« "الأقطار و"الأوطان": العيش بين استحالتين؟ | HomePage | في معاني اختيار (الكردي) جلال الطالباني رئيساً »

16/04/2005

البابا الذي انحنى لكل أرض

المستقبل - الاحد 10 نيسان 2005 - العدد 1886 - نوافذ - صفحة 10

صالح بشير

نال البابا يوحنا بولس الثاني ما لم يسبق سوى للقلة المُصطفاة أن نالته: تحوّل إلى أيقونة وكان لا يزال حيا يسعى، وإن كان سعيه ذاك بات في السنوات الأخيرة من عمره المديد وئيدا شاقا، جراء العجز والوهن والشيخوخة وتكالب الأمراض... صحيح أن مثل ذلك كان في متناول مستبد من طينة ستالين، كان قد بلغ تلك المرتبة في حياته، ولكن على ذلك النحو الذي تحسن "الأحزاب الحديدية" اصطناعه، بتزوير السِّير الشخصية والتلاعب بالصور و"روتشتها" وما إلى ذلك من وسائل تدليسٍ كثيرة، حتى إذا ما قضى "أب الشعوب"، دُنِّست أيقونته وتقوّضت، بل أضحت أيقونة مضادة.
أيقونة البابا الراحل لا يتهددها ذلك المآل، مع أن تراث الكنيسة الكاثوليكية في ذلك الصدد ثري إلى درجة الإشباع. الموت لن يجبّها، بل أنه أكدها ورسّخها، بل إن يوحنا بولس الثاني استكمل رسم قسماتها وثبّت تلك القسمات في أثناء احتضاره، والجموع "تُساهره" في ساحة القديس بطرس في الفاتيكان، شاخصة الأنظار نحو نافذتين مضاءتين في الطابق الأخير حيث كان مقر الراحل، والعيون دامعة والأصوات تتوجه خفيضةً إلى السماء بالدعاء وبالصلاة.
لماذا لم يستقل يوحنا بولس الثاني عندما اشتد به المرض وأنهكه وأقعده؟ عندما لُمِّح إليه بذلك الاحتمال، صدّه مستنكراً "وهل ترجّل المسيح عن صليبه؟". البابوية ليست منصباً حتى يُستقال منه، بل هي رسالة يجب أن تُؤدّى. قد يكون القول بذلك ضربا من "مبدأ"، يرسم أفقا لا يُدرك، لا يقوى عليه البشر، والبابوات من سويّة البشر ومن طينتهم وإن استعاروا من السيد المسيح قبَسا من قداسة أو حصّنتهم "العصمة"، ولكن يوحنا بولس الثاني أدرك ذلك الشأو، وقد يكون أدركه لحظة وفاته، وقد يكون انفرد بذلك بين البابوات الذين تعاقبوا على رأس الكنيسة الكاثوليكية.
قد يكون المسيحي الأكمل أو الأقرب إلى الكمال، هو ذلك الذي يكون الأقرب إلى التشبه بحياة السيد المسيح. وهل المسيحية غير سيرة يسوع الناصري، وهل أناجيلها الأربعة غير روايات، متعددة ومتواشجة، لوقائع تلك السيرة؟ المسيحية ـ وذلك ما قد يكون المسيحيون أكفأ منّا في الخوض فيه ـ سيرة قبل أن تكون تعاليم، أو هي سيرة تلابس تعاليم فلا تنفكّ عنها ولا تنفصم. السيرة تلك ليست "سنّة" تكمّل وحياً، بل هي والوحي سواء. لذلك، فإن المسيحي الأنجح هو ليس فقط ذلك المتقيّد بتلك التعاليم، بل القادر أيضاً على تمثل تلك السيرة، وعلى استعادتها وعلى محاكاتها في حياته البشريّة... قدر مستطاع البشر.
