« هل آلت إلى زوال حالة الامتناع عن الحرب الأهلية في العراق؟ | HomePage | «ثقافة الاستسلام» أم جهالة الاستخوان؟ »
25/05/2005
الصحوة الإسلامية، الكنيسة الكاثوليكية، اليمين الأميركي
الصحوة الإسلامية، الكنيسة الكاثوليكية، اليمين الأميركي
الحداثة المضادّة نصاباً جديداً
صالح بشير
المستقبل - الاحد 22 أيار 2005 - العدد 1925 - نوافذ - صفحة 9
في سنة 1978، انتُخب كارول فويتيلا، أسقف كراكاو (أو كراكوفيا)، بابا للكنيسة الكاثوليكية تحت اسم يوحنا بولس الثاني. وفي سنة 1979، قاد الإمام الخميني أول ثورة إسلامية في العصر الحديث، وانتصر فيها. وفي سنة 1980، أصبح رونالد ريغان، نتيجة سوء فهم، كما قيل آنذاك، أو بفضل أصوات ما عُرف بـ"الأغلبية الأخلاقية"، رئيسا للولايات المتحدة.
ثلاثة أحداث لم تُلحظ وشائجها العميقة في الإبان، ولا بعد ذلك، ولا حتى هذه اللحظة ربما. قد يعود ذلك إلى عاهةِ الاكتفاء من التحوّلات الكبرى بسطحها السياسي، والسطح ذاك لا يعدو أن يكون سطحا وإن تعلّق بانقلابات من مصافّ استراتيجي وكوني. أو قد يعود ذلك إلى امتلاء فكر الحداثة، أو بالأحرى والأصح إيديولوجية الحداثة، بذاتها واقتصارها على نفسها وعلى يقينها، لا ترى ما يقع خارجهما أو تعتبره، في حال حصوله، شواذا ستستدركه حتمية "التقدم" لا محالة.
وهكذا، لم يتبيّن أحد أن الأحداث الثلاثة (حتى لا نشخصن ونقول أبطالها) إنما كانت بداية التأسيس لعالم "جديد" (ستنجلي دلالة المزدوجات هذه في ما سيأتي) أو مباين جوهريا لذلك العالم الذي أرسته الحداثة التنويرية، وتوهمت كونيته، واطمأنت إلى اطِّراده أفقا للبشرية لا أفق سواه، بعد أن وحّدتها العولمة. لذلك، حُسِبَ نافلا أو ثانويّ الدلالة انتخاب بابا من بولندا، قاد أو وجّه ثورة بروليتارية، قوامها نقابة "التضامن" ووقودها الكاثوليكية الشعبية، ضد ... "دكتاتورية البروليتاريا"، خلاصة التاريخ ومنتهى الحداثة وقد استوت "عِلما" على ما كان يُظنّ، أقله في نظر البعض دون البعض. أما الثورة الخمينية في إيران، فقد أخذت بألباب معاصريها، ولكن فقط أو أساسا لأن الألباب تلك لم تكن تتوقعها ولا كانت ترجّحها. كانت تنتظر، وفق قانون "الحتمية" إياه، ثورة تنطلق من "منصّة" ما تستبق الحاضر وتقع في المستقبل، فإذا هي ثورة تصدر عن الماضي وتنطق بمفردات الماضي. أما انتخاب ممثل هوليوودي محدود الموهبة على رأس الولايات المتحدة، قاصر الوعي محلّي النظرة، سبق له أن كان من زبانية الماكارثية، واشياً صغيراً في آلتها الجهنمية، خاض حملته مبشّرا بالعودة إلى "رأسمالية بدائية" وإلى "أخلاقوية قروية"، فلم يأخذه أحد على محمل الجدّ، وربما اعتُبر من بعض شطط الحياة السياسية الأميركية ومن بعض فولكلورها الزائل... ويجدر التنويه أن الأمر ذاك تكرر بحذافيره أو يكاد لدى انتخاب جورج بوش الابن، مرّة أولى فثانية، ما يوحي بأن التعامي ذاك أصليّ بنيوي لا عارض طارئ!
أما الأساسي الذي لم يُلحظ فهو أن الحالات الثلاث، بالرغم من صدورها عن مناخات وعن "قارّات" ثقافية متباينة. وبالرغم مما بين أطرافها أو بين بعضها من عداء مكين، كامن أو مفتوح، تآزرت في ما بينها على إرساء نصاب كوني جديد، يمكننا تسميته، في انتظار الاهتداء إلى مصطلح أفضل، بنصاب "الحداثة المضادة". ولكن لنتوخَّ الدقة: لقد تبيّن الكثيرون، إن في الثورة الإيرانية وإن في عدد من أفعال ومن أقوال البابا الراحل وإن لدى ناخبي اليمين الجمهوري الأميركي، أو أوساط منهم، من عهد رونالد ريغان إلى أيام بوش الإبن هذه، رد فعل مناهض للحداثة، برمّتها أو لأوجهٍ منها، صريح في مناهضته لها، حتى غدا القول بذلك من مبتذل الكلام. ولكن المنطق الضمني لذلك الكلام ظل مقيما على اعتبار الحداثة أصلا أو متناً وعلى اعتبار الاعتراض عليها رد فعل هامشيا (من قبل قوى "همّشها" التاريخ وتضررت من تقدمه الذي لا رادّ له)، "ماضوياً"، أي لا يمكنه، بحال من الأحوال، أن يتأسس في الحاضر.
