« 2005-03 | HomePage | 2005-05 »
30/04/2005
البابا بينيديكتوس الساعي لجلب الحداثة الى كنف المسيحية
المستقبل - الاحد 24 نيسان 2005 - العدد 1900 - نوافذ - صفحة 10
صالح بشير
تعلّم الناس المعاصرون من حبرية البابا يوحنا بولس الثاني أمرا أساسيا: أن انتخاب رأس الكنيسة الكاثوليكية، مثله في ذلك مثل كل حدث ديني في زمننا هذا ربما، ليس بالأمر الذي يستهان به، والذي ركنته المجتمعات المُعلمنة الحديثة في خانة الفولكلور السياحي، فلا يكاد يعني سوى الجموع التي تحتشد في ساحة القديس بطرس، تنتظر الدخان الأسود أو الأبيض ينبعث من سطح كنيسة "السكستين"، مأخوذةً بالإصرار على تلك الوسيلة الإعلامية 7-7-البدائية7-7- في عصر الاتصالات الرّقمية، أو هو لا يهم إلا ما تبقى من جيوبٍ ما قبل حداثيّة، رواسب مبثوثة هنا أو هناك وآيلة إلى الزوال لا محالة.
البابا الراحل، من خلال حبريته المديدة (الثالثة طولا في تاريخ الكنيسة)، كان قد دحض تلك الفكرة، وبيّن أنها ليست أكثر من إفراط في الثقة بالنفس من قِبل حداثةٍ توهّمت أنها اجترحت الإنسان ما بعد الديني، أقله وفق المقاييس التقليدية للتدين. إذ برهن يوحنا بولس الثاني، كما برهن سواه في فضاءات ثقافية أخرى، على أن التدين ذاك لا يزال راهنا، فاعلا في التاريخ كما يشهد دوره في دكّ الإمبراطورية الشيوعية، وكما تشهد قدرته على مخاطبة الشباب. كان قد "نجح" في إدراج الكاثوليكية في الشأن العام المعاصر، أو ذلك ما نُسب إليه، مع أن الأمر أكثر التباسا وتعقيدا على الأرجح، إذ أن كاريزما البابا الراحل وشخصيته الأخاذة ما كان يمكنهما أن تكونا نافذتيْن على نحو ما كانتا عليه لولا مصادفتهما تحولات كانت تعتمل في الأعماق، ولا تنحصر في العالم الغربي دون سواه.
لذلك تابع العالم وقائع انتخاب البابا الجديد باهتمام يكاد يضاهي ذلك الذي تحظى به الانتخابات الأميركية. فذلك الاقتراع السري والملغز، الجاري وفق طقوس عتيقة تكاد تلابس الأزل، ضربا من ممارسة "ديمقراطية" تقتصر على صفوة الصفوة من الكرادلة، بعيدا عن أعين جموع المؤمنين، إنما يعكس ميزان قوة روحي، يُترجَم فورا إلى ميزان قوة مادي، وسرعان ما يتجاوز مفعوله حدود دولة الفاتيكان الضئيلة، ليمتدّ إلى العالم وليؤثر في نصابه.
وفي هذا الصدد، يمثل انتخاب الكاردينال الألماني يوسف راتزينغر، تحت اسم بينيديكتوس السادس عشر، خلفا ليوحنا بولس الثاني، امتدادا أكيدا للوجهة التي افتتحها هذا الأخير، والتي اتضح بأنها أضحت غالبة داخل الكنيسة، لا ترتبط فقط بشخص البابا الراحل. من الأدلة على ذلك، سرعة العملية الانتخابية وسرعة حسمها، التي تعني أن الاتفاق على البابا الجديد لم يكن عسير المنال، والتي كذّبت تاليا ما كانت تداولته وسائل الإعلام عن وجود تيارات متباينة متناحرة (وإن على نحو غير حادّ وغير مفتوح بطبيعة الحال). وهذا الانطباع الذي عززته تصريحات الكاردينال الإيطالي مارتيني، الذي كان أحد المرشحين، والذي طالب علنا بكنيسة مفتوحة على العالم وغير مركزية، وكما أقوال الكاردينال راتزينغر، الذي أدلى، قبيل الاقتراع، بمداخلة كانت عبارة عن مرافعة عنيفة ضد "النسبية الثقافية"، تلك التي تساوي بين المعتقدات والحقائق، ما كان منها من وضع الإنسان أو ما كان منها وحيا إلهيا، يُقبل عليها الفرد انتقائيا، لا معيار له في ذلك سوى ذاته ورغباته.
صحيح أن للبابا الجديد سمعة تشددٍ ومحافظة، تبلغ في نظر البعض مبلغ التزمت، تعود إلى المنصب الذي تولاه كـ "حارس للعقيدة" كما لُقّب، على رأس الهيئة التي ورثت محاكم التفتيش. وصحيح أنه كان، في موقعه ذاك، بالغ اليقظة حيال كل عدوى حداثية يتوجس أنها قد تصيب المعتقدات والقيم الكاثوليكية التقليدية، وأنه هو الذي كان رأس الحربة في مواجهة "لاهوت التحرير" في أميركا اللاتينية، إلى ما يتلو ذلك من مواقف كثيرةٍ له معلومة، ولكنه لم يكن في كل ذلك يتزعم تيارا مستقلا قائم الذات، بل أنه كان يعمل تحت إشراف البابا الراحل وبتوجيه منه وبمباركة من لدنه. فيوحنا بولس الثاني هو الذي استقدم الكاردينال الألماني كي يتولى تلك الوظيفة، وهو الذي أثناه عن الاستقالة كل ما ساورته الرغبة في ذلك للانصراف إلى البحث والتدريس، وكانت تربطه به علاقة وثيقة، حتى قيل بأن راتزينغر هو الذي اضطلع بالقيادة الفعلية للكنيسة خلال السنوات الأخيرة من حياة البابا الراحل.
لذلك فإن محافظة البابا الجديد، على تلك الأصعدة الأخلاقية والقيمية، هي من محافظة سلفه وستكون استئنافا لها. وفي أول كلام علني قاله بينيدكتوس السادس عشر، بدا كمن يستعيد "برنامج" سلفه بحذافيره ودون أن يغير منه شيئا، بما في ذلك ما يتعلق بالحوار مع الديانات الأخرى، وهو ما كان يُخشى أن يؤدي انتخاب الكاردينال الألماني، الموصوف بـ "الأصولية"، على رأس الكنيسة الكاثوليكية إلى قطعه وإلى إجهاضه. ذلك أن البابا الجديد، مثله في ذلك مثل سابقه، قد لا يرى أن مشكلة الكاثوليكية في طورها الراهن هي مع الديانات المغايرة ومع الاتجاهات الروحية الأخرى، خصوصا السماوية منها. وقد سبق له، مثلا، أن اعتبر أن "الإسلام يمثل تحديا إيجابيا" للكاثوليكية، وهو ما أوضحه، في موضع آخر، في معرض تفسيره لـ"الصحوة الإسلامية"، مشيرا إلى أنها "تتغذى من الوعي بأن الإسلام قادر على توفير قاعدة روحية صالحة لحياة الشعوب، وهي القاعدة التي يبدو أن أوروبا القديمة قد أضاعتها"... الرأي هذا رأي رجل لاهوت كاثوليكي، "أصولي" إن شئنا، قد يكون أكثر انشغالا بعقيدته منه بفهم واستكناه "الصحوة الإسلامية"، لكنه يبدو في كلامه هذا كمن يغبط لا كمن ينتقد ويناصب العداء، ضرورة وفورا.
أما ما هو أكثر إلحاحا في نظر هذا البابا الجديد كما في نظر سلفه، أما ما يمثل لهما ما يمكننا تسميته بـ"التحدي السلبي"، فهي الحداثة وقيمها: فرديتها النافية للمجموعة، متعويتها المغرقة في الآنيّة، علومها التي لا تسترشد بقيمة سامية، تنكرها لكل حقيقة متعالية، نبذها التساؤل حول المآلات الكبرى والقصوى للحياة البشرية، وتفاصيل كل ذلك "الشنيعة" في حياة الناس، من زواج المثليين إلى المطالبة بسيامة النساء إلى ما إلى ذلك الكثير.
هل يسعى البابا الجديد إلى ملاءمة الدين مع الحداثة؟ الأرجح أن طموحه، مثل طموح سلفه، أكبر من ذلك، ويتمثل في جعل الدين هو المتحكم في دفة الحداثة، يوجهها ويستوعبها، ويسبغ عليها المعنى الذي أخفقت في إسباغه على نفسها... بل أن البابا الجديد يتوسم في الدين قدرة لا حدود لها على ذلك. فهذا "الأصولي" متفائل، مع ما قد ينطوي عليه الجمع بين الصفتين من مفارقة!
22:00 Permalink | Comments (0) | Email this
... عن الحرب والحوار بين الولايات المتحدة و«الإسلاميين المعتدلين»
صالح بشير الحياة 2005/04/24
قد يكون قرار الولايات المتحدة محاورة الحركات الإسلامية، أحد تطبيقات التعهد الذي أطلقه جورج بوش الابن، على لسان وزيرته للخارجية كوندوليسا رايس لدى تنصيبها، من أن الولاية الثانية هذه ستكون ديبلوماسية، بقدر ما كانت الأولى حربية وانفرادية. فواشنطن، بعد أن برهنت للعالم، من خلال حربها في العراق بالخصوص، أنها ليست بحاجة إليه ولا إلى مصادقته على ما تفعل، باسمه أحيانا، باتت ميالة إلى التشاور وإلى التفاوض، مع دول ذلك العالم وتياراته المناهضة، وإن كان سلوك الإدارة الأميركية خلال فترة بوش الأولى قد حدد لذلك المسلك التفاوضي والتشاوري «سقفاً» ومدى أقصى، مُدللا على سهولة نبذه والتنكر له.
