« فلسطين ـ إسرائيل: بعض أسئلة اللحظة الراهنة | HomePage | الصحوة الإسلامية، الكنيسة الكاثوليكية، اليمين الأميركي »

25/05/2005

هل آلت إلى زوال حالة الامتناع عن الحرب الأهلية في العراق؟

صالح بشير الحياة 2005/05/22

ربما باتت بلاد الرافدين أدنى إلى الاقتتال الأهلي من أي وقت مضى، منذ احتلالها قبل ما يزيد على السنتين، أو ربما دخلته وانغمست في أتونه وحُمّ القضاء...

ليس القول بذلك من باب التهويل، الناجم عن سوء الطوية حيال الاحتلال الأميركي، مقدماتٍ وتبعات، وإن كنا لا نتستر على سوء طويتنا في هذا الصدد، ولا عن الهلع وفقدان الاتّزان أمام اشتداد العنف في العراق كما تشهده وتشهد عليه الأيام الأخيرة، وإن كان في اشتداد العنف ذاك ما يدعو إلى الهلع. فاستشراء العنف في بلد من البلدان، وإن بلغ شأوا كذلك العراقي هذه الأيام، لا يمكنه أن يستوي بمفرده أمارة على الانضواء في منطق التنازع الأهلي وعلى الاستسلام إلى دماره. فمثل ذلك العنف قد لا يكون بالضرورة شاخصا نحو غاية سياسية، أو أن غايته تلك قد تكون خارجية إيعازا أو تنفيذا، أو قد يندرج في استراتيجيات كونية فلا شأن للبلد المعني به إلا كـ«ساحة» ثانوية في ذاتها وعارضة، على ما هي حال «جهاد» تنظيم «القاعدة» وفرعه الزرقاوي في العراق، يخوضان ضد «الصليبيين واليهود» حربا لا يحدها زمان (إلا يوم الدين) ولا يحتويها مكان، تستوي فيها بغداد بكابول بنيو يورك بواشنطن بمدريد بالدار البيضاء بالرياض، أو أن العنف ذاك قد لا يعدو أن يكون فوضى عارمة واضطرابا مستشريا، ناجمين عن اضمحلال الدولة وتفككها، يقترفه أفراد وعصابات وفئات، بدافع مجرد الإجرام أو الإيذاء أو دفعه، قد تخالطه السياسة وقد لا تفعل. عنف «مخصخص» إن صحت العبارة، «يزدهر» في فراغ.

أما ما يجعل العنف الفالت أو «غير الرسمي» اقتتالا أهليا، فليس فقط وجوده أو درجته، بل طبيعة اصطفاف القوى الضالعة فيه وطبيعة خطوط الانقسام التي تخترقها وتتمترس خلفها، والمنطق الفئوي، من طائفة أو إثنية أو سوى ذلك من وحدات الانتماء «الأهلية» (ما قبل الانتماء إلى الوطن والدولة)، الذي يحركها، منطلقا تستند إليه وغاية تنشدها. وما يُخشى ويُتوجّس أن يكون العنف في العراق، وإن بدا للمراقب السطحي آفة مسترسلة منذ سنتين، كمًّا من الجثث والدمار لا تُلحظ أطوارٌ فيه تختلف نوعا، ربما كان بصدد اتخاذ منحى النزاع الأهلي على نحو غير مسبوق حتى الفترة الأخيرة، لأن قوى النزاع ذاك ربما كانت بصدد التبلور والاصطفاف.

صحيح أن بذور مثل ذلك النزاع كانت قائمة منذ البداية، أي منذ أن تفككت الدولة (وهذه كانت، خصوصاً في عهدها البعثي، تصطنع وحدة البلد بالقسر وبالحديد والنار)، وبرزت الطوائف، عرقية كانت أم دينية ومذهبية، بصفتها تلك، فاعلا سياسيا، ينشد وزنا في الشأن العام يراه مطابقا لحجمه العددي، أو لا يسلم بفقدانه لسلطة استأثر بها منذ إنشاء العراق الحديث، حتى استحال تقادم العهد ذاك، في نظره، ضربا من شرعية ناجزة لا تُجادَل. وصحيح أن بعض الأطراف، خصوصا مجموعة الزرقاوي، قد دفعت باتجاه الحرب الأهلية دفعا لم تأل في ذلك جهدا، واتخذتها استراتيجية لديها صريحة تتوخاها وتدعو إليها، كما تشير الرسالة التي نُسبت إلى قائد تلك المجموعة ونُشرت قبل أمد، وكما يدل ما اقتُرف من أعمال استهدفت الشيعة، بصفتهم الطائفية تلك، أفرادا أو قادة أو مؤسسات أو حشودا أثناء أداء طقوسها الجماعية. لكن كل ذلك أخفق في إطلاق شرارة الاقتتال، وظل العنف، خصوصا ما كان منه مقاوِماً لا إرهابياً، موجهاً إلى القوات المحتلة وإلى من كان منهم متعاونا معها، وفق نظرة من يزاولونه، أو أن النزعة تلك بقيت مسعى خارجيا، يحاوله «المجاهدون الوافدون» ولا يلقى إقبالا من الطائفة السنية التي يدعي أولئك التماهي معها، أو أنها ظلت من جانب واحد لا تُستجاب، حيث أبدى قادة الشيعة ومرجعياتهم الدينية قدرا من التعقل كبيرا، جنّب العراق ذلك المآل، ناهيك عن أن التعقل ذاك قد يكون علامة نضج سياسي، مفاده أن فئة ترى الظروف سانحة لنيل ما تريده، أي نيل الغلبة، بالوسائل السياسية وإن في كنف الاحتلال، فضلت اتقاء ولوج مغامرة عنفٍ أعمى لا يعود عليها بأية فائدة.