أما نحن، فنزعم أن الأمر أكثر من ذلك ونذهب إلى أن "الأصولية" الإسلامية (وهذا أيضاً من المصطلحات التي تتطلب تدقيقاً)، تلك التي أطلقت الثورة الخمينية "صحوتها" الراهنة، كما كاثوليكية يوحنا بولس الثاني، مع ما في هذه النسبة من بعض تعسف، كما المحافظة اليمينية الأميركية، جديدها ومتجددها، إنما تدحض مسلمة ارتقت طويلا إلى مرتبة اليقين، تلك المتمثلة في استحالة الجمع بين القبول بثمار الحداثة، أي التوسل الإجرائي لبعض مؤسساتها أو الإقبال على ما تتيحه التكنولوجيا، ورفض قيمها، فكرها وثقافتها وإيديولوجيتها كما صاغها عصر التنوير، وحسبان كل محاولة في ذلك الصدد من قبيل الخُلف أو اللامعقول. والحال أن التيارات المناهضة للحداثة، في تجلياتها الثلاثة الآنفة الذكر، ربما كانت بصدد البرهنة على أن الاحتمال ذاك جدّي إلى أبعد الحدود، قابل للتحقيق، بل أنه قد تحقق بقدر كبير، ما دامت تحمله جموع تشكّل أغلبيات وتترجمه إلى قوة باتت فاعلة، وإن بمقادير متفاوتة وبأوجهٍ متباينة، لا فارق في ذلك بين مجتمعات أوغلت في الحداثة وأخرى كابدت أقصى المشاقّ وهي تجهد في اجتياز عتبتها. أي أن الظاهرة تلك، لا تنحصر في مناطقنا العربية، أو تلك 7-7-المتّسعة7-7- من موريتانيا إلى باكستان حسب النظرة البوشية، حيث للتيارات الإسلامية حضور وغلبة لا يُنكران، بل أننا نلحظها قوية في الولايات المتحدة وفي السطوة التي باتت للحركات الدينية فيها، على ما تبدّى في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وكذلك في أوروبا الغربية، على ما دل التعلق الشعبي بالبابا الراحل يوحنا بولس الثاني، خصوصا في أوساط الشباب، تلك التي كان النفاذ إليها دوما معضلة الكنيسة الكاثوليكية في العصر الحديث، هذا مع الاعتراف بأن العلمانية الأوروبية لا تزال أمتن وأصلب، أكثر مناعة أو ممانعة في وجه عودة الدين فاعلا في الشأن العام، ذلك السياسي بالخصوص.
الحداثيون أخفقوا، بطبيعة الحال، في فهم تلك الظواهر، إذ دونهم ودون ذلك النظرة إياها، من أن الحداثة لا يمكنها أن تُنتَقد إلا بما يتجاوزها، أو يتجاوز بعض هناتها، أي بما يستكملها، لا بما يرتدّ عنها، أو أن ذلك إن حصل، وإذا ما حوكمت الحداثة بقيم الماضي وأفكاره، فإنه لا يعدو أن يكون نكوصا موقتا، ستتولى اليد الخفية لـ "التقدم"، وهذا حتمي لا يرقى الشك إلى حتميته، إصلاحه وتقويم اعوجاجه، طالما أن الحداثة المضادة لا يمكنها أن تطمح إلى راهنية ولا أن تستوي مشروعا مستقبليّا. وهكذا، نظر الحداثيون إلى تلك الظواهر على أنها "أمراض"، فأعادوا تنامي الأصولية الإسلامية، على نحو شبه حصري، إلى "الإحباط"، الاجتماعي والسياسي والحضاري أو إلى كل ذلك وسواه مجتمعا، وشخّصوا لدى ناخبي جورج بوش، وتبجيلهم لهاجس القيَم، أي هاجس المحافظة الأخلاقية، على ما عداه، ميلا يكاد يكون انتحاريا إلى "التصويت ضد مصالحهم"، وأفتوا بأن شعبية البابا الراحل وحظوته بين جموع البلدان ما "بعد الصناعية"، ناهيك عن الدهماء من كاثوليك جنوب الأرض، إنما علّتُها الكاريزما التي كان يتمتع بها الرجل لا محتوى أقواله وأفعاله، على ما أوحى، أسوة بآخرين، اللاهوتي الألماني "التقدمي" هانس كونغ في مقال له أخير. والكاريزما، كما هو معلوم، تنزع منزع اللاعقلانية وتُرهص بالفاشية أو تعبر عنها. بطبيعة الحال، لا أحد يُنكر وجاهة تلك التفسيرات، لكن ما يؤخذ عليها الصفة الحصرية والجامعة المانعة التي يتوسمها فيها ويمحضها إياها الآخذون بها.
وذلك ناتج، كما سبقت الإشارة، عن ذلك الاستبعاد الكلّي لإمكانية أن يُصار إلى نقد الحداثة، على نحو مجدٍ وفاعل على صعيد التأسيس التاريخي، بما قبلها. والامتناع ذاك من قبيل إيماني إيديولوجي، لا معرفي. معرفيا، لا يوجد ما من شأنه أن يحول دون الإقبال على ذلك الاحتمال وطرحه كفرضية تُسبر وتُبحث وتُختبر، خصوصا وأن في الواقع الراهن لعالمنا ما قد يغري بذلك ويحض عليه.
