« العراق بعد برلمانه الاول منذ 50عاماً | HomePage | الهامش الضيق للوطنية الفلسطينية »

02/04/2005

إنعقاد القمة... اللاحدث

صالح بشير الحياة 2005/03/27

لنقرَّ للقادة العرب بضرب من «عبقرية». فهم قد أفلحوا، من خلال قمتهم الأخيرة في الجزائر، في اجتراح اللاحدث، في منطقة وفي حقبة يعصف بهما جسيم الأحداث! وذلك مما يكاد يبلغ مبلغ خارق الإبداع وخالصه.

وهكذا، لم تشهد القمة العربية الأخيرة ما يلفت، إذا استثنينا مداخلة العقيد القذافي، الذي تحدث وأسهب بوصفه فيلسوفا ومفكرا لا حاكما (معاذ الله!)، وإن كان القائد الليبي قد بدأ ينزع، في هذا الصدد، منزع الروتين، وما عاد يخرج على الناس إلا بصفته «الفلسفية» تلك، كما فعل بمناسبة احتفالات رأس السنة على قناة «الجزيرة»، عندما عيّر «مفكراً» عربيا آخر من ثقله ومن عياره بالجهل!

لكن كلام القذافي كان مسك ختام القمة، أما مداولات هذه الأخيرة وبيانها الختامي، فقد كانت مجرد تعليق على مجريات الأمور العربية تعليقا متنصلا تنصل المراقب غير الضالع وغير الكفء. فقد استنكر القادة العرب ما يجب استنكاره واستحسنوا ما يتعين استحسانه، وتوقفوا عند مواطن الخلل في عمل جامعتهم واقترحوا لها حلولا لن تقيل عثرتها على الأرجح، لتعذر إنجاز بعضها ولسوريالية بعضها الآخر، شأن ذلك «البرلمان العربي» الذي يزمعون إنشاءه واختاروا دمشق له مقرّا. إما عندما «بادروا»، لأنهم يعتقدون أن العالم وشعوبهم تنتظر منهم أن «يبادروا»، فقد استنجدوا بمبادرة تعود إلى ثلاث سنوات خلت، هي تلك الصادرة عن قمة بيروت في سنة 2002، والداعية إسرائيل إلى مقايضة الانسحاب الشامل (من كل الأراضي المحتلة سنة 1967) بالتطبيع الشامل (مع كل الدول العربية)، وتعهدوا بـ«تفعيل» (والمصطلح هذا من سمِج إنشاء بيروقراطيي جامعتهم) المبادرة تلك، بوفد يبشّر بها في أصقاع الأرض، اختلفوا بطبيعة الحال حول أعضائه.

ليس في الأمر ذاته ما يُعيب، لولا أن المبادرة إياها كانت الدولة العبرية قد قابلتها، في الإبّان، بإشاحةٍ إلى الإزدراء أقرب... كان ذلك قبل الحرب الأميركية على العراق واحتلاله، وقبل إنهاك الانتفاضة الثانية، وقبل أن تصبح سورية في وضع انكفائي دفاعي كما هي حالها الآن، وقبل أن تستكمل الولايات المتحدة استهتارها بـ«حلفائها» في المنطقة وأن تذهب في ذلك الاستهتار الشأو الأبعد... أي كان ذلك عندما كان ميزان القوة أكثر اعتدالا، أو على الأصح والأدق، أقل انخراما من انخرامه المطلق الحالي.

والمرء لا يدري كيف سيجبر القادةُ العرب إسرائيل على مقايضة الأرض بالتطبيع الآن وبتحقيق ما لم يكن متاحا لهم قبل ثلاث سنوات، اهترأ خلالها نصيبهم من ميزان القوة واضمحل؟ صحيح أن العرب أو سوادهم الأعظم لم يحسنوا يوما قراءة ميزان القوة ذاك، لا في الحرب ولا في السلام، ولكن أليس جليا واضحا على نحو يفقأ العينين أن إسرائيل ما عادت في وارد التسوية أو مقايضة شيء بشيء، وأنها باتت تأنس في نفسها القدرة على الاحتفاظ بالأرض ونيل السلام، بل التطبيع، معا وفي الآن نفسه، وانها إن رأت الانسحاب فلاعتبارات تخصها وتتفاوض فيها مع نفسها؟

