« دولة المغرب ساعية إلى تنظيف ذاكرتها | HomePage | ... عن الحرب والحوار بين الولايات المتحدة و«الإسلاميين المعتدلين» »

23/04/2005

واشنطن وتل ابيب والمرجعية الذاتية المكتفية

صالح بشير(كاتب تونسي) الحياة 2005/04/17

ربما أنجز أرييل شارون بعض أبرز مناوراته السياسية بزيارته الأخيرة إلى الولايات المتحدة: استقوى على جورج بوش بالمستوطنين واستقوى على المستوطنين بجورج بوش. شق عصا الطاعة على رئيس الدولة العظمى الوحيدة في العالم والحليف - التوأم، ورفض استجابة دعوته إلى تجميد الاستيطان، فبدا في أنظار مواطنيه، بمن فيهم أهل التطرف منهم، حريصا على مصالح الدولة العبرية، لا يتورع في سبيل ذلك عن معاندة الإمبراطور في عقر داره. كما أنه بدا في نظر الإدارة الأميركية الحصن الحصين في وجه متطرفيه «الداخليين» (هل المستوطنون داخليون؟) وسواهم، مُقرا العزم على المضي في ما أزمعه من انسحاب أحادي الجانب من قطاع غزة.

وشارون ما كان، في الحالتين، يخاطر بشيء ذي بال. فلا جورج بوش كان سيجبره على ما لا يرتضيه، بالنظر إلى ما بين الدولتين من وشائج معلومة، مكينة راسخة، خصوصا في عهد هذه الإدارة الإيديولوجية، ولا اعتراض المستوطنين، مهما بلغت بهم الهستيريا والفولكلورية، بالأمر الجدّي والذي يُعتدّ به فعلا أمام دولة كتلك الإسرائيلية تُفترض لديها القدرة على إلزام مواطنيها بقراراتها. لكن أرييل شارون يضخم ويهوّل، إذ هل يمكن لـ«تنازلات» كتلك التي سيقدم عليها أن تكون مؤلمة ودراماتيكية، وأن تُقنع بمدى إيلامها ودراماتيكيتها إن لم تضع الدولة على شفير الحرب الأهلية، على ما تخوّف شارون مؤخرا، علما بأنه في حال نشوب «نزاع أهلي» بين اليهود، يبادر به المستوطنون، فسيكون وقوده الفلسطينيون لا محالة، من خلال تكثيف الاعتداءات عليهم، ويُستبعد أن يسيل دم يهودي بيدي يهودي آخر، وربما «بشّرتنا» محاولة اقتحام المسجد الأقصى قبل أيام بنوعية «الحرب الأهلية» التي قد يُضرمها المستوطنون، اعتراضا على ما تزمعه دولتهم من انسحاب هو أقرب إلى إعادة الانتشار.

غير أن لاعتراضِ المستوطنين وظيفة ومزيّة أخرى تتمثل في إظهار شارون، الحامل التقيليدي لصفة «الصقر»، بمظهر المعتدل وتبييضه كتبييض المال الوسخ. إذ أن إسرائيل، كما هو معلوم، مرجعيتها ذاتية، لا موضوعية، في شأن التطرف أو الاعتدال. فهذان لا يُقاسان بمقاييس من قبيل الموقف من التسوية ومدى الاستعداد لأقربها إلى العدالة أو مدى احترام التشريعات والقوانين الدولية والتقيد بها مثلا، بل أن المعتدل الإسرائيلي يكتسب صفته تلك، فقط وحصرا، قياسا إلى متطرف محلّي. والملمح ذاك ثابت لا طارئ لدى إسرائيل، يكون نافرا أو أقل نفورا لدى هذا الطرف أو ذاك من أطرافها لا أكثر. فالدولة وامتدادها الترابي لم يُبررا ولا يُبرران بمعايير وضعية كتلك التي تواضعت عليها البشرية الحديثة واصطلحت وباتت سارية تحكم العلاقات بين كياناتها، حربا أم سلما، بل يسوّغها وعد إلهي، غيبي، وحصريّ فوق ذلك. وهو ما يلغي كل أساس موضوعي، أي ما يمكنه أن يكون مشتركا، للتسوية. لذلك بدت إسرائيل دوما، في عهدها الشاروني هذا كما في العهود العمّالية السابقة، حتى أثناء طفرة اتفاقات أوسلو وما أعقبها، كمن يتفاوض مع نفسه بالأساس، يهدد بإلغاء صفة «الشريك» عن الطرف المقابل، بل يلغيها...