قد يكون... لكن في الأمر ذاك أيضا ما يشبه الإقرار من قبل الولايات المتحدة (والغرب عموما، إن كان مثل هذا التعميم لا يزال سارياً)، بإخفاقيْن: أولهما فشل التغيير من الخارج، أو عسره الشديد إن لم يكن تعذره. وذلك ما مثلت الحرب العراقية مثاله الأقصى، إذ يصعُب تصور أن يتطلب كل تغييرٍ تدخلاً عسكريا بحجم وبكلفة ذلك الذي شهدته بلاد الرافدين، أو حتى بحجم وبكلفة أدنى. كما أن الحرب تلك برهنت، من ناحية أخرى، على حدود ما يمكن أن تبلغه مثل تلك الاستراتيجية من نتائج. فإذا كانت الولايات المتحدة لم تفلح حتى الآن في إرساء النظام الديموقراطي المنشود (هذا طبعا إن سلمنا بالذرائع المُعلنة) في بلد تحتله وتسيطر عليه على نحو مباشر منذ سنتين، فكيف يمكنها انتقاد تعثر تلك العملية وتباطؤها حيث ينعدم السعي الجدي نحو الديموقراطية، بل حيث ينعدم الديموقراطيون.
أما الفشل الثاني، وهو لصيق بالأول ملازم له، فيتعلق بالرهان على الديموقراطيين ومن إليهم من العلمانيين المحليين، أولئك الذين دلت التجربة على أن حظوتهم لدى رأيهم العام وبني جلدتهم إنما تتضاءل طردا مع تزايدها لدى العالم الخارجي ووسائل إعلامه ومجتمعه المدني ومُنظمي ندواته التي لا تُحصى حول «نشر الديموقراطية في العالم العربي والإسلامي» أو «الديموقراطية والإسلام» وما إلى ذلك من مثل تلك الموضوعات التي أضحت، لفرط تكرارها، تقليدية بل مبتذلة. وهكذا ربما كان سعد الدين إبراهيم، على سبيل المثال لا الحصر، بطلا من أبطال الحرية والديموقراطية في نظر ذلك العالم الخارجي، لكنه حتما ليس كذلك لدى جموع المصريين وليس فقط سلطات بلاده التي حاكمته وسجنته. ليس في القول بذلك حكم نصدره ضد الرجل، ومن كانوا من طينته من النخب العربية، أو لصالحه ولصالحهم، بل هو مجرد توصيف لواقع الحال، يكاد يكون، في بعض أوجهه، من باب النقد الذاتي.
يعود ذلك إلى عوامل ثقافية معلومة، من طبيعة بُنيوية، هي التي حالت دون نفاذ أفكار الحداثة والحرية إلى مجتمعاتنا، وليس هذا مجال الخوض فيها. لكنه يعود كذلك إلى قصور أميركي يكاد، لفرط الإقامة عليه، يكون متعمدا، هو المتمثل في البحث بين تلك النخب التحديثية عن أتباع لا عن حلفاء. بعض تلك النخب، طامعاً أو متطوعاً مقتنعاً، لعب تلك اللعبة، واضطلع بمهمة الترويج للسياسة الأميركية، يبارك كل خطواتها، وذلك ما قد يفهمه المرء من عراقيين كابدوا تحت نظامهم السابق معاناة أخفقت بقية العرب في إدراك هولها. لكنه لا يُفهم من سواهم لأنه، لمن يُفترض فيه الحرص على الأفكار التي يدعو إليها ويرفع رايتها، ينسف كل مصداقية، بل هو فعل انتحار. ذلك أنه لا يمكن للمرء أن يكون ديموقراطيا في منطقتنا، إلا بانتقاد سياسة الولايات المتحدة حيال هذه الأخيرة، ليس بدافع تكتيكي، أي سعياً إلى تملق الجموع وكراهيتها للولايات المتحدة التي تكاد تبلغ مبلغ الغريزة أو الطبيعة الثانية، بل على أساس مبدئي، ولأن السياسة تلك تستحق الانتقاد والاعتراض، باسم المبادئ الديموقراطية إياها وقبل سواها، سواء في ذلك حربها الجائرة، بمقاييس القانون الدولي، في العراق، أو موقفها غير المتوازن، وفق أخفّ التوصيفات، من حل القضية الفلسطينية.
بعض تلك «النخب» أخفق في فهم هذا الأمر على بداهته الظاهرة، أو بلغت به السذاجة أن تصور أن الولايات المتحدة قد تُسقط نظاما من أجل «تمكين المرأة»!... ثم تهديه السلطة فوق ذلك.
والآن تريد الولايات المتحدة محاورة الحركات الإسلامية. أمر جيد، لأن الحوار يكون مع المختلف والمُباين، لا مع من يردد في حضرة محاوره ما يتصور أن هذا الأخير يريد سماعه منه، وفق ما هو معمول به من قبل بعض من انتدبوا أنفسهم «وسيطاً» بين مجتمعاتهم والسلطة الكونية. وهو إلى ذلك يمثل إقرارا بمبدأ الواقع. والواقع ذلك قد لا يروق لكنه كذلك، أي أن من مكوناته الحاسمة في الكثير من الحالات والبلدان، حركات إسلامية مؤثرة فاعلة. كما أنه يمثل بداية تمييز، طالما تمناه ودعا إليه البعض، بين حركات يمكن النفاذ إليها بواسطة السياسة، وأخرى، إرهابية كُنهاً وطبيعةً، لا تترك من مجال غير المواجهة الأمنية أو العسكرية.
بطبيعة الحال، عرض الحوار هذا لا يعني المصالحة، وهو لن يفضي بالحركات الإسلامية إلى تغيير نظرتها إلى الولايات المتحدة، ولا بهذه الأخيرة إلى التحالف مع الحركات الإسلامية، وإن لم يكن ذلك بالأمر المستبعد، عيْنيّاً وموضعياً، كما يدل التنوع الشيعي مثلاً: بين التلاقي حول عدد من الأهداف الأساسية مع الولايات المتحدة في العراق، وبين مناصبتها أشد العداء في لبنان.
بل ان عرض الحوار ذاك قد يكون علامة على استدامة العداء. وربما بدا القول بذلك من باب المفارقة، لكنْ وحده العداء «الوجيز»، إن صح هذا التوصيف، قد يخاض بالوسائل العسكرية وحدها وقد يُحسم سريعاً. أما ذلك المرشح للاستمرار، والذي يُنتظر منه أن يستوي أساساً لنصاب مستديم، وإن إلى أمد، وهو الدور الذي يبدو أن واشنطن انتدبت الإسلاميين له كما انتدبوها هم له، فهو لا يكتفي بالقطيعة المطلقة بين أطرافه والضالعين فيه. بل إنه، بانتظار حسم مؤجل تعريفاً، يترواح بين المواجهات الموضعية وبين سياسات الاحتواء، وبين حد أدنى من التواصل، لأن الأنصبة العدائية الطويلة المدى تتطلب حداً أدنى من تنظيم ومن وضع بعض آليات التحكم.
ثم أن العداء، خصوصاً إذا كان مكيناً، يفترض دوما ضربا من ضروب «التواطؤ» بين الأعداء، كما دلت التجربة إبان الحرب الباردة، مع اعتبار كل الفوارق، وهي هائلة طبعاً.
21:59 Permalink | Comments (0) | Email this
23/04/2005
واشنطن وتل ابيب والمرجعية الذاتية المكتفية
صالح بشير(كاتب تونسي) الحياة 2005/04/17
ربما أنجز أرييل شارون بعض أبرز مناوراته السياسية بزيارته الأخيرة إلى الولايات المتحدة: استقوى على جورج بوش بالمستوطنين واستقوى على المستوطنين بجورج بوش. شق عصا الطاعة على رئيس الدولة العظمى الوحيدة في العالم والحليف - التوأم، ورفض استجابة دعوته إلى تجميد الاستيطان، فبدا في أنظار مواطنيه، بمن فيهم أهل التطرف منهم، حريصا على مصالح الدولة العبرية، لا يتورع في سبيل ذلك عن معاندة الإمبراطور في عقر داره. كما أنه بدا في نظر الإدارة الأميركية الحصن الحصين في وجه متطرفيه «الداخليين» (هل المستوطنون داخليون؟) وسواهم، مُقرا العزم على المضي في ما أزمعه من انسحاب أحادي الجانب من قطاع غزة.
وشارون ما كان، في الحالتين، يخاطر بشيء ذي بال. فلا جورج بوش كان سيجبره على ما لا يرتضيه، بالنظر إلى ما بين الدولتين من وشائج معلومة، مكينة راسخة، خصوصا في عهد هذه الإدارة الإيديولوجية، ولا اعتراض المستوطنين، مهما بلغت بهم الهستيريا والفولكلورية، بالأمر الجدّي والذي يُعتدّ به فعلا أمام دولة كتلك الإسرائيلية تُفترض لديها القدرة على إلزام مواطنيها بقراراتها. لكن أرييل شارون يضخم ويهوّل، إذ هل يمكن لـ«تنازلات» كتلك التي سيقدم عليها أن تكون مؤلمة ودراماتيكية، وأن تُقنع بمدى إيلامها ودراماتيكيتها إن لم تضع الدولة على شفير الحرب الأهلية، على ما تخوّف شارون مؤخرا، علما بأنه في حال نشوب «نزاع أهلي» بين اليهود، يبادر به المستوطنون، فسيكون وقوده الفلسطينيون لا محالة، من خلال تكثيف الاعتداءات عليهم، ويُستبعد أن يسيل دم يهودي بيدي يهودي آخر، وربما «بشّرتنا» محاولة اقتحام المسجد الأقصى قبل أيام بنوعية «الحرب الأهلية» التي قد يُضرمها المستوطنون، اعتراضا على ما تزمعه دولتهم من انسحاب هو أقرب إلى إعادة الانتشار.
