« 2005-02 | HomePage | 2005-04 »

26/03/2005

العراق بعد برلمانه الاول منذ 50عاماً

صالح بشير الحياة 2005/03/20

كان يُفترض في يوم الأربعاء الماضي، السادس عشر من آذار (مارس) الجاري، أن يكون تاريخيا بالنسبة إلى العراق، إذ كان موعد انعقاد أول دورة للمجلس الوطني الذي انتُخب أعضاؤه في الثلاثين من كانون الثاني (يناير) الماضي، لأول مرة في اقتراع حر وتعددي، منذ أن أطبقت الديكتاتورية على بلاد الرافدين قبل خمسين سنة.

كان يمكن لتلك الجلسة الأولى، التي اختيرت ذكرى مذبحة حلبجة، في السادس عشر من آذار 1988، موعدا لها، أن تشكل لحظة رمزية فاصلة، وبداية انبجاس السيادة العراقية وقد آلت إلى المواطن-الناخب، منبعاً لها ومُجترِحاً، وأن تمثّل أبلغ آيات التحدي للعنف والإرهاب، ذلك الذي حصد في ذلك اليوم نفسه 13 قتيلا و25 جريحا... غير أن شيئا من ذلك لم يحدث. انعقدت تلك الجلسة الأولى داخل المنطقة الخضراء، تحت حماية قوات الاحتلال وما تيسر من قوات محلية لا تزال قيد الإنشاء لم يشتدّ عودها، يحاصرها العنف فيُحيّد مفعولها أو يلغيه.

لعل ذلك ما يفسر ذلك العزوف، الذي أبدته الولايات المتحدة بشكل خاص، في الاحتفاء بذلك الحدث، علما بأن الأمر يتعلق بانبعاث أول مؤسسة ديموقراطية، أو هكذا يُفترض، منذ إنهاء حكم صدام حسين، ويمثل التسويغ الأخير للحرب التي خاضتها الولايات المتحدة في بلاد الرافدين ضد إرادة العالم، والتي ترددت وتنقلت بين التبريرات، من إزالة أسلحة الدمار الشامل إلى العلاقة المزعومة بين ديكتاتور بغداد وتنظيم «القاعدة»، حتى استقر بها المطاف على «نشر الديموقراطية»، وهو كما هو بيّن، «برنامج» يجمع بين خصلتين لا تتوافران في أية ذريعة سواه: فضفاض إلى أبعد حد، ونبيل بالغ النبل... كأجلى ما تكون الإيديولوجيات.

ليس في ما حدث يوم الأربعاء الماضي ما يستحق الاحتفاء. فالوضع الأمني لم يشهد استتبابا، أو بشائر استتباب، منذ اقتراع الثلاثين من كانون الثاني الماضي وانعقاد أول جلسة للمجلس المُنتخب، أي أن المؤسسات لم تحلّ محل الفوضى المستشرية، على ما هو وظيفة تلك الأولى، أقله نظريا ومن حيث المبدأ، وليس ما يوحي بأنها ستفعل في المستقبل المنظور. كما أن العلاقات بين طوائف العراق وفئاته لا تزال كما كانت قبل الانتخابات، لم يطرأ عليها تغيير يُذكر، بل انها تبلورت في مواقف فئوية ولم تهتد حتى اللحظة إلى جامع وطني مشترك: الشيعة في جنوبهم والأكراد في شمالهم والسنة في اللامكان (سياسيّاً)، هذا إن اكتفينا بالمجموعات الأبرز. وتلك حالة كرستها الانتخابات الأخيرة عوض أن تذللها وتتخطاها، وهذه كانت كتجارب المختبرات: يُنال في آخرها نِتاجُ ما وُضع في مبتدئها. خيضت طائفيا فأفضت إلى كشف لميزان القوة بين الطوائف. فكانت في ذلك الصدد بمثابة الاستفتاء، وخاضها المتنافسون بصفتها تلك فلم يخطئوا في الوقوف على الغاية منها، بعد أن انتفت، عمليا، غايتها الوطنية.

صور تلك الجلسة الأولى إذاً غير صالحة للتسويق، على خلاف الحدث الإنتخابي، وما حفل به من رموز: الأصابع البنفسجية والمنتخبون يتدافعون، نساء ورجالا، شيبا وشبابا، على صناديق الاقتراع، في مشهد رائع لكنه ملتبس، أو هو رائع لأنه ملتبس، يجد فيه كل طرف ضالته، من اعتبره علامة تعبئة طائفية تفرض إرادةً قيد النشوء والتعبير كان له ما أراد، ومن رأى فيه ولادة مواطن ديموقراطي «حديث»، مصداقا على إمكانية نشر الديموقراطية بالحديد والنار، أمكنه ذلك، أقله على صعيد الدعاية.

لكن المشكلة تبقى قائمة، حتى كأن انتخابات كانون الثاني الماضي استهلكت كل مفعولها في لحظتها، أو أن الانتخابات تلك، ونتائجها، تطرح من الأسئلة أكثر مما تحمل من أجوبة. وأول تلك الأسئلة هو التالي: كيف يمكن لمجلس وطني ذي وظيفة تأسيسية، طالما أنه مدعوّ لصياغة الدستور النهائي للعراق، أن يفعل ذلك في غياب إحدى الطوائف الأساسية، أي السنّة؟ كيف سيتمثل هؤلاء بعد أن قاطعوا الانتخابات، طوعاً، لمآخذ لهم عليها، أو قسراً، أي خشية من الإرهابيين؟ هل سيتمثلون من خلال شخصيات من قبيل الشيخ غازي الياور، الذي قد يتولى رئاسة المجلس، وهل في نسبة الأصوات التي حصل عليها الشيخ المذكور في الاقتراع الأخير ما يخوله ذلك؟ أم هل سيشارك السّنة في صياغة الدستور من خارج المجلس، ووفق أية صيغة، ومن خلال أية تمثيلية: بعض من رجال الدين؟ ضرب من ممثلين «طبيعيين» من وجهاء وشيوخ عشائر وما إلى ذلك؟

إذا كان الأمر هكذا، وإذا كان سيتم النكوص نحو مثل تلك المراتب التمثيلية، فما الذي دعا إلى إجراء الانتخابات أصلاً؟ وهل يصح في هذه الحالة الاكتفاء «بمن حضر»؟ لا أحد يدري كيف سيتم تذليل المشكلة السنية، تلك التي استفحلت بفعل الانتخابات الأخيرة، عوض أن تقترب من الحل، إذ أنها بعد أن كانت مشكلة سياسية، أصبحت أيضا مشكلة مؤسسات، بل تهدد بالأزمة «المؤسسة الأم»، ذلك المجلس الوطني المدعو إلى وضع الوثيقة القانونية الأساسية التي سيقوم عليها النصاب العراقي المنشود، أي الدستور. بحيث قد لا يكون من قبيل المبالغة القول إن العراق بات أمام أحد احتمالين: إما وضع دستور، تعتبر إحدى الطوائف العراقية الأساسية أنها في حل من التقيد به، لأنها لم تشارك في صياغته، مما يفقده الوظيفة الإجماعية التي كانت مرجوّة منه، أو إعادة انتخاب المجلس الوطني على نحو يجعله لا يستثني أحدا.

