« جماعات لبنان "الاستراتيجية" | HomePage | العراق بعد برلمانه الاول منذ 50عاماً »
26/03/2005
الديموقراطية بين حدّي الاستبداد والاحتلال
صالح بشير
المستقبل - الاحد 20 آذار 2005 - العدد 1866 - نوافذ - صفحة 9
هل استفادت المعارضة اللبنانية، في طلبها الانسحاب السوري والسعي إليه، من سطوة الولايات المتحدة في عهدها البوشي هذا، من مناصبة هذه الأخيرة سوريا العداء وإدراجها في محور "الشر"، من محاصرتها شرقاً من قبل قوات الاحتلال في العراق وجنوبا من قبل إسرائيل، من "تواطؤ" دولي ضد دمشق، مثلت باريس طرفاً فيه فاعلاً، وقاطرة لأوروبا، إلى جانب واشنطن؟ ذلك ما لا جدال فيه.
هل يفيد ذلك أن المعارضة اللبنانية تلك، على اختلاف تياراتها واتجاهاتها بل وتعاطفاتها الدولية، إذ استفادت من ذلك العنصر الخارجي وجنّدته لم تكن سوى أداته، سائرة في ركابه، تحوم حولها شبهة "الخيانة" و"الطعن في الظهر"، كما يرى البعض أو يُجزم، وفق سنّة التخوين الأثيرة والراسخة لدى "تقدميّي" العروبة ومناضليها؟ ليس أقل دقة، بل ليس أكثر خطأ من كلام كهذا..
إذ هو قد يقوم على افتراض واهٍ، مفاده أن ليس للبنانيين أسبابهم ودوافعهم الذاتية والوطنية (لمَ لا؟)، تحفزهم على طلب الانعتاق من سطوة القوة الشقيقة، التي سيطرت طويلاً على مناحي حياتهم السياسية والأمنية وسواها، على نحو ما باتوا يطيقونه وضاقوا به ذرعاً، على ما عبروا بوضوح وجلاء، خلال الآونة الأخيرة، منذ جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
بل إن أصحاب ذلك الرأي، إذ ينطلقون في النظر إلى الأمور من اصطفافات استراتيجية دولية وإقليمية لم تعد قائمة، ويتوهمون وجود "فسطاطين" حيث لم يبق فعلياً، أقله وفق المقاييس التقليدية، غير فسطاط واحد، وهو ما يبدو أن القيادة السورية، ممثلة في شخص الرئيس بشار الأسد، فهمته أكثر مما فعل موالون لها كُثر، قد غفلوا (أصحاب الرأي ذاك إياهم) عن أن المعارضة اللبنانية ربما أسدت، في العمق وفي نهاية المطاف، لـ"المحتل" السوري (ناهيك عن لبنان) خدمة جليلة، إذ مكنت الانسحاب السوري، وهذا بات لا مفر منه ولا مناص، من أن يظهر بمظهر الاستجابة لإرادة شعبية لبنانية، غالبة لا شك في رجحانها، لا مجرد انصياع أو إذعان لإملاء خارجي. وذلك ما قد يتخطى، أهمية وفعلا، اعتبارات من قبيل حفظ ماء الوجه.
بل بإمكان المرء أن يذهب إلى أبعد من ذلك، أي إلى أبعد من الحالة اللبنانية ـ السورية في ذاتها، ليزعم بأن اللبنانيين ربما اجترحوا، على نطاق عربي، الطريقة الأفضل في التعاطي مع مطالب الإصلاح وإرساء الديمقراطية كما يطرحها العالم الخارجي، وخصوصاً الإدارة البوشية الراهنة، في كنف ميزان قوة معلومة مواصفاته تُغني عن كل إسهاب.
