07/05/2005
لبنان بعد الإنسحاب السوري
صالح بشير الحياة 2005/05/1
لم يكد أحد من الأشقاء يشاطر اللبنانيين، أو كثرتهــم، فرحــهم بانسحاب القوات السورية، جيشا واستخــبارات. إذ أن انعتاق بلــد عربـي من بلد عربي آخر لا يــزال يُعــتبـر نكسة للعروبة، ومـن ينـال استقلاله مــن «شقــيقــه» تحـــوم حوله الريبة والشبهات، إن لم يكن صريح الاتهامات. وفي هذا الصدد، يعيش اللبنانيون اليوم ما سبق للكويتيين أن كابدوه، على نحو أشد وطأة وأكثر دراماتيكية، في بدايات العقد الأخير من القرن العشرين.
قد تكون هـــذه المقارنـــة مجــحفة، وهــي فـــعلا كــذلك في بعـــض أوجـــهٍ منـــها أساسية. فحال لبنان غير حال الكويت، والمحتل العـــــراقي غــــير «المحتل» الســوري، وذريعـــة هذا غــــير ذريعـــــة ذاك. بل أن صدام حسين، وهو من هو فجاجة وفظاظة، كان في غنى عن الذرائع، من ذلك الصنف الذي يتصنع الإيثار ويلبس لبوس الغيرية. «قـــرأ» مــيزان القوة على طريقته، أي خطأً وبتهور، فقرر غزو جارته الجنوبية الصغيرة. أما التدخل السوري في لبنان، فلم تعوزه الشرعية، بل انه جنّد شرعيات كثيرة أولاها، وهي وجيهة، أو لنقل مفهومة، على أنانيتها، هي تلك التي مفادها أنه لا يمكن لدولة أن تتسامح مع فوضى مستديمة تستشري عند حدودها وتهددها. يصح ذلك من حيث المبدأ والعموم، ويصح بشكل خاص في وضع كذلك الشرق أوسطي، هش مضطرب سريع الالتهاب. كما استند التدخل ذاك إلى رغبة فئة من اللبنانيين (ثم تنقلت تلك الرغبة تباعا بين فئات البلد وطوائفه فمدّته ببعض أسباب الاستمرار) وإلى «تغطية» عربية، وإلى مباركة دولية، ضمنية أو معلنة، بل إلى رضا من إسرائيل، تلك التي فضلت وقوع لبنان تحت سيطرة دولة معادية لكنها مسؤولة عن بقائه مرتعا لمنظمات لا يضبطها ضابط. والاعتبارات تلك، أو معظمها، مُحترمة لا تشين، ومكتفية بذاتها دونما حاجة إلى الاستنجاد بالدور القومي وإلى استحضار (على منوال استحضار الأرواح) «الرسالة القومية». لكنها الذهنية العربية، تأبى القناعة بالوقائع، مهما كانت وجاهتها، ولا ترتضي إلا بما هو صادر عن ملكوت الإيديولوجيا ولدنها المتعالي.
غير أن الأمر لا يتوقف عند ذلك، بل يتعداه إلى ما هو أعمـــــق، إلى اعتقــــاد مــكيــــن بلا شرعية الكيانات الصغرى، بأن هذه الأخيرة تحتاج دوماً إلى «وصي قومي»، لأنها إن تُركت لشأنها تخون لا محالة وتمرق، وهي التي يمثل وجودها، في ذاته، شواذا وخُلْفا وفضيحة قيــاساً إلى أصل، وإن كان الأصـــــل ذاك نـــــظريا أو متوهّماً. وهكذا، يكــتب أحدهم أن انسحاب القوات السورية لا يعني «انسحاب العروبة» من لبنان (!)، لكن نفيه ذاك يوحي بأنه يرى العكس، أو يتوجسّه جديا. أي أنه نـــفي من قبيل أفعال الـــــرقية أو دفع الـــفأل الســـيء. هـــــناك توق إمبراطوري جارف، لاعقلاني، أعمى، يبلـــــغ من عمــاه أن يتوسم النهوض بذلك الحلم الإمبراطوري في من لا طاقة له عليه ومن ليس له مؤهّلا، حتى وإن كان صدام حسين.
