« محنة العراق والتفكير في البدائل | HomePage | فلسطين ـ إسرائيل: بعض أسئلة اللحظة الراهنة »

21/05/2005

بوش وبوتين: محاورة من مخلفات الحرب الباردة

صالح بشير

المستقبل - الاحد 15 أيار 2005 - العدد 1918 - نوافذ - صفحة 12

لو كان جورج بوش الابن، وصحبه من المحافظين الجدد والقدامى على رأس الولايات المتحدة إبان الحرب العالمية الثانية لما كانت نهاية هذه الأخيرة في تاريخها المعلوم، ذلك الذي احتُفل بحلول ذكراه الستين قبل أيام. فقد قال الرئيس الأميركي، أثناء جولة له بهذه المناسبة في بلاد البلطيق، كلاما ينتقد فيه بشدة اتفاقية يالطا وينقضها، إذ اعتبرها خطأ من الناحية الاستراتيجية والتاريخية، وربما خطيئة من الناحية الأخلاقية. فقد تم تحويل البلدان الأوروبية الصغيرة إلى مادة للمقايضة بين القوى الكبرى، وذلك ما قد يتسم ببعض صحة، إذ في اقتسام القارة الأوروبية بين المنتصرين، ذلك الذي حدد مصائر واجترح كيانات وشطب أخرى، على منديل ورقي في أحد المطاعم، يقال بأن وينستون تشرشل اختط عليه خرائط ونسبا مئوية، سينيكيةٌ تبلغ مبلغ الفضيحة.
لكن الاستهتار ذاك، والذي ربما كان من قبيل الدعابة السوداء على الطريقة الإنكليزية، كان يعكس ميزان القوة. فالجيش السوفياتي كان يحتل ألمانيا وكامل وسط أوروبا وشرقيّها، وكان ذلك مُعطى قائما ماثلا لا سبيل إلى تغييره إلا باستئناف الحرب ضد ستالين بعد اندحار هتلر، واستبدال عدوّ بعدو، وهو ما لم يكن للقوى الغربية قبلٌ به، وقد خرجت منهكة من نزاع كلف ستين مليون قتيل، ناهيك عن الجرحى والمعوقين وأنواع الدمار المادي الأخرى، وذلك ما يُفترض في الرئيس بوش أن يعلمه، أو يُفترض، إن لم يعلمه، أن تلقنه إياه وزيرته للخارجية كونداليسا رايس، وهي المختصة في الاتحاد السوفياتي السابق، تاريخه وإمبراطوريته التليدة، تخصصا أكاديميا.
لكن الرئيس بوش إيديولوجي، وهو كإيديولوجي إرادوي، وهو كإرادوي يزدري الوقائع القائمة لا يعبأ بها وبإملاءاتها، سواء عادت تلك الوقائع إلى التاريخ أو استوت مكوّنات للحاضر. فهي عنده، كما لدى كل إيديولوجي، تُترجَم إلى تجريدات "أخلاقية": خير مقابل شر، فضيلة مقابل رذيلة، صواب مقابل مروق، أو ما كان من قبيل ذلك من مثل تلك الثنائيات، التي لا تحسمها إلا سريرة الضالعين فيها وطبيعة نواياهم، وهذه الأخيرة أو إخفاقاتها، هي التي تفسر في نظره تخاذل قائدين من طراز تشرشل وروزفلت أمام الدكتاتور الشيوعي... فكان أن قال ما قاله حول يالطا، وذلك عشية انتقاله إلى موسكو لحضور الذكرى الستين لاندحار النازية، فاستبق زيارته بإهانة مضيفيه، أو بما اعتبره هؤلاء إهانة، على ما تبدّى من غضبٍ عبّر عنه فلاديمير بوتين. فما لم يفهمه بوش، بفعل مسبقاته تلك وما تقيمه من حجُبٍ أمام ناظريه، أن روسيا يمكنها أن تقلع عن الشيوعية وأن تكف عن أن تكون سوفياتية، إلا أنها لا يسعها أن ترتد بالنقد على الدور الذي كان لها في الحرب العالمية الثانية، ولا على ما نجم عنه من مكاسب إمبراطورية. ليس فقط لأن الدور ذاك من الأمجاد التي لا يُتخلّى عنها، وليس فقط لأن المكاسب تلك تبدو للروس مستحقة، بل لأن الحرب تلك كانت بالنسبة إلى روسيا أكثر من حرب إيديولوجية، بل كانت "الحرب الوطنية الكبرى"، كما كان يسميها السوفيات قبل سواهم، خاضها "الجيش الأحمر الشعبي"، الذي كان في تلك المواجهة، كما لم يكن ربما طيلة سبعين سنة من الحكم الشيوعي، شعبيا أكثر منه أحمر، واستُنهضت خلالها القومية الروسية، بصفتها تلك وبمكوناتها الأصلية والأساسية، على ما يدل الدور الذي اضطلعت به الكنيسة الأرثوذكسية، أو مُكِّنت من الاضطلاع به بتشجيع من سلطة كانت آنذاك تتخذ من الإلحاد عقيدة رسمية.