غير أن لاعتراضِ المستوطنين وظيفة ومزيّة أخرى تتمثل في إظهار شارون، الحامل التقيليدي لصفة «الصقر»، بمظهر المعتدل وتبييضه كتبييض المال الوسخ. إذ أن إسرائيل، كما هو معلوم، مرجعيتها ذاتية، لا موضوعية، في شأن التطرف أو الاعتدال. فهذان لا يُقاسان بمقاييس من قبيل الموقف من التسوية ومدى الاستعداد لأقربها إلى العدالة أو مدى احترام التشريعات والقوانين الدولية والتقيد بها مثلا، بل أن المعتدل الإسرائيلي يكتسب صفته تلك، فقط وحصرا، قياسا إلى متطرف محلّي. والملمح ذاك ثابت لا طارئ لدى إسرائيل، يكون نافرا أو أقل نفورا لدى هذا الطرف أو ذاك من أطرافها لا أكثر. فالدولة وامتدادها الترابي لم يُبررا ولا يُبرران بمعايير وضعية كتلك التي تواضعت عليها البشرية الحديثة واصطلحت وباتت سارية تحكم العلاقات بين كياناتها، حربا أم سلما، بل يسوّغها وعد إلهي، غيبي، وحصريّ فوق ذلك. وهو ما يلغي كل أساس موضوعي، أي ما يمكنه أن يكون مشتركا، للتسوية. لذلك بدت إسرائيل دوما، في عهدها الشاروني هذا كما في العهود العمّالية السابقة، حتى أثناء طفرة اتفاقات أوسلو وما أعقبها، كمن يتفاوض مع نفسه بالأساس، يهدد بإلغاء صفة «الشريك» عن الطرف المقابل، بل يلغيها...
ولعل الملمح ذاك هو وشيجة التماثل الأقوى والأوثق بين إسرائيل والولايات المتحدة. فهذه الأخيرة أيضا مرجعيتها ذاتية في ما تفعل أو لا تفعل. وتلك سمة فيها لم يستحدثها جورج بوش وإن استفحلت في عهده وبلغت الأقصى. فالاعتبارات الأميركية كانت دوما راجحة على كل قانون أو عرف دوليين، والكونغرس الأميركي لم ينتظر حلول الإدارة الحالية كي يسن قوانين يزعم سريان مفعولها على العالم، بعضه أو بأسره، أو كي يصدّ تشريعات أو بروتوكولات أقرتها الإرادة الدولية من خلال الأمم المتحدة، شأن برتوكول كيوتو حول البيئة مثلا، ذلك الذي رفضه الكونغرس إياه منذ عهد بيل كلنتون. لذلك، لم يفعل جورج بوش لدى إقدامه على غزو العراق أو ما كان من قبيل ذلك من مبادرات انفرادية أحادية اقترفها، وقد يقترف سواها في السنوات المقبلة، غير دفع ذلك المنطق، أي منطق الاحتكام إلى تلك المرجعية الذاتية حصرا أو في المقام الأول، إلى أقصاه وإلى أبعد نتائجه.
قد تكون تلك هي الأخوّة الحقيقية الرابطة بين إسرائيل والولايات المتحدة، أو على الأقل بعض أمتن عناصرها وتجلياتها، وهي التي تجعل رئيس حكومة الدولة العبرية، عندما يحلّ ضيفا على الرئيس الأميركي في واشنطن، أو صديقا حميما في مزرعته في تكساس، يُخاطب مضيفه بكلام يفهمه وبمفردات يفقهها وبمنطق يستوعبه، وذلك ما قد يعجز عنه زائر آخر، يتحدث استناداً إلى القوانين والقرارات الدولية أو إلى متطلبات العدالة والإنصاف أو إلى ما إلى ذلك من مثل تلك المبادئ الوضعية والموضوعية، والتي يفترض أن تكون، بصفتيها هاتين، موضع إجماع ومنطلقا لتبني مفردات مشتركة بين مختلف أطراف هذا العالم.
لكل ذلك، عاد شارون وقد ازادادت التسوية ابتعادا وتعذرا، هذا إن افترضنا أنها كانت يوما قريبة في عهده، في حين استفحل اضطراب الألفاظ والكلمات وتشويشها وطمس حقيقة أشيائها ومسمياتها. وهكذا يجري التمييز، أو ادعاء التمييز، بين مستوطنات «شرعية»، يمكن المحتلّ الاحتفاظ بها بل توسيعها ما عنّ له ذلك، وأخرى «عشوائية»، دون أن يجادل في الأمر ذاك أحد. كما لو أن إقامة المستوطنات واستقدام المستوطنين على أرض محتلة، ويقرّ العالم بصفتها تلك، يمكنه أن يكون شرعيا، في حين أن التمييز الأصح هو بين «مستوطنات رسمية» وأخرى أُقيمت بمبادرة أو بتنطعٍ، من قبيل إيديولوجي أو أصولي، خاصّيْن، مع أن الفارق بين النوعين منعدم من حيث «الشرعية». أما بالنسبة إلى الأولى، فإسرائيل مدعوة إلى تفكيكها وإزالتها وأما بالنسبة إلى الثانية، فهي مطالبة بضبط مرتكبيها، تماما كما لا تتورع هي عن مطالبة السلطة الفلسطينية بمواجهة «الحركات الإرهابية» وتعتبر إنجازها تلك المهمة شرط القبول بها «شريكاً» في عملية السلام.
لقد استشرى الضعف والوهن، وبلغ مبلغ التسمم الذاتي، حتى باتت بعض الترهات، كالتمييز الآنف الذكر، ملسمات، في نظر الضحايا قبل سواهم. والحال أن هناك شيئا أساسيا في كل نزاع لا يجب أن ينال منه ميزان القوة مهما انخرم واختل، وذلك الشيء هو حقيقته ومكوناته الأصلية، وتلك يجب أن تظل آخر ما يُصرُّ عليه...
10:13 Permalink | Comments (0) | Email this
دولة المغرب ساعية إلى تنظيف ذاكرتها
المستقبل - الاحد 17 نيسان 2005 - العدد 1893 - نوافذ - صفحة 11
صالح بشير
في موعد ما، لم يُصر إلى تحديده، بين الآن وحتى موفى هذه السنة، ستُقدِم الدولة المغربية على "تنظيم" (ذلك هو المصطلح كما ورد في الأنباء) حداد وطني على ضحاياها! وستفعل ذلك دون انتظار صدور التقرير النهائي لـ"هيئة الإنصاف والمصالحة"، التي بُعثت بمبادرة من الملك محمد السادس قبل سنة، ثم مُدِّد لها، بطلبٍ منها، ثمانية أشهر أخرى، لأنها لم تفرغ مما شرعت فيه ولم تستنفده، وأنّى لها أن تحيط خلال عام واحد بجورٍ وبطشٍ وانتهاك لحقوق البشر استغرق اقترافها، على نحو منهجي في بعض الحالات والأطوار، عقودا: منذ غداة استقلال البلاد في سنة 1956 إلى سنة 1999 وبدء عهد العاهل الجديد؟
لكن التحقيب هذا، خصوصا سنة النهاية، احتُفظ به على سبيل التواضع أو الاصطلاح، وهو بالتالي لا يفترض قطيعةً ولا يفتعل صرْما بين سابقٍ ولاحقٍ، ولا يزعم نسبة الفظائع إلى عهد الملك الراحل وتبرئة خلفه ونجله منها. أو أن الأمر ليس كذلك بالضرورة، مع أن بعض المنظمات الحقوقية المغربية، وقد بات ينعم بقدرٍ من حرية التعبير يُحسد عليه في بقية أرجاء المنطقة، يرتاب في ذلك ويجهر بارتيابه، على ما فعلت "الجمعية المغربية لحقوق الإنسان"، التي أخذت على "هيئة الإنصاف والمصالحة" حصرها أعمالها في تلك الحقبة الزمنية، والتي قال رئيسها "نشهد سلسلة جديدة من الانتهاكات الخطيرة منذ العمليات الانتحارية في الدار البيضاء في السادس عشر من أيار 2003.. اختطاف للمئات من الإسلاميين وحالات تعذيب ومحاكمات شكلية". ولم تتوقف الجمعية المذكورة عند إبداء الاستنكار والانتقاد بل عمدت إلى تنظيم جلسات استماع موازية لتلك التي تنظمها "هيئة الإنصاف والمصالحة".
كل ذلك من حيوية النقاش الدائر في المغرب حاليا، حول الشأن العام، علنياً وحرًّا. أما القول بأن سلطات المملكة، وأعلى مراتبها ممثلة في العرش، إنما أرادت فضح اقترافات الماضي لتتستر على انتهاكات الحاضر، فقد يكون من قبيل المبالغة أو ناجما عن سوء فهم، مع العلم أنه لا سبيل إلى تبرئة الحاضر ذاك، أقله لأن أجهزة الأمن التي درجت، طيلة عقود، على "ثقافة" قمع وتجاوزٍ بعينها، لا يمكنها الانفكاك عن رواسبها بسهولة، وهي لا تزال، في الصدد ذاك وفي أحسن حالاتها، في طور إعادة التربية والتأهيل.