أول ما يلفت في تلك التيارات الثلاثة الكبرى المناهضة للحداثة، أنها لا تكتفي بردّ الفعل حيال هذه الأخيرة على نحو عشوائي، قِطاعي، انتقائي، مضطرب، بل أنها تستند في ذلك إلى رؤية متكاملة ومنسجمة، مؤسسة فلسفيا ومرهّنة في الغالب، أي لا تكتفي باستحضار الموروث خاما. ولعل المثال الأبرز والأكثر بداهة على ذلك، طروحات الكنيسة الكاثوليكية في عهد البابا يوحنا بولس الثاني، وهذه يُفترض فيها أن تستمر في عهد خلفه بينيدكتوس السادس عشر، ذلك الذي تعلقت آخر مداخلة علنية له ألقاها قبيل انتخابه بدحض "النسبية الثقافية"، تلك التي تمثل أحد الأسس الفكرية للحداثة، أو بالأحرى والأدقّ لما بعد الحداثة.
قد لا ينحو المرء منحى الشطط والمبالغة إن ذهب إلى أن اللب الذي تمحورت حوله حبرية يوحنا بولس الثاني والمبدأ الناظم لأفعاله وأقواله، إنما يتمثلان في إرساء تلك الحداثة المضادة. صحيح أن البابا المذكور لم يجترح في ذلك الصدد جديدا قياسا إلى تاريخ الكنيسة الكاثوليكية، وأن هذه الأخيرة كانت دوما مناهضة للحداثة، فلم تتحقق هذه الأخيرة إلا ضدها وبالخروج عنها، وليس بواسطتها أو بمساعدتها، على خلاف ما هي عليه الحال بالنسبة إلى البروتستانتية، أو ربما على الأصحّ بعض نِحَلها، على قول كتاب شهير لماكس فيبر (حلت هذه السنة الذكرى المئة لصدوره)، لكن يوحنا بولس الثاني، وإن استند في ذلك والحق يقال إلى تحوّل كان اجترحه "مجمع الفاتيكان الثاني" في ستينات القرن الماضي، قد أخرج مناهضة الحداثة من طور الانكفاء "الماضوي" البحت إلى طور إعادة التأسيس، أي بعبارة أخرى من طور الإنزواء ما قبل الحداثي إلى طور المبادرة المضادة للحداثة، وقد تبلورت في رؤية بديل توجهت بالخطاب إلى فئات جديدة، من شباب وسواهم، وحُظيت بينهم بصدى لا يُنكر، ولم تنحصر في تلك الفئات التقليدية التي يتربص بها الفناء، بيولوجيّا واجتماعيّا.
رسالة "الإيمان والعقل"، التي أصدرها البابا الراحل في سنة 1998، أي عشية الألفية الثالثة واستعدادا لها، ربما شكلت الوثيقة الأخطر في صدد التعاطي مع الحداثة، إن كتشخيص لانزلاقاتها وأزماتها وإن كبرنامج لـ"ترشيدها". ذلك أن الكنيسة الكاثوليكية، على عكس بعض النحل البروتستانتية الأميركية بالخصوص، أقلعت منذ أمد، مختارة أم مضطرة، عن المساجلة مع وحول "حقائق" العلم الحديث، حتى وإن تعلقت بالخلق أو بالكون، شأن الداروينية أو نظرية "الانفجار الكبير" (بيغ بانغ)، وما عادت تجادل الحداثة إلا في مجال القيم، كما في انعاكاساتها وتبعاتها الأنثروبولوجية. لذلك تقر رسالة "الإيمان والعقل" للعلم وللفلسفة الحديثين بأنهما افتتحا وطوّرا وعمّقا مجالات معرفية غير مسبوقة، بل أن الرسالة تعترف للفلسفة الحديثة بـ"مزيتها الكبرى" المتمثلة في تركيز اهتمامها على الإنسان، وفي أنها قد "أنشأت منظومات فكرية معقدة توصلت إلى نتائج في مختلف مضامير المعرفة، وأفضت إلى تطوير الثقافة والتاريخ"، كما تقول الرسالة (حسب الترجمة الإنكليزية)، غير أنها لا تلبث أن تستدرك أن "النتائج الإيجابية التي تحققت لا يجب أن تُنسيَ أن العقل، إذ حصر اهتمامه في سبر ذاتية الإنسان، يبدو أنه قد نسي أن بني البشر، رجالا ونساء، مدعوون إلى توجيه خطواتهم صوب حقيقة تتسامى عليهم"، وأن الانقطاع عن تلك الحقيقة وعن السعي إليها، جعل الأفراد نهبا لنزواتهم، وجعل 7-7-حالتهم كأشخاص7-7- تُقاس بمعايير براغماتية "تقوم أساسا على المعطيات التجريبية وعلى الاعتقاد الخاطئ بأن التكنولوجيا يجب أن تطغى على كل شيء". فالبحث الفلسفي المعاصر، أهمل سبْر الوجود، وركز بالمقابل على فعل المعرفة الإنسانية، أي أنه بعبارة أخرى، نبذَ الميتافيزيقا، فتشظت المعرفة إلى قطاعات شتى، لا يربطها رابط ولا تشخص نحو غاية قصوى.
كان من نتيجة ذلك بروز "مختلف أشكال اللاأدرية والنسبية، التي أفضت بالبحث الفلسفي إلى إضاعة طريقه داخل الرمال المتحركة للتشكك المُستشري". وإذا كانت رسالة "الإيمان والعقل" تقر لتعدد المواقف بالمشروعية، إلا أنها تستنكر تحللّها في ضربٍ من "تعددية بلا تمييز"، تستند إلى افتراض مفاده أن كل "المواقف سليمة بالتساوي"، وهو ما لا سبيل إلى تجاوزه إلا باستعادة الفلسفة "لمنزعها الأصلي"، أي السعي وراء الحقيقية الأخيرة، حقيقة الوجود.