ليس للعرب أن يطالبوا فقط بما يمكن إسرائيل أن تستجيب له، قد يقول مزايدٌ... ذلك ما لا ريب فيه ولا جدال، غير أن اعتراضا كهذا يفترض لدى غير العابئ باستجابة إسرائيل امتلاك القدرة على ردع الدولة العبرية عن امتناعها ذاك أو حيازة أسباب التأثير في خياراتها وتوجيهها، وإن بمقدار. وذلك ما لا قبل للعرب بادعائه، إن اعتمادا على الذات، أو حتى من باب التعويل على العالم الخارجي، فهذا يكاد ينحصر في أيامنا هذه في الولايات المتحدة، وهذه معلوم مدى ارتباطها الإيديولوجي، خصوصا في طورها البوشي هذا، بالدولة العبرية.

ولكن ما بالنا نناقش الأمر كما لو أنه يحمل ذرّة من جدية، في حين أن ذلك التعهد بـ«تفعيل» مبادرة السلام العربية، قد لا يكون شيئا في ذاته وقد لا يعدو أن يكون عنصرا في إقامة طقس، هو المتمثل في مجرد انعقاد القمة؟

فانعقاد القمة بات غاية في ذاته، لأسباب يحار المرء في تعليلها، والقمة، تلك التي يجب أن تستغرق وقتا معينا وأن تتوزع على جلسات وعلى جدول أعمال، يجب أن تحفل بأشياء تجعل المؤتمر مؤتمراً: شجب هذا الأمر والإشادة بذاك، دعم هذا البلد العربي واستنكار ما يتعرض له ذاك، البحث في قضايا إصلاح وما إليها، واتخاذ المبادرات، وإذا أعيت الحيلة في ذلك الصدد، صير إلى العودة إلى مخزون الجامعة العربية من مباردات لا تنضب وإلى نفض الغبار عنها، وإعادتها إلى التداول، حيّز انعقاد المؤتمر والأيام التي تليه.

وكما في الطقوس عادة، الشكل أهم من المضمون. والشكل هو ما يجب إنقاذه، لإشعار عمرو موسى بأنه رئيس بين الرؤساء، ند لهم يضاهيهم، أو لإشعار مصر بأنها لا تزال تتسنم قيادة العالم العربي، أو لإيهام طرف من الأطراف، متواطئٍ في التوهم وراض به، أن إجماعا عربيا يحضنه ويكتنفه، أو لتوفير منبر وجمهور للعقيد معمر القذافي كي يتسنى له إلقاء محاضراته «الفلسفية»، أو لتمكين الحريص على ذلك، سواء أمين عام الأمم المتحدة كوفي أنان أو رئيس حكومة إسبانيا ثاباتيرو أو زير خارجية فرنسا بارنييه أو مفوض السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي سولانا، من «عالم عربي» يخاطبه ككيان سياسي قائم الذات في هذا العالم...

والمؤتمرون يكتفون بإقامة ذلك الطقس لا ينشدون منه غير ذلك. أما أن يشكل كل ذلك طقسا مزريا، يمشهد عجز العرب ويفضحه على مرأى ومسمع من الملأ المحلي والعالمي، وأما أن ينبئ عن مدى الوهن في فهم ما يجري للمنطقة وعن الفعل فيه، فذلك ما لا يعبأ به أحد، أو ما يجري البت فيه خارج مثل تلك الهيئات الجامعة، كل على طريقته وعلى مستواه، اجتهادا فرديا تأتيه هذه الدولة أو تلك حسب ظروفها وحسب ما تراه. والمعنيون بالمنطقة فعلا، والقادرون على التأثير في مجريات أمورها، يعلمون ذلك علم اليقين، وهم لذلك لا يكترثون بالجامعة العربية وبقممها. لذلك ردت إسرائيل على قمة الجزائر مستهزئة بنتائجها، وكذلك فعلت الولايات المتحدة إذ اعتبرتها «فرصة أضاعها العرب» للتقدم بشيء يُعتدّ به ويؤهلهم الاضطلاع بدور الطرف المقبول محاورا وشريكا.

وهل لما هو لاحدث أن يستدرّ من التحليل والتعليق غير هذا؟

(كاتب تونسي)

13:35 Permalink | Email this