« في معاني اختيار (الكردي) جلال الطالباني رئيساً | HomePage | واشنطن وتل ابيب والمرجعية الذاتية المكتفية »

23/04/2005

دولة المغرب ساعية إلى تنظيف ذاكرتها


المستقبل - الاحد 17 نيسان 2005 - العدد 1893 - نوافذ - صفحة 11

صالح بشير

في موعد ما، لم يُصر إلى تحديده، بين الآن وحتى موفى هذه السنة، ستُقدِم الدولة المغربية على "تنظيم" (ذلك هو المصطلح كما ورد في الأنباء) حداد وطني على ضحاياها! وستفعل ذلك دون انتظار صدور التقرير النهائي لـ"هيئة الإنصاف والمصالحة"، التي بُعثت بمبادرة من الملك محمد السادس قبل سنة، ثم مُدِّد لها، بطلبٍ منها، ثمانية أشهر أخرى، لأنها لم تفرغ مما شرعت فيه ولم تستنفده، وأنّى لها أن تحيط خلال عام واحد بجورٍ وبطشٍ وانتهاك لحقوق البشر استغرق اقترافها، على نحو منهجي في بعض الحالات والأطوار، عقودا: منذ غداة استقلال البلاد في سنة 1956 إلى سنة 1999 وبدء عهد العاهل الجديد؟
لكن التحقيب هذا، خصوصا سنة النهاية، احتُفظ به على سبيل التواضع أو الاصطلاح، وهو بالتالي لا يفترض قطيعةً ولا يفتعل صرْما بين سابقٍ ولاحقٍ، ولا يزعم نسبة الفظائع إلى عهد الملك الراحل وتبرئة خلفه ونجله منها. أو أن الأمر ليس كذلك بالضرورة، مع أن بعض المنظمات الحقوقية المغربية، وقد بات ينعم بقدرٍ من حرية التعبير يُحسد عليه في بقية أرجاء المنطقة، يرتاب في ذلك ويجهر بارتيابه، على ما فعلت "الجمعية المغربية لحقوق الإنسان"، التي أخذت على "هيئة الإنصاف والمصالحة" حصرها أعمالها في تلك الحقبة الزمنية، والتي قال رئيسها "نشهد سلسلة جديدة من الانتهاكات الخطيرة منذ العمليات الانتحارية في الدار البيضاء في السادس عشر من أيار 2003.. اختطاف للمئات من الإسلاميين وحالات تعذيب ومحاكمات شكلية". ولم تتوقف الجمعية المذكورة عند إبداء الاستنكار والانتقاد بل عمدت إلى تنظيم جلسات استماع موازية لتلك التي تنظمها "هيئة الإنصاف والمصالحة".
كل ذلك من حيوية النقاش الدائر في المغرب حاليا، حول الشأن العام، علنياً وحرًّا. أما القول بأن سلطات المملكة، وأعلى مراتبها ممثلة في العرش، إنما أرادت فضح اقترافات الماضي لتتستر على انتهاكات الحاضر، فقد يكون من قبيل المبالغة أو ناجما عن سوء فهم، مع العلم أنه لا سبيل إلى تبرئة الحاضر ذاك، أقله لأن أجهزة الأمن التي درجت، طيلة عقود، على "ثقافة" قمع وتجاوزٍ بعينها، لا يمكنها الانفكاك عن رواسبها بسهولة، وهي لا تزال، في الصدد ذاك وفي أحسن حالاتها، في طور إعادة التربية والتأهيل.
بل ربما أمكن قول العكس، والذهاب إلى أن أبرز ما يلفت في جهد المحاسبة هذا وما يصنع فرادته على الصعيد العربي، إنما هو نبذه لفكرة القطيعة وتركيزه على الاستمرارية. وراء ذلك أسباب قد تكون موضوعية، أولها أن العاهل الحالي لا يريد صرم رابطة الأبوّة مع سلفه الراحل الحسن الثاني، مع أن التاريخ يوفر شواهد كثيرة على أن تأسيس السلطان لا يتورع عن قتل الأب، رمزيا أو فعليا، إن دعت الحاجة إلى ذلك. ثم إن ما جدّ خلال السنوات الأخيرة من حكم الحسن الثاني جعل من حصيلة ذلك الحكم ملتبسة، لا تنحصر في القمع وفي انتهاك الحقوق الإنسانية، رغم أن السمة تلك هي التي كانت غالبة عليه، إن بالمقياس الزمني وإن بمقياس الفداحة. فالعاهل الراحل هو الذي افتتح أبواب الديمقراطية والتداول على السلطة وإن لم