« إنعقاد القمة... اللاحدث | HomePage | "الأقطار و"الأوطان": العيش بين استحالتين؟ »

08/04/2005

الهامش الضيق للوطنية الفلسطينية

صالح بشير الحياة 2005/04/3

هل يرتدّ الخط الذي اختاره وجسّده محمود عباس على الفلسطينيين؟ فالخط ذاك، إذ يفترض التسوية حيث لا تسوية عمليا، قد يخاطر بأكثر مما خاطرت به الانتفاضة الثانية في أطوارها العنيفة، بحيث قد يوفر غطاء من شرعية فلسطينية لما تفرضه إسرائيل أمرا واقعا، انفراديا وأحاديا، ويُسبغ عليه سمة الرضا الفلسطيني.

بطبيعة الحال لا يُقال هذا من باب الطعن في الرجل، خصوصا أن الناخبين الفلسطينيين، إذ اختاروه خليفة لياسر عرفات، قد صادقوا على خياراته، بما فيها انتقاده الشهير لـ«عسكرة الانتفاضة»، وارتضوها سياسة يلتفون حولها، ومن لم يفعل لم يقترح بديلا بل اكتفى بالامتناع والانكفاء. ثم أن لا مفاضلة بين استراتيجية وأخرى إلا من حيث الجدوى والقدرة على إحقاق الحق أو بعضه (وذلك غالبا ما لا يفهمه العرب و«مفكروهم» الكثر): فلا التفاوض فضيلة في ذاته ولا المقاومة، مسلحة كانت أم غير مسلحة، صنم يجب أن يُعبد، بل ان الأمر يتوقف على اللحظة والظروف وموازين القوة وأشياء أخرى كثيرة يُفترض أنها بديهية، إذ ليس من «ثوابت» إلا الهدف المنشود، وكل ما عداه قابل للاجتهاد.

لا غضاضة، إذاً، من حيث المبدأ، في أن يسلك محمود عباس طريق التفاوض، وأن يعتمده سياسة رسمية للوطنية الفلسطينية، وذلك بالرغم من أن انتقاده لـ«عسكرة الانتفاضة» قد يكون قابلا للنقاش، إذ ربما قال قائل إن المشكلة ليست في "العسكرة" تلك في ذاتها، بل في طريقتها، أي في عدم اقتصارها على أعمال مقاومة تطال الوجود الإسرائيلي، قوات احتلال أو مستوطنين، في الأراضي المحتلة سنة 1967، تلك التي يقر العالم بأنها الأراضي التي يجب تحريرها والتي ستكون حيّز الدولة الفلسطينية المنشودة، وتنطع تلك الأعمال نحو اقترافات في الداخل الإسرائيلي، ضد مقاهي أو مواقف باصات وما إليها من مناحي ومرافق الحياة اليومية والمدنية.

وعلى أية حال، ليس خط محمود عباس غير نتاج لهزيمة الانتفاضة الثانية، وهي هزيمة لا يتحمل الرجل مسؤوليتها، أقله لأنه توقعها وحذر منها مبكرا. لذلك فإن ما يؤخذ على خط محمود عباس إنما الظروف الموضوعية، وهذه ليست ملائمة للتفاوض إطلاقا. مشكلة ذلك الخط أنه لا يواجه العدوّ إلا بالنوايا السلمية، والحال أن العدوّ ذاك لا يعبأ بالنوايا ولا يعتدّ بها. العدو ليس مستعدا للتفاوض في حين أن الطرف الفلسطيني لا يمتلك أية وسيلة ضغط يرفعها في وجهه ليثنيه عن امتناعه. بل إن الوسيلة تلك إن توفرت، فعلى سبيل الاستعارة، ومصدر تلك الاستعارة معلوم: الولايات المتحدة، وهذه إن أبدت خلافات (محتشمة بالغة الاحتشام) مع إسرائيل، حول هذا التفصيل أو ذاك من تفاصيل سياسة الدولة العبرية حيال الفلسطينيين، إلا أنها تشاطرها توجهاتها الأساسية، مع كل ما تتسم به من إجحاف وشطط، في شأن النظرة إلى «التسوية» (هل تصح هذه التسمية!!). وذلك ما يمثل النقيصة الأساسية التي تعاني منها مقاربة محمود عباس السلمية، أي عدم استنادها إلى تعهد أميركي واضح لا لبس فيه بالعمل على إحلال تسوية «عادلة» أو مقبولة، أي افتقارها إلى العنصر الوحيد الذي كان يمكنه أن يجعل تلك المقاربة واعدة بحل.

