« بوش وبوتين: محاورة من مخلفات الحرب الباردة | HomePage | هل آلت إلى زوال حالة الامتناع عن الحرب الأهلية في العراق؟ »
21/05/2005
فلسطين ـ إسرائيل: بعض أسئلة اللحظة الراهنة
صالح بشير الحياة 2005/05/15
أرييل شارون أجل الانسحاب من غزة إلى الخامس عشر من آب (أغسطس)، بعد أن كان مقررا قبل ذلك الموعد بأسبوعين. إتخذ قراره على نحو أحادي، كما هي حال كل مبادراته «التسووية»، لا يحفل بشأنها بأي اعتبار سوى روزنامته الخاصة (نكاد نقول «الشخصية») وتوازنات الميكروكوزم السياسي الإسرائيلي أو مزاج هذا القطاع أو ذاك من رأيه العام. فعل ذلك، على حد تعليله، احتراماً لمشاعر المستوطنين، حتى لا يصادف إجلاؤهم ذكرى هدم المعبد في بعض الأزمنة السحيقة، سائرا في ذلك على سنّة إسرائيلية أكيدة راسخة، مفادها اعتبار آلام ومآسي اليهود حتى ما عاد منها إلى غابر التاريخ، والاستهتار بآلام ومآسي الفلسطينيين وهي مباشرة راهنة ملحّة إلى أبعد حدود الإلحاح.
لكن الرجل لا يلام على ذلك، إذ لا أحد يطالبه بإنسانية، ولأن الإنسانية لا ثقل لها بمعايير ميزان القوة، إلا لمن استطاع الاستفادة منها دعائياً. وفي هذا الصدد، هناك دوما من هو أكثر مهارة وكفاءة، وهو قطعا ليس نحن.
أما في ما عدا ذلك، فيتصرف شارون كمن يفتقر إلى «الشريك» من الجانب الفلسطيني، ينسّق معه وإن في إنفاذ ما ارتآه وما قرره أحاديّا. فرئيس الحكومة العبرية انتقل من طور الجهر والشكوى من انعدام «الشريك» إلى طور التجاهل التام لذلك «الشريك». و«الإستراتيجية» الأولى كانت الأجدى، في تقديره، في التوصل إلى تقويض ياسر عرفات، نظرا لما كان يمثله على رأس الوطنية الفلسطينية، في نظر شعبه وفي نظر العالم، في حين أن الثانية تكفي وتفي بالحاجة في التعاطي مع محمود عباس، ناهيك عن أن الأخير انتُخب لانتقاده، أو بالرغم من انتقاده، لعسكرة الانتفاضة، وكان اختياره ديموقراطيا وما انفكّ يعلن صراحة تبنيه منحى التفاوض. لذلك يكون من الأفضل نزع صفة «الشريك» عنه عمليا وبالممارسة، دون الدخول في جدل حول أهليته لتلك الصفة.
كل ذلك، وانفراد شارون بالموضوع الفلسطيني يفعل به ما يشاء، حراً طليق اليدين، معلوم ليس لنا إلا نواجهه بالإدانة وبتكرارها، وذلك أضعف الإيمان لمن كان عديم الحول والحيلة كحالنا.
يبقى ما يلفت على الصعيد الإسرائيلي في سياسة شارون هذه، وعلى صعيد آلية اشتغال النظام الديموقراطي في الدولة العبرية في هذا الطور الشاروني، والنظام ذاك قائم لا سبيل إلى إنكاره على اتسامه بحصريّة إثنية-دينية سافرة بديهية. وفي هذا الصدد، لا يسع المرء المراقب إلا أن يقف أمام واقعة فارقة: أن شارون يبدو كمن ينفذ برنامجا فرديا، شخصيا، لا كما هي الحال في الديمقراطيات عادة، برنامج أغلبية بعينها، يزول ويُطوى بزوالها، أو برنامجا إجماعيا، التأمت حوله حكومة إئتلاف وطني، كما يحدث إبان الحروب وما ماثلها من الحالات والأوضاع الاستثنائية. كما أن رئيس الحكومة العبرية لم يتلق من البرلمان سلطات خاصة، لمواجهة ظرف خاص، كما حدث مثلا مع جورج بوش الابن عند بدء الحرب العراقية.
