« ... عن الحرب والحوار بين الولايات المتحدة و«الإسلاميين المعتدلين» | HomePage | لبنان بعد الإنسحاب السوري »

30/04/2005

البابا بينيديكتوس الساعي لجلب الحداثة الى كنف المسيحية

المستقبل - الاحد 24 نيسان 2005 - العدد 1900 - نوافذ - صفحة 10

صالح بشير

تعلّم الناس المعاصرون من حبرية البابا يوحنا بولس الثاني أمرا أساسيا: أن انتخاب رأس الكنيسة الكاثوليكية، مثله في ذلك مثل كل حدث ديني في زمننا هذا ربما، ليس بالأمر الذي يستهان به، والذي ركنته المجتمعات المُعلمنة الحديثة في خانة الفولكلور السياحي، فلا يكاد يعني سوى الجموع التي تحتشد في ساحة القديس بطرس، تنتظر الدخان الأسود أو الأبيض ينبعث من سطح كنيسة "السكستين"، مأخوذةً بالإصرار على تلك الوسيلة الإعلامية 7-7-البدائية7-7- في عصر الاتصالات الرّقمية، أو هو لا يهم إلا ما تبقى من جيوبٍ ما قبل حداثيّة، رواسب مبثوثة هنا أو هناك وآيلة إلى الزوال لا محالة.
البابا الراحل، من خلال حبريته المديدة (الثالثة طولا في تاريخ الكنيسة)، كان قد دحض تلك الفكرة، وبيّن أنها ليست أكثر من إفراط في الثقة بالنفس من قِبل حداثةٍ توهّمت أنها اجترحت الإنسان ما بعد الديني، أقله وفق المقاييس التقليدية للتدين. إذ برهن يوحنا بولس الثاني، كما برهن سواه في فضاءات ثقافية أخرى، على أن التدين ذاك لا يزال راهنا، فاعلا في التاريخ كما يشهد دوره في دكّ الإمبراطورية الشيوعية، وكما تشهد قدرته على مخاطبة الشباب. كان قد "نجح" في إدراج الكاثوليكية في الشأن العام المعاصر، أو ذلك ما نُسب إليه، مع أن الأمر أكثر التباسا وتعقيدا على الأرجح، إذ أن كاريزما البابا الراحل وشخصيته الأخاذة ما كان يمكنهما أن تكونا نافذتيْن على نحو ما كانتا عليه لولا مصادفتهما تحولات كانت تعتمل في الأعماق، ولا تنحصر في العالم الغربي دون سواه.
لذلك تابع العالم وقائع انتخاب البابا الجديد باهتمام يكاد يضاهي ذلك الذي تحظى به الانتخابات الأميركية. فذلك الاقتراع السري والملغز، الجاري وفق طقوس عتيقة تكاد تلابس الأزل، ضربا من ممارسة "ديمقراطية" تقتصر على صفوة الصفوة من الكرادلة، بعيدا عن أعين جموع المؤمنين، إنما يعكس ميزان قوة روحي، يُترجَم فورا إلى ميزان قوة مادي، وسرعان ما يتجاوز مفعوله حدود دولة الفاتيكان الضئيلة، ليمتدّ إلى العالم وليؤثر في نصابه.
وفي هذا الصدد، يمثل انتخاب الكاردينال الألماني يوسف راتزينغر، تحت اسم بينيديكتوس السادس عشر، خلفا ليوحنا بولس الثاني، امتدادا أكيدا للوجهة التي افتتحها هذا الأخير، والتي اتضح بأنها أضحت غالبة داخل الكنيسة، لا ترتبط فقط بشخص البابا الراحل. من الأدلة على ذلك، سرعة العملية الانتخابية وسرعة حسمها، التي تعني أن الاتفاق على البابا الجديد لم يكن عسير المنال، والتي كذّبت تاليا ما كانت تداولته وسائل الإعلام عن وجود تيارات متباينة متناحرة (وإن على نحو غير حادّ وغير مفتوح بطبيعة الحال). وهذا الانطباع الذي عززته تصريحات الكاردينال الإيطالي مارتيني، الذي كان أحد المرشحين، والذي طالب علنا بكنيسة مفتوحة على العالم وغير مركزية، وكما أقوال الكاردينال راتزينغر، الذي أدلى، قبيل الاقتراع، بمداخلة كانت عبارة عن مرافعة عنيفة ضد "النسبية الثقافية"، تلك التي تساوي بين المعتقدات والحقائق، ما كان منها من وضع الإنسان أو ما كان منها وحيا إلهيا، يُقبل عليها الفرد انتقائيا، لا معيار له في ذلك سوى ذاته ورغباته.