يشرعها تماما، وهو الذي بادر إلى الإقرار بانتهاكات حقوق الإنسان، بعد طول إنكار، فأصدر عفوه عن سجناء الرأي وأغلق معتقل تازمامرت الرهيب (ذلك الذي باتت صفة "الرهيب" هذه جزءا من اسمه لا يُذكر إلا بها)، مقبرة الأحياء. هل عاد ذلك إلى الضغوط الخارجية أم إلى وعي العاهل الراحل بأن المغرب تغير وتنوّع وتعددت نخبه، أوساطا ومشارب، وما عادت تنحصر في تلك المرتبطة بمؤسسة "المخزن" التقليدية، وأن البلد ما عاد يمكنه أن يُساس كما سيس من قبل؟ قد يكون. وذلك، على أية حال، جدل قد لا يُجدي، وقد يبقى مفتوحا لا يُحسم إلى ما لا نهاية. المهم، وقائعيّاً، إن إرهاصات ذلك التحول، بل بوادره ولبناته الأولى، حصلت في عهد الملك الراحل فسهّلت على خلفه الارتداد على انتهاكات تلك الحقبة، محاسباً مُسائلاً، دون أن يبدو كالمنقلب على سلفه ووالده.
لكن الأهم في تلك المقاربة القائمة على الحرص على الاستمرارية، أنها بصدد التأسيس لفكرة الدولة، بمعناها الحقيقي أي الذي لا ينحصر في كونها "سلطة"، وهنا عنصر جدتها الأساسي قياسا إلى مألوفٍ عربي مقيم. فما يجري في المغرب حاليا، من خلال عمل "هيئة الإنصاف والمصالحة" وأشياء أخرى كثيرة، إنما هو استبدال "النظام" بالدولة. فما يسميه العرب عادة "دولة"، هو في الحقيقة "النظام"، وهذا يرتبط بشخص، وببطانته، أو بفئة، حتى إذا ما زال ذلك الشخص أو تلك الفئة، انهار نظامه أو نظامها وجُبّ، وأمكن البدء من جديد أو اصطناع ذلك. كل المسؤوليات ترتبط بالنظام المذكور لا تتعداه ولا تعيش بعده.
المقاربة التي استحدثها الملك محمد السادس، تُناقض ذلك تماما، إذ تعتبر أن الانتهاكات التي ارتُكبت في عهد الملك السابق لم ترحل برحيله، ولا يمكن التبرؤ منها. هناك بطبيعة الحال جرائم يقع وزرها على من ارتكبها، أمرا أو تنفيذا، ولكن تلك مسألة أخرى قد ينظر فيها القضاء في يوم من الأيام، وذلك حق وراءه في المغرب طالبٌ بل طالبون. ولكن هناك أيضا انتهاكات تتحمل الدولة، بصفتها تلك، مسؤوليتها، ولا يمكن لرمزها الحالي أن يتنصل منها، وأن يكتفي بنسبتها إلى من سبقه، وإلا انتفت استمرارية الدولة، ككيان متعالٍ ومسترسل، وبات التداول على رأسها مجرد تعاقب أنظمةٍ. صحيح أن المغاربة يتمتعون بحس الدولة ربما أكثر من سواهم من العديد من شعوب المنطقة، ولكن الحس ذاك كان ناشئا عن التعلق بالعرش والالتفاف حوله، أي عن ضرب من مماهاتها به، في حين أن ما تشهده المملكة حاليا، يبدو نوعا من اجتراح الدولة بمفهومها الحديث أو الأقرب إلى الحداثة.
وتلك هي الوظيفة الذي يبدو أن "هيئة الإنصاف والمصالحة" تضطلع بها. فهي ليست لجنة تحقيق، بالمعنى القضائي، بل هي أشبه بالطقس وبالرقية الجماعية. مهمتها الوقوف على حجم ما ارتُكب، وإعلانه على الملأ، من خلال تلك الشهادات الدراماتيكية، والمُمشهدة تلفزيونيّاً، على لسان الضحايا، إقرارا بمسؤولية الدولة على ما حصل، وهو إقرار ستسكمله التعويضات التي ستُدفع والحداد الوطني الذي "سيُنظم" قبل نهاية السنة.
ولا شك في أن إدراج تلك المسؤولية ضمن استمرارية الدولة، ربما مثل ضمانة للمستقبل، ونوعا من التأسيس لثقافة حقوق الانسان، وهو ما لا يمكن أن تفي وأن تنهض به نسبة الانتهاكات إلى نظام ولّى، وغسل اليدين منها بأيسر الطرق، وافتعال براءة منها لا تحصّن من تكرارها.

10:11 Permalink | Email this