أرييل شارون تولى مهامه حتى الآن بشكل عاديّ، لكنه بدا، كما سبقت الإشارة، كمن ينفذ برنامجا شخصيا، جوهره باختصار استبعاد التسوية مع الفلسطينيين، استبعاداً مبدئياً، أي سواء كانت التسوية «عادلة» أو مجحفة، يؤلّف له الأغلبيات البرلمانية تأليفا، حسب الأطوار والمراحل والملابسات إذ هو بدأ، بعد أن خلف العمالي إيهود باراك، بحكومة إئتلافية، ثم اكتفى بأغلبية يمينية، ثم انتقل إلى أغلبيته الراهنة، والتي تعتمد على أصوات العماليين، منذ أن قرر الانسحاب من غزة وتفكيك مستوطناتها وبعضا من مستوطنات الضفة الغربية.
كيف يمكن تفسير ذلك؟ هل أن شارون لا هم له سوى البقاء في السلطة يمالئ الأغلبيات المتعاقبة ويركب موجتها؟ إذا كان الأمر كذلك، فما معنى انتخابه بل ما معنى العملية الانتخابية أصلا؟ أم أن الرجل يفبرك الأغلبيات كما يعنّ له ويحلو، متى ما أراد ذلك، وفي هذه الحالة أيضا وتكرارا ما معنى انتخابه، بل ما معنى العملية الانتخابية أصلا؟
لكن شاورن، من وجه آخر، ليس ديكتاتورا ينفرد بالقرار. ليس في سلوكه العام ما يوحي بذلك وإن كان ميالا إلى ما عُرف عنه من اندفاع بلدوزيري، فهو بالغ الاحترام للمؤسسات التمثيلية القائمة في دولته، لم يفرض قوانين طوارئ، بذريعة الأخطار الخارجية وحراجة المرحلة، ولم ينل من حرية التعبير والتجمع، كما أن الرجل جزء أو كان جزءا من مؤسسة عسكرية-أمنية، لا تترك له حرية التصرف والارتجال في الشؤون الحيوية والمتعلقة بوجود دولة إسرائيل. ما هو إذاً تفسير هذه الظاهرة الغريبة بالمقاييس الديموقراطية الاعتيادية؟
أغلب الظن أننا أمام واقع سياسي من مستويين، أحدهما هو ذلك الظاهري والعلني، ممثلا في الحياة السياسية المفتوحة، كما تعبر عنها النقاشات والسجالات والخلافات الجارية على الملأ، في الأحزاب والبرلمان وسواه من المؤسسات التمثيلية، وفي الصحافة وما إلى ذلك من وسائط الخوض العلني في الشأن العام، وثانيهما هو المتمثل في المراتب الأمنية-العسكرية، بالمعنى الاستراتيجي للكلمة، وهذه خفيّة بطبيعتها، ميالة إلى التكتم، وهي التي في يدها القرار الأخير في ما يتعلق بقضايا الحرب والسلام، وهي التي تمتلك التصورات الحقيقية للتسوية من عدمها، وهي التي تنتدب هذا أو ذاك لتولي رئاسة الحكومة، «تقترحه» على الأحزاب السياسية، تأتلف حوله أو تنفضّ، تقبل به أو ترفضه، تحجب عنه الأغلبية ثم تعود لتمحضه إياها، دون مسبقات أو اعتبارات من طبيعة إيديولوجية، ودون أن تخرج في كل ذلك عن لعبة مرسومة لها سلفاً. وربما رأت أوساط السلطة الحقيقية تلك في أرييل شارون الرجل المناسب في هذا الطور من تاريخ الدولة العبرية.
ليس هذا التأويل بالطبع مجرّد تنويع على «بروتوكولات حكماء صهيون»، أو جنوحا إلى التفسيرات التآمرية، لكنه إن صحّ لا يعدو أن يكون ناجما عن الوضع الخاص للدولة العبرية، ولسلطاتها الحقيقية، تلك التي قد ترى أنه لا يمكن ترك صلاحية القرار في أمور حيوية وجودية، بين أيدي ناخب عادي، انشغالاته يومية في المقام الأول، أو بين يدي ساسة محترفين، هاجسهم الطموح الشخصي أو الفئوي، تبيّن أن أكثرهم قابل للارتشاء بمنصب وزاري أو ما شابه.
وإذا ما صحّ هذا التأويل، مرّة أخرى، فربما كان حريّا بنا الكفّ عن الإسراف في الاهتمام بما يحفل به ذلك الحيّز المفتوح للحياة السياسية الإسرائيلية، والمبالغة في تقدير تبعات التداول على السلطة بين اليمين واليسار. وعلى العكس من ذلك، بات يتوجب العمل على النفاذ إلى تفكير ما أسميناه بـ«السلطة الحقيقية».
(كاتب تونسي)
17:08 Permalink | Email this