صحيح أن للبابا الجديد سمعة تشددٍ ومحافظة، تبلغ في نظر البعض مبلغ التزمت، تعود إلى المنصب الذي تولاه كـ "حارس للعقيدة" كما لُقّب، على رأس الهيئة التي ورثت محاكم التفتيش. وصحيح أنه كان، في موقعه ذاك، بالغ اليقظة حيال كل عدوى حداثية يتوجس أنها قد تصيب المعتقدات والقيم الكاثوليكية التقليدية، وأنه هو الذي كان رأس الحربة في مواجهة "لاهوت التحرير" في أميركا اللاتينية، إلى ما يتلو ذلك من مواقف كثيرةٍ له معلومة، ولكنه لم يكن في كل ذلك يتزعم تيارا مستقلا قائم الذات، بل أنه كان يعمل تحت إشراف البابا الراحل وبتوجيه منه وبمباركة من لدنه. فيوحنا بولس الثاني هو الذي استقدم الكاردينال الألماني كي يتولى تلك الوظيفة، وهو الذي أثناه عن الاستقالة كل ما ساورته الرغبة في ذلك للانصراف إلى البحث والتدريس، وكانت تربطه به علاقة وثيقة، حتى قيل بأن راتزينغر هو الذي اضطلع بالقيادة الفعلية للكنيسة خلال السنوات الأخيرة من حياة البابا الراحل.
لذلك فإن محافظة البابا الجديد، على تلك الأصعدة الأخلاقية والقيمية، هي من محافظة سلفه وستكون استئنافا لها. وفي أول كلام علني قاله بينيدكتوس السادس عشر، بدا كمن يستعيد "برنامج" سلفه بحذافيره ودون أن يغير منه شيئا، بما في ذلك ما يتعلق بالحوار مع الديانات الأخرى، وهو ما كان يُخشى أن يؤدي انتخاب الكاردينال الألماني، الموصوف بـ "الأصولية"، على رأس الكنيسة الكاثوليكية إلى قطعه وإلى إجهاضه. ذلك أن البابا الجديد، مثله في ذلك مثل سابقه، قد لا يرى أن مشكلة الكاثوليكية في طورها الراهن هي مع الديانات المغايرة ومع الاتجاهات الروحية الأخرى، خصوصا السماوية منها. وقد سبق له، مثلا، أن اعتبر أن "الإسلام يمثل تحديا إيجابيا" للكاثوليكية، وهو ما أوضحه، في موضع آخر، في معرض تفسيره لـ"الصحوة الإسلامية"، مشيرا إلى أنها "تتغذى من الوعي بأن الإسلام قادر على توفير قاعدة روحية صالحة لحياة الشعوب، وهي القاعدة التي يبدو أن أوروبا القديمة قد أضاعتها"... الرأي هذا رأي رجل لاهوت كاثوليكي، "أصولي" إن شئنا، قد يكون أكثر انشغالا بعقيدته منه بفهم واستكناه "الصحوة الإسلامية"، لكنه يبدو في كلامه هذا كمن يغبط لا كمن ينتقد ويناصب العداء، ضرورة وفورا.
أما ما هو أكثر إلحاحا في نظر هذا البابا الجديد كما في نظر سلفه، أما ما يمثل لهما ما يمكننا تسميته بـ"التحدي السلبي"، فهي الحداثة وقيمها: فرديتها النافية للمجموعة، متعويتها المغرقة في الآنيّة، علومها التي لا تسترشد بقيمة سامية، تنكرها لكل حقيقة متعالية، نبذها التساؤل حول المآلات الكبرى والقصوى للحياة البشرية، وتفاصيل كل ذلك "الشنيعة" في حياة الناس، من زواج المثليين إلى المطالبة بسيامة النساء إلى ما إلى ذلك الكثير.
هل يسعى البابا الجديد إلى ملاءمة الدين مع الحداثة؟ الأرجح أن طموحه، مثل طموح سلفه، أكبر من ذلك، ويتمثل في جعل الدين هو المتحكم في دفة الحداثة، يوجهها ويستوعبها، ويسبغ عليها المعنى الذي أخفقت في إسباغه على نفسها... بل أن البابا الجديد يتوسم في الدين قدرة لا حدود لها على ذلك. فهذا "الأصولي" متفائل، مع ما قد ينطوي عليه الجمع بين الصفتين من مفارقة!

22:00 Permalink | Email this