« الهامش الضيق للوطنية الفلسطينية | HomePage | البابا الذي انحنى لكل أرض »
08/04/2005
"الأقطار و"الأوطان": العيش بين استحالتين؟
المستقبل - الاحد 3 نيسان 2005 - العدد 1879 - نوافذ - صفحة 9
صالح بشير
لم يبق من العروبة السياسية، أقله تلك الرسمية، غير القليل أو نزرها اليسير، إن اتخذنا القمة الأخيرة للجامعة العربية مقياساً ومعياراً. علماً بأن الجامعة المذكورة انفردت حتى الآن بـ"النجاح" قياساً إلى كل المؤسسات الوحدوية الأخرى، وإن اقتصر ذلك النجاح على الديمومة وعلى الاستمرار دون الجدوى والفاعلية. ولعل هذا ما يفسر ذاك ويشترطه، أي أن الجامعة العربية ربما تمكنت من أن تستمر ومن أن تعمر، لقلة إنجازاتها أو لانعدامها، وتلك من السمات الفارقة للعروبة السياسية، حيث تتأسس الشرعية أو تُدّعى على الوعد لا على الفعل، وذلك على ما تُنبئ حال أنظمة عربية كثيرة، قامت، خصوصا تلك الإيديولوجية منها، على وعود قطعها "البيان رقم 1" ولم تتحقق يوماً.
بهذا المعنى تمثل الجامعة روح العروبة السياسية ومثالها. حيّزاً للكسل التاريخي بامتياز. رافقت تطورات المنطقة دون أن تفعل فيها، إلا نادراً أو لماماً، من حركات التحرّر الوطني إبان الحقبة الاستعمارية إلى حروب العرب ضد إسرائيل، إلى حروب العرب ضد العرب، إلى كل ما ألمّ بالشرق الأوسط وعلى حدوده، حتى احتلال العراق.
لكن الطلاق، وهو تاريخي ومقيم، بين واقع العرب وجامعتهم ربما لم يسبق له أن بلغ شأواً كذلك الذي بلغه هذه المرة الأخيرة في الجزائر، تلك التي شهدت قمة منبتّة عن راهن مجريات الأمور بتّاً كاملاً، فلم تبدُ معنيّة لا بالأوضاع العراقية ولا بتلك الفلسطينية ولا بتلك اللبنانية ـ السورية أو تلك السودانية وسواها الكثير. بدا الأمر كما لو أن المؤتمرين يقعون في بعدٍ آخر، من غير هذا العالم. يتحدثون عن إصلاحات نظرية، غير قابلة للإنفاذ غالباً، أو يستمعون إلى مداخلات العقيد القذافي الذي اكتشف نفسه فيلسوفاً، بالمعنى الشامل للعبارة، بعد أن كانت مواهبه تقتصر على التنظير السياسي وعلى كتابة القصة والرواية... وذلك لعمري طموح من لدن القائد الليبي مشروع، فمن يتعاطون الإبداع في دنيا العرب أو يحوزون لقب "المفكر" ليسوا أفضل منه في سوادهم الأعظم والمدلهمّ.
ولكن أمراً كذاك، إذا ما تمادى وثبت واستمر وتأبّد، كما هي حال ذلك القصور المقيم الذي يسم الجامعة العربية، يكفّ عن أن يكون شواذا يُقاس على مقياس عادي ويُدان باسمه (ما المقياس ذاك في مثل هذا المضمار؟!)، ليستقيم قاعدة ووظيفة أكيدة يجب أن تُفهما وأن يصار إلى تأويلهما بصفتيهما تينك.
إذ لعلة ما، يخجل العرب بأوطانهم، وقد يبخسون شأنها فيسمّونها "أقطاراً"، وهذه لا شرعية لها في نظرهم أو في نظر الكثيرين منهم، يجب نكرانها بالعودة إلى قومية جامعة، تمثل جامعة الدول العربية إحدى صيغها وتجلياتها. حتى إذا ما نطق "قوم" من "الأقوام" باسم وطنية ما، أو رأوا الالتفاف حول وطنية ما، شأن اللبنانيين أو كثرة منهم منذ جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، بدا ذلك للبعض، الذي قد يكون كثيرا، حاملا لوصمة الخيانة.