بل ربما أمكن قول العكس، والذهاب إلى أن أبرز ما يلفت في جهد المحاسبة هذا وما يصنع فرادته على الصعيد العربي، إنما هو نبذه لفكرة القطيعة وتركيزه على الاستمرارية. وراء ذلك أسباب قد تكون موضوعية، أولها أن العاهل الحالي لا يريد صرم رابطة الأبوّة مع سلفه الراحل الحسن الثاني، مع أن التاريخ يوفر شواهد كثيرة على أن تأسيس السلطان لا يتورع عن قتل الأب، رمزيا أو فعليا، إن دعت الحاجة إلى ذلك. ثم إن ما جدّ خلال السنوات الأخيرة من حكم الحسن الثاني جعل من حصيلة ذلك الحكم ملتبسة، لا تنحصر في القمع وفي انتهاك الحقوق الإنسانية، رغم أن السمة تلك هي التي كانت غالبة عليه، إن بالمقياس الزمني وإن بمقياس الفداحة. فالعاهل الراحل هو الذي افتتح أبواب الديمقراطية والتداول على السلطة وإن لم يشرعها تماما، وهو الذي بادر إلى الإقرار بانتهاكات حقوق الإنسان، بعد طول إنكار، فأصدر عفوه عن سجناء الرأي وأغلق معتقل تازمامرت الرهيب (ذلك الذي باتت صفة "الرهيب" هذه جزءا من اسمه لا يُذكر إلا بها)، مقبرة الأحياء. هل عاد ذلك إلى الضغوط الخارجية أم إلى وعي العاهل الراحل بأن المغرب تغير وتنوّع وتعددت نخبه، أوساطا ومشارب، وما عادت تنحصر في تلك المرتبطة بمؤسسة "المخزن" التقليدية، وأن البلد ما عاد يمكنه أن يُساس كما سيس من قبل؟ قد يكون. وذلك، على أية حال، جدل قد لا يُجدي، وقد يبقى مفتوحا لا يُحسم إلى ما لا نهاية. المهم، وقائعيّاً، إن إرهاصات ذلك التحول، بل بوادره ولبناته الأولى، حصلت في عهد الملك الراحل فسهّلت على خلفه الارتداد على انتهاكات تلك الحقبة، محاسباً مُسائلاً، دون أن يبدو كالمنقلب على سلفه ووالده.
لكن الأهم في تلك المقاربة القائمة على الحرص على الاستمرارية، أنها بصدد التأسيس لفكرة الدولة، بمعناها الحقيقي أي الذي لا ينحصر في كونها "سلطة"، وهنا عنصر جدتها الأساسي قياسا إلى مألوفٍ عربي مقيم. فما يجري في المغرب حاليا، من خلال عمل "هيئة الإنصاف والمصالحة" وأشياء أخرى كثيرة، إنما هو استبدال "النظام" بالدولة. فما يسميه العرب عادة "دولة"، هو في الحقيقة "النظام"، وهذا يرتبط بشخص، وببطانته، أو بفئة، حتى إذا ما زال ذلك الشخص أو تلك الفئة، انهار نظامه أو نظامها وجُبّ، وأمكن البدء من جديد أو اصطناع ذلك. كل المسؤوليات ترتبط بالنظام المذكور لا تتعداه ولا تعيش بعده.
المقاربة التي استحدثها الملك محمد السادس، تُناقض ذلك تماما، إذ تعتبر أن الانتهاكات التي ارتُكبت في عهد الملك السابق لم ترحل برحيله، ولا يمكن التبرؤ منها. هناك بطبيعة الحال جرائم يقع وزرها على من ارتكبها، أمرا أو تنفيذا، ولكن تلك مسألة أخرى قد ينظر فيها القضاء في يوم من الأيام، وذلك حق وراءه في المغرب طالبٌ بل طالبون. ولكن هناك أيضا انتهاكات تتحمل الدولة، بصفتها تلك، مسؤوليتها، ولا يمكن لرمزها الحالي أن يتنصل منها، وأن يكتفي بنسبتها إلى من سبقه، وإلا انتفت استمرارية الدولة، ككيان متعالٍ ومسترسل، وبات التداول على رأسها مجرد تعاقب أنظمةٍ. صحيح أن المغاربة يتمتعون بحس الدولة ربما أكثر من سواهم من العديد من شعوب المنطقة، ولكن الحس ذاك كان ناشئا عن التعلق بالعرش والالتفاف حوله، أي عن ضرب من مماهاتها به، في حين أن ما تشهده المملكة حاليا، يبدو نوعا من اجتراح الدولة بمفهومها الحديث أو الأقرب إلى الحداثة.
وتلك هي الوظيفة الذي يبدو أن "هيئة الإنصاف والمصالحة" تضطلع بها. فهي ليست لجنة تحقيق، بالمعنى القضائي، بل هي أشبه بالطقس وبالرقية الجماعية. مهمتها الوقوف على حجم ما ارتُكب، وإعلانه على الملأ، من خلال تلك الشهادات الدراماتيكية، والمُمشهدة تلفزيونيّاً، على لسان الضحايا، إقرارا بمسؤولية الدولة على ما حصل، وهو إقرار ستسكمله التعويضات التي ستُدفع والحداد الوطني الذي "سيُنظم" قبل نهاية السنة.
ولا شك في أن إدراج تلك المسؤولية ضمن استمرارية الدولة، ربما مثل ضمانة للمستقبل، ونوعا من التأسيس لثقافة حقوق الانسان، وهو ما لا يمكن أن تفي وأن تنهض به نسبة الانتهاكات إلى نظام ولّى، وغسل اليدين منها بأيسر الطرق، وافتعال براءة منها لا تحصّن من تكرارها.
10:11 Permalink | Comments (0) | Email this
16/04/2005
في معاني اختيار (الكردي) جلال الطالباني رئيساً
صالح بشير الحياة 2005/04/10
جاء في الأنباء أن الديكتاتور العراقي السابق، صدام حسين، وعددا من أعوانه، «أُجبروا» على مشاهدة شريط فيديو يعرض وقائع اختيار جلال الطالباني رئيسا للدولة العراقية من قبل أعضاء المجلس الوطني الجديد المنتخب في أواخر كانون الثاني (يناير) الماضي.
ما دلالة ذلك «الإجبار» وما مراميه؟ ثأرية أم بيداغوجية؟ إن كانت ثأرية، فالثأر ذاك صغير، إذ ليس أهين من الثأر من صدام حسين في وضعه الحالي، سجينا ذليلا لدى أعدائه المحليين والخارجيين. أما إن كانت بيداغوجية، فإن إعادة تربية صدام حسين مضيعة للوقت، فات أوانها. فالرجل شب واكتهل على «قيم» بعينها، ولا يُعتقد أنه قابل للتغيير كما أن حياته السياسية باتت وراءه.
وهكذا، إن كان لانتخاب الزعيم الكردي جلال الطالباني رئيسا للعراق من فضيلة بيداغوجية فهي لا تعني ديكتاتورا «ميتاً» مثل صدام حسين ولا حتى سواه من المستبدين «الأحياء» على امتداد المنطقة العربية ربما، فهؤلاء بينهم وبين مستجدّ من تلك الطبيعة ستار «ثقافي» مطبق سميك. وهم إن أفلحوا في مقاربته فمن باب الفَرَقِ والرعب من أن يمثل الأمر سابقة تستقوي بها أقلياتهم المقموعة، عرقية كانت أم دينية.
لذلك، فإن كان للواقعة تلك من مفعول بيداغوجي، فلديموقراطيي المنطقة (إن وُجدوا) ولشعوبها، وفي هذا الصدد، يمثل انتخاب كردي رئيسا في بلد أساسي (وإن همّشته وعطلته مغامرات ديكتاتوره السابق ثم الاحتلال الأجنبي) مثل العراق، تحولا من طبيعة استثنائية، بل من طبيعة «ثورية». للمرء تحفظاته المعلومة عن احتلال العراق وعن عدم قانونية الحرب التي أفضت إليه، وعن الإخفاق في إحلال الأمن والاستقرار حتى اللحظة، وعن مجمل السياسات الأميركية في ذلك البلد. لكن يبقى أن اختيار الزعيم الكردي رئيسا لبلاد الرافدين، من قبل هيئة منتخبة انتخابا حراً، بالرغم مما شاب ذلك الاقتراع من استدراكات لعل أبرزها منحاه الطائفي الواضح والتقصير في إشراك السنّة (والذي يقابله ويعززه تقصير من طرف هؤلاء)، يشكل كسرا لمحرم، وخطوة أكيدة في اتجاه تحرري، قد تتجاوز العراق وقد تتخطاه.
صحيح أن الأمر هذا ليس جديدا غير مسبوق في منطقة المشرق. رئيس لبنان ماروني منذ أن استوى ذلك البلد كيانا مستقلا، في حين وصل إلى سدة السلطة العليا رؤساء من أقليات أخرى في بلدان مشرقية أخرى. لكن الحالات تلك، على تواترها، تبقى في نطاق الإستثناء. فلبنان حالة خاصة، نتاج تسوية دولية بقدر ما هي محلية، ناهيك عن أن سيادته ظلت دوما، أقله عمليّا، محل طعن أو غير ناجزة الكمال. أما في البلدان الأخرى، فجاء أبناء الأقليات إلى السلطة بانقلاب عسكري، وإن تسمّى باسم «الثورة»، أي أنه تأسس على فعل غير شرعي في أصله، واجترح أمرا واقعا، إن تم القبول به فبصفته تلك.