وكل ذلك مما سبق التحذير منه عشية انتخابات كانون الثاني الماضي. حذرت منه شخصيات عراقية سنية رصينة بعضها لم يعد إلى بلاده إلا مع الاحتلال و«مرافقاً» له، ولا سبيل إلى اتهامها بممالأة الإرهاب. لكن الولايات المتحدة، التي صنّمت العملية الانتخابية حتى باتت غاية في ذاتها، أصرت على إجرائها في موعدها، وكذلك قادة الطائفة الشيعية، الذين استعجلوا الأمر، ربما لتحرقهم إلى عيش لحظة ولادتهم كأغلبية سياسية جديدة، من خلال طقس مشهود كذلك المتمثل في فعل الاقتراع. غير أن الوزر الأكبر ربما وقع على الطائفة السنية، تلك التي اختارت «سياسة الكرسي الشاغرة»، فأوغلت بذلك في ضرب من تناقض عضال: تبدي تعاطفا مع عنف تُزعَم له القدرة على دحر المحتل، ويتم من ناحية أخرى استبقاء نفس ذلك المحتل، من خلال الانكفاء عن المشاركة في ما من شأنه أن يرسي استقراراً، تعذّره أفضل الذرائع لدى ذلك المحتل.

الأزمة، إذاً، مطبقة لا تعد بمخرج... فهل في العراق مجتمع مدني خارق للطوائف، قادر على استلهام «انتفاضة الاستقلال اللبنانية»؟

(كاتب تونسي)

11:06 Permalink | Comments (1) | Email this

الديموقراطية بين حدّي الاستبداد والاحتلال

صالح بشير

المستقبل - الاحد 20 آذار 2005 - العدد 1866 - نوافذ - صفحة 9


هل استفادت المعارضة اللبنانية، في طلبها الانسحاب السوري والسعي إليه، من سطوة الولايات المتحدة في عهدها البوشي هذا، من مناصبة هذه الأخيرة سوريا العداء وإدراجها في محور "الشر"، من محاصرتها شرقاً من قبل قوات الاحتلال في العراق وجنوبا من قبل إسرائيل، من "تواطؤ" دولي ضد دمشق، مثلت باريس طرفاً فيه فاعلاً، وقاطرة لأوروبا، إلى جانب واشنطن؟ ذلك ما لا جدال فيه.
هل يفيد ذلك أن المعارضة اللبنانية تلك، على اختلاف تياراتها واتجاهاتها بل وتعاطفاتها الدولية، إذ استفادت من ذلك العنصر الخارجي وجنّدته لم تكن سوى أداته، سائرة في ركابه، تحوم حولها شبهة "الخيانة" و"الطعن في الظهر"، كما يرى البعض أو يُجزم، وفق سنّة التخوين الأثيرة والراسخة لدى "تقدميّي" العروبة ومناضليها؟ ليس أقل دقة، بل ليس أكثر خطأ من كلام كهذا..
إذ هو قد يقوم على افتراض واهٍ، مفاده أن ليس للبنانيين أسبابهم ودوافعهم الذاتية والوطنية (لمَ لا؟)، تحفزهم على طلب الانعتاق من سطوة القوة الشقيقة، التي سيطرت طويلاً على مناحي حياتهم السياسية والأمنية وسواها، على نحو ما باتوا يطيقونه وضاقوا به ذرعاً، على ما عبروا بوضوح وجلاء، خلال الآونة الأخيرة، منذ جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
بل إن أصحاب ذلك الرأي، إذ ينطلقون في النظر إلى الأمور من اصطفافات استراتيجية دولية وإقليمية لم تعد قائمة، ويتوهمون وجود "فسطاطين" حيث لم يبق فعلياً، أقله وفق المقاييس التقليدية، غير فسطاط واحد، وهو ما يبدو أن القيادة السورية، ممثلة في شخص الرئيس بشار الأسد، فهمته أكثر مما فعل موالون لها كُثر، قد غفلوا (أصحاب الرأي ذاك إياهم) عن أن المعارضة اللبنانية ربما أسدت، في العمق وفي نهاية المطاف، لـ"المحتل" السوري (ناهيك عن لبنان) خدمة جليلة، إذ مكنت الانسحاب السوري، وهذا بات لا مفر منه ولا مناص، من أن يظهر بمظهر الاستجابة لإرادة شعبية لبنانية، غالبة لا شك في رجحانها، لا مجرد انصياع أو إذعان لإملاء خارجي. وذلك ما قد يتخطى، أهمية وفعلا، اعتبارات من قبيل حفظ ماء الوجه.
بل بإمكان المرء أن يذهب إلى أبعد من ذلك، أي إلى أبعد من الحالة اللبنانية ـ السورية في ذاتها، ليزعم بأن اللبنانيين ربما اجترحوا، على نطاق عربي، الطريقة الأفضل في التعاطي مع مطالب الإصلاح وإرساء الديمقراطية كما يطرحها العالم الخارجي، وخصوصاً الإدارة البوشية الراهنة، في كنف ميزان قوة معلومة مواصفاته تُغني عن كل إسهاب.
فالولايات المتحدة جادة في ما تدعو إليه، وتمتلك أسباب إنفاذه، مع علمنا بأنها لا تفعل ذلك، ضرورة ولزاماً، من أجل سواد عيون الديمقراطية ورغبة في نشرها وبأن الدعوة تلك ليست أكثر من إيديولوجيتها الإمبراطورية. وهي لذلك تضع الشرق الأوسط، كبيراً كان أم صغيراً، أمام أحد احتمالين (أحدهما هو ذلك الذي ابتدعه لبنان): إما الركون إلى ممانعةٍ، تمثل الحالة العراقية نموذجها الناجز، واجهتها الولايات المتحدة بالطريقة التي نعلم، أي حربا جاءت بالقوات الأميركية إلى المنطقة، فأربكت نصابها ووضعت بلاد الرافدين على شفير الحرب الأهلية، ولم تفلح في إقرار الأمن ولا في إرساء الديمقراطية ولا هي أتت ما يبشر بذلك حتى الآن بالرغم من أن الاحتلال بات يناهز السنتين وبالرغم من إجراء الانتخابات الأخيرة. وإما أن تصبح مطالب الإصلاح والديمقراطية مطلباً داخلياً يستند إلى قوة شعبية محلية ترفعه وترفده (ولا ينحصر في نخبٍ ضيقة تحوم حولها شبه الارتهان للأجنبي)، وإن من خلال إصرار سيادي ليس موجهاً ضد الولايات المتحدة بقدر ما يلتقي، استراتيجياً أو تكتيكياً لا فارق في هذه الحالة، مع ما تريده واشنطن وتدعو إليه، وذلك هو الأنموذج اللبناني.
مزية هذا الأنموذج الأخير أنه ينتزع من الولايات المتحدة مبادرة السعي الديمقراطي، أو هو لا يتركها تنفرد به مطالَبة وتستأثر به إنجازاً. وهو لذلك قد يكون الأقدر على درء التدخلات الأجنبية، أقله في أكثر صيغها عسكرية وعدوانية وفجاجة، كما أنه قد يمثل حصانة للديمقراطية المنشودة والتي يُراد بناؤها. إذ أن صدور هذه الأخيرة عن إرادة شعبية لها من العنفوان ما أبدته تلك اللبنانية، لا عن فعل احتلال أجنبي أو إرغام خارجي سافر، قد يكون من عوامل تحصين السيادة الوطنية، أو على الأقل من عوامل ترجيح الاعتبارات الداخلية على تلك الخارجية، نفوذاً ومصالح. فصدور المطلب الديمقراطي عن إرادة شعبية، محلية، قوية وصريحة، وامتلاك زمام المبادرة به على ذلك النحو، هو ما قد يوفر بعض أسباب الاحتماء في وجه القوى الخارجية، ما عاد ميزان القوة، سواء كانت تلك القوة ذاتية (وهذه لم تكن يوما من سمات دول العرب وبلدانهم) أو مستعارة من الاندراج في نصاب استراتيجي بعينه، قادراً على توفيرها.
وهكذا، ربما مثلت الحالة اللبنانية النموذج الذي تنشده الشعوب العربية، ومن هنا أهميته التي تتخطى بكثير حدود ذلك البلد الصغير. فالنموذج ذاك، إذ يقوم على مواكبة ضغط العالم الخارجي باتجاه الديمقراطية والإصلاح، عوض الاكتفاء بممانعة عقيمة لا تدرأ عدواناً ولا هي قادرة على مواجهته إلا على نحو ما يفعل إرهابيو "القاعدة" وأبي مصعب الزرقاوي، مع ما لذلك ما نتائج كارثية معلومة، هو ما من شأنه أن يمكننا من الاندراج في العالم وفق أقل الشروط إجحافاً وفداحة.
خلاصة القول: إما "دمقرطة" على الطريقة العراقية، تفدنا بواسطة الدبابات الأميركية، وإما دمقرطة كتلك التي يقترحها علينا المتظاهرون اللبنانيون... ونحن مدينون لهؤلاء إذ ابتدعوا لنا هذا الاحتمال في زمن ضيق الاحتمالات وانسداد الآفاق، ومراوحتها بين الإقامة على استبداد يزعم حماية الأوطان، واحتلال يدعي خلاصنا وانعتاقنا.