بطبيعة الحال، وبالنسبة إلى وثيقة كنسية مثل رسالة "الإيمان والعقل"، تلك الحقيقة مُعطاة، منذ أن تفعّلت في التاريخ من خلال السيد المسيح وبواسطته. لذلك، فإن الرسالة، وإن أقرّت بأن لا تناقض بين حقيقة الوحي وحقائق العقل، بين حقيقة الإيمان وحقائق النظر، جريا على سنةّ راسخة مستقرة منذ العصور الوسطى (المسيحية كما الإسلامية واليهودية)، فإنها، وفق السنّة إياها، تقيم تراتبا بين كل تلك الحقائق، بحيث تضع تلك الإيمانية، والتي لا يمكن للعقل أن يبلغها بمفرده، في المقام الأرفع، وتجعل الفكر، وإن أكدت الرسالة على حريته واستقلاله، خادما لها، يؤكدها ويسبر أسرارها. لأن الحقيقة الإيمانية هي الوحيدة القادرة على إسباغ المعنى، وهي لذلك يجب أن تستعيد مكانتها تلك، سبيلا وحيدا لخلاص البشرية المعاصرة من "العدمية" ومن فلسفة "اللاشيء" (nothingness)، وما يلازمهما ويترتب عليهما من فوضى قيَمية عارمة.
يتجلى هذا الهاجس إياه لدى اليمين الأميركي. صحيح أن الناخب العادي من ولايات وسط البلاد كان بعيدا كل البعد عن مثل هذه الاعتبارات الفلسفية وهو يمحض الرئيس جورج بوش صوته وثقته في الانتخابات الأخيرة بالرغم من الحالة الاقتصادية أو من حرب العراق، مستهديا في ذلك بقضايا وانشغالات بدت له أكثر إلحاحا شأن الإجهاض أو زواج المثليين، أي صادرا في ذلك عن محافظة أخلاقية "فطرية" أو "خام"، إن جازت العبارتان. ولكن تلك ليست حال كل البوشيين، والمحافظين الجدد منهم على وجه التحديد، أولئك الذين يشكلون التيار الأكثر تماسكا من حيث الخلفية والمرجع النظرييْن، وهو تماسك لا يلغي الاختلاف في ما بينهم في تأويل النظرية، وهذه الأخيرة هي تلك التي وضعها الفيلسوف الألماني الأصل ليو شتراس.
كُتب الكثير عن علاقة المحافظين الجدد بليو شتراوس. لكن الكتابات تلك، إذ تولاها صحافيون أو نحت منحى السجال الايديولوجي الآني والمباشر التوظيفي والتبسيطي، أخفقت في النفاذ إلى لبّ تلك العلاقة. لقد قيل مثلا إن المحافظين الجدد استلهموا من شتراوس تعاليمه القائلة بضرورة إخفاء الحقائق عن الجموع، كما لو أن الساسة، وهم من هم بهتانا وانتهازية حيال الواقع، قد انتظروا ذلك الفيلسوف كي يتوصلوا إلى هذا الاكتشاف المذهل. والحال أن شتراوس كان يعني البحث الفلسفي حصرا أو في المقام الأول، مستأنفا بذلك تقليدا يرقى إلى العصر الكلاسيكي وإلى العصر الوسيط، قال به أفلاطون، كما أخذ به ابن رشد في "فصل المقال" إذ يقول "... فالتأويلات ليس ينبغي أن يُصرّح بها للجمهور ولا أن تُثبت في الكتب الخطابية والجدلية"، بل يجب أن تبقى حكرا على أهل "التأويل اليقيني، وهؤلاء هم البرهانيون بالطبع والصناعة، أعني صناعة الحكمة". وكذلك الإمام الغزالي الذي وضع كتابا بعنوان "لجم العوام عن علم الكلام7-7-. كما وُصف شتراوس بأنه من تلاميذ المفكر الألماني، النازي الهوى بل الانتماء في بعض أطوار حياته، كارل شميت، في حين أنه كان له ناقدا، على نحو جوهري لا يتعلق بالتفاصيل، على ما بيّن الباحث هاينريخ ماير في كتاب له بعنوان "حوار بين غائبين".
لذلك، إذا كانت للشتراوسية من سمة فارقة، فهي لا تتمثل في ما سبقت الإشارة إليه أو في ما كان على شاكلته ومنواله، بل في أن أعمال فيلسوف المحافظين الجدد (على ما في هذا التوصيف من ابتسار) قد انصرفت انصرافا يكاد يكون كليا إلى نقد الحداثة التنويرية، بل إلى دحضها دحضا مبرما، أو ذلك على الأقل ما أراده صاحبها. صحيح أن نقد الحداثة غرض قائم الذات من أغراض الفكر المعاصر، وأن ليو شتراوس لم يبتدعه، إذ تندرج في عداده أسماء لامعة ووازنة، من عيار نيتشه أو هايدغر وسواهما. لكن النقد ذاك، وهذا هو مأخذ شتراوس عليه، يبقى، في الغالب وفي نهاية المطاف، ضمن إطار الحداثة محكوما بأفقها. أما نقده هو فجذري، يقوم على سمحاكمة7-7- فكر الحداثة بفكر ما قبل الحداثة، متوسِّما في هذا الأخير راهنية ناجزة ويراه مؤهلا للنهوض بمهة النقض تلك، فيرجع إلى فلاسفة العصور الكلاسيكية والوسيطة، من أفلاطون، بل وما قبل السقراطيين، إلى موسى ابن ميمون، ذلك الذي أولاه اهتماما خاصا واستثنائيا، إذ ربما اعتبر فكره أرقى تجسيد للتأليف بين "أورشليم وأثينا" (عنوان أحد كتب شتراوس)، أي بين "الفلسفة والشريعة" (عنوان كتاب آخر له)، أي بين الوحي والعقل. وذلك مرورا بمن يسميهم "أساتذة" ابن ميمون من الفلاسفة المسلمين، الفارابي وابن سينا وابن رشد.