أما انتخاب الطالباني فهو، وهنا المفارقة، على فرادته قد يشكل المرجع الديموقراطي. إذ هو ليس ناجما لا عن مساومة دولية ولا عن أمر واقع، أو هكذا يبدو للوهلة الأولى وإلى أن يأتي ما يخالف ذلك، بل هو قد يكون نتاج وفاق داخلي، وإن لم يكن التوصل إليه بالأمر الهين، بل سبقته نزاعات ومماحكات لم تترفع عن الصغائر دوماً. إلا أنه بهذا المعنى قد يوسع معنى الوطنية والمواطنة، وقد يؤسس مساواة أصلية وحقيقية، ما فوق قانونية إن جازت العبارة، إذ تكف عن اعتبار مسألة السيادة، والنهوض بها أداءً وتمثيلا، حكرا على فئة من الشعب دون أخرى.
لقائل أن يقول، معتقدا الحطّ من شأن ما حدث، إن منصب الرئاسة في العراق الحالي، وحتى بقطع النظر عن وجود الاحتلال من عدمه، شأن «فخري» رمزي في بالدرجة الأولى. لكن ذلك هو تحديدا مكمن أهمية انتخاب الطالباني، إذ أن السيادة عادة ما تكون، في الديموقراطيات، شأنا رمزيا في المقام الأول، والرموز بالغة الفعل في حياة الناس، خصوصا في ما يتعلق بالسلطة وبالحكم، بل أن من سمات الديموقراطيات، بما قد يفوق تقسيم السلطات وفصلها كما درجت على القول الأدبيات المدرسية المبتذلة في هذا المضمار، أنها تفصل بين السلطة الرمزية والسلطة الفعلية أو التنفيذية، فتجعل ممثل الأولى أو المؤتمن عليها (ملكا دستوريا كان أم رئيسا في نظام برلماني) غير القائم بأعباء الحكم اليومي (أي رئيس الحكومة). وتلك قاعدة لا يشذ عنها بين الأنظمة الديموقراطية، غير الاستثناء الفرنسي، الديغولي المنبع، حيث ينافس رئيس الجمهورية رئيسَ الحكومة، أو «الوزير الأول» حسب مصطلحهم، في صلاحياته التنفيذية. لذلك، فإن رمزية موقع رئيس الدولة، كممثل للسيادة أو كمؤتمن عليها، إنما تزيده نبلا وأهمية وفعلا... طبعا إن كان المنشود إرساء الديموقراطية.
ثم أن الحقل الرمزي هو الذي غالبا ما يكون الأكثر استعصاءً ونبذا وإقصاءا وانغلاقا، وهو الذي تستأثر به وتحتكره في العادة الأكثريات، سواء كانت تلك الأكثريات عددية أو ثقافية أو تستند إلى «أغلبية» إيديولوجية، أي مُتوهمة، لكنها تمكنت من فرضها. نرى ذلك حتى في بعض أرسخ الديموقراطيات وأصلبها، حيث يمكن أن يتولى رئاسة الحكومة، مع ما في المنصب ذاك من سلطة واتساع نفوذ، سياسي منتمٍ إلى أقلية، يهودي أو بروتستانتي في بلد ذي أغلبية كاثوليكية مثلا، لكن لا يمكن أن يصعد إلى سدة رئاسة الدولة، على «فخرية» ذلك المنصب واقتصاره في معظم الحالات وفي عاديّ الأيام على وظائف من طبيعة بروتوكولية، إلا من كان صادرا عن الأغلبية السكانية الأساسية، ثقافيا أو عرقيا. ذلك أنه يمكن التساهل مع السلطة، مهما بلغت نفوذا وسطوة عملييْن، ولكن ليس مع السيادة وأبعادها الرمزية. والمفارقة أن بعض أبرز الاستثناءات وأكثرها دلالة في هذا الصدد، لم تصدر عن الغرب وديموقراطياته التي تعتبر «مرجعية»، بل عن ديموقراطية من «العالم الثالث»، هي تلك الهندية، التي لم تتردد في إيلاء منصب رئاسة الدولة إلى مسلمٍ أو إلى شخصية من فئة «المنبوذين».
كل ذلك للتدليل على أهمية المستجد الذي عاشه العراق بانتخاب زعيم كردي رئيسا للدولة، وإن ضمن تلك الحدود المعلومة. لكن الأهمية تلك تبقى نظرية، لن تكتسب كامل زخمها ووظيفتها التغييرية الحقيقية، إلا بشرط إستعادة العراق لاستقلاله كاملا ناجزا. فالقطيعة الفعلية لن تُدرك إلا إن كان رأس الدولة العراقية، من أي فئة إثنية أو دينية كان، ممثلا لسيادة فعلية ومنعتقة، ونتاج وفاق وطني طوعي وتلقائي، وذلك على نحو لا غبار عليه وغير قابل للطعن.
(كاتب تونسي)
10:09 Permalink | Comments (0) | Email this
البابا الذي انحنى لكل أرض
المستقبل - الاحد 10 نيسان 2005 - العدد 1886 - نوافذ - صفحة 10
صالح بشير
نال البابا يوحنا بولس الثاني ما لم يسبق سوى للقلة المُصطفاة أن نالته: تحوّل إلى أيقونة وكان لا يزال حيا يسعى، وإن كان سعيه ذاك بات في السنوات الأخيرة من عمره المديد وئيدا شاقا، جراء العجز والوهن والشيخوخة وتكالب الأمراض... صحيح أن مثل ذلك كان في متناول مستبد من طينة ستالين، كان قد بلغ تلك المرتبة في حياته، ولكن على ذلك النحو الذي تحسن "الأحزاب الحديدية" اصطناعه، بتزوير السِّير الشخصية والتلاعب بالصور و"روتشتها" وما إلى ذلك من وسائل تدليسٍ كثيرة، حتى إذا ما قضى "أب الشعوب"، دُنِّست أيقونته وتقوّضت، بل أضحت أيقونة مضادة.
أيقونة البابا الراحل لا يتهددها ذلك المآل، مع أن تراث الكنيسة الكاثوليكية في ذلك الصدد ثري إلى درجة الإشباع. الموت لن يجبّها، بل أنه أكدها ورسّخها، بل إن يوحنا بولس الثاني استكمل رسم قسماتها وثبّت تلك القسمات في أثناء احتضاره، والجموع "تُساهره" في ساحة القديس بطرس في الفاتيكان، شاخصة الأنظار نحو نافذتين مضاءتين في الطابق الأخير حيث كان مقر الراحل، والعيون دامعة والأصوات تتوجه خفيضةً إلى السماء بالدعاء وبالصلاة.
لماذا لم يستقل يوحنا بولس الثاني عندما اشتد به المرض وأنهكه وأقعده؟ عندما لُمِّح إليه بذلك الاحتمال، صدّه مستنكراً "وهل ترجّل المسيح عن صليبه؟". البابوية ليست منصباً حتى يُستقال منه، بل هي رسالة يجب أن تُؤدّى. قد يكون القول بذلك ضربا من "مبدأ"، يرسم أفقا لا يُدرك، لا يقوى عليه البشر، والبابوات من سويّة البشر ومن طينتهم وإن استعاروا من السيد المسيح قبَسا من قداسة أو حصّنتهم "العصمة"، ولكن يوحنا بولس الثاني أدرك ذلك الشأو، وقد يكون أدركه لحظة وفاته، وقد يكون انفرد بذلك بين البابوات الذين تعاقبوا على رأس الكنيسة الكاثوليكية.
قد يكون المسيحي الأكمل أو الأقرب إلى الكمال، هو ذلك الذي يكون الأقرب إلى التشبه بحياة السيد المسيح. وهل المسيحية غير سيرة يسوع الناصري، وهل أناجيلها الأربعة غير روايات، متعددة ومتواشجة، لوقائع تلك السيرة؟ المسيحية ـ وذلك ما قد يكون المسيحيون أكفأ منّا في الخوض فيه ـ سيرة قبل أن تكون تعاليم، أو هي سيرة تلابس تعاليم فلا تنفكّ عنها ولا تنفصم. السيرة تلك ليست "سنّة" تكمّل وحياً، بل هي والوحي سواء. لذلك، فإن المسيحي الأنجح هو ليس فقط ذلك المتقيّد بتلك التعاليم، بل القادر أيضاً على تمثل تلك السيرة، وعلى استعادتها وعلى محاكاتها في حياته البشريّة... قدر مستطاع البشر.
ولا شك في أن يوحنا بولس الثاني، وهو الذي كان صوفيّاً في إيمانه قد لا يستبعد فكرة الحلول، متعلقا بالسيدة العذراء تعلق من يعتبر نفسه أخاً غير شقيق (إذ دون الأخوّة الناجزة جلال الربّ) للسيد المسيح عبر رحمٍ من محبة، قد نجح في أخريات أيامه في بلوغ ذلك التشبه وفي إدراك تلك المحاكاة، إذ جعل من جسده المعذب وسيلته الوحيدة والقصوى للحضور وللتعبير. فقد القدرة على الحركة وغاض صوته أو استحال حشرجةً، وما عاد قادراً إلا على إتيان بعض أفعال رمزية، يساعد طفلا على إطلاق حمامةٍ حرون من شرفته أو يهمّ بالنطق فيخرسه الوهن فينطلق صوت المسجل بديلاً عنه. لم يبق له من فعل سوى الشهادة، وهذه يخطّها على جسده المتعب الواهن وبواسطة جسده المتعب الواهن. لم تبق له من طاقة غير تلك الروحية وهذه استغرقتها مكابدة العذاب واقتصرت عليها اقتصاراً يكاد يكون حصرياً. وبذلك ولهذا السبب، تعذرت الاستقالة، إذ "هل ترجل المسيح عن صليبه؟".