11:05 Permalink | Comments (0) | Email this

19/03/2005

جماعات لبنان "الاستراتيجية"

ـالمستقبل - الاحد 13 آذار 2005 - العدد 1859 - نوافذ - صفحة 11
صالح بشير

لبنان لا ينفك يفاجئ. لم تتردد في الآونة الأخيرة، ومنذ جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، على ألسنة المراقبين عبارة في توصيف المجريات اللبنانية قدر تردد عبارة "المفاجأة". فقد استأثرت هذه الكلمة بالتحركات الشعبية الأخيرة في ذلك البلد بكل "صيغ التفضيل": التظاهرات التي سارت منددة بجريمة الاغتيال وسرعان ما تحوّلت "انتفاضة استقلالية"، احتفالية كما في "البلدان المتحضرة"، كانت "أول" و"أهم" حركة مدنية يشهدها الشرق الأوسط، وبداية "الربيع الديموقراطي" في تلك المنطقة وفي سائر المنطقة العربية. أما التظاهرات التي خرجت يوم الثلاثاء، نظمها الموالون وامتلك زمامها في حقيقة الأمر "حزب الله"، فكانت "أضخم مظاهرة في تاريخ لبنان".
في الأمر هذا ما قد يقلق على أكثر من صعيد. أن تكون "المفاجأة" هي كل المتاح "للطبقة السياسية" بمعناها العريض، قادة ونشطاء وأحزاباً وصحفاً ومحللين ومراقبين، فإن في ذلك ما يشي بأزمة كبيرة، هي أزمة فهم وأزمة فعل سواء بسواء، ليس أبلغ دلالة عليها من تخبط الموالين والمعارضين، تباعاً وحسب مستجدات "الشارع"، بين الحماس والإحباط، وانتقال الشعورين ذينك من معسكر الى معسكر في غضون أيام معدودات، على نحو قد لا يكون نهائياً بطبيعة الحال. كأنما "الشارع" العتيد هو من بات يمتلك زمام المبادرة، وكأنما الحياة السياسية اللبنانية صارت تجري، بل تُحسم، في "الشارع". وذلك ما يفصح عنه، على نحو يكاد يكون كاريكاتورياً، مآل رئيس الحكومة السابق ـ المقبل عمر كرامي، الذي أودت به مظاهرة وستعيده، على الأرجح، الى سدة الحكم، مظاهرة أخرى!
بطبيعة الحال، ليس من اعتراض مبدئي على "الشارع" وعلى دوره في الحياة السياسية، خصوصاً إن كان كاللبناني (معارضاً كان أم موالياً والحق يُقال)، قد طعّم الثقافة السياسية العربية بنكهة غير معهودة، هي تلك الصبغة المدنية التي تحلى بها متظاهرو ساحة الشهداء من ناحية، وبذلك الانضباط الذي أبداه "جمهور الموالاة" من ناحية أخرى، فكان أن مرت "أضخم مظاهرة في تاريخ لبنان" دون أن يعكر صفوها حادث أمني واحد. لكن الشارع ذاك، وهو لا يُضبط دوماً وفي كل الحالات، لا يجب أن يكون حيّز الحياة السياسية وحلبتها الأولى، يقوم مقام المؤسسات الدستورية وسواها من الهيئات والمراتب الناظمة ويستوي بديلاً عنها، علماً بأن هذه الأخيرة هي مناط الديمقراطية ومجالها وعلامة عافيتها من عدمها.
ثم ان التظاهرات اللبنانية، وإن كانت من علامات حيوية المجتمع ومظهراً من مظاهر تدخله في الشأن العام، على نحو بنّاء حتى الآن، بل أنه في بعض الأحيان افتتح مجالات تعبير أخفقت الأحزاب والمنظمات القائمة في ارتيادها، إلا أنه كشف من ناحية أخرى عن واقعة غير مريحة، ويُخشى منها أن تستفحل إن توالت أفعال التظاهر والتظاهر المضاد من دون أن تستدركها السياسة، وهي تلك المتمثلة في عزل الطائفة الشيعية أو في اعتزالها عن سائر طوائف لبنان ومكوناته، خصوصاً وأن الخلاف يبدو جوهرياً، متعلقاً بموقع لبنان ومصيره، وبشأن أساسي هو العلاقة مع سوريا وما تستتبعه من اصطفاف استراتيجي على صعيد المنطقة وفي النصاب الدولي كما هو قائم حالياً. كانت للشارع مزية الكشف، على نحو واضح سافر، عن الإشكال، ولكن الإشكال ذاك، وتحديداً لهذا السبب، يجب أن يخرج من الشارع لتستعيده السياسة، وهذه تمثل الوسيلة الوحيدة للتحكم فيه ودرء انزلاقاته. صحيح أن اللبنانيين لا يبدون ميالين الى مكابدة الاحتراب الأهلي من جديد، وذلك ما يمثل حصانة أو بعض حصانة، لكن "الشارع" أمّار بالسوء، ولا يمكن المخاطرة بالتعويل على نضجه الى ما لا نهاية.
إذ يبدو، على ما يقول لبنانيون كثر، وهم بطبيعة الحال أدرى منّا بشعاب بلدهم، أن هناك مشكلة شيعية، وأن المشكلة تلك تتمثل في انزواء طائفة أساسية، عددياً وسياسياً، خصوصاً من خلال دورها في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، خارج ما يلوح إجماعاً وطنياً على إنهاء الوجود السوري. يعود ذلك الى عوامل عديدة، ربما تمثل أحدها في أن الطائفة تلك اكتسبت، أقله في نظر نفسها، ما يمكن أن يُسمّى بصفة "الطائفة الاستراتيجية"، أي تلك التي تتموضع في النصاب الداخلي انطلاقاً من موقع استراتيجي تأنسه لنفسها على صعيد المنطقة، وليس حصراً أو بالأساس انطلاقاً من محددات محليّة. وإذا صحت مثل هذه الفرضية، فإن الطائفة الشيعية اللبنانية قد لا تفعل بذلك غير استعادة تجارب مرّت بها طوائف لبنانية أساسية أخرى: الطائفة المارونية التي استقوت، في بعض فتراتها، بالرابطة الدينية والثقافية (الحقيقية أو المبالغ في تقديرها) التي تربطها بالغرب، والطائفة السنية التي استندت الى المحيط العربي (خصوصاً خلال الحقبة الناصرية، ثم الحقبة الفلسطينية) واستجلبت نضاليته الى "الساحة اللبنانية". وفي الحالتين، كانت "الطائفة الاستراتيجية" أو التي تأنس في نفسها تلك الوظيفة، التي هي أكبر من لبنان على ما يبدو، أداة إرباك للتوازن الهش في ذلك البلد، وعامل توتير بلغ مبلغ النزاع المفتوح. وفي ذلك ما من شأنه أو ما يُفترض فيه أن يدفع قادة الطائفة الشيعية اللبنانية الى التفكير وإلى الاتعاظ، وهم على ما يبدو واعون بذلك تمام الوعي.
في التظاهرة الأخيرة التي سيرتها المعارضة، "أضخم تظاهرة في تاريخ لبنان"، ما يبشر بذلك. فهي عدا عن سلميتها، تخللها حرص واضح على الحوار وعلى البحث عن مواطن الإجماع، على ما تبدّى في خطاب السيد حسن نصرالله. ثم ما الضير في تنظيم تظاهرة ضخمة، تتوجه بالشكر الى سوريا على الدور الذي اضطلعت به في لبنان، وهذا أبعد عن أن يكون سلبياً بالكامل، تحفظ ماء الوجه بالنسبة الى دمشق، وتشعرها بأنها لن تنسحب من لبنان مطرودة تلاحقها لعنات شعبه، وتمثل في الآن نفسه استثمارا في مستقبل العلاقات بين البلدين، وهذه لا مهرب منها ولا مناص لها من أن تكون ودية على ما يقول قادة المعارضة أو أبرزهم وأكثرهم مسؤولية، ما دام الانسحاب السوري من لبنان أمراً لا مفر منه، مطلباً دولياً ملحّاً، بصرف النظر عن عدالته أو عن إجحافه، تمليه الإرادة الدولية وميزان القوة، وهذا ما يُفترض أن القيادة السورية على وعي به، حيث قال الرئيس بشار الأسد، وهو يخاطب صحفاً أميركية، أنه "ليس صدام حسين"، وكرر رغبته "في التعاون".
وإذا كان الانسحاب ذاك حاصلاً لا محالة، فربما كان من الأفضل، والحالة هذه، أن تواكبه مسيرات شكر لسوريا، وحتى التظاهر بأنه إنما يجري تنفيذا لاتفاق الطائف لا للقرار 1559، "العدواني والبغيض"... إذا كانت العبرة بالنتيجة.
أما المهمة الأعسر والأشق، فهي تلك المتمثلة في إعادة اجتراح نصاب لبناني قابل للحياة، أو في إعادة اختراع الوطنية اللبنانية.