يعلن شتراوس، منذ الفقرة الأولى من مقدمته لـ "الفلسفة والشريعة" (الترجمة الإيطالية) أن "عقلانية ابن ميمون هي الأنموذج الطبيعي الحقيقي، وهي المعيار الذي يجب صونه بعناية من كل تزوير، لأنه ـ الصخرة ـ، والعائق الذي تفشل أمامه العقلانية الحديثة". يأتي هذا التأكيد في إطار سجال داخل الفكر والفلسفة اليهودييْن (ضد الفيلسوف النيوكانطي هيرمان كوهين خصوصا)، لكنه يستند إلى نظرة أشمل وأعم لدى شتراوس مفادها أن العقلانية الحديثة عقلانية "ظاهرية"، أو زائفة، بحيث أن "نقد الحاضر، نقد العقلانية الحديثة، بوصفه نقدا للسفسطائية الحديثة، هو البداية الضرورية، والمُلازم الثابت، والعلامة الفارقة التي لا تخطئ للبحث عن الحقيقة وفق ما هو مُتاح في عصرنا هذا". فشتراوس لا يساوره شك في تفوق العقلانية الكلاسيكية، الموروثة عن الفلاسفة الإغريق وعن فلاسفة العصر الوسيط، على العقلانية الحديثة، تلك التي تخلت، كما جاء في نقاش دار في خمسينات القرن الماضي بينه وبين الفيلسوف الفرنسي ألكسندر كوجيف حول "نهاية التاريخ" (فوكوياما لم يخترع شيئا!)، عن ذلك "الاعتقاد الراسخ لدى الكلاسيكيين الإغريق حول ضرورة التحكم الأخلاقي ـ السياسي في التقدم التقني"، على ما يورد الباحث الإيطالي كارلو ألتيني في كتابه "ليو شتراوس، لغة السلطة ولغة الفلسفة". غير أن شتراوس يستدرك قائلاً "لا يمكننا أن نتوقع من فهمٍ جديد للفلسفة السياسية الكلاسيكية إمكانية منحنا وصفات نستعملها في الحاضر، على نحو فوريّ (....)، إلا أن فهماً ملائما للمبادئ التي صاغها الكلاسيكيون يمكنه أن يكون نقطة الانطلاق التي لا بد منها لتحليل مجتمعاتنا المعاصرة"، كما جاء في كتابه "المدينة والإنسان" (بالإنكليزية). وهذه السمة في فكر ليو شتراوس هي التي مكنته من أن يستوي مرجعية نظرية، قابلة للتوظيف الإيديولوجي، لدى اليمين الأميركي، أو قطاعات منه، إن على صعيد المحافظة القيمية، وإن على الصعيد السياسي، على ما يتبدّى من ازدراء المحافظين الجدد بـ"الحقوقوية" الأوروبية على سبيل المثال. صحيح أن علاقة الشتراوسيين بشتراوس ليست كعلاقة الماركسيين بماركس، أي لا تبلغ مبلغ الاعتناق والانضواء النصّي والحرفي، وصحيح أن كل فئات اليمين الأميركي المحافظ لا يدينون بالولاء لفكر شترواس، ولكن الفكر ذاك يوفر دحضا للحداثة يمكن لمن أراد الاستناد له.