هكذا، ووفق المنطق هذا، يجري التركيز في ما خصّ لبنان، على التدخلات والضغوط الخارجية، من الــــولايات المتــحدة وفرنسا والاتحاد الأوروبي والأمــــم المــتحدة. فإذا المطـــالبون بـــالاســتقــــلال، جــــموعاً غــصّت بها الفضاءات العــــامة مــــــنذ جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري أو أحزاباً وفئات تكوينية في نصاب ذلك البلد، أداة في يد الأجنبي و«مؤامراته الدنيئة»، في حين أن من استجاب لتلك الضغوط والتدخلات، وأدبر بتلك السرعة القياسية، وتقيد بكل الشروط التي أملتها الإرادة الدولية أو إرادة القوّة المنفردة بالسطوة على الصعيد الكوني، براء من كل تخاذل. أما كون مطلب الاستقلال اللبناني رغبة داخلية، قوية لا يرقى الشك إلى قوتها، استقوت برافد خارجي، في حين أن القوة المنسحبة لم تفعل سوى الامتثال لذلك التدخل الخارجي حصرا وبالضد من رغبتها، فذلك تفصيل لا يستحق التوقف عنده.
هناك ضرب من «الصواب السياسي» الساري في مناطقنا، يبدو حياله ذلك المعمول بـــه، أو الذي كـان معمولا به في الولايات المتحدة فولكلوريّاً ساذجا، هو ذلك الذي يفترض حصانة «الكيانات الكبرى» من كل نقـــد في علاقتـها بـ«الكيانات الصغرى». قد يعود ذلك، في بعض منه، إلى اعتقاد مفاده أن هذه الأخيرة، ناهيك عن انعـدام شرعيتها أصلا وبسببه، أقل مناعة. وهو اعتقاد يظل مكينا راسخا، حتى وإن دحضته ألف واقعة وواقعة، من سرعة الامتثال انسحابا من لبنان، على نحو ما سبقت الإشارة، إلى ما أبداه نظام صدام حسين من «مناعة» في درء الأخطار عن العراق، على ما تشهد حال بلاد الرافدين منذ سنتين.
وبما أن الكيان الصغير مشبوه دوما، فإن أحدا لا يأخذ على محمل الجد، على سبيل المثال، ما يردده عدد من الساسة اللبنانيين من أن بلدهم «سيكون آخر بلد عربي يوقّع اتفاقية سلام مع إسرائيل». لا أحد يمحض هذا الكلام احتمال الصحة، ويُرتاب في أنه إنما يقال من باب الطمأنة، أو دفع التهمة أو المكابرة الفارغة. هذا مع العلم أن دول الطوق إما موقّع لمثل ذلك الاتفاق أو توّاق إلى توقيعه، في حين أن الكثيرين ممن بعدت بهم المسافة عن «ساحة الوغى القومي» متلهّف إلى «التطبيع» مع شارون (إذ ليس التطبيع في حد ذاته هو المشكلة كرافد من روافد التوصل إلى حل مقبول للقضية الفلسطينية).
لكن ماذا لو كان ذلك الاحتمال، احتمال أن يكون لبنان آخر من يوقع مع إسرائيل، جدّيا؟ ليس لعامل القوة والقدرة على «الصمود في وجه الضغوط»، ففي انعدام هذه وتلك يتساوى لبنان مع سائر دول المنطقة وكياناتها «الكبرى» و«الصغرى»، بل لأنه ليس من بلد في تلك المنطقة يمكن للتسوية، خصوصا كتلك المتاحة في هذا العهد الشاروني، أن تؤثر في توازناته التكوينية وفي تركيبته الداخلية أكثر من لبنان، ما لم تُحلّ مشــــكلة اللاجــــــئين، أي ما لم تُحسم مسألة التوطين. لذلك، قد لا يسمح لبنان لنفسه بما أقدم عليه الأردن، بالرغم من أغلبيته السكانية الفلسطينية، بل وبما قد يرتضيه المفاوض الفلسطيني، إن رأى التخلي عن حق العودة أو أُجبر على ذلك.
إنها «ممانعة» أو احتمال «ممانعة» موضوعية... لذلك يذهل عنها أو يستهجنها من لا يعتدّون ولا يحفلون إلا بـ«الممانعة» الإيديولوجية، وما يحف بها من «ثوابت» وما إليها... وما يترتب عليها من نتائج معلومة.
(كاتب تونسي)
18:40 Permalink | Comments (0) | Email this



The comments are closed.