ولكن هناك ما هو أخطر وأهم، أقله في نظر القادة الروس وهم من الشيوعيين السابقين، وهو أن الرئيس بوش، إذ قارن بين يالطا وميونيخ، وإذ ماثل وساوى بين تخاذل تشرشل وروزفلت أمام ستالين بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وتخاذل قادة الديمقراطيات الغربية، وفي مقدمتهم رئيس حكومة بريطانيا ساعتئذ تشمبرلين، أمام هتلر قبل الحرب إياها، إنما قال كلاما يهدد بإلغاء كل تمايز أخلاقي بين الشيوعية والنازية أو قد يفضي إلى ذلك الإلغاء. لقد أُخذ على الأنظمة الشيوعية استبدادها، واضطهادها لفئات إثنية أو اجتماعية بلغ مبلغ السلوك الإبادي في أحيان كثيرة، ورُميت بمعاداة السامية، لكن الرغبة في إحلال النازية منزلة الشر المطلق والفريد والذي لا يُضاهى، إضافة إلى الدور الحاسم الذي كان للاتحاد السوفياتي في دحرها، قد أديا دوما، أو أقله حتى الآن، إلى التمييز بين التجربتين التوليتاريتين، على صعيد الفداحة الأخلاقية، إن لم يكن على أصعدة أخرى. لم يقل بغير ذلك إلا نفر من المثقفين، على رأسهم المؤرخ الألماني إرنست نولته، الذي صرف جهدا كبيرا في استخلاص عناصر التماثل الجوهري بين التوتاليتاريتين، واعتُبرت أعماله في إبانها ضربا من إعادة الاعتبار إلى النازية أو سعيا إلى إدراجها في العاديّة وإنكار استثنائيتها. كما فعل ذلك سواه من أمثال أولئك المثقفين (من بينهم رئيس جمهورية تشيخيا السابق فاتسلاف هافيل) الذين نشروا مؤخرا رسالة احتجاج على تنظيم احتفالات الذكرى الستين لنهاية الحرب العالمية في موسكو، في ضيافة نظام كذلك الروسي، لا يدين بالديمقراطية ولا يزال سادرا في الاستبداد. لا جديد إذن في مثل هذا الكلام، سوى أن وروده على لسان الرئيس بوش، قد يعني مراجعة تاريخية رسمية، قد تكون لها تبعاتها الملموسة، خصوصا وأن الحرب الباردة لم تعلن نهايتها حتى الآن على نحو رسمي. وذلك ما قد يفسر استياء بوتين وحنقه من تصريحات بوش، تلك التي رد عليها مذكرا "نحن الذين هزمنا هتلر".
خصوصا وأن في كلام الرئيس الأميركي ما قد يفيد بأنه لا يعتبر الحرب الباردة منتهية. صحيح أن الحرب تلك وضعت أوزارها كمواجهة إيديولوجية، وكنصاب استراتيجي كان قائما هو ذلك الذي كان يُعرف بـ "الاستقطاب الثنائي"، ولكن تصفية الإمبراطورية الروسية لم تُستكمل. ومن هنا تكتسب تصريحات الرئيس الأميركي حول يالطا، وقد أدلى بها في أحد بلدان البلطيق، كان جزءا من الاتحاد السوفياتي ولم يكن فقط واقعا تحت نفوذه، دلالة أخرى راهنة لا تتعلق فقط بالتاريخ، وذلك على أية حال ما يبدو أن بوتين قد فهمه. فانتقاد بوش لقادة يالطا الذين ساوموا الاستبداد على حساب "حرية الشعوب الصغيرة"، إنما هو تعبير عن الامتناع عن توخي ذلك السلوك حيال جمهوريات مثل جورجيا وأبخازيا وما إليهما، ومتابعة ما تم تحقيقه في أوكرانيا ونسجا على منواله، بتشجيع وبتمويل أميركيين.
ولكن المشكلة أن سياسة كتلك، بقطع النظر عن نبل مقاصدها الديمقراطية المفترضة، تخاطر بإثارة التوتر مع بلد ما عاد العملاق الثاني، ولكنه لا يزال ثاني أكبر قوة نووية في العالم، وفي منطقة بالغة الحساسية ذات امتدادات استراتيجية متعددة... ولعل ذلك ما يفسر تحفظ أوروبا على تلك السياسة، خصوصا ألمانيا وفرنسا، اللتان لا تقلان بالتأكيد حرصا على نشر الديمقراطية، ولكنهما ربما كانتا أكثر تقديرا للعواقب.

17:06 Permalink | Email this