ذلك الانفصام بين العروبة السياسية وواقع الحال التاريخي للعرب إنما يعكس ذلك الانفصام بين أوطانهم ووعيهم لها. فهم يعيشون واقعا وطنيا، يحملون جنسيات وطنية، وقد يتعصبون لأوطانهم إلى درجة العنصرية حيال اشقاء لهم من أوطان أخرى، لأوهى الأسباب أحياناً، بسبب مباراة رياضية أو مسابقة غنائية، ولكنهم يرون الوطنية تلك وجوداً سياسياً ناقصاً، لا يكتمل إلا في العروبة أو بها. أوطانهم لا وزن لها، بصفتها تلك، حتى إن خاضوا أشرس النضالات من أجل تحريرها من المستعمر كأوطان، بواسطة حركات وُصفت بـ"الوطنية"، ولا يضير العروبة السياسية أن تكون مفرغة من كل محتوى، تفتقر إلى أية فاعلية تاريخية، كما يتبدى من قمم الجامعة العربية ومن مؤتمراتها العقيمة.
إلى ماذا يعود ذلك؟ إلى حنين أو إلى توق إمبراطوريين؟ إلى شعور الناس، "نُخباً" وجمهوراً، بأن لا وجود لهم يعتدّون به إلا في كنفٍ إمبراطوري، وبأن الأوطان، لأنها دون ذلك، ليست غير أمر واقع، غاشم مقيت، قد يرتضونه على مضض، بل وقد يتعلقون به على مضض، ولكنه يظل مثلوم الشرعية في نظرهم، يفضلون عليه ذلك الفضاء الإمبراطوري المُتوهّم والذي يعتقدون أن العروبة السياسية توفره أو تعد به، حتى في صيغة رثة لتلك المتمثلة في الجامعة العربية.
قد يكون... إذ أن القول بأن المطالب الوطنية تولتها في أحيان كثيرة حركات وتوجهات قومية، وأن في ذلك ما قد يفسر ذلك العزوف عن الأوطان، ليس صحيحاً دوماً. بعض تلك الحركات، كما هي الحال في بلدان شمال إفريقيا ضد الاستعمار الفرنسي مثلا، كان وطنيا، بمعنى "قطرياً"، صريحاً في "قطريته"، وهو إن تطلع إلى خارج الكيان، فمن بات التضامن لا الاندماج، أو من باب إحراج العدو المشترك والاستقواء عليه استناداً إلى استراتيجيات بقيت بالكامل وطنية. ومع ذلك، فإن كانت الكيانات المغاربية تبدو أرسخ وأشد عودا من نظيراتها في المشرق، إلا أن الكيانات تلك لا تبدو مكتفية بذاتها على نحو ناجز كامل، بل تكابد هي بدورها شرعية منقوصة.
ذلك لا يعني أن الكيانات الوطنية، أو "القطرية" كما يسميها القوميون، هشة، بل هي صلبة بالغة الصلابة، وإن لبس بعضها لبوس العروبة الإيديولوجية، تبدي قدرة فائقة على الثبات، كما دل تاريخ العقود الماضية، وما انفكت تزداد رسوخاً، استعصت على كل محاولات التوحيد، تلك التي بدت جدية، كتلك التي حاولها الزعيم المصري جمال عبد الناصر، أو تلك التي نحت منحى كاريكاتوريا، كتلك التي أقبل عليها العقيد معمر القذافي على نحو متعجل محموم حيال أطراف في المشرق والمغرب، قبل أن يصيبه اليأس فيتسبدل "الوطن العربي" بإفريقيا. غير أن الكيانات تلك، على رسوخها، ومع أنها الأفق الذي لا أفق سواه لعيش مواطنيها، أقله حتى الآن وعلى ما يشي المستقبل المنظور، تبقى مما لا يُقبل به قبولاً تاماً.
وتلك هي المعضلة العربية: ذلك التوزع بين أوطان، هي كل الموجود والمتاح، ولكنها تُنكَر، وبين توق إمبراطوري متعذر التحقيق، ولا ينفك يزداد تعذراً. تأزم مقيم إلى درجة الحؤول دون العيش، إلى درجة الإقامة بين استحالتين، استحالة ارتضاء الأوطان واستحالة تجاوزها نحو الحلم الإمبراطوري المنشود... خصوصاً وأن نُخب هذه الأمة في هذا الزمان، ليست من صناع الإمبراطوريات، إن اعتبرنا أن العصر يتسع لهذه الأخيرة.
لا حل إذن إلا بارتضاء الأوطان، كما هي وعلى علاتها، وتلك هي الطريق التي يشير إليها اللبنانيون... أما العروبة، فلا خوف عليها، إذ أن علاقة اللبناني أو التونسي أو سواهما بالفلسطيني وقضيته لن تكون يوما حيادية!
16:18 Permalink | Email this


