30/04/2005
... عن الحرب والحوار بين الولايات المتحدة و«الإسلاميين المعتدلين»
صالح بشير الحياة 2005/04/24
قد يكون قرار الولايات المتحدة محاورة الحركات الإسلامية، أحد تطبيقات التعهد الذي أطلقه جورج بوش الابن، على لسان وزيرته للخارجية كوندوليسا رايس لدى تنصيبها، من أن الولاية الثانية هذه ستكون ديبلوماسية، بقدر ما كانت الأولى حربية وانفرادية. فواشنطن، بعد أن برهنت للعالم، من خلال حربها في العراق بالخصوص، أنها ليست بحاجة إليه ولا إلى مصادقته على ما تفعل، باسمه أحيانا، باتت ميالة إلى التشاور وإلى التفاوض، مع دول ذلك العالم وتياراته المناهضة، وإن كان سلوك الإدارة الأميركية خلال فترة بوش الأولى قد حدد لذلك المسلك التفاوضي والتشاوري «سقفاً» ومدى أقصى، مُدللا على سهولة نبذه والتنكر له.
قد يكون... لكن في الأمر ذاك أيضا ما يشبه الإقرار من قبل الولايات المتحدة (والغرب عموما، إن كان مثل هذا التعميم لا يزال سارياً)، بإخفاقيْن: أولهما فشل التغيير من الخارج، أو عسره الشديد إن لم يكن تعذره. وذلك ما مثلت الحرب العراقية مثاله الأقصى، إذ يصعُب تصور أن يتطلب كل تغييرٍ تدخلاً عسكريا بحجم وبكلفة ذلك الذي شهدته بلاد الرافدين، أو حتى بحجم وبكلفة أدنى. كما أن الحرب تلك برهنت، من ناحية أخرى، على حدود ما يمكن أن تبلغه مثل تلك الاستراتيجية من نتائج. فإذا كانت الولايات المتحدة لم تفلح حتى الآن في إرساء النظام الديموقراطي المنشود (هذا طبعا إن سلمنا بالذرائع المُعلنة) في بلد تحتله وتسيطر عليه على نحو مباشر منذ سنتين، فكيف يمكنها انتقاد تعثر تلك العملية وتباطؤها حيث ينعدم السعي الجدي نحو الديموقراطية، بل حيث ينعدم الديموقراطيون.
أما الفشل الثاني، وهو لصيق بالأول ملازم له، فيتعلق بالرهان على الديموقراطيين ومن إليهم من العلمانيين المحليين، أولئك الذين دلت التجربة على أن حظوتهم لدى رأيهم العام وبني جلدتهم إنما تتضاءل طردا مع تزايدها لدى العالم الخارجي ووسائل إعلامه ومجتمعه المدني ومُنظمي ندواته التي لا تُحصى حول «نشر الديموقراطية في العالم العربي والإسلامي» أو «الديموقراطية والإسلام» وما إلى ذلك من مثل تلك الموضوعات التي أضحت، لفرط تكرارها، تقليدية بل مبتذلة. وهكذا ربما كان سعد الدين إبراهيم، على سبيل المثال لا الحصر، بطلا من أبطال الحرية والديموقراطية في نظر ذلك العالم الخارجي، لكنه حتما ليس كذلك لدى جموع المصريين وليس فقط سلطات بلاده التي حاكمته وسجنته. ليس في القول بذلك حكم نصدره ضد الرجل، ومن كانوا من طينته من النخب العربية، أو لصالحه ولصالحهم، بل هو مجرد توصيف لواقع الحال، يكاد يكون، في بعض أوجهه، من باب النقد الذاتي.