09:29 Permalink | Comments (0) | Email this

أنماط «التطبيع» وظروفه

صالح بشير الحياة 2005/03/13

تبدو السلطات التونسية كأنها في حرج من أمرها. استبقتها الصحف الإسرائيلية، وهذه لا تفلّت فرصة «تطبيعية» دون الإسراف في الإشادة بها، إلى إعلان الدعوة التي وجهها الرئيس زين العابدين بن علي إلى رئيس الحكومة العبرية أرييل شارون لزيارة تونس، ومسارعة الأخير إلى الاستجابة، لحضور القمة الدولية للمعلومات، في تشرين الثاني (نوفمبر)، فحرمت تلك الصحف تونس صلاحية «إدارة» إعلان تلك الخطوة وفرصة إخراجها على الملأ المحلي والعربي وكيفية ذلك الإخراج.

تبدى الحرج ذاك عبر أكثر من علامة ومن أمارة، من وسائل الإعلام التونسية التي تعمدت، على غير عادتها في مثل تلك الحالات، نشر الخبر في الصفحات الداخلية، إلى مسارعة وزير الخارجية عبد الباقي الهرماسي إلى التوضيح بأن قمة المعلومات تظاهرة دولية، ترعاها الأمم المتحدة وبمبادرة من هذه الأخيرة، ويُدعى إلى المشاركة فيها كل الدول الأعضاء في المحفل الأممي، وإسرائيل بطبيعة الحال في عدادها، فكاد الوزير التونسي أن يتبرأ وأن يبرّئ بلاده من تلك الدعوة، وإن بقي دون الإقدام على إعلان إلغائها وصرف النظر عنها.

على أية حال لا يبدو أن تونس كانت راغبة في إيلاء تلك الدعوة صدى إعلاميا كبيرا. مراسل أسبوعية «جون أفريك» قال بأن نص الدعوة جاء باردا، رسميا، على شاكلة الدعوات الموجهة إلى كل الرؤساء، لا يتسم بحرارة «تطبيعية» بالغة، كتلك التي أوحت بها وسائل الإعلام الإسرائيلية. تونس كانت تعتقد على الأرجح أن الدعوة تلك لن تستثير أكثر مما استثارته مثيلات لها شهدتها بلدان عربية عدة في السنوات الماضية، إن على نحو ثنائي، وإن في إطار تظاهرات دولية استضافتها، وشاركت فيها إسرائيل، شأن المغرب أو قطر وسواهما.

هل في الأمر سوء تقدير من الديبلوماسية التونسية؟ قد يكون... يبقى على أية حال أن الدعوة تلك استثارت جزءا من الرأي العام التونسي، أحزاب معارضة وأوساطاً (طلابية خصوصاً)، نادرا ما اعترضت، خلال السنوات الأخيرة وبهذا القدر من الحدّة، على شأن داخلي صرف، شأن الانتخابات الرئاسية الأخيرة أو تعديل الدستور، أو قضايا أخرى كثيرة كانت محل جدل أو إدانة بقيا خافتين حفيضيْ الصوت.

هل تلام تونس على إتيان ما أقدمت أو ستقدم عليه بلدان عربية كثيرة، حسب وزير الخارجية سيلفان شالوم الذي توقع إقامة علاقات مع عشر دول عربية في غضون هذه السنة؟ وهل يُمنع عنها ما يسمح به لسواها، بما في ذلك موريتانيا التي لم تقطع علاقاتها بالدولة العبرية، بل لم تبادر حتى إلى سحب سفيرها أسوة بسواها، إبان استعار انتفاضة الأقصى؟ تلك أسئلة تطرح...

لكن يبقى أن في دعوة شارون، تحديدا لأنه شارون، ما يصدم. يقولها المرء دون استسهال التخوين واستمرائه، ومن باب حق المرء في إبداء الرأي، خصوصا إذا ما تعلق بسياسة وطنه الأصلي. غير أن أهم ما قد تنطوي عليه هذه الخطوة التونسية أنها، إذ لا تتذرع بما تتذرع بها نظيرات لها مصرية أو أردنية أو فلسطينية من «تطبيع اضطراري»، إنما توفر فرصة لإعادة طرح مسألة «التطبيع»، تلك التي ما انفكت تُسيل حبرا غزيرا، متوترا في الغالب متشنجا، حتى تحولت في نظر البعض، بل الكثرة، إلى شتيمة، وباتت لدى البعض الآخر، وهم قلة، عنوان الحداثة والاعتدال، وهو اعتدال يجري التعبير عنه، أحيانا، على نحو متطرف يعوزه... الاعتدال.

ابتداءً، ربما توجب التمييز بين «تطبيع وظيفي» وآخر «مبدئي» أو لنقل «إيديولوجي»، بعض الداعين إليه يتخذونه أقنوما، يبجلونه في معرض تبجيلهم للسياسة الأميركية في المنطقة، بما في ذلك حيال المسألة الفلسطينية.