والمعاناة تلك كان يمكنها أن تكون شخصية، سعيا فردياً نحو الخلاص عبر العذاب، ولكن البابا الراحل جعلها همّ المسيحييين الكاثوليك، بل هم البشرية قاطبة، وهذه شاطرته احتضاره، حتى استشعر الكثيرون، على اختلاف العقائد والأديان، معه سكرات الموت كأنهم "يعيشونها"... إلى ماذا يعود ذلك؟ إلى موقع الرجل على رأس الكنيسة الكاثوليكية؟ ولكن ذلك لا يعني، نظريا، أحدا غير أتباع تلك الكنيسة، وإن تجاوزوا البليون نسمة. هل يعود ذلك إلى أن الرجل بدا، طوال سنوات "حبريته"، كمن يقدّس الأرض بأسرها، حيث كان، وهو الذي كان كثير الترحال، كلما أقبل على بلد يقبّل أديمه، وكان يسمّي أسفاره وتنقلاته "حجًّا"، سواء زار الهند الهندوسية أو كوبا الشيوعية، أو موطنه الأصلي، بولنده المسرفة في كاثوليكيتها، أو أي مكان آخر من هذا العالم الرحب جغرافياً وعقائدياً، وسواء دخل كنيساً يهودياً في روما أو زار المسجد الأموي في دمشق أو وقف متهجدا أمام حائط المبكى في القدس؟ أم هل يعود ذلك، استطرادا، إلى أن البابا بدا كمن اهتدى إلى خلاصة أو جوهر الروحانية الجامعة بين بني البشر، على تباين دياناتهم ونحلهم وعلى ما بين تلك الديانات والنحل من نزاعات، موروثة أو طارئة، كامنة أو مفتوحة، وعرف كيف يخاطبها، ساعياً إلى الحوار، ليس فقط مع ديانات المحتد السماوي الواحد، شأن اليهودية والإسلام، بل وسع دائرة الحوار لتشمل البوذيين وسواهم، ناهيك عن الأفارقة الذين اعتنقوا المسيحية، وخالطت المسيحية معتقداتهم الوثنية ولابستها دون أن تجبّها، فإذا البابا الراحل يبتسم متسامحا، أثناء حج له إلى أحد بلدان القارة السوداء، لنساء كن يرقصن أمامه عاريات الصدور.
أم هل يعود ذلك إلى أن البابا الراحل قد أفلح، من خلال آلامه المتمادية والتي رفعها رايةً، في مخاطبة معذبي الأرض، ضحايا الفاقة والجوع والاستغلال والأوبئة والإهمال، تلك الكثرة التي يعيش أفرادها بأقل من دولارين في اليوم الواحد، أولئك الذين ما عاد يوجد من يخاطبهم. أفِلت الإيديولوجيات التي تنطق بتوقهم وبتطلعاتهم وتعمل على خلاصهم أو تدّعي ذلك، فباتت مأساتهم لا يتولاها إلا العمل الخيري، لا مشكلة استئثار بالثروات وسوء إدارة لها وتوزيع ونتاج انخرام بنيوي وإجحاف أصلي، وأضحوا نهبا لتكنوقراط العولمة يتحكمون في مصائرهم.
لا شك أن البابا كان كل ذلك وأكثر من ذلك... وهل لسيرة كتلك التي عاشها يوحنا بولس الثاني أن يحتويها تفسير واحد أو أن تستنفدها تفسيرات منتهية ناجزة؟
10:07 Permalink | Comments (0) | Email this
08/04/2005
"الأقطار و"الأوطان": العيش بين استحالتين؟
المستقبل - الاحد 3 نيسان 2005 - العدد 1879 - نوافذ - صفحة 9
صالح بشير
لم يبق من العروبة السياسية، أقله تلك الرسمية، غير القليل أو نزرها اليسير، إن اتخذنا القمة الأخيرة للجامعة العربية مقياساً ومعياراً. علماً بأن الجامعة المذكورة انفردت حتى الآن بـ"النجاح" قياساً إلى كل المؤسسات الوحدوية الأخرى، وإن اقتصر ذلك النجاح على الديمومة وعلى الاستمرار دون الجدوى والفاعلية. ولعل هذا ما يفسر ذاك ويشترطه، أي أن الجامعة العربية ربما تمكنت من أن تستمر ومن أن تعمر، لقلة إنجازاتها أو لانعدامها، وتلك من السمات الفارقة للعروبة السياسية، حيث تتأسس الشرعية أو تُدّعى على الوعد لا على الفعل، وذلك على ما تُنبئ حال أنظمة عربية كثيرة، قامت، خصوصا تلك الإيديولوجية منها، على وعود قطعها "البيان رقم 1" ولم تتحقق يوماً.
بهذا المعنى تمثل الجامعة روح العروبة السياسية ومثالها. حيّزاً للكسل التاريخي بامتياز. رافقت تطورات المنطقة دون أن تفعل فيها، إلا نادراً أو لماماً، من حركات التحرّر الوطني إبان الحقبة الاستعمارية إلى حروب العرب ضد إسرائيل، إلى حروب العرب ضد العرب، إلى كل ما ألمّ بالشرق الأوسط وعلى حدوده، حتى احتلال العراق.
لكن الطلاق، وهو تاريخي ومقيم، بين واقع العرب وجامعتهم ربما لم يسبق له أن بلغ شأواً كذلك الذي بلغه هذه المرة الأخيرة في الجزائر، تلك التي شهدت قمة منبتّة عن راهن مجريات الأمور بتّاً كاملاً، فلم تبدُ معنيّة لا بالأوضاع العراقية ولا بتلك الفلسطينية ولا بتلك اللبنانية ـ السورية أو تلك السودانية وسواها الكثير. بدا الأمر كما لو أن المؤتمرين يقعون في بعدٍ آخر، من غير هذا العالم. يتحدثون عن إصلاحات نظرية، غير قابلة للإنفاذ غالباً، أو يستمعون إلى مداخلات العقيد القذافي الذي اكتشف نفسه فيلسوفاً، بالمعنى الشامل للعبارة، بعد أن كانت مواهبه تقتصر على التنظير السياسي وعلى كتابة القصة والرواية... وذلك لعمري طموح من لدن القائد الليبي مشروع، فمن يتعاطون الإبداع في دنيا العرب أو يحوزون لقب "المفكر" ليسوا أفضل منه في سوادهم الأعظم والمدلهمّ.
ولكن أمراً كذاك، إذا ما تمادى وثبت واستمر وتأبّد، كما هي حال ذلك القصور المقيم الذي يسم الجامعة العربية، يكفّ عن أن يكون شواذا يُقاس على مقياس عادي ويُدان باسمه (ما المقياس ذاك في مثل هذا المضمار؟!)، ليستقيم قاعدة ووظيفة أكيدة يجب أن تُفهما وأن يصار إلى تأويلهما بصفتيهما تينك.
إذ لعلة ما، يخجل العرب بأوطانهم، وقد يبخسون شأنها فيسمّونها "أقطاراً"، وهذه لا شرعية لها في نظرهم أو في نظر الكثيرين منهم، يجب نكرانها بالعودة إلى قومية جامعة، تمثل جامعة الدول العربية إحدى صيغها وتجلياتها. حتى إذا ما نطق "قوم" من "الأقوام" باسم وطنية ما، أو رأوا الالتفاف حول وطنية ما، شأن اللبنانيين أو كثرة منهم منذ جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، بدا ذلك للبعض، الذي قد يكون كثيرا، حاملا لوصمة الخيانة.
ذلك الانفصام بين العروبة السياسية وواقع الحال التاريخي للعرب إنما يعكس ذلك الانفصام بين أوطانهم ووعيهم لها. فهم يعيشون واقعا وطنيا، يحملون جنسيات وطنية، وقد يتعصبون لأوطانهم إلى درجة العنصرية حيال اشقاء لهم من أوطان أخرى، لأوهى الأسباب أحياناً، بسبب مباراة رياضية أو مسابقة غنائية، ولكنهم يرون الوطنية تلك وجوداً سياسياً ناقصاً، لا يكتمل إلا في العروبة أو بها. أوطانهم لا وزن لها، بصفتها تلك، حتى إن خاضوا أشرس النضالات من أجل تحريرها من المستعمر كأوطان، بواسطة حركات وُصفت بـ"الوطنية"، ولا يضير العروبة السياسية أن تكون مفرغة من كل محتوى، تفتقر إلى أية فاعلية تاريخية، كما يتبدى من قمم الجامعة العربية ومن مؤتمراتها العقيمة.
إلى ماذا يعود ذلك؟ إلى حنين أو إلى توق إمبراطوريين؟ إلى شعور الناس، "نُخباً" وجمهوراً، بأن لا وجود لهم يعتدّون به إلا في كنفٍ إمبراطوري، وبأن الأوطان، لأنها دون ذلك، ليست غير أمر واقع، غاشم مقيت، قد يرتضونه على مضض، بل وقد يتعلقون به على مضض، ولكنه يظل مثلوم الشرعية في نظرهم، يفضلون عليه ذلك الفضاء الإمبراطوري المُتوهّم والذي يعتقدون أن العروبة السياسية توفره أو تعد به، حتى في صيغة رثة لتلك المتمثلة في الجامعة العربية.