ولعل الملمح ذاك هو وشيجة التماثل الأقوى والأوثق بين إسرائيل والولايات المتحدة. فهذه الأخيرة أيضا مرجعيتها ذاتية في ما تفعل أو لا تفعل. وتلك سمة فيها لم يستحدثها جورج بوش وإن استفحلت في عهده وبلغت الأقصى. فالاعتبارات الأميركية كانت دوما راجحة على كل قانون أو عرف دوليين، والكونغرس الأميركي لم ينتظر حلول الإدارة الحالية كي يسن قوانين يزعم سريان مفعولها على العالم، بعضه أو بأسره، أو كي يصدّ تشريعات أو بروتوكولات أقرتها الإرادة الدولية من خلال الأمم المتحدة، شأن برتوكول كيوتو حول البيئة مثلا، ذلك الذي رفضه الكونغرس إياه منذ عهد بيل كلنتون. لذلك، لم يفعل جورج بوش لدى إقدامه على غزو العراق أو ما كان من قبيل ذلك من مبادرات انفرادية أحادية اقترفها، وقد يقترف سواها في السنوات المقبلة، غير دفع ذلك المنطق، أي منطق الاحتكام إلى تلك المرجعية الذاتية حصرا أو في المقام الأول، إلى أقصاه وإلى أبعد نتائجه.

قد تكون تلك هي الأخوّة الحقيقية الرابطة بين إسرائيل والولايات المتحدة، أو على الأقل بعض أمتن عناصرها وتجلياتها، وهي التي تجعل رئيس حكومة الدولة العبرية، عندما يحلّ ضيفا على الرئيس الأميركي في واشنطن، أو صديقا حميما في مزرعته في تكساس، يُخاطب مضيفه بكلام يفهمه وبمفردات يفقهها وبمنطق يستوعبه، وذلك ما قد يعجز عنه زائر آخر، يتحدث استناداً إلى القوانين والقرارات الدولية أو إلى متطلبات العدالة والإنصاف أو إلى ما إلى ذلك من مثل تلك المبادئ الوضعية والموضوعية، والتي يفترض أن تكون، بصفتيها هاتين، موضع إجماع ومنطلقا لتبني مفردات مشتركة بين مختلف أطراف هذا العالم.

لكل ذلك، عاد شارون وقد ازادادت التسوية ابتعادا وتعذرا، هذا إن افترضنا أنها كانت يوما قريبة في عهده، في حين استفحل اضطراب الألفاظ والكلمات وتشويشها وطمس حقيقة أشيائها ومسمياتها. وهكذا يجري التمييز، أو ادعاء التمييز، بين مستوطنات «شرعية»، يمكن المحتلّ الاحتفاظ بها بل توسيعها ما عنّ له ذلك، وأخرى «عشوائية»، دون أن يجادل في الأمر ذاك أحد. كما لو أن إقامة المستوطنات واستقدام المستوطنين على أرض محتلة، ويقرّ العالم بصفتها تلك، يمكنه أن يكون شرعيا، في حين أن التمييز الأصح هو بين «مستوطنات رسمية» وأخرى أُقيمت بمبادرة أو بتنطعٍ، من قبيل إيديولوجي أو أصولي، خاصّيْن، مع أن الفارق بين النوعين منعدم من حيث «الشرعية». أما بالنسبة إلى الأولى، فإسرائيل مدعوة إلى تفكيكها وإزالتها وأما بالنسبة إلى الثانية، فهي مطالبة بضبط مرتكبيها، تماما كما لا تتورع هي عن مطالبة السلطة الفلسطينية بمواجهة «الحركات الإرهابية» وتعتبر إنجازها تلك المهمة شرط القبول بها «شريكاً» في عملية السلام.

لقد استشرى الضعف والوهن، وبلغ مبلغ التسمم الذاتي، حتى باتت بعض الترهات، كالتمييز الآنف الذكر، ملسمات، في نظر الضحايا قبل سواهم. والحال أن هناك شيئا أساسيا في كل نزاع لا يجب أن ينال منه ميزان القوة مهما انخرم واختل، وذلك الشيء هو حقيقته ومكوناته الأصلية، وتلك يجب أن تظل آخر ما يُصرُّ عليه...

10:13 Permalink | Email this