تلك القدرة التي تُنسب إلى فكر ما قبل الحداثة على النهوض بديلا عن فكر الحداثة، "ترشيدا" لهذه الأخيرة وإسباغا للمعنى، تتجلى بطبيعة الحال على نحو ساطع بديهي في حركات الإسلام السياسي، وإن تخلفت تلك الحركات، إلا في حدودٍ دنيا وضئيلة ومعزولة لا يُعتدّ بها، عن بلورة مقاربات نظرية وفلسفية كتلك التي صاغها لاهوتيو الكنيسة الكاثوليكية (لا سيما في عهد يوحنا بولس الثاني) من ناحية، وليو شترواس وأتباعه من ناحية أخرى. يعود ذلك إلى عوامل خاصة أو خصوصية، جعلت السجال مع الحداثة في العالم الإسلامي أشق وأيسر في الآن نفسه. فهو أشق لانعدام المعرفة المباشرة بالحداثة كما بفكر"ها"، أو لمحدودية تلك المعرفة (وهو ما يشترك فيه، والحق يقال، إسلاميونا وتحديثيونا سواء بسواء أو بتفاوت طفيف). فقد ابتُسرت الحداثة عندنا إلى بعض عناوين عامة، وإلى بعض "أفكار" أولى وأولية من قبيل ما تحتويه الملخّصات المدرسية، وفشلنا عموما في النفاذ إلى ديناميكيتها العميقة. أضف إلى ذلك حالة التردي الفكري التي تميّز "نخبنا"، تلك الزاعمة الحداثة وتلك النابذة لها، وهو تردّ يطال حتى العلاقة بالتراث، مع إسرافنا في التباهي به. وهكذا، انحصرت تلك العلاقة لدى الإسلاميين (موضوع اهتمامنا هنا) في الفقه، واقتصر السجال مع الحداثة، وعملية إدراج الإسلام في الشأن العام على نحو عام، في "أدلجة الفقه"، أي في تحويله إلى إيديولوجيا، مع الإخفاق في استنهاض التراث الفكري الإسلامي ومخزونه المعرفي، علم الكلام (وهذا بالغ الثراء على عكس ما يعتقد البعض) ناهيك عن الفلسفة، اسوة بالكنيسة الكاثوليكية، التي تعلن صراحة مرجعية توما الاكويني مثلا (كما في رسالة يوحنا بولس الثاني الآنفة الذكر أو في رسالة له أخرى بعنوان "سطوع الحقيقة" حول التعاليم الأخلاقية)، أو اسوة بليو شتراوس والمكانة التي يوليها موسى ابن ميمون. والقصور ذاك لا يُفسّر فقط بالريبة، تبلغ مبلغ التكفير، حيال كل من علم الكلام والفلسفة، بين أوساط الإسلاميين، خصوصا تلك الحشوية منها، بل يُعزى أيضا إلى عجز فكري لدى "نخبٍ" انعدمت لديها الثفافة الفلسفية، وباتت عاجزة عن النفاذ إلى ذلك التراث الفكري، إلا على نحو ما يفعل رجال التدريس، أي على شكل تلاخيص باهتة ومونوغرافيات مسطحة، ناهيك عن الانطلاق منه نحو صياغات مستجدّة أو جهود ترهينٍ أو تحيينٍ (على ما يقول مصطلح اهتدى إليه التونسيون) خلاقة.
هذا فضلا عن فارق آخر أساسي بين مناهضي الحداثة عندنا ونظرائهم في الغرب: فالسجال ذاك داخلي هناك وبرّاني هنا. أولئك يساجلون ضد فكر نشأ وتطور عندهم، وفعل فعله بعمق في تاريخهم وفي مجتمعاتهم، وهؤلاء يساجلون ضد فكر غريب وافد دخيل بل غازٍ، جاء مع الاستعمار والاحتلال، قديمهما وجديدهما، ويُكتفى بإلحاق ذلك الفكر بهما رفضا له وتنصلا منه. ومن هنا ما سبقت الإشارة إليه من يُسر (ظاهري طبعا). إذ يُتصوّر أنه يكفي أن يُحشد في وجه الحداثة ما حُشد في وجه التدخل الأجبني. يكفي الركون إلى مناعة ثقافية داخلية وأن يُصار إلى هجاء عناصر الحداثة ومكوناتها، على نحو يغني عن الدخول في مقارعة فكرية حقيقية لها، وتلك مهمة لا قِبل لـ"نخبنا"، كفاءة وتكوينا، بالاضطلاع بها. والأمثلة على ذلك كثيرة، شأن الكتابات الرائجة لدينا حول العالمانية (أقترح كتابتها هكذا بدلا من "العلمانية"، درءا لذلك اللبس المقيم حول نسبتها إلى العالَم أو إلى العلم) حيث تبدو هذه الأخيرة أشبه بوحش خرافي. وهكذا، وبإيجاز، طغى التناول الايديولوجي على كل تناول سواه، لأن اللجوء إليه لا يتطلب كبير جهد ولأن فاعليته آنيّة مضمونة.
لكن مع كل ذلك، وبالرغم من إدقاعها على صعيد التأسيس النظري، تلتقي "الصحوة الإسلامية"، في سماتها الجوهرية، مع تياري مناهضة الحداثة في الغرب وتشترك معهما في معاصرة ناجزة. فهي مثلهما، وإن وفق سويّة عمَليّة ومحض براغماتية يعوزها التأسيس النظري، تقبل على ثمار الحداثة، وليس فقط تلك المادية منها، دون تردد ودون وجل، بل أبدت فاعلية كبيرة وقدرة هائلة على الاندراج في عصر تكنولوجيا المعلومات، وإن استخداما لا اجتراحا، متفوقة في ذلك على التحديثيين في مناطقنا. لست أدري إن وُجدت إحصاءات، ولكن حضور التيارات الإسلامية على شبكة الإنترنت، على سبيل المثال، تتحرك داخل مجالها الافتراضي بيسر وسهولة، يتجاوز دون ريب حضور أي تيار آخر. ما قد يوحي بأن "التقدمية" لم تعد بالضرورة رديف "التقدم" وصنوه بل قد يفترقان، وذلك ما قد يكون موضوعا شيّقا لبحث مستقلّ. مضى الزمن الذي كانت فيه أشياء الحداثة التكنولوجية في ذاتها وأمتعتها، ناهيك عن "قيمها"، ترتّب هلعا من مصافّ "ميتافيزيقي"، إن صحت العبارة، وتلوح نذيرا بانهيار العالم (ذلك الأهلي)، بحيث تطلّب إدخال التيار الكهربائي أو الهاتف أو النظّارة الطبية أو سواها، في بعض الأطوار والبلدان، إصدار فتاوى وجهود إقناع مضنية. وذلك تحوّل في الذهنيات لم يؤرّخ له ولم يوثّقه أحد بطبيعة الحال ولا انشغل أحد بسبره وتأويله.