أما ذلك «التطبيع الوظيفي»، فيتوقف عند مواكبة التسوية، عندما يكون هناك مسار أو مشروع تسوية «عادلة» أو واعدة بإحقاق الحقوق الأساسية للفلسطينيين، وإن اتخذ هيئة مبادرات تستبق الخطوات العملية للتسوية، من باب التشجيع على تلك الخطوات. مهمته هي دعم جهد المفاوض الفلسطيني، ومساعدته والوقوف إلى جانبه من خلال المساهمة في طمأنة الطرف المقابل، وهي على أية حال عملية تلازم مطالب الجانب الفلسطيني وتسير وفق إيقاعها ولا تستوي بديلا عنها. هذا الضرب من التطبيع مشروط بالمصلحة الفلسطينية لا يتجاوزها حتى وإن قام به «متطوعون»، دولا أو أفرادا أو منظمات. وهو خصوصا يشترط استجابة من الجانب الآخر، بل تحديدا وحصرا من فئاته وأوساطه الداعية للسلام والمقرّة بالحقوق الفلسطينية، كما يراها الفلسطينيون في هذا الطور من نضالهم، أي على أساس تقاطعٍ بين ما تراه مثل تلك الأوساط الإسرائيلية مصلحة لدولتهم وبين تلك المطالب الأساسية الفلسطينية. وهذا النوع من التطبيع، أو سمّه حوارا أو تواصلا إن شئت، لا يعيب ولا يشين مادام مهتديا بتلك الشروط، وهو لا يتسع، بداهة وبطبيعة الحال، لمن كان على شاكلة أرييل شارون.

هذا النوع من «التطبيع»، والذي ربما كان متاحا إبان فترة أوسلو، أقله وفق اجتهاد البعض، ما عاد يتسع له النزاع الإسرائيلي الفلسطيني في طوره الراهن. لم يبق هناك من محاور من الجانب الآخر: دعاة السلام في إسرائيل هُمّشوا وخفت صوتهم أو انقلبوا صقورا. ثم أن إسرائيل تخلت عن فكرة التسوية أصلا، وباتت الشارونية الجامع المشترك بين السواد الأعظم من رأيها العام ومن مجتمعها السياسي. ما عادت، عمليا وإن لم تصرّح بذلك، تدين بمبدأ «الأرض مقابل السلام»، وباتت تريد نيل السلام والاحتفاظ بالأرض معا، لأنها باتت ترى أن ميزان القوة يمكّنها من ذلك، بعد نهاية الحرب الباردة وانفراد الحليف الأميركي بمقدرات العالم، وبعد الحادي عشر من أيلول والحرب العراقية وما استتبعته من وفود القوات الأميركية إلى المنطقة واستشراء الوهن العربي، وخصوصا بعد أن بات «التطبيع» شرطا أميركيا لا مجرد مطلب إسرائيلي، تفرضه الولايات المتحدة فرضا، بمعزل عن كل تسوية، عنصرا من عناصر نشر «الديموقراطية في الشرق الأوسط الكبير». وهذه أضحت، وفق تعاليم ناثان شارنسكي، مُلهم بوش ومُنظر البوشية هذه الأيام، المعيار الفاصل في تعيين من هو جدير بنيل حقوقه ومن تعوزه الجدارة.

وفق المنطق هذا والشروط هذه، يكون الإقبال على التطبيع، وإن كان انتقائيا، تقبل عليه الدول أو يدعو إليه الأفراد، ضرباً من الإقرار بغلبة ومن التسليم بسيطرة، يحسن بمن يستطيع تجنبه أو لا تضطره إليه الضغوط القاهرة أن يربأ بنفسه عنه... قد لا يغير مثل هذا الموقف من واقع الغلبة والسيطرة شيئا، لكنه على الأقل يغني عن التواطؤ مع جور فاضح.

(كاتب تونسي)

09:26 Permalink | Comments (0) | Email this

09/03/2005

الواقعة اللبنانية كنقيض لنموذج العراق

صالح بشير الحياة 2005/03/6

هل يحق لإدارة الرئيس بوش أن تعتبر، على ما تفعل، أن ما يجري في لبنان هو من ثمار سياستها لنشر الديموقراطية في «الشرق الأوسط الكبير»، كما حددتها وصاغتها دوائر المحافظين الجدد؟

هذا سؤال يجب أن يطرح بالرغم من أن الإجابة عنه، بالإيجاب طبعا، تبدو لدى الكثيرين، حتى ممن كانوا من منتقدي سياسة الرئيس الأميركي، تحصيل حاصل وفي مصاف البديهيات. بل إن السؤال ذاك يجب أن يُطرح وأن يُواجَه، تحديدا لهذا السبب، أقله من قبل أولئك الذين اعترضوا ولجّوا في الاعتراض على تلك السياسة، دولا وتيارات سياسية وأصحاب رأي، وممن لا يسعهم إلا الترحيب بما يجري في «وطن الأرز» ومساندته، فيبدون بمظهر الفاقد لكل انسجام في التفكير، أو بمظهر الانتهازية حيال مجريات الأحداث، يرفضون مسلك الإدارة الأميركية في العراق ويقبلون ثماره اللبنانية، أو يصفحون ضمناً، ودون عناء مراجعة النفس، عن ذلك المسلك مقابل هذه الثمار.

إذ أن الأمر لا يشذ عن احتمالات ثلاثة: إما أن تكون الحرب الأميركية في العراق قراراً صائباً، على ضوء التطورات اللبنانية، تخلفنا عن الإقرار بصوابه مكابرةً أو عمىً إيديولوجياً، وإما أن تطال ما يجري في لبنان الشبهات ذاتها التي حامت حول المحطة العراقية من تدخل البوشية في الشرق الأوسط، أو أنه ليس بين الشأنين، ذلك العراقي وذلك اللبناني، من وشيجة إلا واهية وعارضة، لا تبلغ مبلغ العلاقة السببية على أية حال.

نحن من أنصار هذا الاحتمال الأخير، بل ربما ذهبنا إلى القول أن «انتفاضة الاستقلال» اللبنانية، ربما مثلت الدحض الأمثل للبوشية، ناهيك عن أن تكون بإيعاز من هذه الأخيرة، كما يحلو للبعض القول، ومظهراً من مظاهر الامتثال لاستراتيجية الإدارة الأميركية بشأن «الشرق الأوسط الكبير».

بطبيعة الحال، لا سبيل إلى نكران أن لوجود القوات الأميركية في العراق، أي على الحدود السورية، مفعولا رادعا على دمشق، يقيّد حركتها في لبنان ويحول دونها والبطش بمعارضي سيطرتها والراغبين في جلاء قواتها وأجهزة استخباراتها، وهؤلاء باتوا الكثرة الغالبة من اللبنانيين. وهو ما يتجلى على نحو لا تفصح عنه مراتب التمثيل الرسمي، لا سيما في ما يتعلق بالطائفة الشيعية، إلا على نحو جزئي وغير دقيق. وهذا علماً بأن جريمة اغتيال رفيق الحريري، إذ وجهت أصابع الاتهام نحو سورية، واستدرّت ما استدرّته من ضغوط، زادت في تضييق هامش المعالجة القمعية، إن في شكلها المباشر وإن بواسطة الأدوات المحلية.

