفينا ذلك، لكنها الحقيقة. لم أقرأ ذلك المُصنّف الجليل، لعسر الحصول على نسخة منه في بداية الأمر، ثم عزوفاً واستهانةً في ما بعد. فأرض إقامتي لا تكاد تصلها المنشورات العربية، ومن وعدوني بإرسال الكتاب تكاسلوا أو أخلّوا، كما أنني هاتفت المؤلف مراراً وألححت في المهاتفة فلم أعثر عليه، حتى خلت بلالاً لاذ بالسريّة يقود من تحت الأرض صراع حياة أو موت ضد "مثقفي الاستسلام" بعد أن اكتشف ما هم عليه من شرّ مستطير.
وفي الأثناء، كنت أتابع، بقدر من الفضول وبشيء من التسلية والحق يُقال، ما نشرته الصحف عن الكتاب، فتكوّنت لي فكرة عن محتواه، قنعتُ بها واكتفيت، لعلمي، من خبرتي بالأفكار البِلالية، أن التلاخيص تستوفيها دونما حاجة إلى المزيد ودون تشويه أو ابتسار. إذ هي من النوع الذي لا يوغل بعيداً لا في العمق ولا في الابتكار. ثم أن مقالاً في إحدى الصحف أفادنا بأن "موضوع كتاب المفكر بلال الحسن سبق أن تناوله المفكر فيصل جلول"، فاستخلصت، على ذمة المقال المذكور، أن المفكر بلال الحسن مقلد لا مجدد، أقله في هذا المضمار، ففتر سعيي بعض الشيء، خصوصاً أنه لم يبدُ لي أن محتوى الكتاب يخصني ويعنيني، فالرجل حشرني في عصابة لا علم لي بوجودها ولا يجمعني بأفرادها جامع أو اتفاق، وحتى حازم صاغيّة، الذي تشدني إليه وشائج صداقة عميقة مديدة أعتز بها ونشرنا معاً عدداً من المقالات المشتركة، لا يبلغ التوافق بيننا في الأفكار مبلغ التماهي، والحمد لله، ولا يُلزمنا إلا في ما وقّعناه معاً. أما كنعان مكية، الذي زعم بلال أننا "انطلقنا من أفكاره"، فلم أكن أعلم قبل هذا الزعم البلالي أن الرجل صاحب فكر يمكن لمن كان مثلنا أن يكون من أتباعه، إن هو إلا صاحب آراء اختلفتُ دوماً مع بعض ما كان منها جوهرياً (في نظر صاحبها): فهو دافع عن الحظر الذي فُرض على العراق طوال عقد تسعينات القرن الفائت في حين اعتبرته، ولا أزال، جريمة في حق الإنسانية، لا يخفف الإجماع الدولي من صفتها تلك، وهو رحب بالغزو الأميركي للعراق وطرب لصوت قنابله، بل حضّ عليه، في حين كنتُ ممن عارضوه ويعارضونه بشدّة. وأما العفيف الأخضر (شفاه الله)، فلا رابط بيني وبينه عدا صلة المواطنة، وأنا بشكل عام منتقد لما يكتب، إذ أراه مقيماً على دعوة تحديثية راكمت خلال نصف القرن المنصرم (هذا إن لم نعد إلى عصر محمد علي!) تاريخاً من الفشل الذريع، يصرّ على استحضارها بحذافيرها من دون العودة إلى مساءلة تاريخ الفشل ذاك واستنطاقه، هذا ناهيك عن تحفظي الشديد (وفق أكثر التوصيفات اعتدالاً) حيال التيار المُسمّى "الليبرالي الجديد"، ذلك الذي يقترح حلولاً بالغة التبسيط لمشاكل بالغة الإعضال، ويُعدّ الكاتب التونسي زعيمه وملهمه. وأما أمين المهدي، فلم أقرأ له غير النزر اليسير الذي لا يخوّلني التفوّه برأي.
لكل ذلك، لم تثر فيّ تأكيدات بلال الحسن غير اللامبالاة، وحسبت تهافتها بيّناً جليّاً لكل ذي حسّ سليم، خصوصاً أن الكتّاب الذين تناولهم نشروا ما يجرّمهم على نشره على أعمدة منبر عربي مرموق ومشهور في المتناول. حتى حيلة بلال المتمثلة، في ما يخص ما نشرناه، حازم صاغيّة وأنا، في تجنب الإشارة إلى مصدر مقالاتنا في كتاب ضمها، وصدر بعنوان "تصدع المشرق العربي" تسهل العودة إليه وبالتالي دحض ما ينسبه إلينا، مفضّلاً الاستشهاد بأصلها في صحيفة "الحياة"، تعجيزاً للقارئ عن البحث في بطون أعدادها القديمة، بدت لي (تلك الحيلة) تذاكياً مزرياً وغير ذي جدوى، وازددت استهانة بالكتاب وزهداً في قراءته. وهكذا، وعندما قيض لي بعد ذلك السفر إلى باريس، وعثرتُ على السِّفر البلالي في مكتباتها العربية، تناولته وقلبت صفحاته، ثم اطّرحته جانباً، وفضلت اقتناء كتاب "الخصائص" لابن جني، تعويضاً عن نسخة كنتُ قد أعرتُها فأضعتها، وكتباً أخرى من التراث، إذ إنني غالباً ما أستجير من ضحالة المعاصرين (إلا من رحم ربك وهم قلة نادرة ليس بلال الحسن بداهةً في عدادها) بألق القدامى، نفاذَ فكرٍ ومتانة أسلوب.