قد يكون... إذ أن القول بأن المطالب الوطنية تولتها في أحيان كثيرة حركات وتوجهات قومية، وأن في ذلك ما قد يفسر ذلك العزوف عن الأوطان، ليس صحيحاً دوماً. بعض تلك الحركات، كما هي الحال في بلدان شمال إفريقيا ضد الاستعمار الفرنسي مثلا، كان وطنيا، بمعنى "قطرياً"، صريحاً في "قطريته"، وهو إن تطلع إلى خارج الكيان، فمن بات التضامن لا الاندماج، أو من باب إحراج العدو المشترك والاستقواء عليه استناداً إلى استراتيجيات بقيت بالكامل وطنية. ومع ذلك، فإن كانت الكيانات المغاربية تبدو أرسخ وأشد عودا من نظيراتها في المشرق، إلا أن الكيانات تلك لا تبدو مكتفية بذاتها على نحو ناجز كامل، بل تكابد هي بدورها شرعية منقوصة.
ذلك لا يعني أن الكيانات الوطنية، أو "القطرية" كما يسميها القوميون، هشة، بل هي صلبة بالغة الصلابة، وإن لبس بعضها لبوس العروبة الإيديولوجية، تبدي قدرة فائقة على الثبات، كما دل تاريخ العقود الماضية، وما انفكت تزداد رسوخاً، استعصت على كل محاولات التوحيد، تلك التي بدت جدية، كتلك التي حاولها الزعيم المصري جمال عبد الناصر، أو تلك التي نحت منحى كاريكاتوريا، كتلك التي أقبل عليها العقيد معمر القذافي على نحو متعجل محموم حيال أطراف في المشرق والمغرب، قبل أن يصيبه اليأس فيتسبدل "الوطن العربي" بإفريقيا. غير أن الكيانات تلك، على رسوخها، ومع أنها الأفق الذي لا أفق سواه لعيش مواطنيها، أقله حتى الآن وعلى ما يشي المستقبل المنظور، تبقى مما لا يُقبل به قبولاً تاماً.
وتلك هي المعضلة العربية: ذلك التوزع بين أوطان، هي كل الموجود والمتاح، ولكنها تُنكَر، وبين توق إمبراطوري متعذر التحقيق، ولا ينفك يزداد تعذراً. تأزم مقيم إلى درجة الحؤول دون العيش، إلى درجة الإقامة بين استحالتين، استحالة ارتضاء الأوطان واستحالة تجاوزها نحو الحلم الإمبراطوري المنشود... خصوصاً وأن نُخب هذه الأمة في هذا الزمان، ليست من صناع الإمبراطوريات، إن اعتبرنا أن العصر يتسع لهذه الأخيرة.
لا حل إذن إلا بارتضاء الأوطان، كما هي وعلى علاتها، وتلك هي الطريق التي يشير إليها اللبنانيون... أما العروبة، فلا خوف عليها، إذ أن علاقة اللبناني أو التونسي أو سواهما بالفلسطيني وقضيته لن تكون يوما حيادية!
16:18 Permalink | Comments (0) | Email this
الهامش الضيق للوطنية الفلسطينية
صالح بشير الحياة 2005/04/3
هل يرتدّ الخط الذي اختاره وجسّده محمود عباس على الفلسطينيين؟ فالخط ذاك، إذ يفترض التسوية حيث لا تسوية عمليا، قد يخاطر بأكثر مما خاطرت به الانتفاضة الثانية في أطوارها العنيفة، بحيث قد يوفر غطاء من شرعية فلسطينية لما تفرضه إسرائيل أمرا واقعا، انفراديا وأحاديا، ويُسبغ عليه سمة الرضا الفلسطيني.
بطبيعة الحال لا يُقال هذا من باب الطعن في الرجل، خصوصا أن الناخبين الفلسطينيين، إذ اختاروه خليفة لياسر عرفات، قد صادقوا على خياراته، بما فيها انتقاده الشهير لـ«عسكرة الانتفاضة»، وارتضوها سياسة يلتفون حولها، ومن لم يفعل لم يقترح بديلا بل اكتفى بالامتناع والانكفاء. ثم أن لا مفاضلة بين استراتيجية وأخرى إلا من حيث الجدوى والقدرة على إحقاق الحق أو بعضه (وذلك غالبا ما لا يفهمه العرب و«مفكروهم» الكثر): فلا التفاوض فضيلة في ذاته ولا المقاومة، مسلحة كانت أم غير مسلحة، صنم يجب أن يُعبد، بل ان الأمر يتوقف على اللحظة والظروف وموازين القوة وأشياء أخرى كثيرة يُفترض أنها بديهية، إذ ليس من «ثوابت» إلا الهدف المنشود، وكل ما عداه قابل للاجتهاد.
لا غضاضة، إذاً، من حيث المبدأ، في أن يسلك محمود عباس طريق التفاوض، وأن يعتمده سياسة رسمية للوطنية الفلسطينية، وذلك بالرغم من أن انتقاده لـ«عسكرة الانتفاضة» قد يكون قابلا للنقاش، إذ ربما قال قائل إن المشكلة ليست في "العسكرة" تلك في ذاتها، بل في طريقتها، أي في عدم اقتصارها على أعمال مقاومة تطال الوجود الإسرائيلي، قوات احتلال أو مستوطنين، في الأراضي المحتلة سنة 1967، تلك التي يقر العالم بأنها الأراضي التي يجب تحريرها والتي ستكون حيّز الدولة الفلسطينية المنشودة، وتنطع تلك الأعمال نحو اقترافات في الداخل الإسرائيلي، ضد مقاهي أو مواقف باصات وما إليها من مناحي ومرافق الحياة اليومية والمدنية.
وعلى أية حال، ليس خط محمود عباس غير نتاج لهزيمة الانتفاضة الثانية، وهي هزيمة لا يتحمل الرجل مسؤوليتها، أقله لأنه توقعها وحذر منها مبكرا. لذلك فإن ما يؤخذ على خط محمود عباس إنما الظروف الموضوعية، وهذه ليست ملائمة للتفاوض إطلاقا. مشكلة ذلك الخط أنه لا يواجه العدوّ إلا بالنوايا السلمية، والحال أن العدوّ ذاك لا يعبأ بالنوايا ولا يعتدّ بها. العدو ليس مستعدا للتفاوض في حين أن الطرف الفلسطيني لا يمتلك أية وسيلة ضغط يرفعها في وجهه ليثنيه عن امتناعه. بل إن الوسيلة تلك إن توفرت، فعلى سبيل الاستعارة، ومصدر تلك الاستعارة معلوم: الولايات المتحدة، وهذه إن أبدت خلافات (محتشمة بالغة الاحتشام) مع إسرائيل، حول هذا التفصيل أو ذاك من تفاصيل سياسة الدولة العبرية حيال الفلسطينيين، إلا أنها تشاطرها توجهاتها الأساسية، مع كل ما تتسم به من إجحاف وشطط، في شأن النظرة إلى «التسوية» (هل تصح هذه التسمية!!). وذلك ما يمثل النقيصة الأساسية التي تعاني منها مقاربة محمود عباس السلمية، أي عدم استنادها إلى تعهد أميركي واضح لا لبس فيه بالعمل على إحلال تسوية «عادلة» أو مقبولة، أي افتقارها إلى العنصر الوحيد الذي كان يمكنه أن يجعل تلك المقاربة واعدة بحل.
واقع الحال الناجم عن ذلك هو الذي نعاينه حالياً: إسرائيل ماضية في إقامة الجدار العازل أو الفاصل، على أراضي الفلسطينيين وبمصادرة هذه الأخيرة، وكأن الانتفاضة لم تتوقف، وكأن محمود عباس لم يُنتخب. وهي ماضية في توسيع المتسوطنات وفي تهويد القدس، بشتى الوسائل، من التضييق على سكانها العرب إلى اقتناء العقارات من الكنيسة الأرثوذكسية، وهي تستعد للانسحاب من قطاع غزة دون أن يتم ذلك في إطار متفق عليه، وليس أمام السلطة الفلسطينية إلا الاستمرار في «التفاوض» أو في يتسمّى بذلك الاسم تزويرا وانتحالا، وفي إعلان الإيمان بالتفاوض سبيلا للحل، وإلا فقدت صفة «الشريك». ومآل ياسر عرفات وسنواته الأخيرة سجينا في المقاطعة، خير دليل أو أبلغ إنذار، على مغبة ما يعنيه فقدان صفة «الشريك» تلك.
لكن الاستمرار في الحرص على الظفر بتلك الصفة، مهما كان الثمن، وبالرغم مما هو معلوم عن نظرة أرييل شارون إلى «التسوية»، قد يصبح عمليا ضربا من التواطؤ، وإن غير الإرادي، يسبغ شرعية فلسطينية على ما تقوم به الدولة العبرية أحاديا وانفراديا، كما سبقت الإشارة، وقد يوحي بأن الفلسطينيين يعتبرون ما يجري لهم وبحقهم جزءا من مسار تسووي يرتضونه ويقرونه.
ما العمل؟ الهامش ضيق أمام الوطنية الفلسطينية في طورها الراهن. فهي لا تمتلك وسائل ذاتية تستقوي بها ولا يمكنها التعويل على أشقاء فقدوا كل قدرة على التأثير في شؤونهم ناهيك عن نجدة الفلسطينيين. أما العودة إلى تسعير الانتفاضة من جديد، على نحو ما كانت خلال السنوات الأخيرة، فيبدو أمرا بعيد المنال أو متعذرا، بعد أن أصاب الناس ما أصابهم من إنهاك. تبقى إمكانية واحدة: الإعلان، على نحو دراماتيكي ومشهود، بأن هذا الذي يجري ليس تفاوضا ولا تسوية، والمبادرة إلى التنصل منه والامتناع عن خوض غماره، ومطالبة الولايات المتحدة بطرح خطة لتسوية جدية، لا تكون كتلك الراهنة، حيث تكتفي إسرائيل بالتفاوض مع نفسها، مع رأيها العام ومع أولوياتها الإيديولوجية والأمنية، ولا تعير الطرف المقابل أدنى اهتمام أو اعتبار. فنيل صفة «الشريك» والفوز بسِمة «المعتدل»، لا يبرران بمفردهما كل هذه التضحيات ولا يسوّغانها.
