« لبنان بعد الإنسحاب السوري | HomePage | محنة العراق والتفكير في البدائل »
14/05/2005
ايطاليا أو الحليف الذي لا يزن شيئاً
المستقبل - الاحد 8 أيار 2005 - العدد 1911 - نوافذ - صفحة 12
صالح بشير
"سوري" (آسفة) قالت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليسا رايس لنظيرها الإيطالي جيانفرانكو فيني. قالتها بطريقة حازمة جازمة كأنها تنهر مخاطبها، وكما يمكن للألفاظ الإنكليزية، بمقاطعها القصيرة والحادة، أن توحي في أحيان كثيرة، أو ذلك ما فهمه النظير الإيطالي عندما بادر إلى التذكير بما لا يستحق تذكيرا ولا يتطلبه، من أن العلاقات بين البلدين أمتن وأرسخ من أن ينال منها حادث عابر، أو ما شابه هذا الكلام وكان من قبيله.
ذلك أن وزيرة الخارجية الأميركية لم تقل "سوري" اعتذاراً عن مقتل ضابط المخابرات الإيطالي كاليباري قبل أشهر، على أيدي مفرزة من القوات الأميركية، على الطريق إلى مطار بغداد، عندما كان يرافق الصحفية جوليانا سغرينا، بعد تخليصها من مجموعة إرهابية أو إجرامية كانت اختطفتها وارتهنتها، بل في معرض رفضها القاطع للرواية الإيطالية لما حدث في ذلك اليوم، والتزامها، القاطع أيضا، بالرواية الأميركية، وهذه تبرئ الجنود الأميركان أولئك، وتعتبر فعلة القتل ناجمة عن سوء فهم وقصور في التنسيق يتحمل الجانب الإيطالي وزرهما والمسؤولية عنهما وانتهى النقاش!.
وهكذا، ضنّت الحكومة الأميركية على "الحليف" الإيطالي باعتراف بالمسؤولية، وإن جزئيا، ما كان يمكنه إلا أن يكون رمزيا وما كان له أن يفسد للودّ قضية على أية حال، وكان رئيس مجلس الوزراء سيلفيو برلسكوني في أمسّ الحاجة إليه، وهو الفخور بالعلاقة الخاصة التي تربطه بـ"صديقه" جورج بوش، ويردد بأن قراره إرسال قوات إلى العراق كان قراراً صائباً، مكّن إيطاليا من منزلة على الصعيد الدولي كانت تعوزها، ويواجه اعتراض فئات واسعة من الرأي العام بسبب "المشاركة" في حرب العراق، حيث شهدت إيطاليا بعض أضخم التظاهرات ضد تلك الحرب، في حين ما انفكت الأصوات ترتفع مطالبة، بإلحاح متزايد يستقوي بهزيمة اليمين الحاكم في الانتخابات الأخيرة على مستوى الأقاليم، بسحب القوات الإيطالية، تلك المرابطة في الناصرية، والتي لا تكاد تشارك في قتال، وتقتصر وظيفتها على "الشهادة" للسياسة الأميركية.
لكن الولايات المتحدة لا تعبأ بكل تلك الاعتبارات المحلّية، وبشواغل حاكم بلد حليف يدور في فلكها ولا يسعه إلا أن يكون حليفاً وإلا أن يدور في فلكها. فإيطاليا، في نظر الولايات المتحدة، ليست فرنسا ولا ألمانيا، سواء حكمها برلسكوني أو سواه. فالمسألة ليست مسألة يمين أو يسار (فرنسا يحكمها اليمين وألمانيا يحكمها اليسار)، بل تتوقف على القوة الذاتية وعلى استشعارها وعلى النظرة إلى الذات وعلى هاجس السيادة، تلك التي تستند في فرنسا إلى نفَسٍ "ديغولي" لا تحتكره فئة سياسية دون سواها، وتلك التي تعمل ألمانيا على استعادتها بعد أن أنجزت وحدتها وخرجت من الحرب الباردة في صف المنتصرين ورممت نفوذها في أوروبا الوسطى والشرقية. أما إيطاليا فليس لها وزن سياسي يوازي ثقلها السكاني والاقتصادي وموقعها الاستراتيجي. كان ذلك شأنها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية على الأقل، وسيظل كذلك على الأرجح إلى أمد غير معلوم. ما قد يجعلها موضوعا شيقا للدراسة والبحث حول "كيف تخفق في أن تكون قوة مع امتلاكك لمقوماتها؟"... وهو، كما نرى، سؤال يعنينا إلى أبعد الحدود.