واقع الحال الناجم عن ذلك هو الذي نعاينه حالياً: إسرائيل ماضية في إقامة الجدار العازل أو الفاصل، على أراضي الفلسطينيين وبمصادرة هذه الأخيرة، وكأن الانتفاضة لم تتوقف، وكأن محمود عباس لم يُنتخب. وهي ماضية في توسيع المتسوطنات وفي تهويد القدس، بشتى الوسائل، من التضييق على سكانها العرب إلى اقتناء العقارات من الكنيسة الأرثوذكسية، وهي تستعد للانسحاب من قطاع غزة دون أن يتم ذلك في إطار متفق عليه، وليس أمام السلطة الفلسطينية إلا الاستمرار في «التفاوض» أو في يتسمّى بذلك الاسم تزويرا وانتحالا، وفي إعلان الإيمان بالتفاوض سبيلا للحل، وإلا فقدت صفة «الشريك». ومآل ياسر عرفات وسنواته الأخيرة سجينا في المقاطعة، خير دليل أو أبلغ إنذار، على مغبة ما يعنيه فقدان صفة «الشريك» تلك.

لكن الاستمرار في الحرص على الظفر بتلك الصفة، مهما كان الثمن، وبالرغم مما هو معلوم عن نظرة أرييل شارون إلى «التسوية»، قد يصبح عمليا ضربا من التواطؤ، وإن غير الإرادي، يسبغ شرعية فلسطينية على ما تقوم به الدولة العبرية أحاديا وانفراديا، كما سبقت الإشارة، وقد يوحي بأن الفلسطينيين يعتبرون ما يجري لهم وبحقهم جزءا من مسار تسووي يرتضونه ويقرونه.

ما العمل؟ الهامش ضيق أمام الوطنية الفلسطينية في طورها الراهن. فهي لا تمتلك وسائل ذاتية تستقوي بها ولا يمكنها التعويل على أشقاء فقدوا كل قدرة على التأثير في شؤونهم ناهيك عن نجدة الفلسطينيين. أما العودة إلى تسعير الانتفاضة من جديد، على نحو ما كانت خلال السنوات الأخيرة، فيبدو أمرا بعيد المنال أو متعذرا، بعد أن أصاب الناس ما أصابهم من إنهاك. تبقى إمكانية واحدة: الإعلان، على نحو دراماتيكي ومشهود، بأن هذا الذي يجري ليس تفاوضا ولا تسوية، والمبادرة إلى التنصل منه والامتناع عن خوض غماره، ومطالبة الولايات المتحدة بطرح خطة لتسوية جدية، لا تكون كتلك الراهنة، حيث تكتفي إسرائيل بالتفاوض مع نفسها، مع رأيها العام ومع أولوياتها الإيديولوجية والأمنية، ولا تعير الطرف المقابل أدنى اهتمام أو اعتبار. فنيل صفة «الشريك» والفوز بسِمة «المعتدل»، لا يبرران بمفردهما كل هذه التضحيات ولا يسوّغانها.

قد لا يُرجى من خطوة كتلك أن تغير من أمر التسوية الشيء الكثير، في ظل ميزان القوة الراهن، لكنها قد تكتسب على الأقل مزية إشهاد العالم، ووضع الولايات المتحدة أمام مسؤوليتها، ومنعها من أن تتنصل من تلك المسؤولية بأيسر الطرق على ما هو شأنها حاليا، مدعيةً أن ليس ما يحفزها على التدخل، ما دام المعنيان «يتفاوضان» أو يقبلان على التفاوض، وما دام الطرف الضعيف، ذلك الفلسطيني، يعتبر ما يجري حاليا، مسارا تسووياً.

ثم أن تلك الفكرة التي طرحها مصطفى البرغوثي مؤخرا، حول ضرورة سلوك مسلك الاحتجاج المدني، يقوم به الفلسطينيون استنكارا لما يكابدونه يوميا، من تضييقات ومن مصادرة أملاك، على شكل تحركات «سلمية وديموقراطية»، كتلك التي تروق للولايات المتحدة، لا يجب أن تُهمل...

(كاتب تونسي)

16:16 Permalink | Email this