النظرة "الإسلامية" إلى الحداثة، أقله تلك المادية، تحولت من الرّهاب الانكفائي الأوليّ، إلى الإجتراء، من التخوف، مصدره الحدس ربما بأن أشياء الحداثة لا يمكنها أن تأتي حيادية عزلاء متخففة من تبعاتها الثقافية، إلى افتراض ذلك، بل وإلى افتراض إمكانية إدراج أشياء الحداثة تلك ضمن منظومة ثقافية مغايرة، ما قبل حداثية، بمعنى ما قبل "تنويرية"، توجهها وتمسك بناصيتها. و"الانتقائية" تلك باتت تبدو احتمالا جديا، ممكن التحقيق، مع أن الحداثيين درجوا طويلا، ولا زالوا، على تشخيصها على أنها شواذ وعلى أنها تناقض مبرم يتبادل طرفاه النفي والإبطال. وفي ذلك تلتقي "الصحوة الإسلامية" مع نظيرتيها في تيار الحداثة المضادة. صحيح أنها تقنع بشعارات من قبيل "الإسلام هو الحل" أو بالممارسة التجريبية، وتفتقر إلى محاججات فكرية وفلسفية معمّقة ومتماسكة (بصرف النظر عن صوابها من عدمه) كتلك التي نجدها في الوثائق اللاهوتية للكنيسة الكاثوليكية، منذ عهد يوحنا بولس الثاني خصوصا، أو في مؤلفات ليو شتراوس، ولكن المقاربة واحدة أو متماثلة من حيث الجوهر. والتلاقي ذاك، ليس ناجما بطبيعة الحال عن تواطؤ أو عن مؤامرة جمعا بين روافد الحداثة المضادة تلك، بل هو ناجم عن تطور عميق، صادر عن مواقع ثقافية وحضارية مختلفة ومتباينة مستقلة، تجلّت مع بلوغ الحداثة أزمتها الراهنة، على صعيد الفكر والقيم، وهي الأزمة التي أقر بها حداثيّ من وزن الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس أثناء مناظرة جرت بينه وبين الكاردينال يوسف راتزينغر (أي البابا الحالي بينيديكتوس السادس عشر)، في خريف سنة 2004. لكن ذلك ما لم يفهمه سواد الحداثيين ودهماؤُهم من أصحاب اليقين الإيماني، ممن لا يزالون يتوهمون للحداثة التنويرية مرجعية لم تتزعزع، فيحارون مثلا في تأويل علاقة المجموعات الإسلامية بالتقنيات الجديدة، استخداما وتنظيما، فيردونها تارة إلى ملمحِ حداثة غير معلن أو ضمني وتارة إلى استثناء يعسر تعليله، أو هم يردون مواقف الكنيسة الكاثوليكية إلى هاجس التكيّف مع الحداثة، مع أن الكنيسة تلك ربما كانت بصدد استعادة زمام المبادرة على ذلك الصعيد القيمي، بالرغم من ترسخ العلمانية في القارة القديمة كما يدل الفشل في إدراج الإشارة إلى "الجذور المسيحية" في ديباجة دستور الاتحاد الأوروبي، أو يميلون إلى الاستهانة بصعود النزعات المحافظة في الولايات المتحدة، مع أنها باتت تُحظى بالأغلبية وأضحت تتسنم قيادة الدولة العظمى الوحيدة في العالم... قد يعتبر حداثيون أن الظاهرة تلك وقتية، آيلة إلى زوال في أمد قد يقصر أو يطول، لكن 7-7-التفاؤل7-7- ذاك لا يستند إلى أية ضمانة ملموسة، عدا الإقامة على أقنوم "حتمية" التقدم.
أحد الملامح الأساسية الجامعة بين تيارات الحداثة المضادة الثلاثة، عودتها إلى لحظة معينة في العصور الوسطى، تعتبرها لحظة أوج فكري، مثلت أرقى تجليات المزاوجة بين الوحي والعقل. القديس توما الإكويني يحتل هذه المكانة لدى الكنيسة الكاثوليكية، كما يتبدى في كتابات البابا الراحل وفي كتابات خلفه التي كثيرا ما تشيد بـ"الدكتور الملائكي" (Angelic Doctor)، وإن استندت تلك الكتابات إلى تقليد "أسسته" أو غذّته أعمال المفكر الفرنسي (المجهول تماما في وطنه العلماني) جاك ماريتان وسواه من "الإكوينيين الجدد". أما ليو شتراوس، فقد بينّا تعلقه بموسى ابن ميمون، بوصفه "فيلسوفا داخل اليهودية"، كما ينعته في بعض كتاباته، أي داخل الشريعة وبـ"تصريح" منها (أسوة بما أقره "فصل المقال" لابن رشد). أما حركاتنا الإسلامية، فمرجعية العصر الوسيط لديها معلومة لا تستلزم إسهابا، وإن بدت، على ثباتها، مركبة أو ملتبسة. فهي إن بجّلت "الإسلام الأول"، إسلام دولة المدينة والخلفاء الراشدين، إلا أن تبجيلها ذاك من قبيل "أسطوري" أي "إيديولوجي"، لأن "الإسلام الأول" لم يصلنا إلا "معقلنا"، إن صحت العبارة، أي كما تم تدقيقه وتقعيده وضبط أصوله وفقهه واجتراح مذاهبه ووضع تاريخه في عصر التدوين (كما أسماه أحمد أمين)، أي بواسطة جهد فكري ضخم بالغ الخصوبة وفريد من نوعه في التاريخ الإسلامي.