قد لا يُرجى من خطوة كتلك أن تغير من أمر التسوية الشيء الكثير، في ظل ميزان القوة الراهن، لكنها قد تكتسب على الأقل مزية إشهاد العالم، ووضع الولايات المتحدة أمام مسؤوليتها، ومنعها من أن تتنصل من تلك المسؤولية بأيسر الطرق على ما هو شأنها حاليا، مدعيةً أن ليس ما يحفزها على التدخل، ما دام المعنيان «يتفاوضان» أو يقبلان على التفاوض، وما دام الطرف الضعيف، ذلك الفلسطيني، يعتبر ما يجري حاليا، مسارا تسووياً.
ثم أن تلك الفكرة التي طرحها مصطفى البرغوثي مؤخرا، حول ضرورة سلوك مسلك الاحتجاج المدني، يقوم به الفلسطينيون استنكارا لما يكابدونه يوميا، من تضييقات ومن مصادرة أملاك، على شكل تحركات «سلمية وديموقراطية»، كتلك التي تروق للولايات المتحدة، لا يجب أن تُهمل...
(كاتب تونسي)
16:16 Permalink | Comments (0) | Email this
02/04/2005
إنعقاد القمة... اللاحدث
صالح بشير الحياة 2005/03/27
لنقرَّ للقادة العرب بضرب من «عبقرية». فهم قد أفلحوا، من خلال قمتهم الأخيرة في الجزائر، في اجتراح اللاحدث، في منطقة وفي حقبة يعصف بهما جسيم الأحداث! وذلك مما يكاد يبلغ مبلغ خارق الإبداع وخالصه.
وهكذا، لم تشهد القمة العربية الأخيرة ما يلفت، إذا استثنينا مداخلة العقيد القذافي، الذي تحدث وأسهب بوصفه فيلسوفا ومفكرا لا حاكما (معاذ الله!)، وإن كان القائد الليبي قد بدأ ينزع، في هذا الصدد، منزع الروتين، وما عاد يخرج على الناس إلا بصفته «الفلسفية» تلك، كما فعل بمناسبة احتفالات رأس السنة على قناة «الجزيرة»، عندما عيّر «مفكراً» عربيا آخر من ثقله ومن عياره بالجهل!
لكن كلام القذافي كان مسك ختام القمة، أما مداولات هذه الأخيرة وبيانها الختامي، فقد كانت مجرد تعليق على مجريات الأمور العربية تعليقا متنصلا تنصل المراقب غير الضالع وغير الكفء. فقد استنكر القادة العرب ما يجب استنكاره واستحسنوا ما يتعين استحسانه، وتوقفوا عند مواطن الخلل في عمل جامعتهم واقترحوا لها حلولا لن تقيل عثرتها على الأرجح، لتعذر إنجاز بعضها ولسوريالية بعضها الآخر، شأن ذلك «البرلمان العربي» الذي يزمعون إنشاءه واختاروا دمشق له مقرّا. إما عندما «بادروا»، لأنهم يعتقدون أن العالم وشعوبهم تنتظر منهم أن «يبادروا»، فقد استنجدوا بمبادرة تعود إلى ثلاث سنوات خلت، هي تلك الصادرة عن قمة بيروت في سنة 2002، والداعية إسرائيل إلى مقايضة الانسحاب الشامل (من كل الأراضي المحتلة سنة 1967) بالتطبيع الشامل (مع كل الدول العربية)، وتعهدوا بـ«تفعيل» (والمصطلح هذا من سمِج إنشاء بيروقراطيي جامعتهم) المبادرة تلك، بوفد يبشّر بها في أصقاع الأرض، اختلفوا بطبيعة الحال حول أعضائه.
ليس في الأمر ذاته ما يُعيب، لولا أن المبادرة إياها كانت الدولة العبرية قد قابلتها، في الإبّان، بإشاحةٍ إلى الإزدراء أقرب... كان ذلك قبل الحرب الأميركية على العراق واحتلاله، وقبل إنهاك الانتفاضة الثانية، وقبل أن تصبح سورية في وضع انكفائي دفاعي كما هي حالها الآن، وقبل أن تستكمل الولايات المتحدة استهتارها بـ«حلفائها» في المنطقة وأن تذهب في ذلك الاستهتار الشأو الأبعد... أي كان ذلك عندما كان ميزان القوة أكثر اعتدالا، أو على الأصح والأدق، أقل انخراما من انخرامه المطلق الحالي.
والمرء لا يدري كيف سيجبر القادةُ العرب إسرائيل على مقايضة الأرض بالتطبيع الآن وبتحقيق ما لم يكن متاحا لهم قبل ثلاث سنوات، اهترأ خلالها نصيبهم من ميزان القوة واضمحل؟ صحيح أن العرب أو سوادهم الأعظم لم يحسنوا يوما قراءة ميزان القوة ذاك، لا في الحرب ولا في السلام، ولكن أليس جليا واضحا على نحو يفقأ العينين أن إسرائيل ما عادت في وارد التسوية أو مقايضة شيء بشيء، وأنها باتت تأنس في نفسها القدرة على الاحتفاظ بالأرض ونيل السلام، بل التطبيع، معا وفي الآن نفسه، وانها إن رأت الانسحاب فلاعتبارات تخصها وتتفاوض فيها مع نفسها؟
ليس للعرب أن يطالبوا فقط بما يمكن إسرائيل أن تستجيب له، قد يقول مزايدٌ... ذلك ما لا ريب فيه ولا جدال، غير أن اعتراضا كهذا يفترض لدى غير العابئ باستجابة إسرائيل امتلاك القدرة على ردع الدولة العبرية عن امتناعها ذاك أو حيازة أسباب التأثير في خياراتها وتوجيهها، وإن بمقدار. وذلك ما لا قبل للعرب بادعائه، إن اعتمادا على الذات، أو حتى من باب التعويل على العالم الخارجي، فهذا يكاد ينحصر في أيامنا هذه في الولايات المتحدة، وهذه معلوم مدى ارتباطها الإيديولوجي، خصوصا في طورها البوشي هذا، بالدولة العبرية.
ولكن ما بالنا نناقش الأمر كما لو أنه يحمل ذرّة من جدية، في حين أن ذلك التعهد بـ«تفعيل» مبادرة السلام العربية، قد لا يكون شيئا في ذاته وقد لا يعدو أن يكون عنصرا في إقامة طقس، هو المتمثل في مجرد انعقاد القمة؟
فانعقاد القمة بات غاية في ذاته، لأسباب يحار المرء في تعليلها، والقمة، تلك التي يجب أن تستغرق وقتا معينا وأن تتوزع على جلسات وعلى جدول أعمال، يجب أن تحفل بأشياء تجعل المؤتمر مؤتمراً: شجب هذا الأمر والإشادة بذاك، دعم هذا البلد العربي واستنكار ما يتعرض له ذاك، البحث في قضايا إصلاح وما إليها، واتخاذ المبادرات، وإذا أعيت الحيلة في ذلك الصدد، صير إلى العودة إلى مخزون الجامعة العربية من مباردات لا تنضب وإلى نفض الغبار عنها، وإعادتها إلى التداول، حيّز انعقاد المؤتمر والأيام التي تليه.
وكما في الطقوس عادة، الشكل أهم من المضمون. والشكل هو ما يجب إنقاذه، لإشعار عمرو موسى بأنه رئيس بين الرؤساء، ند لهم يضاهيهم، أو لإشعار مصر بأنها لا تزال تتسنم قيادة العالم العربي، أو لإيهام طرف من الأطراف، متواطئٍ في التوهم وراض به، أن إجماعا عربيا يحضنه ويكتنفه، أو لتوفير منبر وجمهور للعقيد معمر القذافي كي يتسنى له إلقاء محاضراته «الفلسفية»، أو لتمكين الحريص على ذلك، سواء أمين عام الأمم المتحدة كوفي أنان أو رئيس حكومة إسبانيا ثاباتيرو أو زير خارجية فرنسا بارنييه أو مفوض السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي سولانا، من «عالم عربي» يخاطبه ككيان سياسي قائم الذات في هذا العالم...
والمؤتمرون يكتفون بإقامة ذلك الطقس لا ينشدون منه غير ذلك. أما أن يشكل كل ذلك طقسا مزريا، يمشهد عجز العرب ويفضحه على مرأى ومسمع من الملأ المحلي والعالمي، وأما أن ينبئ عن مدى الوهن في فهم ما يجري للمنطقة وعن الفعل فيه، فذلك ما لا يعبأ به أحد، أو ما يجري البت فيه خارج مثل تلك الهيئات الجامعة، كل على طريقته وعلى مستواه، اجتهادا فرديا تأتيه هذه الدولة أو تلك حسب ظروفها وحسب ما تراه. والمعنيون بالمنطقة فعلا، والقادرون على التأثير في مجريات أمورها، يعلمون ذلك علم اليقين، وهم لذلك لا يكترثون بالجامعة العربية وبقممها. لذلك ردت إسرائيل على قمة الجزائر مستهزئة بنتائجها، وكذلك فعلت الولايات المتحدة إذ اعتبرتها «فرصة أضاعها العرب» للتقدم بشيء يُعتدّ به ويؤهلهم الاضطلاع بدور الطرف المقبول محاورا وشريكا.
وهل لما هو لاحدث أن يستدرّ من التحليل والتعليق غير هذا؟
(كاتب تونسي)
13:35 Permalink | Comments (0) | Email this