غير أن الأمر يتوقف عند الحد، على أهمية ذلك الحد. أما في ما عدا ذلك، فالواقعة اللبنانية تكاد تكون، أميركياً، النقيض الناجز للنموذج العراقي. بل ربما أمكن القول إن البوشية خانت نفسها، وأقانيمها المؤسسة، وارتدّت نحو ضرب من الكلينتونية في معالجتها للملف السوري أقله في بُعده اللبناني. فهي لم تخض حربا ً «استباقية» بدعوى تحرير لبنان، مع أن في الأمر احتلالا أجنبيا (وإن كان «شقيقاً»، لكن رابطة الأخوة تلك لا تساوي شيئا بمعايير القانون الدولي، لو رأت واشنطن التذرع بها)، أو من أجل ضرب «قواعد الإرهاب» التي توصف سورية برعايتها في «محميتها اللبنانية»، وهي لم تفبرك أدلة ووثائق حول قواعد لإطلاق الصورايخ، النووية أو الكيماوية على أقل تقدير، زعمت أن سورية أقامتها في لبنان، وهي لم تستجلب «معارضين» من الخارج تنصّبهم على رأس البلد بعد تحريره، وهي لم تجنح إلى الانفراد والأحادية في التعاطي مع الموضوع اللبناني، بل مالت إلى التشاور والتنسيق، اعتمادا على فرنسا بشكل خاص، ومن وراء هذه الأخيرة على سائر بلدان الاتحاد الأوروبي أو معظمها، ولم تستهر بالقوانين وبالهيئات الدولية، أقله حتى اللحظة، على ما فعلت إبان الأزمة العراقية، بل استصدرت قرار مجلس الأمن رقم 1559، وهذا يمكن لمنتقديه أن يقولوا فيه الكثير، وأن يعتبروه مؤامرة أميركية-فرنسية، وأن يتحدثوا عن «ازدواجية المعايير» وانتقائيتها، مذكّرين بقرارات دولية أخرى كثيرة، في المضمار الإسرئيلي-الفلسطيني خصوصا، لم تبد واشنطن نفس القدر من الحماس في تطبيقها إن لم تجهضها بحق النقض. لكن كل ذلك، على صحة بعضه، لا يلغي أن القرار 1559 وثيقة دولية، توفر غطاء من شرعية دولية، وأن واشنطن تحركت ضد سورية حتى الآن، سواء نظامها أو سيطرته على لبنان، في إطار الشرعية الدولية.

أضف إلى ذلك نقطة أساسية، أن الضغوط والمساعي الأميركية حيال دمشق وضدها، أقله في لبنان، خصوصاً منذ 14 شباط (فبراير)، إنما تواكب حركة شعبية محلية، عميقة الجذور جارفة، تستند إلى مطالب تحررية أصيلة، في بلد يعادي إسرائيل، ولا يمكن القول إن رأيه العام، أو أوساطه الأغلب والأوسع، متعاطفون مع الولايات المتحدة ومُحبّون لأميركا.

لكل ذلك، إذا ما تيسر للولايات المتحدة، كقوة عظمى ومؤثّرة أن تدّعي بعض أبوّة حيال ما يجري في لبنان، فإن الإدعاء ذاك يكون من قبيل الانتحال والتزوير إن تفوّهت به البوشية كما تبدت في أجلى وجوهها، أي أبشعها، إبان الأزمة العراقية (وهذه لا تزال متمادية). بل ان المجريات اللبنانية الأخيرة تمثل في هذا الصدد النموذج المضاد للبوشية والطاعن فيها طعنا مبرماً. وهي، لهذا السبب، تدعم حجة المعترضين على المغامرة العراقية ولا تضعفها. وإذا ما كُتب لـ«انتفاضة الاستقلال» اللبنانية، إن استمرت على زخمها الحالي، النجاح، فإن ذلك سيكون مرده عدم تطبيق البوشية وليس تطبيقها.

فالاعتراض لم يكن يوما على نشر الديموقراطية، وعلى التدخل الخارجي لمساعدة شعب من الشعوب على الانعتاق من محتل لا يريده ومن مستبد، كما حدث في يوغسلافيا السابقة مثلاً، مع اعتبار كل المصالح المشروعة وحتى غير المشروعة للمتدخلين، بل على الطريقة والشكل. والشكل في مثل هذه الحالات مضمونٌ أيضاً، على الأحادية الصلفة، على اتخاذ الكذب البواح وتلفيق الأدلة أداة سياسة خارجية تعتمد القوة السافرة، على الاستهتار بالقانون الدولي، مهما كانت المآخذ عليه، أي على نسف الأسس المبدئية والقيمية التي يفترض فيها أن تكون روح الديموقراطية التي يُزعم نشرها، وكل هذه الاعتراضات لا تزال قائمة بشأن العراق.

لكل هذه الأسباب، يمكن للمرء أن يظل مطمئناً إلى تنديده بمغامرة الولايات المتحدة في العراق، قدر اطمئنانه إلى ترحيبه بما يجري في لبنان.

(كاتب تونسي)

23:42 Permalink | Comments (0) | Email this

ليسوا جماهير، بل "قوة هادئة"