وحتى عندما بادر "مفكر" من مفكري هذا الزمن البائس، أثرى الرصيد الفكري لـ"الأمّة" بمفاهيم أثيرة من قبيل "مثقفي المارينز" و"الانبطاح" وسوى ذلك مما كان من معدنها الوضيع ومن طينتها الرديئة، إلى الاحتفاء بالسّفر البلالي وكأنه كشف له عن سر الكيمياء، فحبّر مقالة ابتذلها في أكثر من صحيفة وفي عشرات مواقع الإنترنت، يهاجم فيها ضحايا بلال ويفضح فيها مؤامرتهم الدنيئة، أشفقتُ على رجلٍ في سنّه، يسفّ شاتماً ويتهافت مخوِّناً ويحتال ناسباً إلى الناس ما لم يقولوه ويتعمّد الخلط ويجترئ على الابتسار، أكثر مما جزعت منه.
وهكذا، لم أفكر في الرد يوماً: كبرياءً، لأنني أربأ بنفسي عن تبرئة الذمة حيال بلال الحسن أو من كان مثل ذلك "المفكر" الردّاح. وحياءً، لأن الرد، خصوصاً إذا كان شخصياً، ينزلق بالمرء إلى ما أنا فاعله هنا على مضض شديد، أي الحديث بضمير المتكلم، واستعراض الأنا كما تستعرض راقصة البطن بطنها (ولبعض "المفكرين" في هذا المضمار باع يُحسدون عليه!). وحسنَ ظنٍّ بالحس السليم لدى القراء، أقله أهل الاطلاع منهم بحكم الاهتمام أو الاحتراف، وبقدرتهم على التمييز بين المواقف والآراء وأصحابها، وعلى فصل دقيق الحقيقة عن نخالة الافتراء.
لكنني أُقرّ بأني أسأت التقدير في ما يخص هذه النقطة الأخيرة، وأخطأت إذ استهنتُ بكتاب "ثقافة الإستسلام"، أو على الأصح والأدق، إذ استهنتُ بمفعوله، ومن هنا الدافع إلى كتابة هذه السطور. فالكتاب المذكور، ولأسباب كتلك التي سبقت الإشارة إليها، ليس جديراً بالاهتمام من حيث المحتوى حتى على سبيل الهجاء، ناهيك عن المناقشة الجادّة، لكنه بالغ الدلالة كعَرَض على مرض يتجاوزه ويتعداه: آفة التخوين والأبلسة، وكيف أن من يبادر مخوّناً ومؤُبلِساً يكسب الجمهور إلى صفّه آليا. يكفيه أن يوجه إصبع الاتهام، مستخدماً تلك الكلمات السحرية إياها، من "خيانة" و"مؤامرة" (على الأمة طبعاً) وما إليهما، حتى ينال المصداقية فوراً، مهما تهافت وأجحف وظلم وأخل بالمنطق وبالنزاهة. الجمهور يريد وجبته الكانيبالية، يُقبل عليها بشراهة غير مُتطلّبة، حتى وإن كان الطاهي بلال الحسن! لست أدري لماذا اقترف هذا الأخير كتابه ذاك، هل أراد الاعتراض على أفكار بعينها وعلى أصحابها (وهذا من حقه مبدئياً) وانتهاز الفرصة لإيذاء البعض الآخر؟ هل أراد التعبير عن خلافه مع أفكار أو مواقف لأنه لا يوافق عليها ومع أخرى كرهها لأنها استعصت عليه فهماً، فألّف مؤامرة تجمع، في نظره، بين ما تباعد وتنافر من هذه وتلك في بوتقة الإدانة والتجريم؟ قد يكون.
إلا أن طريقته هذه، وإن كانت فقيرة إتقاناً ومدقعة مهارةً، كانت فاعلة والحق يُقال. وهكذا، يتصل بك معدّو برنامج "الاتجاه المعاكس"، يدعونك إلى مناقشة صاحب "ثقافة الاستسلام"، للدفاع عما نسبه هذا الأخير إليك من أفكار، مفترضين أنها أفكارك، أو للنطق باسم تلك "العصابة" المتآمرة التي افتعلها المؤلف إياه وحشرك فيها، على اعتبار أنك عضو فيها، وأن الأمر ذاك تحصيل حاصل. وهكذا أيضاً، يكتب أكاديمي مثل الطيب تيزيني مقالاً نشرته صحيفة "الاتحاد" الاماراتية قبل أيام، يأخذ علينا، حازم صاغيّة وأنا، إشارتنا إلى انتصار "الحداثة" على "الحق" في النزاع العربي - الإسرائيلي، مستنتجاً، اعتماداً على بلال الحسن، أننا نسوّغ ذلك الانتصار وأننا نرى "أنه من طبائع الأمور أن يكون العرب خارج دائرة الحداثة، التي ستكون والحالة هذه خصوصية غربية"، علماً أننا نرفض كل زعم جوهراني، ولا نعتبر التخلف جبلّة عربية ولا "الحداثة" خاصية غربية حصراً، وكل ما فعلناه أننا قررنا واقعاً، نستنكره ونضيق به، ودعونا إلى رفد حقنا بالحداثة، أي بفهم بيئتنا العالمية كزمان وكمكان تاريخيين!
متى نتعافى من هذا التنطع إلى التخوين ومن هذه "الحرب الأهلية" الدائمة لا يكف عن استثارتها الجهلة والمراهقون (مهما بلغ بهم العمر)؟ متى نفقه شيئاً بسيطاً وأولياً: أن لا خلاف حول الحق، ذلك الفلسطيني أو سواه من الحقوق المهدورة على امتداد هذه المنطقة، بل على سبل إحقاقها ووسائل نيلها، وأن الخلاف ذاك، في حدوده الأخيرة هذه، مشروع، بل ضروري؟
كاتب تونسي.
18:16 Permalink | Email this