فالولايات المتحدة جادة في ما تدعو إليه، وتمتلك أسباب إنفاذه، مع علمنا بأنها لا تفعل ذلك، ضرورة ولزاماً، من أجل سواد عيون الديمقراطية ورغبة في نشرها وبأن الدعوة تلك ليست أكثر من إيديولوجيتها الإمبراطورية. وهي لذلك تضع الشرق الأوسط، كبيراً كان أم صغيراً، أمام أحد احتمالين (أحدهما هو ذلك الذي ابتدعه لبنان): إما الركون إلى ممانعةٍ، تمثل الحالة العراقية نموذجها الناجز، واجهتها الولايات المتحدة بالطريقة التي نعلم، أي حربا جاءت بالقوات الأميركية إلى المنطقة، فأربكت نصابها ووضعت بلاد الرافدين على شفير الحرب الأهلية، ولم تفلح في إقرار الأمن ولا في إرساء الديمقراطية ولا هي أتت ما يبشر بذلك حتى الآن بالرغم من أن الاحتلال بات يناهز السنتين وبالرغم من إجراء الانتخابات الأخيرة. وإما أن تصبح مطالب الإصلاح والديمقراطية مطلباً داخلياً يستند إلى قوة شعبية محلية ترفعه وترفده (ولا ينحصر في نخبٍ ضيقة تحوم حولها شبه الارتهان للأجنبي)، وإن من خلال إصرار سيادي ليس موجهاً ضد الولايات المتحدة بقدر ما يلتقي، استراتيجياً أو تكتيكياً لا فارق في هذه الحالة، مع ما تريده واشنطن وتدعو إليه، وذلك هو الأنموذج اللبناني.
مزية هذا الأنموذج الأخير أنه ينتزع من الولايات المتحدة مبادرة السعي الديمقراطي، أو هو لا يتركها تنفرد به مطالَبة وتستأثر به إنجازاً. وهو لذلك قد يكون الأقدر على درء التدخلات الأجنبية، أقله في أكثر صيغها عسكرية وعدوانية وفجاجة، كما أنه قد يمثل حصانة للديمقراطية المنشودة والتي يُراد بناؤها. إذ أن صدور هذه الأخيرة عن إرادة شعبية لها من العنفوان ما أبدته تلك اللبنانية، لا عن فعل احتلال أجنبي أو إرغام خارجي سافر، قد يكون من عوامل تحصين السيادة الوطنية، أو على الأقل من عوامل ترجيح الاعتبارات الداخلية على تلك الخارجية، نفوذاً ومصالح. فصدور المطلب الديمقراطي عن إرادة شعبية، محلية، قوية وصريحة، وامتلاك زمام المبادرة به على ذلك النحو، هو ما قد يوفر بعض أسباب الاحتماء في وجه القوى الخارجية، ما عاد ميزان القوة، سواء كانت تلك القوة ذاتية (وهذه لم تكن يوما من سمات دول العرب وبلدانهم) أو مستعارة من الاندراج في نصاب استراتيجي بعينه، قادراً على توفيرها.
وهكذا، ربما مثلت الحالة اللبنانية النموذج الذي تنشده الشعوب العربية، ومن هنا أهميته التي تتخطى بكثير حدود ذلك البلد الصغير. فالنموذج ذاك، إذ يقوم على مواكبة ضغط العالم الخارجي باتجاه الديمقراطية والإصلاح، عوض الاكتفاء بممانعة عقيمة لا تدرأ عدواناً ولا هي قادرة على مواجهته إلا على نحو ما يفعل إرهابيو "القاعدة" وأبي مصعب الزرقاوي، مع ما لذلك ما نتائج كارثية معلومة، هو ما من شأنه أن يمكننا من الاندراج في العالم وفق أقل الشروط إجحافاً وفداحة.
خلاصة القول: إما "دمقرطة" على الطريقة العراقية، تفدنا بواسطة الدبابات الأميركية، وإما دمقرطة كتلك التي يقترحها علينا المتظاهرون اللبنانيون... ونحن مدينون لهؤلاء إذ ابتدعوا لنا هذا الاحتمال في زمن ضيق الاحتمالات وانسداد الآفاق، ومراوحتها بين الإقامة على استبداد يزعم حماية الأوطان، واحتلال يدعي خلاصنا وانعتاقنا.
11:05 Permalink | Email this