وبديهي أن مرجعية فكر العصر الوسيط تلك إنما هي جزء من عودة التدين، على النحو الذي نلاحظه منذ ثلاثة عقود. فالعصر ذاك كان نموذجيا من حيث إرسائه لنصاب منسجم مكتمل أو كلي، تحت راية الدين وفي كنفه، يشمل الفكر كما السياسة والأخلاق (مسألتا السياسة والأخلاق بالغتا الأهمية لدى تيارات الحداثة المضادة تستوجبان تناولا على حدة) كما كل نشاط بشري بل وحتى العالم الفيزيائي. كان العصر الوسيط، من هذه الناحية، أكمل نموذج على عملية إسباغ المعنى. وهو لذلك، ولكونه يعود إلى عشية الحداثة فكأنما يتم توسله لجبّها، يستهوي تيارات الحداثة المضادّة، لأنه يقدم المثال على مرجعية موحَّدة وموحِّدة، يمكن استحضارها ترياقا في مواجهة تشظي المعنى أو انعدامه في الحداثة، فكرا وقيما، ويمكن تبعا لذلك استنهاضها وترهينها. ذلك أن الحداثة المضادة تقرّ، ضمنا أو جهرا بتعذر العودة إلى الماضي (في ما عدا بعض نتوءاتها الهامشية والمتطرفة)، إذ يُستبعد أن تعود الكنيسة الكاثوليكية إلى إقامة محاكم التفتيش، في حين أن ليو شتراوس يعتبر الأنظمة الديمقراطية الليبيرالية أفضل المتاح لحماية حقوق الناس، مع تحفظه الفلسفي عليها بوصفها من ثمار الحداثة، وفي حين أن عددا من الحركات الإسلامية الأساسية تندرج في المطالبة بالديمقراطية. ومع أن البعض، الذي قد يكون محقا، ينظر إلى التوجه ذاك نظرة تشوبها الريبة ويرى فيها مجرد وسيلة للوصول إلى السلطة لا تتأسس على اقتناع، إلا أن مجرد الإذعان إلى تلك الوسيلة قد يبرهن على أن بعض ما جاءت به الحداثة الكلاسيكية بات مما يصعب نبذه والتراجع عنه. هذا عدا عن كون القبول بالديمقراطية، وإن على نحو شكلي، إنما يمثل مروقا قياسا إلى موقف أصلي، ما زالت تقول به أكثر الاتجاهات الإسلامية تطرفا، من أن الديمقراطية "كفر بواح"، وتخليا عن مبدأ الشورى التقليدية، يتولاها "أهل الحل والعقد" حصرا، أو هو تطوير لذلك المبدأ إن شئنا، ولكنه تطوير لا يُستهان به.
كل ذلك للقول بأنه يصعب وصف الحداثة المضادة بأنها مجرد نكوص إلى ما قبل الحداثة. فمثل ذلك لا يصحّ إلا على قبائل قليلة، بقيت معزولة في بعض الأدغال حتى أيامنا هذه، أو هو يصح على حركة طالبان الأفغانية، وماضويتها العنيدة والمناضلة، أو على طائفة مثل طائفة "الأميش" في الولايات المتحدة، التي لا يزال أفرادها يرطنون بلهجة هولندية تعود إلى قرون خلت، ويسمون مواطنيهم الأميركان بـ"الإنكليز"، ويدينون بمذهب متشدد يفرض عليهم الإنصراف إلى أعمال الزراعة، وبالوسائل اليدوية والتقليدية حصرا، ويمنعهم من استخدام الهاتف والتلفزيون والكهرباء والسيارات. فقط في مثل هذه الحالات، وهي نادرة وشاذة ولا يُعتدّ بها، يمكن الحديث عن نكوص إلى ما قبل الحداثة. أما الحداثة المضادة، فهي، كما أسلفنا، غير ذلك، وهي أكثر طموحا، تستقي من الموروث الديني والفكري لما قبل الحداثة مبادئ لا ترى لها فقط صلاحية ونفاذا مسترسلين، لا ينال منهما الزمن، بل تعتبرها قادرة على ترشيد الحداثة وعلى تحديد وجهة لها تكون إنسانية، وعلى مدها بما أخفقت في اجتراحه أو افتقدته: المعنى.
وأهم ما في ذلك، سواء كان مجرد ادعاء أم أكثر من ذلك، أنه قد يكون بصدد فرض النفس، أي بصدد إرساء نصاب هو النافذ والساري، يهمّش ما عداه وما خرج وشذ عنه، بصرف النظر عما بين أطرافه والضالعين فيه من عداء واقتتال. فمثل ذلك العداء والاقتتال هما مما يقوم بين أعضاء ومكونات عالم واحد، تماما كما استحكمت الضغينة بين الحداثة الشيوعية ونظيرتها الليبيرالية في القرن العشرين، أو كما نشبت الحروب بين الديانات بل بين المذاهب قبل ذلك... والعالم ذاك ربما بات "حداثيون" و"تنويريون" كثيرون، من المطمئنين إلى يقين إيديولوجي مريح لا يقبل المساءلة، خارجه أو هم على أهبة الخروج منه.
20:22 Permalink | Email this