لكن الحالة تلك، حالة الامتناع عن الحرب الأهلية، وقد كانت إحدى النقاط القليلة المشرقة في الوضع العراقي المعتم، يبدو أنها آلت إلى زوال، أو هي باتت مهددة بذلك على نحو جدّي. ما علة ذلك التحول، قائما كان أم محتملا؟

إنها الانتخابات الأخيرة والحكومة التي أفضت إليها بعد مخاض عسير، استغرق أربعة أشهر. أما كيف حصل ذلك، فهو أن الانتخابات تلك إذ خيضت على أساس طائفي، وانتهت بغلبة طائفة بعينها، أفضت إلى حكومة يمكن لمن يريد ذلك، خالص النية أو سيئها، أن ينعتها بأنها حكومة طائفة. وهو ما يجعل الحكومة تلك، لدى خوضها المواجهة ضد العنف، تبدو كمن يخوض حربا لحساب طائفة ضد طائفة أخرى، ويجعل هذه الأخيرة قادرة على الزعم بأنها لا تعترض على غلبة طائفة، وإن آمنت بذلك في قرارة النفس، لكنها تعترض على حكومة قامت في ظل الاحتلال وبدعم منه وتزكية. وهكذا، يُصبح متاحا تمويه النوازع الطائفية، وبالتالي إطلاق عنانها. من جهة، حكومة ذات غلبة طائفية، تحوم الشبهة حول تمثيليتها لسائر العراقيين، في نظر هؤلاء أو في نظر فئة منهم، تُواجَه بوصفها سلطة جائرة أو مطعوناً في شرعيتها، ومن جهة أخرى متمردون يُواجَهون باسم «سلطة شرعية»، لكنهم في حقيقة أمرهم طائفة بعينها أو من طائفة بعينها. من ناحية سلطة هي، في العمق سلطة طائفة، ومن ناحية أخرى معارضة هي في العمق معارضة طائفةٍ أخرى، يجري بينهما قتال هو، في العمق أيضا، احتراب أهلي. أما ارتكابات مجموعة الزرقاوي وما ماثلها، فهي وإن كانت «خارجية» متطفلة على الوضع العراقي، إلا أنها، ومهما كانت فداحتها، تجد في هذا الوضع المستجدّ تربة خصبة.

ولعل ذلك ما يفسر أنه لم يسبق للعنف في العراق أن بلغ درجة من الحدة ووتيرة كتينك اللتين بلغهما منذ تنصيب الحكومة الجديدة، ذلك الذي كان إيذانا بميزان للقوة جديد بين طوائف العراق الأساسية (أما الأكراد فوضعهم خاص وهم مطمئنون إلى حكم ذاتي يداني الاستقلال في شمالهم)، يسعى طرف إلى ترسيخه ويجهد طرف آخر في إعادة النظر فيه، من خلال عنف وعنف مضاد باتا، موضوعيا، طائفييْن، رغم إنكار المنكرين واستنكارهم، نزيها كان ذلك الاستنكار أم منافقاً.

هل استشعرت الولايات المتحدة شيئا من هذا القبيل، إذ أرسلت وزيرتها للخارجية في زيارة مفاجئة إلى العراق، تخللتها تصريحات أدلت بها وتضمنت إقرارا باستحالة «تذليل العنف بالوسائل العسكرية منفردةً» ودعت إلى مبادرة «سياسية قوية» تمكّن من تجاوز الإشكال الرهن؟ أغلب الظن أن لا، وأن الولايات المتحدة، على ضوء ما أبدته من قصور في التعاطي مع الوضع الذي خلقته في العراق بتدخلها، لم تفلح في النفاذ إلى الدلالات الحقيقية لاشتداد العنف هناك، أو هي قومتها تقويما كمّيا صرفا. وما الإصرار الذي يبديه الرئيس بوش على التشبت بالمواعيد المحددة سلفا، بشأن الانتخابات المقبلة وكتابة الدستور العراقي الجديد، إلا بعض الأدلة على ثبات الولايات المتحدة على قصورها إياه.

يبقى أن خطر الحرب الأهلية لم يكن ماثلا في العراق كما هو اليوم، وأن الولايات المتحدة ليست أداة درئه، وأن لا سبيل إلى تداركه إلا بصيغة توافق يهتدي إليها العراقيون ويبادرون بها.

20:11 Permalink | Email this