ولا شك في أن يوحنا بولس الثاني، وهو الذي كان صوفيّاً في إيمانه قد لا يستبعد فكرة الحلول، متعلقا بالسيدة العذراء تعلق من يعتبر نفسه أخاً غير شقيق (إذ دون الأخوّة الناجزة جلال الربّ) للسيد المسيح عبر رحمٍ من محبة، قد نجح في أخريات أيامه في بلوغ ذلك التشبه وفي إدراك تلك المحاكاة، إذ جعل من جسده المعذب وسيلته الوحيدة والقصوى للحضور وللتعبير. فقد القدرة على الحركة وغاض صوته أو استحال حشرجةً، وما عاد قادراً إلا على إتيان بعض أفعال رمزية، يساعد طفلا على إطلاق حمامةٍ حرون من شرفته أو يهمّ بالنطق فيخرسه الوهن فينطلق صوت المسجل بديلاً عنه. لم يبق له من فعل سوى الشهادة، وهذه يخطّها على جسده المتعب الواهن وبواسطة جسده المتعب الواهن. لم تبق له من طاقة غير تلك الروحية وهذه استغرقتها مكابدة العذاب واقتصرت عليها اقتصاراً يكاد يكون حصرياً. وبذلك ولهذا السبب، تعذرت الاستقالة، إذ "هل ترجل المسيح عن صليبه؟".
والمعاناة تلك كان يمكنها أن تكون شخصية، سعيا فردياً نحو الخلاص عبر العذاب، ولكن البابا الراحل جعلها همّ المسيحييين الكاثوليك، بل هم البشرية قاطبة، وهذه شاطرته احتضاره، حتى استشعر الكثيرون، على اختلاف العقائد والأديان، معه سكرات الموت كأنهم "يعيشونها"... إلى ماذا يعود ذلك؟ إلى موقع الرجل على رأس الكنيسة الكاثوليكية؟ ولكن ذلك لا يعني، نظريا، أحدا غير أتباع تلك الكنيسة، وإن تجاوزوا البليون نسمة. هل يعود ذلك إلى أن الرجل بدا، طوال سنوات "حبريته"، كمن يقدّس الأرض بأسرها، حيث كان، وهو الذي كان كثير الترحال، كلما أقبل على بلد يقبّل أديمه، وكان يسمّي أسفاره وتنقلاته "حجًّا"، سواء زار الهند الهندوسية أو كوبا الشيوعية، أو موطنه الأصلي، بولنده المسرفة في كاثوليكيتها، أو أي مكان آخر من هذا العالم الرحب جغرافياً وعقائدياً، وسواء دخل كنيساً يهودياً في روما أو زار المسجد الأموي في دمشق أو وقف متهجدا أمام حائط المبكى في القدس؟ أم هل يعود ذلك، استطرادا، إلى أن البابا بدا كمن اهتدى إلى خلاصة أو جوهر الروحانية الجامعة بين بني البشر، على تباين دياناتهم ونحلهم وعلى ما بين تلك الديانات والنحل من نزاعات، موروثة أو طارئة، كامنة أو مفتوحة، وعرف كيف يخاطبها، ساعياً إلى الحوار، ليس فقط مع ديانات المحتد السماوي الواحد، شأن اليهودية والإسلام، بل وسع دائرة الحوار لتشمل البوذيين وسواهم، ناهيك عن الأفارقة الذين اعتنقوا المسيحية، وخالطت المسيحية معتقداتهم الوثنية ولابستها دون أن تجبّها، فإذا البابا الراحل يبتسم متسامحا، أثناء حج له إلى أحد بلدان القارة السوداء، لنساء كن يرقصن أمامه عاريات الصدور.
أم هل يعود ذلك إلى أن البابا الراحل قد أفلح، من خلال آلامه المتمادية والتي رفعها رايةً، في مخاطبة معذبي الأرض، ضحايا الفاقة والجوع والاستغلال والأوبئة والإهمال، تلك الكثرة التي يعيش أفرادها بأقل من دولارين في اليوم الواحد، أولئك الذين ما عاد يوجد من يخاطبهم. أفِلت الإيديولوجيات التي تنطق بتوقهم وبتطلعاتهم وتعمل على خلاصهم أو تدّعي ذلك، فباتت مأساتهم لا يتولاها إلا العمل الخيري، لا مشكلة استئثار بالثروات وسوء إدارة لها وتوزيع ونتاج انخرام بنيوي وإجحاف أصلي، وأضحوا نهبا لتكنوقراط العولمة يتحكمون في مصائرهم.
لا شك أن البابا كان كل ذلك وأكثر من ذلك... وهل لسيرة كتلك التي عاشها يوحنا بولس الثاني أن يحتويها تفسير واحد أو أن تستنفدها تفسيرات منتهية ناجزة؟

10:07 Permalink | Email this