يعود ذلك إلى عوامل ثقافية معلومة، من طبيعة بُنيوية، هي التي حالت دون نفاذ أفكار الحداثة والحرية إلى مجتمعاتنا، وليس هذا مجال الخوض فيها. لكنه يعود كذلك إلى قصور أميركي يكاد، لفرط الإقامة عليه، يكون متعمدا، هو المتمثل في البحث بين تلك النخب التحديثية عن أتباع لا عن حلفاء. بعض تلك النخب، طامعاً أو متطوعاً مقتنعاً، لعب تلك اللعبة، واضطلع بمهمة الترويج للسياسة الأميركية، يبارك كل خطواتها، وذلك ما قد يفهمه المرء من عراقيين كابدوا تحت نظامهم السابق معاناة أخفقت بقية العرب في إدراك هولها. لكنه لا يُفهم من سواهم لأنه، لمن يُفترض فيه الحرص على الأفكار التي يدعو إليها ويرفع رايتها، ينسف كل مصداقية، بل هو فعل انتحار. ذلك أنه لا يمكن للمرء أن يكون ديموقراطيا في منطقتنا، إلا بانتقاد سياسة الولايات المتحدة حيال هذه الأخيرة، ليس بدافع تكتيكي، أي سعياً إلى تملق الجموع وكراهيتها للولايات المتحدة التي تكاد تبلغ مبلغ الغريزة أو الطبيعة الثانية، بل على أساس مبدئي، ولأن السياسة تلك تستحق الانتقاد والاعتراض، باسم المبادئ الديموقراطية إياها وقبل سواها، سواء في ذلك حربها الجائرة، بمقاييس القانون الدولي، في العراق، أو موقفها غير المتوازن، وفق أخفّ التوصيفات، من حل القضية الفلسطينية.
بعض تلك «النخب» أخفق في فهم هذا الأمر على بداهته الظاهرة، أو بلغت به السذاجة أن تصور أن الولايات المتحدة قد تُسقط نظاما من أجل «تمكين المرأة»!... ثم تهديه السلطة فوق ذلك.
والآن تريد الولايات المتحدة محاورة الحركات الإسلامية. أمر جيد، لأن الحوار يكون مع المختلف والمُباين، لا مع من يردد في حضرة محاوره ما يتصور أن هذا الأخير يريد سماعه منه، وفق ما هو معمول به من قبل بعض من انتدبوا أنفسهم «وسيطاً» بين مجتمعاتهم والسلطة الكونية. وهو إلى ذلك يمثل إقرارا بمبدأ الواقع. والواقع ذلك قد لا يروق لكنه كذلك، أي أن من مكوناته الحاسمة في الكثير من الحالات والبلدان، حركات إسلامية مؤثرة فاعلة. كما أنه يمثل بداية تمييز، طالما تمناه ودعا إليه البعض، بين حركات يمكن النفاذ إليها بواسطة السياسة، وأخرى، إرهابية كُنهاً وطبيعةً، لا تترك من مجال غير المواجهة الأمنية أو العسكرية.
بطبيعة الحال، عرض الحوار هذا لا يعني المصالحة، وهو لن يفضي بالحركات الإسلامية إلى تغيير نظرتها إلى الولايات المتحدة، ولا بهذه الأخيرة إلى التحالف مع الحركات الإسلامية، وإن لم يكن ذلك بالأمر المستبعد، عيْنيّاً وموضعياً، كما يدل التنوع الشيعي مثلاً: بين التلاقي حول عدد من الأهداف الأساسية مع الولايات المتحدة في العراق، وبين مناصبتها أشد العداء في لبنان.
بل ان عرض الحوار ذاك قد يكون علامة على استدامة العداء. وربما بدا القول بذلك من باب المفارقة، لكنْ وحده العداء «الوجيز»، إن صح هذا التوصيف، قد يخاض بالوسائل العسكرية وحدها وقد يُحسم سريعاً. أما ذلك المرشح للاستمرار، والذي يُنتظر منه أن يستوي أساساً لنصاب مستديم، وإن إلى أمد، وهو الدور الذي يبدو أن واشنطن انتدبت الإسلاميين له كما انتدبوها هم له، فهو لا يكتفي بالقطيعة المطلقة بين أطرافه والضالعين فيه. بل إنه، بانتظار حسم مؤجل تعريفاً، يترواح بين المواجهات الموضعية وبين سياسات الاحتواء، وبين حد أدنى من التواصل، لأن الأنصبة العدائية الطويلة المدى تتطلب حداً أدنى من تنظيم ومن وضع بعض آليات التحكم.
ثم أن العداء، خصوصاً إذا كان مكيناً، يفترض دوما ضربا من ضروب «التواطؤ» بين الأعداء، كما دلت التجربة إبان الحرب الباردة، مع اعتبار كل الفوارق، وهي هائلة طبعاً.
21:59 Permalink | Comments (0) | Email this



The comments are closed.