« الديموقراطية بين حدّي الاستبداد والاحتلال | HomePage | إنعقاد القمة... اللاحدث »

26/03/2005

العراق بعد برلمانه الاول منذ 50عاماً

صالح بشير الحياة 2005/03/20

كان يُفترض في يوم الأربعاء الماضي، السادس عشر من آذار (مارس) الجاري، أن يكون تاريخيا بالنسبة إلى العراق، إذ كان موعد انعقاد أول دورة للمجلس الوطني الذي انتُخب أعضاؤه في الثلاثين من كانون الثاني (يناير) الماضي، لأول مرة في اقتراع حر وتعددي، منذ أن أطبقت الديكتاتورية على بلاد الرافدين قبل خمسين سنة.

كان يمكن لتلك الجلسة الأولى، التي اختيرت ذكرى مذبحة حلبجة، في السادس عشر من آذار 1988، موعدا لها، أن تشكل لحظة رمزية فاصلة، وبداية انبجاس السيادة العراقية وقد آلت إلى المواطن-الناخب، منبعاً لها ومُجترِحاً، وأن تمثّل أبلغ آيات التحدي للعنف والإرهاب، ذلك الذي حصد في ذلك اليوم نفسه 13 قتيلا و25 جريحا... غير أن شيئا من ذلك لم يحدث. انعقدت تلك الجلسة الأولى داخل المنطقة الخضراء، تحت حماية قوات الاحتلال وما تيسر من قوات محلية لا تزال قيد الإنشاء لم يشتدّ عودها، يحاصرها العنف فيُحيّد مفعولها أو يلغيه.

لعل ذلك ما يفسر ذلك العزوف، الذي أبدته الولايات المتحدة بشكل خاص، في الاحتفاء بذلك الحدث، علما بأن الأمر يتعلق بانبعاث أول مؤسسة ديموقراطية، أو هكذا يُفترض، منذ إنهاء حكم صدام حسين، ويمثل التسويغ الأخير للحرب التي خاضتها الولايات المتحدة في بلاد الرافدين ضد إرادة العالم، والتي ترددت وتنقلت بين التبريرات، من إزالة أسلحة الدمار الشامل إلى العلاقة المزعومة بين ديكتاتور بغداد وتنظيم «القاعدة»، حتى استقر بها المطاف على «نشر الديموقراطية»، وهو كما هو بيّن، «برنامج» يجمع بين خصلتين لا تتوافران في أية ذريعة سواه: فضفاض إلى أبعد حد، ونبيل بالغ النبل... كأجلى ما تكون الإيديولوجيات.

ليس في ما حدث يوم الأربعاء الماضي ما يستحق الاحتفاء. فالوضع الأمني لم يشهد استتبابا، أو بشائر استتباب، منذ اقتراع الثلاثين من كانون الثاني الماضي وانعقاد أول جلسة للمجلس المُنتخب، أي أن المؤسسات لم تحلّ محل الفوضى المستشرية، على ما هو وظيفة تلك الأولى، أقله نظريا ومن حيث المبدأ، وليس ما يوحي بأنها ستفعل في المستقبل المنظور. كما أن العلاقات بين طوائف العراق وفئاته لا تزال كما كانت قبل الانتخابات، لم يطرأ عليها تغيير يُذكر، بل انها تبلورت في مواقف فئوية ولم تهتد حتى اللحظة إلى جامع وطني مشترك: الشيعة في جنوبهم والأكراد في شمالهم والسنة في اللامكان (سياسيّاً)، هذا إن اكتفينا بالمجموعات الأبرز. وتلك حالة كرستها الانتخابات الأخيرة عوض أن تذللها وتتخطاها، وهذه كانت كتجارب المختبرات: يُنال في آخرها نِتاجُ ما وُضع في مبتدئها. خيضت طائفيا فأفضت إلى كشف لميزان القوة بين الطوائف. فكانت في ذلك الصدد بمثابة الاستفتاء، وخاضها المتنافسون بصفتها تلك فلم يخطئوا في الوقوف على الغاية منها، بعد أن انتفت، عمليا، غايتها الوطنية.

صور تلك الجلسة الأولى إذاً غير صالحة للتسويق، على خلاف الحدث الإنتخابي، وما حفل به من رموز: الأصابع البنفسجية والمنتخبون يتدافعون، نساء ورجالا، شيبا وشبابا، على صناديق الاقتراع، في مشهد رائع لكنه ملتبس، أو هو رائع لأنه ملتبس، يجد فيه كل طرف ضالته، من اعتبره علامة تعبئة طائفية تفرض إرادةً قيد النشوء والتعبير كان له ما أراد، ومن رأى فيه ولادة مواطن ديموقراطي «حديث»، مصداقا على إمكانية نشر الديموقراطية بالحديد والنار، أمكنه ذلك، أقله على صعيد الدعاية.