المستقبل - الاحد 6 آذار 2005 - العدد 1852 - نوافذ - صفحة 11

صالح بشير

أوكراني هذا الذي يجري في لبنان؟ غير عربي على أي حال، أقلّه وفق معاييرِ "عروبة" سياسية درجنا عليها ولا تنحصر في الأديولوجيات الرافعة لواءها، بل تفيض عنها وتتخطاها لتستوي مسلكاً أو "ثقافة سياسية" أعم وأشمل.
فهؤلاء المتظاهرون في بيروت (يكاد المرء يدرج تظاهرهم بين مزدوجات، لفرط غربته عن سنّةٍ في ذلك الصدد معلومة)، ليسوا "جماهير" أحزاب أو طوائف، لا يأتلفون حول عصبية صلبة، أو تستعير صلابتها وتصطنعها من حدّة شعاراتها ومن رفع العقيرة بها، عنتريات كاريكاتورية من قبيل "باريس مربط خيلنا".
هؤلاء المتظاهرون في بيروت لا يمشهدون الغرائز البدائية، سمِّها سياسية إن شئت، من "غضب" (ذلك المصلطح الأثير في رطانة نضالية أقمنا عليها مديداً) أو من شماتة أو ما إليهما، ولا يخوضون مسيرات تحاكي الحروب، تعوّض عنها أو تستبقها وتنذر بها أو تستكلمها امتداداً لها. المتظاهرون اللبنانيون "قوة هادئة"، اكتسبت قوتها من هدوئها، وهم مواطنون لا "جماهير"، أفراد لا يجحدون أروماتهم الطائفية والثقافية المتنوعة والتي كابدوا مريراً تنافرها وتناحرها في ماضيهم القريب، ولكنهم يأتلفون في جماعة وطنية رحبة، لا جماعة منصهرة، سُبكت سبكاً، أقلّه لحظة تجمهرها وفي انتظار انفضاض شملها، في ملغمة الأيديولوجيا أو الانتماءات الدنيا.
يحتجون ولكن احتجاجهم ليس سلبياً، لا يقتصر على إنكار نصاب قائم وإعلان البرم به، بل يعيشون بديله المنشود، يضعون أسسه من خلال فعل الاحتجاج وفي أثنائه، يخترعون أواصر اجتماعهم ويتواطأون على المواطنة التي يتوقون إليها، يبسطونها أمراً واقعاً، أو أمراً يشبه الواقع ويدانيه، أمام ساستهم وقادتهم بل ونخبهم المثقفة، قبل أن تحتويه مؤسسات يُصار الى إنشائها أو قبل أن ينتظم في سلوك وفي تقاليد تُرسى. لذلك انتزع المتظاهرون زمام المبادرة (...التاريخية، لولا الخشية من الولوغ مجدداً في ركيك خطابتنا المعتادة)، ولاحوا كالساعين الى اجتراح وطن لا الى مجرد ترميمه، وبدوا في ذلك قوة تقود أكثر مما تنقاد، أو أن الأمور اختلطت والتبست الوظائف بين القائد والمقود، حتى إذا ما دعا وليد جنبلاط، عشية مسيرة يوم الاثنين الماضي، الى الاكتفاء برفع الأعلام اللبنانية رمزاً للجامع المشترك، وكان له ما أراد، لم يكن واضحاً إن كان المتظاهرون استجابوا لإرادة الزعيم الدرزي أو إن كان هذا الأخير هو الذي يأتمر بأمر، كانت له مزية التوفيق في تأويله، ما انفكّ "الشارع" يعبر عنه ويُصدره، برسم الموالاة والمعارضة سواء بسواء، منذ الرابع عشر من شباط. لذلك، إذا كان "الشارع"، على سبيل المثال، قد أسقط حكومة عمر كرامي، وهو ما لم يكن للبرلمان دور يُذكر فيه، فإنه في الآن نفسه لم يرفع المعارضة المؤسّسة بالضرورة، مكتفياً، حتى اللحظة، بتوجيهها. فـ"الشارع" فاجأ الجميع على ما يبدو، أربك السلطة المحلية والسلطة الراعية أو سلطة الوصاية، كما أربك المعارضة، وإن أسعدها، أقله من باب التلاؤم مع إيقاع أملاه "الشارع" إياه، وما كانت على الأرجح تتوقعه.
ولكن أين كان ذلك "الشارع" ومن أين خرج؟ إذ لا شك أنه اعتمل طويلاً وعميقاً، تحت ظاهر المجتمع اللبناني وسطحه، قبل أن يظهر على هذا النحو، وأنه ليس ابن لحظته، حتى إن تمثلت تلك اللحظة في جريمة اغتيال رفيق الحريري وفي هول تلك الجريمة، وأن هذين، أي الجريمة وهولها، مكناه من فرصة بل من شرعية البروز ولم يخترعاه.
المتظاهرون اللبنانيون فضحوا (وإن من خلال خصوصيتهم اللبنانية) وفي الآن نفسه تداركوا أو هم قد يتداركون، فجوة سحيقة بين الثقافة السياسية "الرسمية"، سواء كانت في السلطة أو في المعارضات بأنواعها، وبين الناس. تلك الأولى لا ترى هؤلاء، أو بالأحرى لا تتوهمهم، إلا على هيئة جماعات معبّأة، في الإشادة بالحاكم إن كانت في الحكم، أو ضده وانشقاقاً عنه إن كانت في المعارضة. كائنات أيديولوجية في كل الحالات، أو هم مادة أولية للأيديولوجيا على أي حال. لا يُرون في حقيقتهم بل في ما هو مأمول منهم أو مُتوجس منهم. المعارضون، وقد انتحلوا صفة الكلام باسم "الشعب" (إن تواضعوا، وإلا فهي الأمة بأسرها) وتمثيله، يعتبرونه الى جانبهم حكماً، حتى إذا ما لم يستجب، في اللحظة وبالطريقة التي يريدون، استشعروا خيبة الأمل والخذلان واستنكروا خنوعه واستسلامه أو لا مبالاته وقد يهجونه هجاء مراً، وأما الحكام، فهو يستهويهم مصفقاً، ويتوجسونه معترضاً، ويعتبرون أنه إن مُكِّن من الحرية، فسيسيء استخدامها حتماً، سيحوّلها فوضى وتخريباً، إذ لا تجتمع العامة إلا على ضلالة.
قد يكون ذلك صحيحاً من الناحية المبدئية، فالعامة تتبع كل ناعقٍ ديماغوجي، في كل الأزمنة والأصقاع، لكن القاعدة تلك تشذ عنها استثناءات، في لحظات تاريخية بعينها، خصوصاً كما هي الحال عندنا، حيث تحتكر "نُخب" السياسة والرأي، الثقافةَ السياسية الرعاعية، إنتاجاً وإعادة إنتاج وترويجاً، كما تُفصح وسائل إعلامنا، خصوصاً التلفزيونية منها، يومياً.
والمتظاهرون اللبنانيون يمثلون دحضاً بليغاً لتلك الثفافة السياسية الرسمية، وبراءة تامة منها. صدروا عن حيّز يقع خارج كل أطرها ومفرداتها المعلومة، والأنكى من ذلك أن الظاهرة تلك، وهي على ما قلنا ليست بنت لحظتها، نشأت وتنامت على نحو "سري"، أي بعيداً عن وسائط التسييس والتعبير السياسي المعتادة والمشهورة، كما لو أن المتظاهرين أولئك تلقوا تكوينهم السياسي، وشكلوا آراءهم وبلوروها، بمعزل عن المجتمع السياسي، من خلال التواصل مع العالم الخارجي ومراقبة ما يجري فيه، من خلال الهجرات والعودة منها، علماً بأن الهجرة اللبنانية، تخصيصاً، تكاد تكون، على كثافتها، هجرة نخبوية حصراً، أقلّه قياساً الى هجرات عربية أخرى، بائسة، أوساطاً ودوافع، أو فقط وببساطة من خلال ممارسة العيش، وهذا لا تختصره السياسة، خصوصاً على شاكلة ما هي عليه في بلداننا، ولا ينحصر في المهرجانات الحزبية وفي معسكرات التدريب وفي احتراف التظاهر.
نتاج كل ذلك أن الشارع، أقله ذلك اللبناني، تسيّس بوسائله الخاصة، بعيداً عن "المجتمع السياسي الرسمي"، وبمعزل عنه، فكشف تهافت هذا الأخير وقصوره وتقصيره.
وبذلك يكون المتظاهرون اللبنانيون قد رفعوا غشاوة وقد أشاروا الى طريق. إذ ربما وُجد في بلدان عربية أخرى، أمثال لهم كامنون ينتظرون فرصة الإفصاح، تكونوا ونضجوا بعيداً عن الصراخ الأيديولوجي وما كان من طينته. وقد يكون هؤلاء، على مثال الروّاد اللبنانيين، إرهاصاً بمجتمعات جديدة، يقعون، بمعنى من المعاني، دون السياسة المباشرة أو بالأحرى فوقها، يتقدمون ويفرضون على "المجتمع السياسي" اللحاق بهم، فلا هم طُلاب سلطة ولا هم بديل للمعارضة، بل هم ضرب من قدوة ومن مرتبة احتكام، تراقب تلك وتزجرها إن دعت الحاجة وترشّد هذه.
ثم أن أكبر إنجاز اجترحه المتظاهرون اللبنانيون أنهم أشعروا الديمقراطيين في المنطقة العربية، إن وُجدوا، أن لهم جمهوراً... وذلك للمرة الأولى.

23:41 Permalink | Comments (0) | Email this

05/03/2005

العلاقات الأوروبية الأميركية

صالح بشير الحياة 2005/02/27

كما تنفرد الإمبراطورية باجتراح الحدث العالمي، تحتكر أيضا تأويله. وذلك من عناصر القوة، بل من أجلى تلك العناصر.

وعملاً بـ«المبدأ» هذا، جاء الرئيس الأميركي جورج بوش إلى القارة القديمة ليجني، على هيئةِ انصياعٍ أوروبي، ثمار ما اعتبره نجاحات حققتها سياساته في العراق وفي فلسطين وفي سواهما، من ظفره برأس النظام العراقي السابق، وهذا نجاح لا يجادله فيه أحد ناهيك عن أنه كان يسيرا في المتناول من الناحية العسكرية، إلى الانتخابات العراقية التي أفلح في إجرائها وحظيت بإقبال شعبي لافت، إلى انتخاب محمود عباس خلفا لياسر عرفات الذي «عزلته» الولايات المتحدة حتى جاءت وفاته نهايةً لنهجه، أو ذلك ما ترجوه واشنطن وتل أبيب.