في ما عدا ذلك، لا تفيدنا حادثة مقتل ضابط المخابرات الإيطالي وسلوك الولايات المتحدة في صددها بما لا نعلمه أصلاً، من أن واشنطن تضع نفسها فوق كل محاسبة وفوق كل قانون، على ما تبدى مراراً وفي أكثر من مجال، سواء من خلال امتناعها عن تمكين المحكمة الدولية من النظر في ما قد تقترفه قواتها من انتهاكات أو جرائم حرب أو في حق الإنسانية، أثناء مهامها العسكرية في الخارج، حرصا على توفير "التغطية" لتلك القوات مهما فعلت، أو من خلال تحللها من القوانين والأعراف الدولية في ملاحقة أعدائها، على ما دلت فضيحة معتقل "غوانتانامو". غير أن الحادثة المذكورة تكشف مع ذلك عن نظرة الولايات المتحدة إلى حلفائها.
صحيح أنه كان معلوماً أن الحلفاء أولئك مراتب، وأن إيطاليا أو بولنده أو سواهما من البلدان التي جندتها الولايات المتحدة إلى جانبها في مغامرتها العراقية، لا يمكنها أن تبلغ، في نظر واشنطن، مصافا ومنزلة كذينك اللذين تحظى بهما إسرائيل أو بريطانيا، ولكن ما لم يكن متوقعاً هو أن يكون الحلفاء أولئك عديمي الحقوق إلى هذه الدرجة، وأن أحدهم قد لا يزن شيئاً في ميزان المفاضلة بينه وبين التغطية على أفعال مفرزة صغيرة من الجنود الأميركيين، ولا يمكنه أن يطمح إلى مراعاة أو إلى معاملة خاصة، قد يتوهم أن موقعه كحليف يجعله جديراً بها أو يجعلها حقا من حقوقه.
لعل ذلك بعض ما تعنيه نظرية "الحلفاء الاختياريين"، كما صاغتها الولايات المتحدة وطبقتها خلال الحرب العراقية. فالتحالفات تلك، إذ تنعقد حول الولايات المتحدة موضعيّاً، وفق ما تتطلبه هذه المهمة العسكرية أو تلك، لا تستند إلى ثبات، ولا تقوم على تعهدات مُلزمة، تحفظ حقوق ومصالح أطرافها الأضعف، بل لا يتحكم فيها سوى ميزان القوة، بمعناه السافر والخام، إذ يتكون أولئك الحلفاء "الاختياريون" من أكثر الدول استجابة للضغوط الأميركية (وإن اتخذت تلك الضغوط هيئة الرشوة والترغيب) بشأن قضية محددة أو مهمة معيّنة، وذلك ما قد يجعل القوة العظمى الوحيدة في العالم غير ملزمة حيالها بشيء أو غير ملزمة حيالها إلا بالقليل.
ذلك أنه ليس للولايات المتحدة من حلفاء، عدا إسرائيل وبريطانيا، فتلك الفكرة غريبة تماما عن الإمبراطورية الكونية، لأنها تقوم على الإقرار، قبل القوة العسكرية وفي أساسها، بمساواة، وإن شكلية، بين الدول ككيانات حقوقية أو "كشخصيات اعتبارية"، أي على التسليم بمنطق القانون الدولي، كما أرساه العصر الحديث، وهو المنطق الذي تسعى الولايات المتحدة إلى نسفه وإلى تجاوزه، إن من خلال انتهاكه والاستهتار به كما حصل في الحرب العراقية، وإن من خلال مناصبة الأمم المتحدة، وسواها من هيئات ومنظمات الاجتماع الدولي، عداء مستحكماً قوامه جهد دؤوب على تهميشها وإبطال دورها، في انتظار الإجهاز عليها.
وضابط المخابرات الإيطالي الذي قتله الجنود الأميركان على طريق مطار بغداد، والذي لم تحمه صفته كـ"حليف" حيّاً، كما لم تحمِ ذكراه ميتا، لم يكن غير ضحية نافلة من بلد نافل، في تلك المعركة الإمبراطورية الكونية الأبعاد.
12:35 Permalink | Email this