لكن المشكلة تبقى قائمة، حتى كأن انتخابات كانون الثاني الماضي استهلكت كل مفعولها في لحظتها، أو أن الانتخابات تلك، ونتائجها، تطرح من الأسئلة أكثر مما تحمل من أجوبة. وأول تلك الأسئلة هو التالي: كيف يمكن لمجلس وطني ذي وظيفة تأسيسية، طالما أنه مدعوّ لصياغة الدستور النهائي للعراق، أن يفعل ذلك في غياب إحدى الطوائف الأساسية، أي السنّة؟ كيف سيتمثل هؤلاء بعد أن قاطعوا الانتخابات، طوعاً، لمآخذ لهم عليها، أو قسراً، أي خشية من الإرهابيين؟ هل سيتمثلون من خلال شخصيات من قبيل الشيخ غازي الياور، الذي قد يتولى رئاسة المجلس، وهل في نسبة الأصوات التي حصل عليها الشيخ المذكور في الاقتراع الأخير ما يخوله ذلك؟ أم هل سيشارك السّنة في صياغة الدستور من خارج المجلس، ووفق أية صيغة، ومن خلال أية تمثيلية: بعض من رجال الدين؟ ضرب من ممثلين «طبيعيين» من وجهاء وشيوخ عشائر وما إلى ذلك؟

إذا كان الأمر هكذا، وإذا كان سيتم النكوص نحو مثل تلك المراتب التمثيلية، فما الذي دعا إلى إجراء الانتخابات أصلاً؟ وهل يصح في هذه الحالة الاكتفاء «بمن حضر»؟ لا أحد يدري كيف سيتم تذليل المشكلة السنية، تلك التي استفحلت بفعل الانتخابات الأخيرة، عوض أن تقترب من الحل، إذ أنها بعد أن كانت مشكلة سياسية، أصبحت أيضا مشكلة مؤسسات، بل تهدد بالأزمة «المؤسسة الأم»، ذلك المجلس الوطني المدعو إلى وضع الوثيقة القانونية الأساسية التي سيقوم عليها النصاب العراقي المنشود، أي الدستور. بحيث قد لا يكون من قبيل المبالغة القول إن العراق بات أمام أحد احتمالين: إما وضع دستور، تعتبر إحدى الطوائف العراقية الأساسية أنها في حل من التقيد به، لأنها لم تشارك في صياغته، مما يفقده الوظيفة الإجماعية التي كانت مرجوّة منه، أو إعادة انتخاب المجلس الوطني على نحو يجعله لا يستثني أحدا.

وكل ذلك مما سبق التحذير منه عشية انتخابات كانون الثاني الماضي. حذرت منه شخصيات عراقية سنية رصينة بعضها لم يعد إلى بلاده إلا مع الاحتلال و«مرافقاً» له، ولا سبيل إلى اتهامها بممالأة الإرهاب. لكن الولايات المتحدة، التي صنّمت العملية الانتخابية حتى باتت غاية في ذاتها، أصرت على إجرائها في موعدها، وكذلك قادة الطائفة الشيعية، الذين استعجلوا الأمر، ربما لتحرقهم إلى عيش لحظة ولادتهم كأغلبية سياسية جديدة، من خلال طقس مشهود كذلك المتمثل في فعل الاقتراع. غير أن الوزر الأكبر ربما وقع على الطائفة السنية، تلك التي اختارت «سياسة الكرسي الشاغرة»، فأوغلت بذلك في ضرب من تناقض عضال: تبدي تعاطفا مع عنف تُزعَم له القدرة على دحر المحتل، ويتم من ناحية أخرى استبقاء نفس ذلك المحتل، من خلال الانكفاء عن المشاركة في ما من شأنه أن يرسي استقراراً، تعذّره أفضل الذرائع لدى ذلك المحتل.

الأزمة، إذاً، مطبقة لا تعد بمخرج... فهل في العراق مجتمع مدني خارق للطوائف، قادر على استلهام «انتفاضة الاستقلال اللبنانية»؟

(كاتب تونسي)

11:06 Permalink | Email this

Comments

Congratulations !!! bravo pour le blog, très beau...un commentaire: tu ne te présentes pas !! toujours la meme modestie !!

Si tu veux demander l'autorisation aà Al safir de publier la récenssion de ton livre, nous le publierons avec grand plaisir !!
baci e a presto!!

(j'oubliais: Daniella è dottoressa !!! c'est officiel, je l'ai félicité de ta part et elle était très contente!!!!!!)

Posted by: Catherine | 29/03/2005