بطبيعة الحال، لو كان تقويم تلك «النجاحات» مجرد مسألةِ رأي ونظر، لأمكن الاستدراك أو الاعتراض، كالقول مثلا إن إجراء الانتخابات العراقية أمر جيد في ذاته ومن حيث المبدأ، ولكن لا يبدو أن الانتخابات تلك قد قرّبت بلاد الرافدين من الاستقرار ومن لمّ شتاتها الطائفي والعرقي. بل إن المراقب لا يلحظ آليات وُضعت وسياسات صيغت لدرء أخطار ذلك التمزق الماثل احتمالا قويا وملحّاً. أو كالقول مثلاً إن انتخاب محمود عباس، إذ يأخذ علما بمستجدات العالم وتوزع النفوذ فيه ويجنح نحو الممكن والمتاح، يمثل نضجاً فلسطينيا، لولا أن القول بذلك، يذهل عن أن العراقيل أمام التسوية كانت حتى الآن إسرائيلية أكثر منها فلسطينية، خصوصاً في عهد الرئيس الحالي لحكومة الدولة العبرية، أرييل شارون، صاحب شعار «استكمال حرب التحرير الإسرائيلية»، تلك التي يراها أُجهضت في 1948 قبل أن تبلغ أهدافها. وهو ما لم تبدِ واشنطن حياله سوى التواطؤ.

غير أن الدول لا تقرأ الأمور، نجاحا أو فشلا، كما يقرأها المعلقون، بل تراها بعين ميزان القوة. وهذا يفيد بأن مغامرة واشنطن في العراق لم تضعفها، كما كان يُرجى ويؤمّل، ولم تثر في وجهها من المصاعب ما لا قبل لها بتجاوزه. بل ان القوّة العظمى الوحيدة، بالرغم مما تواجهه من مشاكل أمنية، لم تفقد زمام المبادرة في بلاد الرافدين، وفي المنطقة، بل ازدادت بها إمساكا، بسبب الوهن العربي أو لأن خصومها من طينة الزرقاوي إرهابا، أو على شاكلة قادة السنّة العراقيين قصورا سياسيا، وأن في ذلك ما يفيد نجاحها.

غير أن ذلك، على أهميته، قد لا يكون الأفعل في تغيير موقف بلدان القارة القديمة، أو بعضها الذي أبدى تمردا شأن فرنسا وألمانيا، ودفع بها إلى الانضواء مجددا، وإن مع بعض تحفظات قد لا تعدو أن تكون لفظية، تحت مظلة ما انفردت الولايات المتحدة بإتيانه. بل يبدو أن العامل الحاسم في ذلك الصدد كان الانتخابات الأميركية الأخيرة، تلك التي فاز فيها جورج بوش بأغلبية مريحة. وفي هذا ما يلخص على النحو الأجلى والأوضح حال ميزان القوة بين ضفتي المحيط الأطلسي. إذ أن القارة الأوروبية، شأنها في ذلك شأن كل ضعفاء العالم، لم تكن تراهن إلا على الناخب الأميركي، عساه يغير الأمور نحو الوجهة التي تأملها، استراتيجيةً وحيدة لا استراتيجية سواها، لا على قوة ذاتية توازن بها، وإن بمقدار، تلك الأميركية.

لذلك، وبما أنه لا بد من معايشة جورج بوش ومحافظيه الجدد والقدامى لأربع سنوات مقبلة، توجب الانتقال من الاعتراض العقيم (من حيث النتائج وبقطع النظر عن نصاعته «المبدئية») إلى ضرب من ضروب الشراكة، وإن موقع الدونية. لنقل إذن إن الأزمة بين أوروبا، أو بعض أوروبا، وبين الولايات المتحدة، انتهت بانتصار هذه الأخيرة... حتى راحت الأولى تبحث عن عناصر تمايزها عن الإمبراطورية، إذ لا بد من بعض تمايز يوهم بالاستقلالية، في الصين، أو بشأن الصين: بيع الأسلحة لـ«إمبراطورية الوسط» كما تريد فرنسا ومن يشايعها في القارة القديمة، أو الامتناع عن ذلك كما تريد إدارة بوش. والخلاف ذاك يكاد يكون نظريا أو «أكاديمياً»، أو على الأقل لا يُتوقع منه أن يكون منطلقا لأزمة جديدة بين الطرفين.

أوروبا عادت إذن إلى التسليم بالأرجحية الأميركية، وطوت عمليّاً مطلب «التعددية القطبية» وإن استمر المطلب ذاك خطاباً، لا يكلف صاحبه سوى عناء التفوه به. وهي لذلك قدمت لجورج بوش، أثناء زيارته الأخيرة، كل ما طلبه تقريبا، من مؤتمر أميركي-أوروبي حول العراق، هاجسه مالي على الأرجح في المقام الأول، إلى موافقة بلدان شمالي الأطلسي على المساعدة في تدريب قوات الأمن العراقية...

صحيح أن الرئيس الأميركي بذل في المقابل أشياء. فقد مكّن أوروبا، ممثلة في بريطانيا وألمانيا وفرنسا، من الاستمرار في مساعيها لحل مشكلة السلاح النووي الإيراني، وأعلن أنه لا ينوي القيام بعمل عسكري ضد طهران، وإن سارع مستدركا بأنه «لا يستبعد أي خيار»، كما أبدى حرصه على العمل على حل النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي، وعلى قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، أي متصلة الأجزاء، ولكن ليس في كل ذلك ما من شأنه أن يطمئن إلى أن الولايات المتحدة تركت سبيل الانفراد والأحادية وعادت إلى جادة التشاور والاستئناس بالاجماع الدولي. ولا يضير بوش في شيء ترك أوروبا تحاول مع إيران، فإن نجحت، كفته مؤونة الحرب وإن أخفقت برهنت على صواب تشدده. أما في ما يخص الدولة الفلسطينية، فالأمر لا يعدو أن يكون تصريحات صحافية، أملتها المناسبة، أو تحوم حولها تلك الشبهة، ما لم تُصَغْ في سياسة تسوية واضحة ومحددة تبادر بها الولايات المتحدة. وهذا ناهيك عن أن التصريحات تلك تبقى، على أية حال، أقل إلزاما من وثيقة مثل «وعد بوش» الشهير، وفي حال التناقض بين تلك التصريحات وهذا «الوعد»، تكون الأرجحية لهذا الأخير.

لكل ذلك، فإن جولة بوش الأخيرة في أوروبا لا تعني، لزاماً، أن القوة العظمى الوحيدة تخلت عن الانفرادية، فدون ذلك الإيديولوجيا التي يأخذ بها أقطاب الإدارة الحالية، ودون ذلك ميزان القوة أيضا. غير أن الولايات المتحدة لا تعشق الانفرادية لذاتها، بل تحتفظ لنفسها بحق اللجوء إليها، متى ما تعذر الإجماع حول ما تريد. والحال أن الإجماع قائم حاليا حول ما تعتبره الولايات المتحدة المهمة الملحة، تلك المتمثلة في مواجهة سورية وإخراجها من لبنان، وهو إجماع ليس ما يدعوها إلى إفساده، خصوصا وأن المهمة تلك محترمة ومشروعة، أكثر من سابقتها العراقية على أية حال، يسندها قرار دولي، هو القرار 1559، كما باتت، في أعقاب زيارة بوش الأخيرة، مطلبا يتبناه الاتحاد الأوروبي برمته وبصفته الجماعية هذه. وهو، فوق ذلك، يستند إلى توق شعبي لبناني حقيقي، عبر عن نفسه بوضوح إثر جريمة اغتيال رفيق الحريري، لا يكاد يشذ عنه إلا من ربطته بسورية آصرة من مصلحة أو من إيديولوجيا.

وفي ذلك ما يمثل إنذارا بليغا لمن يهمه الأمر، سواء استمر الإجماع الدولي حول الموضوع اللبناني أو آبت الولايات المتحدة، في معالجته إلى انفراديتها الأثيرة.

(كاتب تونسي)

12:01 Permalink | Comments (0) | Email this